Define your generation here. Generation What
هل يحل رفع أسعار تذاكر القطار مشكلات «السكة الحديد»؟
 
 
المصدر: مصطفى درويش
 

أجلت الحكومة قرارها برفع أسعار التذاكر في جميع القطارات بالسكك الحديدية المصرية حتى يونيو المقبل، تبعًا لما قاله وزير النقل هشام عرفات في تصريحات صحفية أمس، الثلاثاء، وذلك رغم تأكيدات سابقة بأن الزيادة ستتمّ في نهاية يناير الماضي، لمواجهة احتياجات مالية عاجلة لهيئة السكك الحديدية.

ربط الوزير التأجيل بنهاية الفصل الدراسي الحالي، معتبرًا أن هذه المهلة ستُتيح زيادة عدد حاملي اشتراكات القطار، الذين يحصلون على تلك الخدمات بشكل منتظم من الطلبة والعاملين بالقطاع العام، موضحًا أن نسبة أصحاب الاشتراكات من إجمالي مستخدمي القطارات حاليًا تعتبر منخفضة جدًا، وأن زيادة الأسعار لن تطبق عليهم.

وتستهدف الحكومة رفع أسعار التذاكر لمواجهة الخسائر الكبيرة للهيئة القومية لسكك حديد مصر، مع زيادة التكاليف بنسب أكبر من الإيرادات، وسط تدهور في معدات ومرافق الشبكة، بحسب تصريحات لمسئولي وزارة النقل.

ووافق البرلمان هذا الأسبوع على تعديلات لقانون هيئة النقل العام تسمح بإشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل وصيانة شبكة السكك الحديد، بعدما كان وزير النقل صرّح بضرورة تلك الخطوة للحد من تدهور الشبكة في خضم عدم كفاية موارد الهيئة للقيام بتلك العمليات بكفاءة، مؤكدًا أن هذا التعديل ليس خصخصة.

وبينما يرى بعض رواد القطار الذين تحدث معهم «مدى مصر» أن زيادة أسعار التذاكر أصبح طبيعيًا في ظل ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات، ويربطون هذه الزيادة بتحسين الخدمة التي يحصلون عليها.

إلا أن بعض الباحثين يشيرون إلى أن هيئة السكك الحديدية لن تتغلّب على مشاكلها بزيادة الأسعار، وإنما بتطوير الخدمات لجذب مزيد من المستخدمين، وبوقف أشكال الإهدار للموارد التي ساهمت في زيادة الخسائر وتدهور أحوال الخدمة.

تاريخ موجز لأسعار التذاكر

شهدت أسعار تذاكر القطارات زيادات متباينة خلال العقد الأخير، كان أبرزها عام 2015، حين قررت هيئة السكة الحديد رفع أسعار تذاكر القطارات المكيفة بمبلغ 20 جنيهًا للدرجة الأولى المكيفة، و10 جنيهات للدرجة الثانية المكيفة.

ورفعت الهيئة أيضًا أسعار قطارات النوم من القاهرة إلى أسوان في نهاية عام 2013، من 230 جنيه إلى 300 جنيه.

وقال أحمد حامد، رئيس الهيئة في ذلك الوقت، إن أسعار تذاكر الدرجات المكيفة لم تتغير منذ عام 2007، واشتراكات القطاعين العام والخاص لم تزد منذ 2008.

باستثناء تلك الزيادة، لم تطرأ تغييرات شاملة على تذاكر القطارات في العقد الأخير.

أما الزيادات التي تخطت تلك الحدود في أسعار تذاكر فقد ارتبطت بإدخال فئات استثنائية من القطارات، كما حدث مع قطار الـVIP  الذي دخل الخدمة لأول مرة على خط القاهرة أسوان في عام 2015 بسعر تذكرة أعلى من القطارات المكيفة على الخط نفسه.

أما القطارات «العادية»، وهي القطارات غير المكيفة التي تعد الأدنى سعرًا مقارنة بالفئات الأخرى، فلم تتغير أسعارها منذ عام 1998، بحسب تصريحات وزير النقل هشام عرفات في يناير الماضي.

ما هي الزيادات المنتظرة؟

كانت وزارة النقل قد أعلنت، الشهر الماضي، عن انتهائها من إعداد دراسة تحريك الأسعار، وأن مجلس إدارة هيئة السكة الحديد يقوم بمراجعتها لاعتمادها، والإعلان عنها بنهاية يناير. لكن الوزارة لم تعلن عن زيادات الأسعار في الموعد الذي حددته، رغم تصريح مسؤوليها، وقتها، بأن القرار سيطبّق خلال أيام.

فيما قال الوزير أمس، الثلاثاء، إن الوزارة ستؤجله حتى نهاية الفصل الدراسي الحالي، وذلك انتظارًا لزيادة نسبة أصحاب الاشتراكات من إجمالي مستخدمي القطارات، موضحًا أن زيادة الأسعار لن تكون سارية على الاشتراكات.

وكان وزير النقل هشام عرفات قد أعطى بعض التقديرات العامة لحدود الزيادة المقترحة دون أن يحددها بشكل مفصل، فقال في تصريحات تليفزيونية إن قطارات الـVIP، الأعلى سعرًا، ستشهد تذاكرها زيادة بحوالي 25%، والقطارات المكيفة الأخرى سيزيد سعرها بنحو 40%. أما القطارات العادية، غير المكيفة، من الفئة المُسماة «المميزة»، سيكون الحد الأدنى لسعرها 3 جنيهات، بحسب الوزير. وذلك بزيادة تقترب من 150% عن سعرها الحالي، فيبلغ الحد الأدنى للتذكرة في تلك الفئة حاليًا 1.25 جنيه، والموجود في بعض قطارات الضواحي التي توصل بين المدن والمراكز القريبة من بعضها، والتي تقف في قرى عديدة، بحسب عرفات.

ورفض المتحدث الإعلامي لوزارة النقل، محمد عز، أن يفصح لـ «مدى مصر» عن الزيادات المقترحة بشكل مفصل، ولكن مواقع إخبارية تداولت، نقلًا عن مصادر في الوزارة، أن نسب الزيادة ستتراوح بين 15% و150%، لتكون 15% على أسعار تذاكر الـVIP و30% لتذاكر الدرجة الأولى مكيف، و50% للثانية مكيف، و140%، و150% للقطارات غير المكيفة.

وإذا تمّ تطبيق الزيادات بتلك النسب فعلًا، فهذا يعني أن سعر تذكرة الـVIP بين القاهرة والإسكندرية سيرتفع إلى 115 جنيه بدلا من 100 جنيه حاليًا، والدرجة الأولى المكيفة للقطار المباشر بين القاهرة والإسكندرية ستصبح بـ 80.5 جنيهًا بدلًا من 70 جنيهًا، ويصبح سعر تذكرة قطار الضواحي بين القاهرة ومدينة منوف شمال العاصمة 5 جنيهات، بدلًا من جنيهين حاليًا.

رفع الأسعار للتعويض عن الخسارة

 

كثرت شكوى مسؤولي وزارة النقل والهيئة القومية لسكك حديد مصر مما أكّدوا مرارًا أنه تآكل مستمر في إيرادات الهيئة في مقابل زيادة تكاليف التشغيل والصيانة باضطراد. وقد كلف ارتفاع أسعار المحروقات جراء التعويم، منذ نوفمبر 2016، نحو 669 مليون جنيه، بحسب هشام عرفات. وعبّر الوزير في تصريح آخر عن العجز المالي للهيئة قائلًا: «إحنا معناش خلاص».

ووصلت خسائر هيئة السكة الحديد في السنة المالية المنتهية في شهر يونيو الماضي، إلى 4.5 مليار جنيه، بحسب موازنتها للعام المالي الحالي. وتتوقع الهيئة زيادة الخسائر هذا العام لتصل إلى 5 مليار جنيه.

وقدرت الهيئة مصروفاتها للعام المالي الجاري 2017/18 بـ 9.3 مليار جنيه، مقارنة بـ8.5 مليار جنيه في العام الماضي، ونفس الرقم للعام السابق له.

وبينما لم يرد محمد عز، المتحدّث باسم وزارة النقل، على أسئلة «مدى مصر» بخصوص حجم الإيرادات الإضافية المتوقعة من زيادة أسعار التذاكر، قال محمد عبد الصبور، رئيس قطاع التشغيل والموازنات بالوزارة، لـ «مدى مصر» إن «السيناريوهات المختلفة» التي تمت مناقشتها في صدد رفع الأسعار ستزيد إيراد التذاكر ما بين نصف مليار إلى مليار جنيه، حسب الخطة التي سيتم اعتمادها، رافضًا الإدلاء بأية تفاصيل أخرى.

وقال محمد عز، متحدّث الوزارة، لـ «مدى مصر» إن الخسائر المتراكمة للهيئة وصلت إلى 40 مليار جنيه في السنوات الماضية، مؤكدًا أن استمرار مشروعات الهيئة، التي قال إنها تقدّر بـ 55 مليار جنيه الآن، يستوجب زيادة أسعار التذاكر لتعظيم الإيرادات.

لكن المتحدث باسم الوزارة فضّل عدم الرد على أسئلة «مدى مصر» حول المصادر المختلفة لإيرادات الهيئة، وتفاصيل تراكم الخسائر والفترة المحددة التي حدثت خلالها، مكتفيًا بقول إنها «تراكمت في السنوات الماضية». كما لم يرد على هذه الأسئلة رئيس الهيئة سيد سالم، وكذلك الوزير هشام عرفات.

وأطلق مسؤولو «النقل» تصريحات متفرقة في الآونة الأخيرة بخصوص الخسائر والتمويل الذي تتطلبه مشروعات الهيئة. فقال عرفات، في تصريحات إعلامية الشهر الماضي، إن الخسائر راكمت ديونًا قدرها 40 مليار جنيه على مر 40 عامًا. ويضاف إليها 55 مليار أخرى مديونية المشاريع التي تقوم بها الهيئة الآن، منها 44 مليار جنيه تكلفة كهربة الإشارات.

وأضاف عرفات أن الوزارة تعمل على كهربة الإشارات للمرة الأولى في 708 كيلو متر، مؤكدًا أن مسافة الكيلو  الواحد تكلّف الوزارة مليون دولار. كما قال الوزير إن الهيئة اشترت جرارات بقيمة 575 مليون دولار.

وبحسب تصريحات مساعد وزير النقل عمرو شعت، لجريدة «المال»، فإن الوزارة رصدت 52 مليار جنيه لتطوير خطوط القطارات، من بينها «30 مليار جنيه لأعمال الصيانة، وشراء جرارات وعربات ركاب، وبضائع لدعم الأسطول الحالى، و20 مليار جنيه لتجديد الخطوط والمزلقانات وكهربة الإشارات، فضلًا عن إنشاء أسوار على حرم السكة الحديد بتكلفة ملياري جنيه».

وأكّد وزير النقل، في تصريحات صحفية سابقة، أن شبكة السكة الحديد متهالكة نتيجة عدم التطوير وإحلال القطارات بالكامل، مؤكدًا أن بعض الجرارات عمرها 37 عامًا، وذلك رغم إنه كان يجب أن تخرج من الخدمة بعد أن تجاوزت فترة عملها 24 عامًا، بعد عدة دورات من الصيانة، وأن الخطوط لم تطوّر منذ عقدين، مؤكدًا أن الشبكة تحتاج الآن لإصلاح وليس تطوير، بحسب عرفات.

وتابع: «التطوير يعنى مواكبة ما يجرى فى العالم، لكن العالم الآن تخطى مرحلة الإلكترونى [الذي تضيفه الحكومة إلى المنظومة الآن]… ونحن الآن نصلح، ومرحلة التطوير بعد الانتهاء من إصلاح المنظومة».

فيما أكّد عز، متحدّث الوزارة، لـ «مدى مصر» أنه بخلاف كهربة الإشارات، تشمل المشاريع شراء 1300 عربة قطار جديدة، منها 300 للنقل، وتجديد 1200 كيلومتر من الشبكة وتطوير مزلقانات الشبكة.

سبل التطوير والموارد المهدرة

 

بينما يبقى رفع أسعار التذاكر أحد أهم موارد «السكك الحديدية»، يرى محللون إمكانيات لتعظيم إيراداتها من خلال سبل أخرى.

ويؤيّد إبراهيم مبروك، أستاذ هندسة الطرق بجامعة الأزهر، رفع أسعار التذاكر، مؤكّدًا استحالة تحسّن الخدمة وسط الخسائر المتزايدة.

ويقترح أستاذ هندسة الطرق حلولًا تشمل استفادة الهيئة القومية لسكك حديد مصر من أراضيها من خلال بناء مولات تجارية، لأن السكة الحديد من وجهة نظره «لا تقتصر على قطار يمشي على قضبان».

ويؤكّد مبروك أن الدولة يجب أن تخفف التزاماتها الكبيرة من خلال دخول الشركات الخاصة إلى قطاع السكة الحديد، قائلًا إن زيادة المنافسة ستحسّن مستوى الخدمة وتؤدي إلى تقديم أسعار منخفضة لها.

وفي المقابل، يرى عمرو نصر الدين، الباحث في تاريخ السكك الحديدية المصرية، أن الدولة لا يجب أن تنظر إلى السكة الحديد من منظور تجاري، موضحًا أن «التفكير الشائع يرى الهيئة كأنها مؤسسة أو شركة تطوير عقاري، فيفكّر دائمًا في استغلال أملاكها وأراضيها كطرق لجني أرباح من خلال استغلالها كمولات تجارية أو بيعها لمشاريع إسكان وهكذا».

ويؤكّد نصر الدين أن الهيئة يمكنها تعظيم إيراداتها بسبل أخرى دون إهدار مواردها في مشاريع تجارية والابتعاد عن دورها الذي يرى أنه تنموي بالأساس، فيضرب مثلًا بمحطة طنطا، التي يقول إنها كانت تضم ورشة صيانة كبيرة، ولكن تمّ التخلص منها تمامًا وإنشاء أبراج سكنية عليها، مؤكدًا أن تحديثها كورشة عائده كان سيصبح أكبر على المدى الطويل، خصوصًا مع الشكوى المستمرة من تدهور حالة القطارات.

ورغم إقرار نصر الدين بأن أسعار التذاكر ظلت دون تغيير لفترة طويلة، إلا أنه يقترح طرقًا أخرى لزيادة إيرادات السكة الحديد من خلال تحسين مستوى الخدمة بدلًا من زيادة حصيلة التذاكر، ويوضح ذلك قائلًا: «يمكنك زيادة حركة الركاب لزيادة الدخل، فمثلًا يمكن التركيز على تقديم خدمة أفضل للشرائح الأكثر قدرة ماديًا الذين لا يستخدمون القطارات، وذلك بأن تضمن لهم انتظام المواعيد وزيادة الرحلات التي تقتصر الآن على 3 أو 4 رحلات إلى الوجهات المختلفة يوميًا».

 ويتابع نصر الدين أن الحكومة يمكنها استهداف تسيير قطارات مباشرة بين المدن كل ساعتين، وذلك على غرار ما يحدث في العديد من البلدان الأخرى، مما يجعل القطارات وسيلة انتقال عملية وموثوق بها يستخدمها قطاع أوسع من المواطنين.

وحسب البيانات الحكومية، تنقل السكك الحديدية نحو 1.4 مليون راكب يوميًا، و يبلغ نصيبها من نقل الركاب أكثر من 30% من إجمالي حجم النقل في مصر.

ويشير الباحث عمرو نصر الدين إلى ضرورة زيادة طاقة استيعاب الخطوط في المناطق الحيوية، قائلًا إن تكثيف الخدمة على قطارات الضواحي ليكون هناك قطار كل 15 دقيقة، سيجعلها أقرب للمترو. مما يدر إيرادات أعلى، وينافس وسائل المواصلات الأخرى كذلك.

كما يؤكد نصر الدين على ضرورة الحد من إهدار الموارد، ويعطي مثالًا بمحطات قطار بنيت بعيدًا عن المدن، مثل محطة الواحات الخارجة التي تبعد عن المدينة بين 20 و30 من الكيلومترات، لذلك يفضل المسافرون إلى هناك استقلال ميكروباص بدلًا من الاضطرار لركوب وسيلة مواصلات أخرى من المحطة إلى المدينة.

ويؤكد نصر الدين إن الهيئة يجب أن يكون شاغلها الأوحد هو خدمة المواطنين وتطوير هذه الخدمة وتحسينها، وهذا كفيل بأن يجعل لديها موارد كافية. لكنها لا يجب أن تكون هادفة للربح مثلما يحدث الآن، لأنها «مؤسسة خدمية دورها تنموي واجتماعي، لا يجب أن تُدار فقط بمعايير الربح والخسارة».

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي