Define your generation here. Generation What

أسئلة حول الحركة الطلابية اليوم

رغم الركود المتزايد في الجامعة، وانعدام أى حراك طلابي مؤثر شكلًا أو مضمونًا، إلا أن القبضة الأمنية لدولة الثورة المضادة على الجامعات لا تزال تشتد يومًا بعد يوم.

رأينا هذا في اعتقال العديد من الطلاب من منازلهم فى طول البلاد وعرضها، مثل الزميل جمال عبد الحكيم المحكوم عليه مؤخرًا عليه بسنتين سجن.

ولكن إذا كل هذا الركود والضعف يصيبان الحركة الطلابية، فلماذا تستعر مواجهة الثورة المضادة لها، فتعمل على اعتقال أي طالب لديه خلفية سياسية أو نشاط سياسي سابق داخل الجامعة؟

يمكننا فهم سُعار دولة السيسي وممثليها من عمداء الكليات ورؤساء الجامعات، لقمع الحركة الطلابية والقضاء عليها نهائيًا، في حالة لم نفصله عن السياق العام لقمع الحركة الاجتماعية الثورية بالأساس في مصر، وبالتوازي مع رؤية الدولة لمفهوم «الشباب» التابع لها.

تعادي الدولة الحالية الحراك الطلابي لمنع أي خلل في تشابك العلاقات والمصالح بين الطبقة الحاكمة المحلية ونظيرتها العالمية، خاصة مع إدراك الارتباط الوثيق و«التاريخي» للحركة الطلابية المصرية بقضايا مناهضة التبعية والتطبيع.

تعلم دولة الثورة المضادة جيدًا حجم الدور الذي قد تقوم به الحركة الطلابية المصرية إن انتُشلت من الركود الذي أصابها وضُخّت الدماء فيها مجددًا، لذا فهي ترى تصفية الحركة الطلابية أمرًا ضروريًا للسيطرة التامة على الجامعة الحيلولة دون استقلالها، وضمان عدم بعث الحياة فيها من جديد.

والسؤال هنا: كيف يجري إحياء الحركة الطلابية؟

وللإجابة يجب أولًا، وبشكل نظري بالأساس، العرض لمسار الحركة الطلابية المصرية منذ ثورة 25 يناير 2011، وقبلها وبعدها.

الطلاب في كنف الثورة

لا يمكن بالطبع سرد كافة المعارك التي خاضتها الحركة الطلابية بعد ثورة يناير 2011، لكن تكفي الإشارة إلى بعض الأحداث التي تُستشف منها منحنيات الصعود والهبوط للحركة الطلابية، ولعل بدايتها كان طرد الحرس الجامعي أثناء الفصل الدراسي الثانى للعام 2010-2011، فيما قد يُعد تنفيذًا لحكم القضاء الإداري في هذا الأمر، وتتويجًا لنضالات الطلاب قبل الثورة ولسنوات ضد أدوات للدولة العقابية تهدف للعسف باستقلال الجامعات، سواء في شكل الحرس الجامعي، أو قضية اللائحة الطلابية لسنة 1979 والمعروفة باسم «لائحة أمن الدولة»، فضلًا عن مواجهة سياسات دولة مبارك الداخلية والخارجية والاحتجاجات العارمة ضد حرب «عاصفة الصحراء» في 1991، وتأييدًا للانتفاضة الفلسطينية الثانية في 2002، وضد احتلال العراق في 2003، وحصار غزة في 2007-2008.

صحيح أن طرد الحرس الجامعي حدث بأثر رجعي، أي أنه نفّذ، وبقوة الفعل، حكم القضاء الإداري بطرد الحرس الجامعي الصادر قبل الثورة بعدها، إلا أنه كان يبشر بنمو الحركة الطلابية لاحقًا.

وفي بداية أكتوبر 2011 شهدت جامعة الإسكندرية اعتصامًا طلابيًا أمام المبنى الإداري للجامعة استمر لمدة عشرة أيام، للمطالبة بإقالة هند حنفي رئيس الجامعة وعضو الحزب الوطني المنحل، وللمطالبة بأن يكون تولي كافة المناصب الإدارية فى الجامعة عن طريق الانتخاب، والذي يشارك فيه طلبة الجامعة وعمالها.

ولكن الأمر لم ينته سوى لإقالة رئيس الجامعة هند حنفي، واختيار أعضاء هيئة التدريس لأسامة إبراهيم بدلًا منها.

