Define your generation here. Generation What

ظاهرة العقل الفولكلوري في السياسة

إذا كانت للدولة العميقة في مصر أساطيرها المؤسسة مثل المؤامرة العالمية والشعب الكسول وأزمة الأخلاق والحاجة الدائمة للفرعون، فهي لم تكف يومًا عن إنتاج «القصص الفولكلورية»، والتي تقدم زادًا يوميًا، أو شبه يومي، للعقل الجماهيري الشعبوي، وذلك بهدف تعبئة الأنصار حولها في الصراع مع منافسيها، سواء كان هؤلاء المنافسون من دعاة التحول الديمقراطي، أو كانوا من تنظيمات الإسلام السياسي، أو كانوا مجرد منافسين على السلطة من داخل صفوف الدولة نفسها.

ولا يباري الدولة المصرية العميقة في إنتاج هذا النوع من القصص سوى جماعة «الإخوان المسلمين»، مثل قولهم إن الرسول «صلعم» والصحابة جاؤوا لمشاركتهم صلاة الفجر أثناء اعتصامهم بميدان رابعة العدوية، وقدموا الرئيس المعزول محمد مرسي لإمامتهم في الصلاة. وأن الملاك جبريل كان يتنزل عليهم ليحثهم على الصمود ويبشرهم بالنصر، ومن قبل، مثل قولهم إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرر اعتقال قادتهم في عام 1966 بأوامر من الاتحاد السوفييتي، وأنه أعلن هذا القرار على سلالم قصر الكرملين في موسكو.. إلخ.

ومثلما تتشابه الدولة العميقة مع جماعة «الإخوان المسلمين» في إنتاج هذه الفولكلوريات، فإنهما يتشابهان أيضًا في عدم توقف أنصار الطرفين، ولو لمرة واحدة، ولو على سبيل الاستثناء، مع أنفسهم لمراجعة طريقتهم في التفكير وفي التأييد، بعد أن يتبيّن أن كل ما قيل لهم، وصدقوه ورددوه، ليس فيه ظل من الحقيقة، بل إنهم ينتقلون من قصة لغيرها بمنتهى السهولة، وبالدرجة نفسها من الحماس المتقد والبهجة العارمة.

لنستعرض الآن بعض هذه الفولكلوريات التي أنتجتها الدولة العميقة أو أنصارها في السنوات الأخيرة، بعد أن استعرضنا آنفًا جانبًا من القصص الفولكلوري لأنصار جماعة الإخوان، لنجد أنها تفوق الحصر.

ما هي إلا أيام من تنحي حسني مبارك يوم 11 فبراير 2011 ، حتى ظهرت أسطورة الطرف الثالث أو الطرف المجهول الذي يرتكب الجرائم ضد شباب الثورة، والمنشآت العامة كذلك، ثم أسطورة دخول أعضاء من حركة حماس الفلسطينية ومن حزب الله اللبناني لاقتحام السجون وإطلاق سراح المسجونين السياسيين والجنائيين، ثم أسطورة المخطط الهادف لهدم الدولة المصرية، دون تحديد رسمي ومحقق وقطعي ومعلن للأطراف الضالعة تخطيطًا وتنفيذًا.

ومع احتدام الصراع، إثر عزل الرئيس الإخواني وفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وإقصاء بقية شركاء الدولة العميقة في تحالف 30 يونيو لإسقاط حكم الإخوان، أخذت الفولكلوريات، التي تقدم زادًا يوميًا لتعبئة العقل الشعبوي وراء السلطوية المتجددة، تترى ويأخذ بعضها بذيل بعض، لتترسخ مثل المواويل والسير الشعبية.

ففي الوقت الذي ظل فيه العزف مستمرًا على وتر المخطط الشرير لهدم الدولة، نُسب لهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية أنها اعترفت في مذكراتها بالتآمر مع الرئيس الإخواني وجماعته لبيع سيناء للفلسطينيين، وأن الولايات المتحدة كانت ضالعة في التخطيط لإسقاط حكم مبارك، والمجيء بجماعة الإخوان إلى السلطة في مصر من أجل هذا الهدف بالذات.

ورغم أن أي صاحب خبرة بسيطة في العلاقات الدولية، وفي السياسة الأمريكية، يعرف أنه من المستحيل على أي مسؤول أمريكي أن يسطر مثل هذه الاعترافات في كتاب، خاصة بعد خروجه من المنصب مباشرة. ورغم أن نصوص كتاب هيلاري كلينتون لا تحتوي على أية إشارة، من قريب أو بعيد، لمثل هذه المؤامرة أو لغيرها، ورغم أن كثيرين نشروا النص الحقيقي لما ورد في الكتاب حول مصر من يناير 2011 إلى يوليو 2013، فإن الأسطورة ظلت حية، بل لا تزال تتردد إلى يومنا هذا، وعلى ألسن مواطنين يحملون أعلى الشهادات، ويرتادون أرقى المنتديات، وإذا حدث وسألت أحدهم: هل قرأت الكتاب بنفسك؟ يجيبك على الفور: هذا شيء معروف ومشهور!

