Define your generation here. Generation What
«سبوتيفاي» و«أنغامي»، وخدمات بث الأغاني: الفردوس المفقود أم إسكان عشوائي
عن كيفية عمل هذه البرامج وما تفعله في صناعة الموسيقى، من الناحية المالية والإبداعية
 
 
 

أعلنت شركة «سبوتيفاي» يناير الماضي طرح أسهمها في الأسواق لتتحول إلى شركة مساهمة. مقدَّر أن تتم الخطوة خلال النصف الأول من العام الحالي (إذا لم يحدث أي تأجيل). وتقدر ميزانية «سبوتيفاي» بـ20 مليار دولار، بتوقع أن تصل خلال عام واحد إلى 100 مليار دولار، لتبلغ  200 مليار دولار عام 2020.

والذي لا يعرف أهمية هذا الخبر أو كيف سيؤثر على السوق الموسيقي فأحب أن أطمأنه، فأنا كاتب هذه السطور لا أفهم أهمية ذلك أيضًا، ولكن بسبب كوني «مسحولًا» وراء محاولة فهم بعض المصطلحات الاقتصادية، ومأخوذًا بحجم شركة «سبوتيفاي»، واهتمام الصحافة بالخبر، انزلقتُ قليلًا في المزيد من التفاصيل، حتى انتهيت لمعرفة الكثير من المعلومات الهامة والمثيرة التي أحب أن أشاركها مع القارئ؛ قصص رائعة عن مهاجر من الكونغو مسؤول عن تشكيل الذوق الموسيقي في أمريكا الشمالية، وعجوز على وشك التعاقد لا يفقه شيئًا في الكمبيوتر يعثر على الحل لإنقاذ السوق الموسيقي ضد القرصنة، وموسيقي سويدي ذو 27 عامًا يعد أكثر الموسيقيين استماعًا في العالم، ولديه أكثر من 15 مليون متابع، ولا يعرف اسمه أحدًا. حقائق مثيرة على الصعيد المالي وطريفة على الصعيد القصصي. أما في محاولتي لتلخيص ما سوف يحل بالسوق الموسيقي من تغيرات نتيجة لهذا الخبر، فقد أعددتُ هذا المقال لأرتب أفكاري، وأضع يدي على النقاط الغامضة، وأبحث عن الإجابات تباعًا.

***

سبوتيفاي هي أحد شركات تطبيقات بث الأغاني، التقنية التي أنقذت السوق الموسيقي – نظريًا- من النكسة التي وقع فيها على يد القرصنة، وانهيار سوق الاسطوانات المدمجة في مواجهة الـ mp3.

فخلال عام 2017 تعدَّى مستخدمو شركة «سبوتيفاي» 70 مليون مشترك (غير 90 مليون مستخدم مجاني) يدفع كل منهم متوسط ستة دولارات شهريًا (خمسة دولارات للطلاب، عشرة دولارات للحساب الشخصي و15 دولار للحساب العائلي). وقد أنهت الشركة حساباتها عام 2017 لتحقق مكاسب تقدر بخمسة مليارات دولار (بالمقارنة بـ 2.8 مليار دولار العام الماضي) تدفع 70% منها تقريبًا إلى شركات الإنتاج والتوزيع.

سبوتيفاي متأكدة أن ميزانيتها لن تقف عند هذا الحد. هي متأكدة للغاية من نجاحها، فهي لا تطرح فقط أسهمها للبيع علانية، ولكنها تقوم كذلك بعمل مقامرة مالية خطيرة، فهي تعرض أسهمها للبيع بدون وسيط من المستثمرين؛ هذا الوسيط يشكِّل شبكة نجاة تضمن بها الشركة عدم خسارتها على الأقل، وحصولها على حد أدنى من الأرباح المضمونة. وبتخليها عن هذه الخطوة في الاكتتاب العلني، يبدو أن «سبوتيفاي» تقف على أرض صلبة تمكنها من أن تضمن لنفسها مكاسب مؤكدة في السنوات المقبلة.

وبهذه الأرقام الكبيرة، من المفترض، للوهلة الأولى، أن السوق الموسيقي في طريقه للتعافي الكامل من هذه النكبة. ولكن هل الأمر بهذه البساطة؟ هذا ما أحاول البحث وراءه.

****

لكونها الأولى من بين شركات  بث الأغاني، التي تطرح أسهمها علانية في السوق، فإن سبوتيفاي مضطرة لكشف ميزانيتها ونسب أرباحها، وطريقة محاسبتها للمدخلات (المدخلات التي تعني في هذه الحالة أغاني الموسيقيين المطروحة للاستماع)، وهي النقطة التي تهمنا هنا، لأنها تجيب على السؤال الغامض: كيف تحاسب شركات البث أصحاب المحتوى من الموسيقيين؟

ما نعرفه أن قبل ذلك، كان من المفترض أن شركات مثل «يوتيوب»، و«أبل ميوزك»، و«أمازون ميوزك»، تقدم معلومات شبيهة بذلك، ولكن لأن كلًا منهم يعد جزءًا من شركات أكبر، فلم يكن معروفًا بدقة طريقة محاسبتهم للموسيقيين، لأن تفاصيل المحاسبة لخدمة البث لم تكن واضحة الخسائر والأرباح، كما أن العديد منهم يقبل بخسارة صغيرة في الوقت الحالي مقابل احتكار هذا السوق الجديد.

وبسبب النجاح الكبير والسريع السابق ذكره، فإن المؤشرات تؤكد أن السؤال الآن ليس إذا كانت تطبيقات البث هي مستقبل الموسيقى أم لا، ولكنه بالأحرى، ولأن الإجابة واضحة بنعم، هو ما شكل ذلك المستقبل؟ ومن هم أكثر المستفيدين فيه؟ وكيف سيتأثر الموسيقيون والمستمعون بذلك التغير؟ بمعرفتنا كيف تحاسب شركات تطبيقات البث الموسيقيين يمكننا أن نعرف هل شركات تطبيقات بث الأغاني هي الفردوس الموعود حقًا؟

لنحاول تخيل شكل هذا المستقبل، علينا معرفة ماذا كان في الأصل شكل الماضي. وماذا كان موقع الموسيقِي، وشركة الإنتاج في السوق في النموذج القديم.

***

من أين يأتي المال؟

قصة تغير مصادر دخل الموسيقيين: من الاسطوانة للحفل للإعلان

في الماضي كانت الحسبة بسيطة (مش بسيطة أوي) لكن باختصار ممكن وصفها كالآتي: الموسيقي يذهب إلى شركة إنتاج. شركة الإنتاج تقتنع به أو تصرفه. واذا اقتنعت به كمشروع استثماري سوف يدر دخلًا عليها فإنها تراهن عليه، وتنتج له الألبوم متكفلة بمصاريف تسجيل وطباعة الاسطوانة والدعاية والتوزيع. وبعد ذلك يقوم الموسيقي بعمل حفلات، غرضها الرئيسي الترويج للاسطوانة. تباع هذه الاسطوانة على رفوف محلات الاسطوانات، فيأخذ البائع نسبة، ويعطي شركة الإنتاج حقها، فتغطي ما تكبدته من تكاليف أولًا، ثم تدفع للموسيقي تباعًا. بالطبع تتضمن هذه العملية صراعًا بين الأطراف الثلاثة (الفنان صاحب المحتوى وشركة الإنتاج ومنصة العرض)، ولكن في النهاية الآلية معروفة وغير معقدة.

كانت شركات الإنتاج تدفع مبالغ هائلة في الدعاية. منها ما يذهب لمعدي برامج الراديو لبث الأغنية إذاعيًا، ومنها ما يخصّص لعمل جولة ترويجية وحفلات للألبوم. ثم هناك مبلغًا لتصوير فيديو كليب، وآخر للقنوات الموسيقية مثل MTV لكي تقوم بعرضه.

أما في الأسواق المحلية، في المنطقة العربية، فكان طموح الكثير من الموسيقيين وطريقهم إلى الشهرة هو بث أغنياتهم على قنوات مزيكا وميلودي وروتانا اللاتي تعملن بنفس الآلية، فالفيديو كليب نفسه لم يكن يحقق أية أرباح، وكان فقط بغرض الدعاية ليشتري المستمعون الاسطوانة. وعكس ما يتوقع الجميع فلم تكن تلك القنوات في أغلب الأحيان تدفع أي مقابل لتشتري محتوى الفيديو، بل يقوم الفنان أو الشركة المنتجة بغرض الدعاية أن تدفع مبالغ للقناة في مقابل عرض أعمالها. تكاليف لا تستطيع سوى شركات الإنتاج الكبرى تحملها.

هذا النظام ظل قائمًا لمدة طويلة، وحافظ على استمراره حتى مع تغير وسيط التسجيل من الاسطوانات إلى الشرائط، ثم إلى الاسطوانات المدمجة، وحتى بظهور ملفات الـ إم بي ثري Mp3 (وهي ملفات عالية الجودة وذات حجم صغير جدًا عكس ملفات الأوديو للاسطوانات المدمجة)، ووجود منصات تبادل الملفات File Sharing على الإنترنت. إذن ما الذي حدث؟ كيف أصيب السوق الموسيقى بنكسة؟

فجر القرصنة

ما حدث إنه في يوم ما عام 1998 قرر الجمهور – كل الجمهور- ألا يشتري أحد الاسطوانة! بارت الاسطوانة، وليدة العملية الموسيقية وأهم ركن في هذه الصناعة. وإذا لم يشترِ أحد الاسطوانة فلم يعد هناك منتج يصلُح للتداول، سواء استخدم الموسيقيين الحفل كدعاية للاسطوانة أو الفيديو.

بالطبع تقنية القرصنة كانت موجودة ومتوفرة منذ عام 1995، ولكن لم تكن قد أثرت على السوق الموسيقي بعد، لأن عناصر الانهيار لم تكن قد تكاملت. نعم هناك ملفات صوتية يتم نسخها من الاسطوانات، وهناك منصات لتبادل الملفات على الإنترنت موجودة، ولكن هذه المنصات لم تؤثر على السوق الموسيقي، فسرعة الإنترنت المنزلي لم تكن كبيرة حينها، ومساحات الذاكرة في الكمبيوتر الشخصي لم تكن تكفي للاحتفاظ بألبومات موسيقية حجم كل منها 700 ميجا بايت تقريبًا.

ثم انتشر امتداد الـ(ام بي ثري) للأغاني، وانتعشت منصات تبادل الملفات. تأثرت مبيعات الاسطوانات قليلًا، ولكن النكسة لم تحدث بعد، طالما لا يوجد وسيط مناسب لاستخدام هذه الملفات المقرصنة، فلا يمكن الاستماع إلى امتداد الـmp3 سوى على الكمبيوتر المنزلي. المشترون لا يزالون يستمعون إلى الاسطوانات في مشغل السيارة أو على «الديسك مان». لهذا لم تكترث شركات الإنتاج الموسيقي بالقرصنة حينها.

الذي حدث، أوالحلقة المفقودة التي أكملت معادلة القرصنة، وأعطتها كل هذا التأثير لتضرب السوق الموسيقى أواخر التسعينيات، هو ظهور وسيط الاستماع المناسب لمتطلبات هذه الحقبة، الـ mp3 player، فشركة «سوني» التي أساس تخصصها هو التكنولجيا، قبل أن يكون الإنتاج الموسيقي، سارعت بتبني هذا الوسيط الجديد لاستهلاك ملفات الـmp3، وإنتاجه والترويج له، معلِنة عصرًا جديدًا في صناعة الموسيقى.

عند هذه النقطة فقط، أصبحت منصات تبادل الملفات تشكِّل خطرًا حقيقيًا، فتطبيق مثل «نابستر» كان يضم آلاف الملفات الصوتية، من الإصدارات الموسيقية، القديمة والحديثة، بجودة عالية ومساحة صغيرة، وما قدمه مشغل الـmp3 لم يكن تقنية جديدة فحسب، بقدر ما منح للمستخدم حرية التحرك بممتلكاته الديجيتال. وبالفعل فقد تسببت قرصنة الموسيقى، في أمريكا وحدها، في خسائر تقدر بـ12.5 مليار دولار سنويًا، وأكثر من 70 ألف وظيفة، و2.7 مليار دولار انخفاض في دخل العاملين في السوق الموسيقي، 422 مليون دولار ضرائب غير مدفوعة. أمريكا أصبحت أمة من اللصوص.

أُغلقت الكثير من شركات الإنتاج الموسيقي، واندمجت أخرى مع بعضها البعض، في محاولات للوقوف أمام تيار الديجيتال. كانت حلولها كلها عبثية: مزيد من الإجراءات الأمنية، ومزيد من الملاحقة القانونية لتحجيم المقرصنين. إجراءات تُنفق فيها أموال، ولا تعود بطائل. تغلِق منصة ليفتتح بدلًا منها اثنان أسرع وأغنى في المحتوى. قوانين قديمة لجرائم جديدة لا تحكم السوق. ولم تثبَت على كبار المقرصنين حتى من تم الإمساك بهم، أي تهم. فكل مواقع تبادل الملفات لا تختلف من حيث الفكرة عن شخص اشترى اسطوانة وأعارها لصديقه. لا توجد تهمة ثابتة في ذلك. سبعة عشر ألف قضية في أمريكا فقط لم تتحصَّل شركات الإنتاج خلالها على أي عائد يذكر، ووصلت في النهاية إلى مهازل، فبينما تتم تبرئة كبار القراصنة، أخذت شركات الإنتاج تلاحق المستخدمين المستقلين، وتحكم بغرامات على أطفال قاموا بتحميل مقدمة مسلسل كارتون.

بتبرئة كل القراصنة؛ ترسخ في الوعي الجمعي لمستهلكي الموسيقى أمران خطيران، أولهما أن قرصنة الموسيقى ليست جريمة حقًا، وثانيهما وهو الأخطر أن الموسيقى رخيصة، بل مجانية.

حتى الفنانين اقتنعوا بهذه الحقيقة، ويئس أغلبهم من أي مكاسب واردة من بيع الاسطوانات، ورضخوا للمعايير الجديدة، وحاولوا ترويضها، والتفاعل معها سريعًا، محوِّلين اهتمامهم لـ«الحفل الحي» ليتكسبوا منه، على أن يكون الغرض من الاسطوانة هو الترويج للجولة الفنية وليس العكس كما كان شائعًا.

هذا عن الفنانين، لكن ماذا عن شركات الإنتاج؟ لم تُحل المشكلة. لأنه إن تهددت أرباح بيع الاسطوانة بالنسبة لشركات الإنتاج، فلن ينتجوا الموسيقى من الأساس، لتروَّج بعد ذلك وتستخدم كدعاية للحفل الحي.

الخروج من الورطة: دوج موريس

ظل الوضع هكذا، حتى خرج دوج موريس (رئيس شركة «يونيفرسال» في الفترة من 1995 – 2011)  ذو الـ69 عامًا، بحل جديد، يغير كل هذا النظام، بعد أن كان يجهز بالفعل للتقاعد فاقدًا الأمل في أي مستقبل لصناعة الموسيقى، وقنوعًا بما حققه في السنوات الذهبية.

قبل أن يقوم بضربته الحاسمة، كان موريس على وشك التقاعد مصحوبًا بفضيحة، حين كشفت إحدى المجلات التكنولوجية، في حوار معه، جهله التام بالتكنولوجيا، وبالشق التقني لصناعة الموسيقى، بما يشكِّك في أهليته لرئاسة أكبر شركة للإنتاج الموسيقي في عصر الإنترنت. دوج موريس، الذي يمتلك حاسة استشعار شديدة الدقة يعرف بها أي الموسيقيين، سيكتب لهم نجاحًا وجماهيرية، ليبرم معهم عقودًا طويلة؛ كان بالفعل حينها في «حيص بيص».

دوج موريس

في هذه اللحظة الحالكة، ومن باب الفضول سأل موريس حفيده ذي الثماني سنوات، هل تقرصن أنت أيضًا؟ جاوبه بالنفي. فسأله ومن أين تشتري موسيقاك؟ فردّ عليه: ولماذا أشتري؟. قال له موريس: «انجز يالا!»، فأجاب حفيده: أستمع على «يوتيوب».

فتح موريس هذا الموقع، مجربًا البحث عن أغنيات أنتجها بنفسه يومًا ما، فلفت انتباهه، وهو يشاهد أغنية in da club لـ50 cent، إعلانات تخسيس وقروض عقارية على يمين الشاشة. الأمر الذي ترجمه إلى أنه في مكان ما في كواليس هذه الصفحات الالكترونية التي لا يفهم عن آليتها شيئًا، توجد عملية مالية، هناك شخص ما يتقاضى أجر عن وضع إعلان بجانب الفيديو الذي أنتجه هو بنفسه. أي أن هناك شخص لم «يحاسب على المشاريب».

في اليوم التالي كتب موريس إلى شركة «يوتيوب» يطالبهم بسنت، (للدقة 0.8 سنت)، مقابل كل مرة يتم مشاهدة أحد فيديوهات «يونيفرسال»، وإلا على الشركة أن تحذف أي محتوى خاص بهم. وفي نهاية عام2007، وفي لحظة واحدة، اختفى كل إنتاج «يونيفرسال» من على «يوتيوب»، ليس فقط من الفيديو كليب، بل من كل فيديو قام بصنعه أحد الهواة، واستخدم فيه أحد أغنيات «يونيفرسال». حينها أدرك موريس، كرئيس للشركة، أنه كان يجلس على منجم ذهب، متمثِّل في كل فيديو كليب أنتجته شركته لكل الموسيقيين خلال أربعين عامًا، وقد حان موعد إعادة الحسابات وتحصيل الفواتير. ولأول مرة يكون لبث الأغاني مجانًا عائدًا أكثر من بيعها على أرفف المحلات.

عند هذه اللحظة اضطر موقع «يوتيوب» للتفاوض لعقد شراكة من نوع جديد، ومن فرط ما حققته «يونيفرسال» من عائد عن هذه الفيديوهات، أنشأ موريس ملحق لشركة «يونيفرسال» للبث عبر «يوتيوب»، وهو فيفو «Vevo».

آخر ما توقعه موريس أن ينقذ السوق الموسيقين ما كان أولًا يستخدم كدعاية لشراء الاسطوانات. تقوم بالإعلان عن منتج ثم يصبح الإعلان ناجحًا ومطلوبًا أكثر من المنتج نفسه.  [قصة دوج موريس من كتاب How music got free .Stephen Witt]

اللحظة الحالية: التعافي.. تطبيقات البث تنقذ السوق

يتكرر الآن نفس ما حدث حين يتغير أحد أركان الصناعة الموسيقية. تقنية البث كانت موجودة منذ سنوات، الموسيقى والملفات الموسيقية موجودة، ولكن الوسيط والمشغّل لهذه التقنية كان غائبًا، ومع تطور الهواتف وازدياد سرعة الإنترنت، وإتاحته للجميع، نجد أننا نشهد طفرة أخرى تغير طريقة استهلاك الموسيقى، يتغير معها وعي الجمهور تباعًا. وحسب الإحصائيات وقراءات السوق حتى الآن، نستطيع القول إن الموسيقى لم تعد مجانية.

ففي ديسمبر 2016 توقعت مؤسَّسة جولدمان ساكس، والتي تعتبر من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة؛ زيادة مبيعات سوق البث الموسيقي، إذا استمرت على نفس المنوال، بمقدار ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، مقارنة بأكثر عام حققت فيه مبيعات الموسيقى أرباحًا، وأن ذلك سيكون من خلال خدمات البث، لتنقذ السوق الموسيقي.

ففي النصف الأول من عام 2017، حققت مبيعات خدمات البث أربعة مليارات دولار، لتفوق مجمل أرباح السوق الموسيقي الأمريكي من مبيعات من باقي الوسائط، وليسجل سوق البث الموسيقي أعلى معدلات لاستهلاك الموسيقى منذ عام 1990، العام الذهبي لبيع السطوانات المدمجة، حتى أن واحدًا من المشكِّكين في قدرة خدمات البث على إنقاذ الموقف مثل «توم يورك»، قد أطلق بدوره أغنيته الأولى من ألبومه الأخير a moon shaped pool على «سبوتيفاي» و«يوتيوب» أولًا.   

عائدات صناعة الموسيقى في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من 2017 الاستماع أونلاين: 62%. تحميل الأغاني من الإنترنت: 19%. شراء الاسطوانات: 16%. عوائد حقوق إعادة توزيع مصنف سماعي: 3%

ولتواكب التغيير الذي حدث، عدّلت كبرى الهيئات الموسيقية في قوانينها لتشمل معدلات بيع واستماع الأغاني عبر تطبيقات البث، فلم يعد ممكنًا تجاهلها خلال عملية تقييم شعبية الألبومات أو مبيعاتها. فعلى سبيل المثال احتوت طوائف جائزة الجرامي على الألبومات التي لم تصدُر سوى على تطبيقات البث (أي لم تطرح في الأسواق كاسطوانات) لتتنافس مع بقية الألبومات في مسابقاتها السنوية. كما أضافت هيئة RIAA، المسؤولة عن حصر وتعداد مبيعات الموسيقى وإصدار اسطوانات البلاتينيوم، المبيعات المستحقة عن قنوات البث إلى إحصائياتها كذلك.

*****

لم تعد الموسيقى مجانية.. «بس بقت بكام»؟

كيف تعمل خدمات البث – الإطار الاقتصادي

تقوم شركة «سبوتيفاي» السويدية، أو شركة «أنغامي» اللبنانية (بوصفهما مثالين لتطبيقات بث الأغاني) على نظامين اختياريين للمستخدم: عرض المحتوى مجانًا لكن بفواصل إعلانية، أو الدفع مقابل الاستماع للموسيقى بغير فواصل. في كلتا الحالتين ستضمن الشركة تدفق أموال إليها سواء من المعلِن، أو من المستخدم. تبعًا لحسابات معقدة (سوف نفصلها لاحقًا)  توزع شركة البث هذا العائد على شركات الإنتاج، كلًا حسب حصته من مرات الاستماع.

نظريًا، تحصل الشركات مثل «سبوتيفاي» و«أنغامي» من خلال عقود شراكة مع الكثير من شركات الإنتاج الموسيقي على أرشيفهم من المنتجات المسموعة لبثها عبر موقعهم. ووقت المحاسبة لا تتعامل شركة «سبوتيفاي» مع كل موسيقي على حدة، بل تعطي شركة الإنتاج حصتها من عائد البث، لتقوم بدورها بتوزيعها على موسيقييها حسب قوانينها الداخلية.

شركتا «سبوتيفاي» و«أنغامي» ليستا الند للند p2p peer to peer، أو منصة لمشاركة الملفات file sharing، مثل النماذج السابقة التي قدمت الموسيقى المقرصنة مجانًا، فهما نظريًا دفعا لشركات الإنتاج ثمن الموسيقى التي تحتفظان بها على سيرفراتهما. وحين يطلب المستخدم الاستماع إلى أغنية، فهو يحصل عليها من خلال التحميل من سيرفر «سبوتيفاي» أو «أنغامي». يحتفظ المستخدم لفترة مؤقتة بالمقطوعات الموسيقية على جهازه في الـcache، ما يُسهم في زيادة سرعة الاتصال والاستماع  لنفس الأغنية بدون تحميلها مرة أخرى. أو تقوم خاصية البحث عن الأغنية من المستخدمين القريبين لتحميل الأغنية من مستخدم آخر. فلا يحدث ضغط هائل على السيرفرات الرئيسية قد يؤدي لانقطاع الخدمة. وقد كررت كلمة نظريًا لمشكلة سوف أعرضها لاحقًا.

ماذا تقدم تطبيقات البث بجانب الموسيقى؟ سبب نجاحها

سبب نجاح قنوات البث عبر الإنترنت لا يعتمد فقط على المكتبة الموسيقية المطروحة ولا فعالية المنصة، وسرعتها، وجماليات واجهاتها. وطبعًا ليس لأنها بديل شرعي للقرصنة، فإذا لم تقدم تلك القنوات قيمة إضافية عن الاستماع وحده (الذي تقدمه شبكات القرصنة) لما حققت هذا النجاح. إذن على ما تعتمد؟

1 – الحصرية: تتسابق تطبيقات البث عبر الإنترنت للحصول على المكتبات الموسيقية من شركات الإنتاج، و كي تضمن التميز فقد تشترط أحيانًا الحصرية، كأن تمتلك وحدها أعمال فنان معين، لا يمكن الاستماع لأعماله على أي وسيط آخر. ومثال على ذلك شركة «أبل ميوزك» التي احتكرت أكثر ألبومات 2015 استماعًا لـDrake و Frank ocean، وتطبيق تايدال الذي يحتكر أعمال Jay-z  وBeyonce.

بيونسيه

2 – فيديو: عملاق البث الذي بدأ هذه الموضة هو بالطبع «يوتيوب»، وتفرد به لمدة طويلة. لا يزال «يوتيوب» متربعًا على عرش قنوات البث من حيث عدد المستخدمين، وإن لم يكن في الريادة من حيث الأرباح، فغالبية مستخدمي «يوتيوب» من المستخدمين المجانيين، رغم إطلاق شركة «يوتيوب» نسخة خاصة للمشتركين الممولين بلا مقاطعة إعلانات Youtube Red. شركة «يوتيوب» مع ذلك بوصفها جزء من شركة جوجل لديها القدرة على الاستمرار بمكاسب قليلة، ومتوقع أن تظل منافسًا قويًا في سوق البث لمدة طويلة، حتى مع بداية تطبيقات مثل «سبوتيفاي» إدراج الفيديو في نسخ تجريبية لها تعمل في الولايات المتحدة فقط.

3 – مساحة للموسيقيين المستقلين: يقدِّم موقع ساوند كلاود منصة مثالية للموسيقيين المستقلين، يستطيع من خلالها أن يرفع كل موسيقي أعماله الخاصة، ويروجها. والرقابة على استخدام العينات والنماذج الموسيقية على ساوند كلاود أقل صرامة من مثيلتها على «يوتيوب»، ما جعله المنصة المثالية للموسيقى الإلكترونية والهيب هوب والدي جي، حيث يكثر استخدام العينات الموسيقية دون أن يتم حذفها، أو إعلان ملكيتها من قبل شركات أكبر.

4 – جودة صوتية: تَعِد بعض التطبيقات بتقديم جودة موسيقية ذات فارق كبير مع باقي خدمات البث الصوتي، وأشهرها تايدال Tidal.الشركة التي أطلقها jay-z لكي يتفادى بها مشاكل تطبيقات البث. وسلعة تايدال الرئيسية هي خدمة خاصة لزبون خاص. جودة موسيقية عالية وحصرية مع أشهر الموسيقيين، واتفاقات مع الموسيقيين مباشرة وليس شركات الإنتاج. ومع ذلك يوجد بهذا النموذج الكثير من الخلل. حيث أن خدمات البث يستخدمها العامة من خلال اللابتوب أو الموبايل متقبلين صيغة صوتية متواضعة في سبيل الديناميكية، سرعة التحميل وإمكانية الاستخدام من التليفون في أي مكان مهما بلغ ضعف التغطية. فسوق البث لا يحتاج حقيقة إلى جودة صوتية أعلى، والأرقام تُعد دليلًا على ذلك، حيث تعاني شركة تايدال من خسارات متزايدة تنبئ بإغلاق الخدمة قريبًا. ومن المتوقع أن تندمج الشركة مع «أبل ميوزك».

5 – دعم الفنانين: تقدم منصات البث مثل «سبوتيفاي» وأبل نسبة صغيرة جدًا من الأرباح للموسيقيين أنفسهم، مما يهدد كل هذا السوق. فإذا كان الموسيقيون غير راضين عن هذه الخدمة فسينسحبوا منها واحدًا بعد الآخر، ويغلقوا «السبوبة» التي يأخذ الجميع منها حصة من الأرباح إلا هم. لذا فالمنصات المستقلة والصغيرة بالرغم من أنها الأقل شهرة مثل باندكامب bandcamp، يفضلها بعض الموسيقيين لرفع أعمالهم عن غيرها. كما تتميز هذه القنوات كذلك بمكتبة موسيقية أصغر كثيرًا، ولكن من إصدارات منتقاة تمت عبر شراكات شخصية مع الموسيقيين، وذات ذوق معين وجودة موسيقية عالية.

6 – ألجوريذم: وهنا نقف عند أهم خدمة تقدمها قنوات البث، وهي برمجيات التصنيف، واقتراح المقطوعات المناسبة لكل مستمع. والتي ستكون الفيصل فيمن سيكتب له الاستمرار في هذا السوق. فكل قناة تتبع برمجيات (أو خوارزميات) مختلفة تحدّد من خلالها نوع المستمع وفئته العمرية والاجتماعية وتوجهاته ومزاجه، وتقترح عليه تباعًا أنواع مختلفة من الموسيقى ليكتشفها ويظل متعلقًا بالقناة. فالقناة ليس غرضها فقط أن تستمع لما يحلو لك من الأغنيات، ولكنك تتوقع منها أيضًا اكتشاف المزيد من الموسيقى.

وتوجد خوارزميات سطحية، مثل أن تطلب الاستماع إلى مطرب معين قد حقق مؤخرًا نجاحًا جماهيريًا، فيقترح المشغل أن تستمع إلى بقية الأعمال التي حظت بنجاح جماهيري مماثل، بغض النظر عن الصنف الموسيقي. قنوات كثيرة حددت برمجياتها نجاحها أو فشلها، مهما بلغت ميزانية هذه المواقع، والحقيقة أن «سبوتيفاي» و«ديزر» لهما الريادة في هذا المجال بعد المغفور له last.fm.

كل هذا بالطبع إلى جانب ما يحدث من تطور لوسيط الاستماع. حينما أصبح المحمول والتابلت، ذوو الذاكرة المحدودة نسبيًا، المشغلين الرئيسيين للموسيقى. لم تتفق الذاكرة المحدودة مع حاجة المستخدم المتزايدة لأن تكون كل ممتلكاته متاحة معه طوال الوقت، ومع غايته في الحصول على كل ما يمكن من المحتوى حتى إذا لم يستخدمه. ما جعله أمام اختيار ما بين اقتنائه لكمية محددة من الموسيقى، أو صلاحية للحصول على كمية غير محدودة من الموسيقى، واستدعائها وقتما شاء، من السحابة.

مساحات جديدة نزاعات جديدة

إذًا كل شيء تمام؟ خدمات البث أنقذت السوق الموسيقي، والمستثمرون بيدهم دفتر الشيكات في انتظار الاكتتاب العام على «سبوتيفاي»، والموسيقيون شرقًا وغربًا يرفلون في نعيم تطبيقات البث.

لا، ليس الأمر بهذه البساطة، فمع الحلول التي تقدمها تطبيقات البث تجلب معها الكثير من المشاكل كذلك، وليست مجرد مشاكل ثانوية بل مشاكل تهدد هذا النظام بالكامل. وأدناه عينات من المشاكل المالية والموسيقية.

1 – طريقة محاسبة الفنانين

تقدر شركة «سبوتيفاي» العائد عن بث أغنية مرة واحدة لمستخدم واحد يتراوح بين $0.006 و$0.0084.. أي ربحا قدره أقل من دولار واحد (ثمانون سنت)، إذا استمعت لألبوم موسيقي من عشر مقطوعات عشر مرات. ليتم تقسيمه تباعًا على شركة البث وشركة الإنتاج، 30 % لشركة البث و70% لشركة الانتاج غالبا.
حين تحصل شركات الإنتاج على العائد من البث، لا توزعه على الفنانين بالتساوي، كل حسب حصته في أعداد الاستماع، إنما كل حسب عقده مع الشركة، وقدرته على التفاوض معها. لذا فعائد بث أغنية واحدة لتيلر سويفت لا يتساوى تمامًا مع عائد تشغيل أغنية واحدة لمغنٍ متوسط الشهرة مع نفس شركة الإنتاج.  الفنانين الأكثر جماهيرية لديهم الصلاحية للحصول على نسب أعلى خلال التعاقد. ما يجعل الأثرياء أكثر ثراءً، ويحطِّم أصحاب المحتوى الأقل شهرة.

عدد مرات الاستماع اللازمة لحصول صاحب العمل على دولار واحد من خدمة البث – المصدر: فاينانشال تايمز

والكثير من الفنانين لا يزالون رهن عقود من زمن الاسطوانات يتقاضوا وفقًا لها 10 أو 15 % فقط من عائد البث، الذي تتقاضاه الشركة المنتجة من شركة «سبوتيفاي»، بعد أن تخصم الأخيرة حصتها التي تقارب ال30 % من خالص الربح. أي أن ما يدخل للموسيقي هو تقريبًا 7% من عائد البث. بالطبع قد يكون ذلك مع ملايين المستمعين رقمًا هائلًا، قد تحققه أغنية  مثل 3 دقات، ولكنه يعد رقم صغير جدًا لأي أغنيات أقل جماهيرية، وقليل أيضًا بالمقارنة بدخل الموسيقي، إذا اشترى كل مستخدم اسطوانته.

تعطي شركة «أنغامي» نسبة أقل لأصحاب المحتوى. 50% فقط من عائد البث في مقابل 70 إلى 85% من الربح ترجعه شركة «سبوتيفاي» لأصحاب المحتوى.
وفي حالة «أنغامي» فلا تدفع الشركة أي عائد من البث اذا لم يزد العائد عن 100 دولار أمريكي، أي بعدما يتخطى المحتوى تقريبا 25000 مرة استماع. مما يعني آلاف من المقطوعات لا يذهب لأصحابها الحقوق من بثها. وذلك أمر طبيعي لأنها مبالغ واهية لن تهم أصحابها وقد يفوق رسم التحويل البنكي عن المبلغ نفسه، فيترفع أصحاب المحتوى عن تحصيل المبالغ الضئيلة . ولكن الكثير من هذه التعاقدات الصغير التي لا تسدد هي ركيزة أساسية في الهيكل الإقتصادي للتطبيق.

2 – حقوق الملكية والمنازعات القضائية

استوديوهات التسجيل لا تمد شركة الإنتاج ببيانات أصحاب حقوق الملكية للعمل، أو غالبًا ما تكون هذه البيانات غير كاملة أو خاطئة أو غير دقيقة. وهذه الأغاني غير كاملة البيانات؛ تنتقل على حالتها لشركة «سبوتيفاي». «سبوتيفاي» مع ذلك تقوم برفع الأغنيات للبث، وتتقاسم الأرباح، والعائد منها مع شركات الإنتاج حتى «يطلع لها صاحب». ليس من مصلحة تطبيق البث ولا شركة الإنتاج السعي وراء كل أغنية لمعرفة أصحاب الحق في بثها، بل سيتممون العملية المالية، ويحتفظ كل منهم بالعائد في حسابه في أفضل الأحوال، حتى يأتي أحد للمطالبة به.

ويحدث أحيانًا أن يكون للأغنية أكثر من مالِك، وليس بالضرورة أن يكون كلهم موافقون على طرح المحتوى لخدمة البث، وقد يحدث ألا يتم إخطار أحدهم بالتعاقد، إما لصعوبة الوصول إليه، أو لأن الأمر لا يستدعي البحث عن كل موسيقِي شارَك في كل أغنية في تاريخ الموسيقى وملاحقته هو وورثته. في وسط هذا اللغط يكون اتفاق «سبوتيفاي» مع شركة الإنتاج. وإلى حين أن تخطِر شركة الإنتاج أصحاب الأعمال، أو ذويهم، تكون الأعمال معروضة على «سبوتيفاي» بالفعل وتدر الأرباح حتى يأتي صاحبها.

المشكلة القانونية في كل هذه الأمور أن حقوق البث compulsory license، كفكرة، أقرب لفكرة الموافقة التي عليك الحصول عليها لتشغيل أغنية في مكان عام. وهي بهذا، تختلف عن حقوق البيع المادي mechanical rights، فهي لا تتطلب عقد شراكة أو موافقة من صاحب العمل، بل مجرد إخطار من تطبيق البث لصاحب العمل، وتوريد للمبالغ المستحقة حين المطالبة بها.

وهذا ما تفعله الشركة في إقرارها القانوني. وفي النهاية هي لا تبيع أي أغانٍ أو مقطوعات، بل تشغِّل الأغنية في فضاء عام، فضاء سيبري، ولا تعطيها لأحد. وهو خلاف قانوني لا يتقبله كثير من أصحاب المحتوى بنفس الصدر الرحب. لكن القانون حتى الآن مع تطبيقات البث في هذه النقطة. وهذا النوع من المشاكل القانونية ليس بجديد على شركات البث، بل سبق ووقع فيها «ساوند كلاود» و«يوتيوب». وأصحاب المحتوى من الموسيقيين يجدون أنفسهم مضطرين للاستسلام للأمر الواقع، حينما يواجهون جيوش المحامين، والعقود ذات الأربعين صفحة التي تقدمها الشركات الكبيرة، بدلًا من الانسياق لحرب خاسرة.

وحين يأتي أصحاب حقوق الملكية الفكرية للمطالبة بنصيبهم في الربح من إذاعة محتواهم، يكون من مصلحة شركة مثل «سبوتيفاي» أن تماطل في حسم القضية، لأنها «تستحلي» معركة استنزاف طويلة مع غريم أصغر، حتى إذا كانت متيقنة من عدم صحة موقفها، وعلى دراية أنها ستدفع المستحقات لصاحبها في النهاية، إلا أن الصراع الطويل سيكون إنذارًا لأي موسيقي آخر، يفكر في المطالبة بمستحقاته.

الموسيقي قد يعتقد واهمًا أن بوسعه اللجوء لشركة الإنتاج لتقف بجانبه في ذلك الصراع، لكن «إنسى». شركات الإنتاج لا تريد صراعات ولا اشتباكات مع ولي نعمتها، أي التطبيقات التي تمدها بأكثر من نصف إيراداتها. وأي ملاحقة قانونية من شركات الإنتاج الكبيرة لمنصة البث تكون «تمثيلية»، مليئة بالتطمين والطبطبة، لا يريد أي من الطرفين حسمها، ليجد الموسيقي نفسه وكأنه يقف بينهما عزولًا.

شركة «أنغامي» خلاف ذلك تجزم أنها لا تطرح أي أعمال على تطبيقها بدون حقوق بث.

3 – مع مكاسب «سبوتيفاي» تنمو الخسائر أيضًا، كيف يتوقع النجاح في الاكتتاب العام؟

نقلًا عن صحيفة نيويورك تايمز،  أقرت شركة «سبوتيفاي»، في آخر تقرير لأرباحها في يونيو العام الماضي، أنها تقدَّر بـ2.9 مليار يورو (3.3 مليار دولار)، ولكن نسبة شركات الإنتاج من هذه الأرباح، تتراوح ما بين 70 و85%. وأيضًا من هذه الأرباح، تدفع الشركة ما يقرب من 900 مليون دولار رواتب ومصاريف تسويقية وإدارية، فتقدر ديون الشركة بـ 600 مليون دولار تزداد سنويًا. وتتوقع شركة «سبوتيفاي» أن تتغلب على هذه العقبات بعدة سياسات خلال المراحل المقبلة، منها عمل عقود شراكة مع الموسيقيين مباشرة وليس مع شركات الإنتاج، والتوسع الجغرافي لتشغيل «سبوتيفاي» على نطاق أوسع. أما بالنسبة لديون الشركة فقد سددتها شركة Tencent، العملاق الصيني، والتي تقدم ضمن أحد خدماتها بديل لل«سبوتيفاي» بالصين، وبهذا أصبحت شركة Tencent شريكًا في «سبوتيفاي».

بينما شركة «أنغامي» لا تواجه نفس المشاكل المالية وهي في طريقها أيضًا لعمل شركة إنتاج anghami originals، تقدم محتوى حصري لتطبيقها.

خيارات الموسيقيين

علينا ألا نتسرع في الحكم، فرغم كل المميزات التي تعِد بها تطبيقات البث؛ الأرقام المطمئنة للمستثمرين والهيكل الإداري المستقل، لكن لا مفر من أن نسأل، إذا كان نظام عملها مستدام أم لا.

بالإضافة إلى أنه مع احتكار شركة واحدة لسوق الموسيقى الغربي «سبوتيفاي»، وشركة واحدة للشرق الأوسط «أنغامي»، فسوف تفرض كلا الشركتين قواعدهما بالضرورة، على السوق وعلى أصحاب المحتوى (الموسيقيين) وعلى المحتوى نفسه.

من السهل أن تحصل «سبوتيفاي» أو «أنغامي» على اتفاقات جيدة، وتقوم بالمفاوضات القاصمة إذا كان البديل الدائم الذي تلوح به تطبيقات البث للموسيقيين هو تركهم فريسة للقرصنة، ولكن لن يستمر الوضع كثيرًا. فإذا لم توجد استراتيجية لتغيير هذا النظام المحاسبي في المستقبل القريب، ليخدم الموسيقيين، ويجلب لهم الدخل الكافي للاستمرار في إنتاج أعمالهم، فسوف ينهار هذا السوق كله.

90% من أرباح شركات البث ينتج عن تشغيل 10% فقط من مكتبتهم الموسيقية، لأغنيات السوق الأكثر انتشارًا، مما يعني عقودًا أكثر سخاء مع كبار الموسيقيين في المستقبل، وعقودًا استفزازية للأقل شهرة. من السهل أن تكتفي «سبوتيفاي» أو «أنغامي» بأرباح الـ 10% من حجم مكتبتها، وتتكلم عن ديمقراطية المحتوى، ولكن كيف ستتشكّل هذه النسبة بدون مساحة عادلة للموسيقيين ينتقي من خلالها المستمع ما يعجبه.

أما الوضع الحالي فما هو إلا بديل مؤقت للقرصنة، وليس حلًا مستدامًا لصناعة الموسيقى. ملاذ أخير لسوق منهار، أفضل ما يقدمه للموسيقيين هو المعادل الموسيقي لمساكن الزلزال.

أما بعيدًا عن أرقام المستثمرين، فلمحبي الموسيقى حسابات أخرى.

***

ما هي المتغيرات المتوقع حدوثها للموسيقى؟

فيما ما مضى، وبسبب اعتبار الراديو هو الوسيط الأساسي للاستماع إلى الموسيقى، تغيّر شكل الأغنيات كثيرًا، جعل الراديو الاهتمام بالطبقات عبر صوت أحادي mono على حساب التوزيع الثنائي stereo . وثبَّت مدة بث الأغنية إلى دقيقتين ونصف تقريبًا، وحتى الأغاني الطويلة التي تتعدى هذه المدة، كان الموسيقيون يصنعون منها طقطوقة خاصة للراديو لتصل إلى جمهوره الغفير. كنموذج تحفيزي فيشتري المستمعون اسطوانتهم تباعًا، ويستمع إلى النسخة الكاملة.  كما فرض الراديو قيوده الرقابية على الكلمات، وفرض شكلًا كلاسيكيًا للأغنية، ونبذ الغريب والتجريبي.

تغيرت شكل الموسيقى كثيرًا، ولم يعد الراديو هو المجال الرئيسي للاستماع للموسيقى. تخلصت الموسيقى من قيود الراديو المكبِّلة، ولكن أتت قنوات البث لتفرض قواعد أخرى.

تغيرات فنية وموسيقية كثيرة باتت واضحة على المنتَج الموسيقي، وتغيرات أكثر متوقع حدوثها إذا استمر تطور قنوات وتطبيقات البث على نفس المنوال، في ريادتها لمبيعات السوق الموسيقي. نلخصها في النقاط الآتية:

1 – تغيرات في مدة وبنية الأغنية

قنوات البث عكس الراديو لا تعرض محتوياتها على التوالي، واحدة بعد الأخرى، بل على التوازي. جميعها مطروحة على الأرفف بجانب بعضها البعض، ما يجعلها في تناحر ومنافسة حادة لا ترحم. لن ينتظر المستمع أغنية لا تروقه، بل سيستبدلها سريعًا، ما يشكل تهديدًا على الأغنيات معقَّدة البنية، ذات اللحن الطويل قليل التكرار، أو الإيقاع المعقَّد، في مقابل الأغاني الأخَّاذة ذات اللحن البسيط المكرَّر الذي يلتصق بالذهن بسرعة.

أي عنصر غريب بالأغنية سواء اسم موسيقي غير مألوف، أو كلمة خارجة عن قاموس الأغاني المتداول، سيجعلها ضحية تسرُّع حكم مستمِع غير صبور، متلهِّف لـ«لازمة» موسيقية خفيفة، وكلمات يسهل حفظها وترديدها.

تحتسب تطبيقات البث 30 ثانية استماع للأغنية الواحدة قبل أن تعتبرها مرة استماع، أو تحاسب عليها شركة الإنتاج أو الموسيقِي، مما يجعل شركات الإنتاج الكبرى التي تفهم هذه القياسات تقدِّم مقطوعات ذات مقدمات قصيرة، لتعرض كل ما بجُعبتها في الثلاثين ثانية الأولى، دون تمهيد وبناء ركيزة للأغنية، وبما تحذف من الكلمات، في سبيل دخول أسرع إلى المقطع المكرَّر والنغمة الأساسية. كذلك يتم إدراج أي تعاون مشترك مع فنان أو موسيقي آخر في الثلاثين ثانية الأولى.

بالتالي، وإذا لم يوجد فرق محاسبي بين أغنية مدتها 40 ثانية وبين أغنية مدتها 20 دقيقة، فلماذا لا يقوم الموسيقيون بعمل أغاني أقصر وأكثر؟ كما فعل مثلًا الفنان كريس براون في ألبومه الأخير Heartbreak  on Full Moon الذي احتوى على 40 أغنية، ليضمن لنفسه مكانًا في قوائم الألبومات الأكثر استماعًا. وهو بهذا يدشِّن لعصر جديد للأغنيات متناهية القصر. تفتح المجال للإنتاج الكمي، مئات من المقطوعات خفيفة المحتوى هزيلة العائد أبرك من عشرة مقطوعات ثقيلة وهزيلة العائد هي الأخرى. كما أنه لن يكون مكلِّفًا إصدار عشرات من الألبومات الجديدة بمحتوى قديم. كل الـ reissue والـ collections والـ very best of، يمكن أن تصدر ديجيتال على تطبيقات البث، فقط، بدون أي تكاليف إضافية للطباعة والتوزيع. ولكن من المتوقع أن يتم استخدام هذا النظام المحاسبي لإصدار ألبومات جديدة بمحتوى متشابه جدًا مع القديم بدون اكتراث للتجديد، حيث أن الانتاج الكمي هو الحكم.

2 – قيود على الموسيقيين المستقلين

في أول الألفية، وأثناء فترة السقوط الحر لسوق الموسيقى، والخسائر التي طالت مبيعات السيديهات حتى لأكثر الرابرز مبيعًا، أخذ ليل وين Lil  Wayne، قراره بعدم المشاركة في هذه المهزلة. سيتوقف عن إصدار الاسطوانات بالطريقة التقليدية، ويلعب على سوق الموسيقى بالمعطيات الجديدة، حيث كل الأعمال مستباحة، ومقرصنة، ومطروحة لكل مستخدمي الإنترنت. بدلًا من الإنتاج الضخم والطباعة والتوزيع، بدأ واين يسجِّل مجموعة منMix tapes  بمعدل ألبومين في السنة. أولهم كان ألبوم ديديكيشن  Dedication  مع دي جي دراما. كله مقطوعات بدون أي حقوق ملكية فكرية، مليئة بالتجريب، وفيها إعادة استخدام لنماذج موسيقية دون الرجوع لصاحبها.

لم يدفع شيئًا مقابل استخدام العينات، ولم ينتظر عائد. سرَّبها على الإنترنت. روَّجها مجانًا،  مستخدمًا ميكنة الإنترنت في التوزيع والانتشار، ومستغلًا ثغرة القرصنة في التعامل مع النماذج بدون حقوق. لم يستطع أحد مقاضاته بسبب استخدام العينات الموسيقية، لأن الميكس تيبس مثل نسخة عمل، فلم يتم إصدراها «رسميًا» ولم يتقاض واين عنها قرشًا. استخدمها فقط بغرض الدعاية، وتركها مستباحة لمقرصنيها ومستخدميها ومستمعيها، وهو أسلوب لم يخترعه ليل واين، وإن كان، في العادة، لا يتبعه سوى موسيقيين غير مشهورين، يطرحون موسيقاهم، مجانًا لفترة مؤقتة، للدعاية إلى حين الانتشار والتعاقد مع شركة تسجيل وإنتاج.

لم تستوعب شركات الإنتاج، تمامًا، ما يفعله واين، وخاصة لأنه كان ناجحًا ومشهورًا بالفعل، فهو متعاقد مع شركة إنتاج لألبوماته (كاش ماني) وهو ذو تسع سنوات.

بعد خمسة شهور نزَل ليل واين بميكس تيب آخر Dedication2  مع نفس الدي جي. واتفقت كل مواقع النقد الموسيقي، على أنه كان أفضل إصدارات عام 2006.

التطور الذي حدث لواين وكثير من موسيقيي الهيب هوب والإلكترونيك، كان بفضل الفوضى التي سببتها القرصنة، ولم يكن من الممكن حدوثها سوى في مساحات حرة، خالية من حسابات الملكية الفكرية، ولا تتحكم فيها شركات الإنتاج الكبيرة. كثير من الموسيقيين يحتاجون في مراحل تطورهم لاستخدام النماذج والعينات، والتلاعب بها والتغيير فيها، وأن يكون لديهم حرية في التجريب، وأغلبهم لا يبحث من وراء استخدامها على أي عائد مادي.

وجود السوقيْن الرأسمالي والبديل معًا على مساحة واحدة، سيضع كل الأعمال بالمقارنة ببعض، لتجمعهم قوانين استخدام وطريقة محاسبة واحدة، كان موسيقيو الهيب هوب والالكترو والدي جي قد تجنبوا صداعها بتعاملهم مع مساحات مجانية بديلة، لا تطلب حقوقًا ولا ترد مكاسبًا.

تسعى شركة «سبوتيفاي» للسيطرة على هذه المساحات أيضًا. ويشاع أن شركتي أبل ميوزك و «سبوتيفاي» اتحدا معًا، لعقد اتفاق، مع شركة تسمى Dubset، لكي تراقب ساوند كلاود، وتفرض قوانين لاستخدام النماذج وبهذا تسلبه من ميزته الخاصة، ما يعتبره المحللون نهاية ساوند كلاود أو اندماجه مع «سبوتيفاي» قريبًا.

3 – تغيرات في آليات صناعة الهيت وامكانيات التوزيع

كان منتجو الاسطوانات يبحثون دائمًا عن الـ«هيت»، الأغنية الناجحة، ويجولون البارات والشوارع والملاهي الليلية بحثًا عنها، كان دوج موريس مؤمنًا أنه ليس ثمة هيت محلية، يقتصر نجاحها على بقعة جغرافية واحدة. كان مؤمنًا إذا كانت الأغنية ناجحة في مكان ما، فببعض المثابرة والتسويق سوف تنجح في كل مكان كذلك. وما كان يقوم به دوج موريس أثناء إدارته لأكثر الشركات إصدارًا للأغنيات الهيتس؛ أصبحت قنوات البث تقوم بها أوتوماتيكيًا. تلاحق قنوات البث ردود أفعال المستمعين في نفس اللحظة، وتعرف ما ينطلي على المستمع، وما لا يدخل دماغه. يتم تسجيله رد فعله بتغيير الأغنية بالثانية، وما قد يبحث عنه المستمعون في بقعة جغرافية معينة. تتقصى التطبيقات الأغنيات الناجحة بين المستمعين في بقعة جغرافية معينة، فتقوم بتسويق الأغنية، ووضعها في القوائم الجاهزة التي يعدها فريق الإعداد للمستمعين. ميكانيزم صناعة الهيت أصبح أكثر سهولة ومميكن بالكامل وذو تغطية شبه عالمية.

ولكنه في الآخر يشكل تهديدًا حقيقًا للأغاني الأقل رواجًا. جماهيرية أو شعبية الأغنية هي المقياس الوحيد للجودة، في نظم قياس المتابعة التي تستخدمها التطبيقات أوتوماتيكيًا. مما يعطي الأغنية حقوق أكثر من غيرها لإعادة البث والترويج، كما يطلعنا المدير الإقليمي لـ«أنغامي» حسام الجمال في حواره مع «مدى مصر». ولا نستطيع أن نطالب أي شركات ذات هيكل رأسمالي بغير ذلك. فالشركة لا يمكن أن يكون معيارها لنجاح المقطوعة وجدارتها بالتسويق والترويج؛ سوى أعداد الاستماع. فلا هي مؤسسة من واجبها رعاية الموسيقيين ولا هي مؤسسة حكومية مفترض أن تلعب دورًا في المحافظة على التراث أو جودة الأغنية.

4 – تغير الصوت

أصبحت سماعات الرأس، و سماعات اللاب توب والموبايل، هي المكان الرسمي لاستهلاك الموسيقى، وليس الحفلات الموسيقية ولا الاستاد ولا الحفلات المدرسية. بالتالي صار لها التأثير الأكبر على المحتوى أيضًا. يلاحظ مثلًا أن الأغاني الجديدة الأكثر انتشارًا بها حميمية مميزة. وتتصدر قوائم الأغاني الأكثر استماعًا، منذ عدة سنوات، أغاني ذات إيقاع بطيء نسيبًا، مناسب للجلوس وليس للرقص. وأصبح بالأغاني خواص مميزة لملاءمة سماعات الكمبيوتر، مثل استخدام تأثيرات معينة  لصوت الباص، تعوض عن غياب السماعات المتخصصة، أو استخدام تضاد أكبر في تأثيرات الآلات، أو ما بين مساحات العزف والصمت لتأثير صوتي أشمل surround.

5 – سلطة القوائم الموسيقية

طبيعي أن المستمع لا يستطيع ملاحقة كل الإنتاج الموسيقي في العالم كل عام، لذا فهو يعتمد بشكل أساسي على القوائم المعدة سابقًا لتعطيه فكرة عما هو موجود بالسوق وينتقي منها ما يناسبه. أصبحت القوائم الموسيقية على تطبيقات البث تقوم بنفس دور الدي جي أو مشغل الأغاني في الراديو. وأصبحت القوائم الجاهزة التي تعدها تطبيقات مثل «سبوتيفاي» و«أنغامي» هي تأشيرة للانتشار والشهرة، يحققها أي موسيقي، إذا احتوت إحدى هذه القوائم عمل من أعماله، أو وضعت العمل في صدارة اللائحة، لأن هذا يعني آلاف وملايين المتابعين سيستمعون إلى هذه الأغنية. وإذا استثنت القوائم الشهيرة أغنية، فهي بذلك تحذفها مما أصبح أرشيف المستمعين على الانترنت. فالقوائم هنا هي موجز ومؤرِّخ وأرشيف، والحذف منها يعني الحذف من الذاكرة.

توما باسا المشهور بقائمتنه راب كافيار، والذي تم تعيينه عام 2015 في «سبوتيفاي» لإعداد قوائم للهيب هوب؛ هو الآن من أكثر الأشخاص تاثيرًا في مبيعات الهيب هوب. فقائمته مكوَّنة من 50 أغنية، يحدِّثها باسا أسبوعيًا. يضيف الجديد مما اقتنصه من شركات الإنتاج الصغيرة والكبيرة والمدونات المتخصصة في إصدارات الهيب هوب، ويحذف منها القديم، ليكوِّن القائمة التي يطمح أي رابر ليكون له مداخلة بها. باسا لديه الآن ما يزيد عن سبعة ملايين متابع لقائمته على «سبوتيفاي». وهو ليس خبير فقط في الهيب هوب، ولكنه محلل معلوماتي أيضًا، يعرف أي المقطوعات سيتجاوزها المستمع، وأي منها سيعيد الاستماع إليها، وأيها ستنضم للقوائم الخاصة للكثير من المستمعين. لذا فهو أسبوعيًا يصل بقائمته للاكتمال، من خلال إضافة اكتشافاته الفريدة، وحذف الأغنيات القديمة والحفاظ على الأكثر استماعًا.

توما باسا

نفس التقنية تعمل بها قوائم «أنغامي»، من الاختيار المبدئي، ثم الحذف والإضافة.

حاولنا أن نعرف شيئًا عن فريق إعداد القوائم نفسه، عن خلفيتهم الموسيقية أو مصادرهم في انتقاء الأغنيات، دون إجابة دقيقة. فقط صرح حسام الجمال أنه فريق كبير وأن كل المقطوعات بـ«أنغامي» يتم الاستماع إليها داخليًا، ثم يتم ضمها إلى القوائم، وتتجدد هذه القوائم باستمرار. لم أعرف منه مصير الأغنيات التي تختفي من القوائم، ولا مصير الأغنيات التي لا تتبع قوائم من الأساس، ولا كيف تضم قائمة واحدة ذات عنوان عام مثل «أندرجراوند»، أعمال شديدة التباين فيما بينها، وغريبة الانتساب إلى القائمة من الأساس، من وسط البلد أو كايروكي إلى  فرقة الألف، ولا كيف سيتفاعل مع هذه أو تلك مستخدم واحد؛ غالبًا إذا ما أُعجب بواحدة سيكره الأخرى، بالتالي يكون التجاور حينها ظالمًا لكليهما. ولكنني لم أستطع الوصول إلى أي من فريق الإعداد.

وهنا يكمن تغيُّر خطير في السوق الموسيقي، حيث لم يعد فيه الفنان هو البطل. فمع وجود كم هائل من الإصدارات الموسيقية وكلها متوفرة ومطروحة ومجانية أصبح البطل الجديد هو الغربال، مشغل الموسيقى، ومنصة العرض ذاتها. الموسيقيون يجيئون ويذهبون، والأغنيات الجماهيرية تسطع للحظات، ويخبو بريقها، ولكن القائمة الموسيقية باقية ومتجددة وعامرة.

6- موسيقى الموزع

الآن، تصوَّر شركة بحجم «سبوتيفاي»، بكل ما تملكه من سلطة على صناعة الموسيقى؛  تتحكم في أكثر من نصف الأرباح من الموسيقَى، وتمتلك أكبر شبكة توزيع وتسويق وترويج وقياسات دقيقة لمواصفات الأغنية الجماهيرية وآليات صناعة الهيتس، فماذا ينقص شركة بهذا الحجم لإنتاج موسيقى بنفسها؟ لا شيء. لقد رأينا المثال سابقًا في شركة «نتفليكس» التي أصبحت بعد سنوات قليلة من بثها لمحتوى الفيديو شركة إنتاج أيضًا.

حينما تصبح منصة العرض والتوزيع هي نفسها شركة الإنتاج فهي بهذا تسبِّب عدة مشاكل للسوق. فلأنها ستفسح على أرففها مكانًا لمنتجاتها الخاصة ذات العائد الأكبر بالنسبة لها، فإنها ستفضلها عن المنتجات الأخرى، التي تدفع فيها مصاريف عالية لحقوق البث. فلأن الموزع هو الصانع نفسه، بالتالي تكون ميزانية صناعتها رخيصة جدًا، حيثُ لا تكلف دعاية ولا ترويج، بل ببساطة يمكن فور إنتاجها أن تحتل أفضل أماكن العرض، بما يضع المنتجات الأخرى في منافسة غير عادلة.

وتنتهج كلًا من «سبوتيفاي» و«أنغامي» هذا النهج بالضبط، لما فيه من موارد جاهزة وربح مضمون. لكن السؤال: أي موسيقَى ستنتج أي من الشركتين؟  

ستحاكي قياسات الرائج من الأغاني. ستنتج نفس فصيل الأغنيات التجارية التي تشكل 90% من أرباحها. مما يعني منتَج موسيقِي أقل تنوعًا، وتنافس غير عادل لكل من هو خارج هذه المنظومة.

7 – موسيقى وهمية

قد يظن القارئ أن تناول الموضوع بهذا الشكل يجعله أقرب للبقالة، رفوف ومنتجات وتوزيع وترويج، وقد يظن أن هذه المعايير المادية قد لا تكون مؤثرة في السوق الموسيقي، كما هي في حالة البقالة، لأن به مدخلًا فنيًا وحسًا إنسانيًا بعيد عن هذه الميكنة التعبوية. ولكن لم تعد الموسيقى كذلك.

فخلال العام الماضي مثلًا كشفت Music buisness worldwide عن وجود 50 اسم مستعار لموسيقيين وهميين على «سبوتيفاي»، ما قدرته بـ 520 مليون مرة استماع، وثلاثة ملايين دولار لمقطوعات، لقبتها المؤسسة أنها مقطوعات وهمية. وقد كشفت شركة «سبوتيفاي» أنها تتعاقد مع استوديوهات تسجيل بالفعل لصنع محتوى خاص بها، مصمم بدقة حسب معايير صناعة الأغنية التي تستدل عليها خوارزميات التطبيق من تفاعل المستخدمين.

توجد العديد من المقطوعات الرقمية بلا مؤلف تقريبًا. تنتَج بالكيلو، أو في هذه الحالة بالساعة، ساعات طويلة من الريتم (الإيقاع) الثابت والمؤثرات الهوائية المنتجة كمبيوتريًا Deep Focus, Ambient Chill, and Music for Concentration deep sleep, peaceful piano وتقوم مثلًا شركة «epidemic sound» السويدية، بإنتاج مقطوعات تحت مسميات مستعارة لموسيقيين غير حقيقيين، حازت على ما يقرب من 500 مليون مرة استماع.

صرحت شركة إبيديميك لصحيفة نيويورك تايمز إنها تصدر محتوى موسيقي لكل خدمات البث (ليس فقط «سبوتيفاي» ولكن «يوتيوب» و«أبل ميوزك») مما يحقق لها ما يقرب من عشرة مليارات مرة استماع في الشهر الواحد، وسوف تستمر في العمل مع كل من يرغب في إنتاج هذه النوعية. مما أثار استياء الكثيرين، واعتبروا الأمر بمثابة خدعة، واختلفوا على مسمى مؤلف وهمي. مثلًا، وضعت MBI آليتها في التعريف والتعرف على الموسيقيين الوهميين: أي مؤلف لديه ملايين من المتابعين، وليس لديه أكثر من مقطوعتين موسيقيين، ولا يمكن الوصول إليه أو الاتصال به عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هو مؤلف وهمي.

بيتر ساندبرج، وهو موسيقي سويدي ذو 27 عامًا، يقوم بصنع ساعات من الموسيقى لشركة «سبوتيفاي» اعترض على تسمية الموسيقى بالـ«وهمية»، لمجرد أن اسم صاحبها لا يمكن الوصول له عبر صفحات التواصل الاجتماعي. هو شخصيًا موسيقِي يتنج تحت اسم مستعار، اسم واحد أو اثنين أو خمسين، لا يهم،  فهو في النهاية شخص ذو موهبة وجد لنفسه مساحة للعمل، وسيستمر في صناعة هذه الموسيقى، طالما أن هناك طلب عليها، وفجوة في السوق تصلح لاستقبالها.

إذا تأملت الصراع الذي تتنازع حوله شركة «سبوتيفاي» مع الصحف عن قرب، ستجد أن الطرفين فيه لا يختلفان سوى على مسميات. هو جدال فلسفي من الطراز السقراطي الأصلي: هل الموسيقَى المبرمجة يمكن أن نسميها موسيقى أم لا؟، هل تقاس الجماهيرية بعدد المستخدمين أم بعمق تفاعل كل مستمع مع الموسيقى؟ كيف يقاس عمق التفاعل؟ كيف يمكن تحويل الموسيقى إلى وحدات حسابية وتثمينها والتعامل معها بمعطيات السوق الجديد دون أن تقارن بالبقالة؟ وهل المؤلف بلا حساب على تويتر وفيس بوك هو مؤلف حقيقي أم مجرد وهم؟

خاتمة

مشكلتنا الإبداعية مع ذلك النموذج أنه يعتمد بالكامل على إعادة استهلاك الأصول السابق إنتاجها، أو إنتاج موسيقى مصممة لاحتياجات سابقة. ميكنة تقدس الجماهيرية وتعيد هضمها وإفرازها. تروِّج للشعبي وتهمش الفرعي في دوامة متسارعة من التبجيل والإقصاء.

الموسيقيون كذلك ليس دورهم فقط إشباع الرغبات العامة، ولكن التعبير عن أكثر تجاربنا خصوصية. تعاني الموسيقى العربية تحديدًا من نقص في التعبير عن كل مشاعر القلق أو الغضب أو التخبط، وهو السبيل الأهم الذي من أجله نحب الموسيقى وتدفعنا لاستهلاكها بشكل أعمق، كملاذ أو تحالف أوعزاء. تقابَل كل الأغنيات التي تتكلم في غير الغزل العفيف بالاندهاش والنبذ والتهكم، والآن جاءت ميكنة لتكرِّس هذا الدور المعتمد الذي لم ينقصه دعم.

كل الألجوريذم ونظم البحث والمحاسبة ترسِّخ ما سبق إنتاجه، وتعيدنا بمتاهاتها المتداخلة إلى نفس النقطة. لا يشجع سياقها ولا آلية عملها على التطوير، ولا اكتشاف الإمكانيات الموسيقية الجديدة. تقلِّص مساحات التجريب، وتعمِّم التجارب وتوحد الأذواق، ولا إراديًا تُقصي الغريب والصاخب، وتتحكم باحتكارها للأرشيف الموسيقي في ذاكرتنا الموسيقية. تجعلنا، حرفيًا، مخدرين أمام مقاطع مألوفة، تكررها على أذاننا لساعات بلا انقطاع، وتبتعد عن المجهول، الذي طالما كانت غاية الموسيقيين اكتشافه، والسعي لمعرفة حدوده. وبدون تطيُّر أو بارانويا أو خوف زائد من الآليات الجديدة لتطبيقات البث بإمكانياتها الرائعة الجديدة فأنا متشكك، في كونها الفردوس المنشود لصناع الموسيقى، فهل كشفت تطبيقات البث كل المجهول أم حددت مساحات السعي فقط؟

اعلان