تحقيق مكسب واحد مثل إقالة هند حنفي حينها، كان كفيلًا برسم ملامح الحركة الطلابية على مدار العام الدراسي 2011-2012، بينما رزحت البلاد تحت حكم المجلس العسكري، فانطلاق المظاهرات خارج أسوار الجامعة، سواء فى القاهرة أو الإسكندرية، وقت ملحمة محمد محمود وأحداث مديرية الأمن في الإسكندرية مثلًا، بالإضافة لأحداث مجلس الوزراء، ومجزرة بورسعيد، صار أمرًا طبيعيًا، على قدر ما كان شعار «يسقط حكم العسكر» يهز ساحات الجامعة.

كانت الجامعة حينها ساحة لسجالات الثورة، وأهازيجها، وأغانيها ومعارض اللوحات والفعاليات المتكررة على مدار الأسبوع، مع تمتعها باستقلال «نسبي» و«شكلي» لدرجة كبيرة، كما يمكن أن يوصف هذا الاستقلال اليوم.

ولكن عندما وصل محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين لسدة الحكم، انقسمت الحركة الطلابية لقسمين؛ طلاب الجماعة (طلاب النظام كما كانوا يوصفون وقتها) وطلاب التيارات المدنية والثورية الأُخرى. ورغم أن هذا الانقسام كانت له أسباب موضوعية ومعينة بذاتها، إلا أنه لم يمنع قيام التنسيق المشترك حول تنظيم يوم للاحتجاج في أبريل 2013، فيما عُرف بـ «يوم حق الطالب فين؟»، بنفس المطالب والحقوق الطلابية، الجديدة والقديمة.

أسباب التراجع والانحسار

السؤال الذي يجب طرحه اليوم إذن: ما الخطأ الذي ارتكبته الحركة الطلابية المصرية بكافة توجهاتها كي لا تُبنى حركة طلابية قاعدية قادرة على الصمود؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب تفكيك شعار «الطالب هو الحل»، ذلك الشعار الذي كان البعض يطرحونه بطفولية كبيرة خلال السنوات السابقة، فالطلبة بوجه عام، وفى أي مكان في العالم، ليسوا طبقة اجتماعية لها كوادرها وقواعدها الشعبية كي تقود عملية تغيير اجتماعي وطبقي من الألف إلى الياء، بقدر ما هي مجموعة من المثقفين والمتعلمين من مختلف الطبقات في المجتمع. وفي نفس الوقت فهذا لا يعني عدم تأثرهم بمجريات الصراع الاجتماعي والسياسي خارج أسوار الجامعة، وإمكانية تأثيرهم فيها، وانتفاضة الطلبة والعمال فى 1946، أو انتفاضة باريس في 1968 (بكل تناقضاتها) خير ما يوضح هذا.

يتلخص الخطأ الذي تسبب في التراجع والانحسار في غياب رؤية واضحة المعالم، كان من المفترض أن تصوغها الحركة الطلابية في فترة ما بعد 3 يوليو 2013، وتقوم على تعرية كوارث نظام الحكم العسكري والطبقي القائم، مع عدم الفصل بين ما هو طلابي بحت، مثل مجانية التعليم وتطويره والحريات السياسية داخل الجامعة، وبين قضايا الصراع الاجتماعي والسياسي العامة، من أجل تكوين قاعدة طلابية قوية على الأرض في كافة الجامعات.

ونتيجة لغياب هذه الاستراتيجية، فقد استمررنا-بميكانيكية جامدة- في خانة رد الفعل على كل ما ينتهجه النظام الحاكم للثورة المضادة من قمع للحركة الطلابية، سواء بفرض لائحة طلابية تتوافق ورؤيته العامة لإدارة الحكم أو بحلَّ اتحاد طلاب مصر، وانتهاء باعتقال الطلاب من منازلهم، رغم كافة المحاولات السابقة للعمل الجبهوي والمنسق ما بين 2013 و 2014. كما أن غياب استراتيجية عامة للحركة الطلابية، هو عين ما أتاح للسيسي ونظامه، فضلًا عن القوة المادية القمعية للنظام من قضاء وداخلية وإعلام، النجاح في إيصال الجامعة لحالة الركود والشلل الحالي التي هي عليها اليوم، بحيث صارت المطالبة بالإفراج عن الطلبة المعتقلين، أشبه بحلاوة روح الذبيحة ليس إلا.

صحيح أن الحركة الطلابية، لديها من التاريخ ومن المعارك التي خاضتها والتجارب التي مرّت بها سابقًا، إلا أنها في عصر ما بعد ثورات الربيع العربي لا تزال فى مرحلة التكوين ولم تتبلور لها أية صورة بعد، وهي كسائر الحركات الطلابية الأُخرى في العالم، تسير في خط مواز لمجريات الصراع الاجتماعي وتناقضاته المختلفة، ما سينعكس مستقبلًا على الحركة الطلابية المصرية من ناحية تطورها وبلورة أساليب جديدة للنضال المنظم.

وهنا يأتي الدور لسؤال جديد: كيف، وبم، تبدأ الحركة الطلابية في مسارها المستقبلي ذاك؟

أية استراتيجية مطلوبة اليوم؟

«وبجانب اهتمامها بالديمقراطية، فمن المرجح خلال السنوات القادمة، أن تحتفظ الحركة الطلابية المصرية ببعدها الوطني المعادي لإسرائيل والولايات المتحدة. ولكن هذه المرة، ربما تأخذ الوطنية تعريفًا أوسع لتشمل رأيًا في طريقة حصول مصر على لقمة عيشها وبقائها في العالم المعاصر. ففي إطار العالم الثالث المكبل بقيود المديونية وصندوق النقد الدولي، ليس من المبالغة أن نتوقع أداء أكثر حيوية ونشاطًا للحركة الطلابية المصرية في العقد القادم».  

أحمد عبد الله، من كتابه «الطلبة والسياسة».

بالقطع، مع اختلاف الظرف الزمني والموضوعي بين اليوم وعقد التسعينيات المشار إليه في كتاب أحمد عبد الله، مع كل ما مرّ به ذلك العقد من تعرجات وتحولات من ناحية الصراعات الاجتماعية والسياسية في مصر، وسياسة الخصخصة وغيرها من سياسات دولة مبارك، إلا أن ما يجب أن تركز الحركة الطلابية المصرية نضالها ضده يبقى كما هو، إن لم تكن اشتدت ضرورة هذا الأمر اليوم، في ظل حرب إمبريالية دولية، سواء بالوكالة أو بالتعاون العلني مع الرجعيات الملكية والعسكرية الطبقية ضد ثورات شعوب المنطقة، التي هي في القلب من العالم الثالث المُكبَّل بـ «قيود صندوق النقد الدولي».

ولكن هل الاحتجاج ضد صندوق النقد الدولي وخطته الحالية داخل الجامعة سيكون على درجة من الأهمية لجذب اهتمام باقي الطلبة؟

لن يحدث هذا إذا لم يجر الربط بين تأثير سياسات صندوق النقد على الجانب الاقتصادي للمجتمع من فقر وغلاء مستفحل في أسعار ضروريات الحياة الأساسية وانخفاض في قيمة العملة، وبين قضية مجانية التعليم والخصخصة التدريجية التي تجري في الجامعات، حتى صارت الجامعات أشبه بمؤسسة استثمارية لا يهمها سوى الربح فقط؛ تُحجب نتيجة امتحانك إذا لم تدفع المصروفات الدراسية، التي لا تستند سوى لقوة السلطة فقط، وحكم قضية مجانية التعليم الخاصة بالشهيد الحسيني أبو ضيف خير ما يؤكد على هذا.

لا يزال الطلبة اليوم، وغالبيتهم ينتمون للطبقات الكادحة المكبلة ببرامج تنمية صندوق النقد، واقعين تحت رحمة المصروفات الدراسية، وحتى مع تخرجهم، فسيقعون تحت طائلة أداة نهب واستغلال شعوب العالم الثالث.

ليس من المبالغة أو المثالية إذن وضع مبدأ «مناهضة صندوق النقد الدولي» ضمن أولويات النضال الجامعي، وغير الجامعي بالطبع، ضد الحكم العسكري/ الطبقي. فمناهضة الطلاب لعولمة صندوق النقد في أي بلد في عالم القرن الحادي والعشرين، ليس بالأمر المستحدث أو البدعة الضالة.

للتأكيد على أمر كهذا تتوجب المقارنة بين حركات الاحتجاج الطلابي فى بعض مناطق العالم الثالث وعلى النقيض منها فى الدول الغربية «المتقدمة»، فإن كانت الاحتجاجات في دول العالم الثالث تبدأ ضد مناهضة خصخصة التعليم وتسليعه انتهاء بصندوق النقد الدولي، فإن الاحتجاجات في دول العالم الأول تبدأ من صندوق النقد الدولي مباشرة.

نأتي هنا لنقطة أخرى ترتبط بصندوق النقد الدولي ارتباطًا عضويًا وثيقًا، ولا تقل عنها أهمية أو خطورة بل تزيد، وهى مناهضة معادلة التبعية والتطبيع مع الكيان الصهيوني لدى النظام الحاكم.

في السياق الحالي لحرب الثورة المضادة العالمية على المنطقة، بحجة الحرب على الإرهاب، تبرز أهمية مناهضة تلك المعادلة.

يجب أولًا التأكيد على ما قاله الراحل أحمد عبد الله عن طبيعة الحركة الطلابية في مناهضة سياسات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وما أكثر الشواهد المؤكدة على هذا، بداية من الحديث عن أزمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لمملكة البترودولار السعودية، وهو ما أصبح واضحًا كونه خطوة من خطوات تقديم الولاء الكيان الصهيوني وتوسيع عملية التطبيع بشكل غير مسبوق، وهو ما لا ينفصل عن قمة الرياض بين ترامب والسيسي وسلمان، والتي كانت مجرد صفقة كبيرة للأسلحة بقيمة 350 مليار دولار لاستهلاكها في وهم «الحرب على الإرهاب»، ثم أخيرًا ما يعرف باسم «صفقة القرن».

إذن، الحديث عن مناهضة كامب ديفيد والمعونة الأمريكية داخل ساحات الجامعة اليوم، ليس بالأمر الطفولي كما لا يرتد للشعارات القومية والدعاية الوطنية الزائفة، بل وفقًا لهذه المعطيات الداخلية والخارجية المتشابكة.

كما أنه أمر يمتد لمسألة الحريات الاجتماعية والسياسية داخل الجامعة، فعملية التطبيع الثقافي مع المنظمات الأورومتوسطية، وفى ضمنها إسرائيل، يقوم بها أساتذة جامعيون لا يجدون أي مانع من التطبيع مع الكيان الصهيوني تحت مسميات مثل «التعايش السلمي» و«تبادل الثقافات بين الشعوب»، وهم ذات الأساتذة الجامعيين الذين لا يحبون سماع أي صوت للطلاب، وألا تكون هناك لائحة طلابية حرة يصوغها الطلاب بأنفسهم، تعمل على إعطاء الطلاب حق انتخاب أعضاء هيئة التدريس فى المناصب الإدارية في الجامعة وتطبيق المجانية بشكل حقيقي، وتطوير التعليم بشكل جذري واستبيان ميزانية تطوير التعليم الجامعي السنوية وحرية التجمع السياسي والفكري والثقافي داخل أسوار الجامعة، كي لا  يكون قاصرًا على اتحاد الطلبة والأسر، وحرية نشر المجلات والدوريات الطلابية المختلفة.

هذا هو عين ما لا يريد السيسي حدوثه اليوم، جامعة تقوم في استقلالها على هذا الأساس أو جامعة تناضل لتصبح هكذا، جامعة تناضل، ليس ضد النظام بواجهته الرئيسية فقط، بل أيضًا ضد ركائز النظام الحالي، المترابطة داخليًا وخارجيًا وتعمل على استمراره، والمستندة على معادلة التبعية والتطبيع بشكل رئيسي.

دعوة للتفكير والعمل..لا للانتحار

يجب هنا توضيح أن كل حرف مكتوب أعلاه ليس بتوجيه أو إملاء، بقدر ما هو مجموعة من التصورات والأفكار التي تشغل البال في كل دقيقة في اليوم، أطرحها على كل طالب تمرّس بالعمل السياسي داخل الجامعة ما بعد ثورة يناير 2011، ولا هو دعوة طائشة للترويج لأفعال طفولية بلا ناتج أو طائل من ورائها، وإنما هي مجرد دعوة للتفكير المشترك بين الجميع للخروج من دائرة الانهزامية والإحباط والعزوف عن مجرد المحاولة. فكم من الطلبة يُعتقلون أو يُفصلون من الجامعة اليوم دون وجود أي عمل نضالي داخل الجامعة بسبب القمع الممنهج.

نحن اليوم، كطلاب من العالم الثالث في الشرق الأوسط، ساحة الحرب الإمبريالية الجديدة، وتقع علينا مهمة تاريخية غاية في الخطورة في ظل ما يحدث حولنا في العالم وفي القطر الذي نعيش فيه، مهمة يجب علينا إدراكها جيدًا أولًا قبل أي شيء، والاشتراك، لأجل تنفيذها، في البحث عن وسائل الاشتباك والتكتيكات المطلوبة والعمل المنظم، لأجل مواجهة الركائز الداخلية والخارجية التي يستند عليها النظام العسكري والطبقي الحاكم، كما أنها ليست نزهة أو رحلة، فالضريبة التي ستنتج عن هذا ثقيلة بالطبع ويجب الوعي بها.

لكن على أية أرضية نقف وأية قضايا نطرحها بشكل علني من أجل الاستمرار والمقاومة؟

هذا هو سؤالي الأخير، وإجابته في عقولنا جميعا يا رفاق!

حطّموا الأصنام فلن تبقى القيود أبد الدهر!

اعلان
 
 
محمود الشريف