كان يلزم بالطبع لأسطورة مؤامرة هيلاري ورئيسها أوباما، بعض «التحابيش»، فسمعنا من يردّد أكذوبة أسر قائد الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط لإحباط غزو كان مقررًا لمصر، وذلك لإعادة حكم جماعة الإخوان، وأن القيادة المصرية أجبرت البيت الأبيض على وقف خطة الغزو مقابل عدم إعلان نبأ أسر القائد البحري الأمريكي، مع إطلاق سراحه بعد ابتعاد قطع الأسطول السادس عن مياهنا.

كل هذه القصص، وأكثر، تتردد وتترسخ، ولا تزال مترسخة رغم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سبق له أن صرح لصحيفة «وول ستريت جورنال» في ذلك الوقت بأنه كان على اتصال يومي بوزير الدفاع الأمريكي، عندما كان السيسي نفسه وزيرًا لدفاع مصر في تلك الأثناء، في تأكيد لما هو مؤكد أصلًا من عمق واتساع العلاقات بين المؤسستين العسكريتين المصرية والأمريكية، منذ أنهت مصر تحالفها الاستراتيجي مع الاتحاد السوفييتي السابق في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وتحوّلت إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في أفغانستان والقرن الأفريقي، وسلمت 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط لواشنطن، التي نصبتها كل من مصر وإسرائيل ضامنًا لاتفاقية السلام بينهما، وحَكَمًا في كل الخلافات القديمة والمستجدة بين البلدين.

ويبدو أن أسطورة الغزو الأمريكي لمصر (والذي جرى إحباطه) بهدف إعادة حكم الإخوان، قد اختُلقت لترويج أسطورة أُخرى مترتبة عليها، رغم عدم احتياج الرئيس السيسي (وقتها على الأقل) إلى مثلها. ونقصد أسطورة أن الرجل حمل روحه على كفه لإنقاذ مصر من حكم الإخوان، وأنه كان بوسعه أن يوفر على نفسه هذه «المغامرة»، غير مأمونة العواقب على حياته الشخصية، مستمتعًا بمنصب وزير الدفاع، الأهم على الاطلاق بعد منصب رئيس الجمهورية، كما يقول منتجو ومروجو هذه الأسطورة الجديدة.

ولكن ما دام معروفًا للجميع أن الإخوان لا يملكون تشكيلات عسكرية مسلحة تسليحًا ثقيلًا، فإن القول بإن وزير الدفاع كان «يضع رأسه على كفه»، عندما قرر الانحياز لمطالب جماهير 30 يونيو بإسقاط حكم الجماعة، قد لا يكون مقنعًا للكثيرين، وعليه يكون الرجل قد فعل ذلك في مواجهة غزو أمريكي كان مؤكدًا، لولا أسر قائد الأسطول السادس، حسب تلك الرواية.

وبالطبع، فإن نفي قدرة الإخوان على مجرد التفكير في مواجهة القوات المسلحة المصرية، لا يعني تبرئتهم نهائيًا من نيّة استخدام العنف، أو التهديد به أو الإقدام عليه بالفعل. ولكن هذا يبقى في اطار ما اعتادوا عليه، هم وحلفاءهم، من عمليات إرهابية واغتيالات سياسية. وهي كلها، رغم ضجيجها الإعلامي وإرباكها للمشهد السياسي، فضلًا عن ضرورة إدانتها أخلاقيًا ووطنيًا، لا ، ولم ولن، تغير موازين القوى الداخلية لمصلحتهم.

فإذا أضفنا إلى ذلك التأييد الشعبي الكاسح لما اتُخذ ضد جماعة الإخوان من إجراءات بعد 30 يونيو 2013، وللسيسي شخصيًا، لما وجدنا أي مبرر لهذا الادعاء الأسطوري بأن الرجل كان يضع رأسه على كفه حين أقدم على إسقاط الحكم الإخواني، ومع ذلك فقد تحول هذا الادعاء إلى فولكولور لا يزال يُستخدم ضد كل انتقاد لهذا القرار أو ذاك من قرارات رئيس الجمهورية، أو لهذه السياسة أو تلك.

لهذا السبب نفسه، أي عدم قدرة جماعة الإخوان أو أي من حلفائها، على مواجهة القوات المسلحة، يتبدى الطابع الأسطوري أو الفولكلوري للقول بأن السيسي أنقذ مصر من حرب أهلية، كتلك التي نشبت في سوريا وليبيا واليمن. وهذا من أسباب اعتزاز جميع الفرقاء السياسيين في مصر بقواتهم المسلحة، وحرصهم على وحدتها، ذلك أن الحرب الأهلية لاتنشأ الا بانقسام الجيوش، أو بوجود قوة مسلحة تسليحًا ثقيلًا خارجة على الشرعية. ومرة أخرى ننبه الى أن الحرب الأهلية شيء، والإرهاب شئ آخر تمامًا، كما ننبه أيضًا إلى أن النظام الجديد لم يكن في حاجة إلى استمداد شرعيته السياسية من مثل هذه الفولكلوريات.

وبعد أن استتب الوضع سياسيًا، وانحسر الإرهاب نسبيًا في المدن المصرية الكبرى، ليتركز في سيناء، وجدنا الأساطير أو القصص الفولكلورية تدور حول المواجهة في شبه الجزيرة السيناوية.

مثلًا، وفي غيبة أية بيانات رسمية، راجت قصة اقتحام جبل الحلال، وأسر ضباط مخابرات من كافة دول العالم تقريبًا، بما فيها ألمانيا وبريطانيا، فضلًا بالطبع عن إسرائيل والولايات المتحدة، وبحوزتهم مبلغ 600 مليار دولار. ولمزيد من الدراما، فقد فُسّرت زيارات روتينية لمسؤولين كبار من هذه الدول للقاهرة، في ذلك الوقت، بأنها جرت لاسترحام الرئيس السيسي كي لا يفضح بلدانهم!

أما عندما تفجّرت أزمة جزيرتي تيران وصنافير بسبب رفض الرأي العام لتسليمهما إلى المملكة السعودية، وبسبب الطابع المفاجئ لإعلان الاتفاق، فقد راجت قصة فولكورية جديدة تتحدث عن مخطط مصري بالغ الدهاء، مضمونه إخراج الجزيرتين من قيود اتفاقية السلام مع إسرائيل بوضعهما تحت السيادة السعودية، وذلك لنصب صواريخ عليهما بإمكانها الوصول إلى أي مكان في الشرق الأوسط وحوله.

ثم نُسب لرئيس وهمي سابق للمخابرات البريطانية نداء موجه للرئيس المصري عبر قناة تليفزيونية وهمية هي الأخرى، بعنوان «نداء من جنرال إلى جنرال» يتكرر فيه استرحام الدول الكبرى لمصر بألا تدمر مصالحها في المنطقة بهذه النقلة الاستراتيجية بالغة الدهاء على جزيرتي تيران وصنافير.

كل ذلك رغم أن البيانات الرسمية من القاهرة والرياض وتل أبيب وواشنطن تؤكد أن إسرائيل كانت طرفًا في اتفاقية تسليم الجزيرتين، وأنها حصلت على تعهد سعودي مكتوب يفيد بخضوع تيران وصنافير بعد تسلمهما لجميع القيود الأمنية والعسكرية المقررة في الاتفاقية المصرية الإسرائيلية. إلا أن العقل الفولكلوري يبقى معتزًا ومستمسكًا بمنطقه الخاص، فلا أحد من المشاركين في هذا الفولكلور يتوقف ليراجع نفسه بعد أن تكذّب الحقائق مسلّماته.

وحتى ساعة كتابة هذه السطور، كانت الفولكلوريات تتوالى، فاختُرعت قصة أسر سفينة حربية تركية كانت تهرّب أسلحة وإرهابيين، ثم اختُرعت قصة أسر ضباط مخابرات أتراك (بملابسهم العسكرية!) في عمق سيناء، وكانت أحدث هذه الفولكلوريات توظيف براعة لاعب كرة القدم محمد صلاح، عبر نسبة تصريح إليه يقول فيه إن «ما تحققه العملية العسكرية الحالية في سيناء أروع من أروع أهدافه الكروية».

بعد هذا الاستعراض، هل من تفسير لظاهرة ملئ الفراغات العقلية في الجانب الشعبوي للحياة السياسة المصرية حاليًا بهذا النوع من الفولكلوريات؟

لا أدعي امتلاك تفسير شامل، فتلك مهمة علماء النفس الاجتماعي بالدرجة الأولى، خاصة أولئك المتمرسين منهم في البحوث الميدانية، ولكني بإمكاني رؤية الخطورة البالغة للاعتماد على هذه الطريقة الهيستيرية في اصطناع الانتصار في المناقشات السياسية، وفي حشد التأييد أو الاصطفاف، ذلك أنها تقيم عالمًا من الأوهام، تغيب فيه الأسباب الرشيدة للتأييد، والأسباب الموضوعية للمعارضة، وتتحول الحياة السياسية بمقتضاه إلى بضاعة أتلفها الهوى، وزيف المغرضون عُملاتها.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد