Define your generation here. Generation What

لحظة ارتباك أمام «القضية 23»: سردية مغايرة لم تخض مغامرتها للنهاية!

بعد جدل طويل حول مقاطعة فيلم «القضية 23»، اعتراضًا على موقف مخرجه زياد دويري من التطبيع مع إسرائيل، قررت عدم مشاهدة الفيلم، أو بشكل أكثر دقة أحجمت عن مشاهدته، خوفًا أن يكون الفيلم ضعيفًا أو مملًا.

يدور الفيلم حول قضية شائكة تتفجر بين مسيحي لبناني ومسلم فلسطيني في أحد أحياء بيروت. ومن مشاهداتي السابقة، يفتقد هذا النوع من الأفلام الملحمية للحيوية، وقد تكون قراءتي السريعة لبعض عروض الفيلم، والتي اكتفى معظمها بتلخيص قصته لا أكثر، هي ما عزّزت من شعوري هذا.

ولكن عرض الفيلم في سينما الزمالك، وإقبال بعض الأصدقاء غير المصريين على مشاهدته، شجعاني على تجاهل توقعاتي السلبية ومشاهدته. وعندما حاولت حجز التذاكر إلكترونيًا عبر شبكة الإنترنت فوجئت أن الفيلم يحظى بنسبة مشاهدة عالية وأن التذاكر تنفد سريعًا، وتأكد هذا الانطباع بالفعل عند وصولي للقاعة لأجد الصالة مكتملة الحضور.

ربما أثار الجدل فضول البعض لمشاهدته، وقد يكون ترشح الفيلم اللبناني لأول مرة لجائزة الأوسكار كـ«أحسن فيلم أجنبي» عنصر الجذب لغير المصريين أو لمصريين آخرين، لم يشاركوا في الجدل الدائر حول دويري وتصوير فيلمه السابق في إسرائيل، أو لم يسمعوا حتى به.

فيلم «محترف»

مع بدء عرض الفيلم وجدتني أمام فيلم مصنوع بحرفية شديدة، إيقاع مشوق وسيناريو متماسك ومتصاعد. تتلاحق الأنفاس من تواتر حدث تلو الآخر، ليس فقط للمفاجآت المتتالية، بل أيضًا لشحنات العواطف والمشاعر المحملة بها كافة الشخصيات والأحداث.

قد تكون هذه الحرفية والصناعة المحكمة وشحنة المشاعر المتدفقة هي ما أخرجتني مرتبكة الأفكار من الفيلم، بل أن هذا الارتباك، وبعض التوتر أحيانًا أيضًا، صاحباني أثناء المشاهدة في مشاهد عديدة.

لن تجد وقتًا لتمل هناك، فالفيلم لم ينجرف في محاضرات مطولة حول العدالة والغضب المكتوم والتسامح.

سيناريو دويري وجويل توما محكم، وتمكن من توليد الدراما المستمرة من قلب الصراع الدائر بين اللبناني المسيحي أنطون حنا، والداعم لحزب القوات اللبنانية، والفلسطيني ياسر سلامة الذي ولد في المخيمات الأردنية، ثم استمر نزوحه حتى استقر في بيروت، وتمكن الممثّل كامل الباشا من تجسيد شخصية كل فلسطيني قابلناه في بلاد المنافي، يدفن غضبه عميقًا بداخله بينما على السطح توجد شخصية جادة متفانية هادئة، ولكن سريعة الاشتعال أحيانًا.

تتصاعد الحادثة العابرة، أو «الإهانة»، بين البطلين، رويدًا رويدًا، لتكشف بالتدريج عما وراءها من كراهية مكتومة ومتراكمة لم يتعامل معها أحد منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في 1990.

23 مشهد من فيلم القضية

أنسنة جعجع

وإلى جانب المفاجآت المستمرة التي تتصاعد مع أحداث وشخصيات الفيلم الرئيسية، يقدم لنا دويري بجرأة شخصيات لبنانية معروفة مثل شخصية سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، وشخصية الرئيس اللبناني، ميشيل عون، وإن لم يُذكر اسم الأخير، بل ظهر فقط بوصفه رئيس دولة لبنان.

ظهرت شخصية جعجع في الفيلم مرتين؛ في المرة الأولى ظهر في أحد خطاباته الملتهبة أمام داعمي حزبه -القوات اللبنانية-، والتي يحضرها جميعًا بطل الفيلم أنطون حنا، بشغف وحماس، قد يبدوان مبالغًا فيهما، بل ومثار انتقاد عابر من زوجته المنتمية لنفس طائفته.

الظهور الثاني لشخصية جعجع في الفيلم كان من أكثر اللقطات إثارة لأعصابي، فهو يخاطب الكاميرا بوجه إنساني، يتحدث عن أن خاسر الحرب يتحول لكبش فداء لكافة الأخطاء، ويدعو بطل الفيلم المسيحي أنطون حنا لإغلاق صفحة صراعه مع غريمه الفلسطيني، مذكّرًا إياه بأن الحرب قد انتهت.

تؤنسَن شخصية جعجع في الفيلم وتُقدَّم بوصفه زعيم الفصيل المهزوم الذي يقاتل من أجله أبناء طائفته، ولكنه حريص مع ذلك على استقرار لبنان.

أتذكر كل ما ارتبط به اسم جعجع في ذاكرتي ومخيلتي، من ضلوعه في مذبحة صبرا وشاتيلا وعلاقاته بالجانب الإسرائيلي.

ورغم أن ظهور شخصيته في الفيلم كان مغزولًا بحرفية، بوصفه قائدًا سياسيًا يعبر عن طائفة، ويتعامل بمسؤولية لوقف تصاعد الأزمة الشخصية العابرة إلى قضية رأي عام قد تشعل فتيل حرب جديدة، لكني لم أستطع تخطي توتري من هذا التصوير «الإنساني» لاسم ارتبط في ذاكرتي بالعديد من الجرائم أثناء الحرب وبعدها.

وقتها، تخيلت للحظة أن شارون سيظهر هو الآخر ليحدثنا أمام الكاميرا بعين منكسرة قائلًا: «كان لا بد أن يُقتل كل هؤلاء في صبرا وشاتيلا من أجل أمن آلاف الإسرائيليين العزل من النساء والأطفال»، فيتنهد الحضور في صمت تعاطفًا مع السردية الإسرائيلية للأحداث.

لكن الفيلم، في مجمله، يطرح إشكالية هامة تقع عند نهاية هذا النوع من الصراعات الأهلية الدموية، وهي ضرورة طرح صيغة للمصالحة أو للحوار، لتتمكن الأطراف المتحاربة من تجاوز المذابح وأحداث الحرب والتاريخ الدموي، فتلتئم الجروح ولو قليلًا.

شخصان يختزلان الصراع

أراد دويري التركيز على سردية المسيحيين اللبنانيين للحرب الأهلية، والتي حتى إن انتهت من أكثر من 28 عامًا فلا يزال رمادها مدفونًا وقابلًا للاشتعال في أي لحظة. فقرر اختزال الحرب في الصراع بين الفلسطيني المسلم السني، غير المنتمي لأي تنظيم، واللبناني المسيحي المحب للقوات اللبنانية، والذي كان طفلًا إبان الحرب.

هذا الاختزال للحرب جرى بتبسيط شديد، فداخل كل معسكر من المعسكرات المتحاربة كانت هناك اختلافات عديدة، بل وصراعات وصلت لحد التصفيات. وبالإضافة للاستقطاب بين المسلمين والمسيحيين، كان هناك الاستقطاب بين السنة والشيعة.

وبينما تقاتل كل هؤلاء على الأرض، كان هناك لاعبون دوليون وإقليميون حوّلوا لبنان طوال 15 عامًا لساحة قتال وتصفية حسابات وصراعات إقليمية شديدة التعقيد والوحشية.

كل هذا التشابك اختزله دويري في قصة شخصين، محمّلَيْن بذكرياتهما الأليمة الخاصة والشخصية، كضحايا.

في نفس الوقت، فربما كانت إزاحة كل هذه التعقيدات والطبقات المتداخلة هي ما زادت الفيلم حيوية وفتحت المجال لعرض السردية المسيحية للصراع الأهلي في لبنان. فمن خلال هذا التبسيط تحديدًا، تتصاعد الدراما وتتلاحق الأنفاس مع المفاجآت المتسارعة.

يذكّرنا الفيلم بأنه كان هناك ضحايا أيضًا من المسيحيين، ومذابح طالت قراهم وقتلت أسرًا بأكملها، وبأن هناك أطفالًا شهدوا هذا الدمار وتربوا معه، وكبارًا خرجوا من هذا الجحيم كالموتى الأحياء.

مثلًا، كانت هذه أول مرة أسمع فيها عن مذبحة الدامور، التي وقعت في 1976 وراحت ضحيتها مئات الأسر المسيحية بعد اقتحامها من قبل المقاتلين الفلسطينيين، حتى وإن لم يذكر دويري أنها وقعت ردًا على مذبحة الكرنتينا السابقة لها، والتي راحت ضحيتها مئات الفلسطينيين أيضًا.

هكذا هي الحرب الأهلية، مذبحة تلي أخرى ودم يقود لمزيد من الدم.

بنزق شديد، يبدو وكأنه اندفاع صبياني، وفي إطار طرحه للسردية المسيحية، يزج دويري بعبارات شديدة القسوة ضد القضية الفلسطينية، كأن يصيح اللبناني المسيحي غاضبًا: «ياريت شارون محاكم عن بكرة أبيكم»، في إشارة قاسية ومهينة لأكثر الجنرالات الإسرائيليين إثارة للكراهية في العالم العربي بأكمله.

ثم، ومع تصاعد الأحداث، يُتهَم الفلسطينيون باحتكار «دور الضحية»، مع تساؤلات سطحية حول سبب تحول القصة الفلسطينية لـ«القضية»، في مقابل عدم تعاطف أحد مع قصة مسيحيي لبنان، وكأن القصتين فيهما أي قدر من التشابه، وكأن من الممكن مساواة الاحتلال والاستيطان والتشريد والتنكيل الممارس بحق شعب بأكمله، أصبح معظمه خارج أراضي وطنه، بأزمة إحدى الطوائف في صراع أهلي.

صحيح أن الوجود الفلسطيني في لبنان تحديدًا، إبان الحرب الأهلية هناك، حوّل الفلسطينيين لطرف في الصراع، لكن هذا لا ينسحب بالطبع على عدالة ومأساوية القضية الفلسطينية، في عمومها وعلى مدار سنواتها السبعين.

سردية مسيحية سطّحت المسيحيين

بالإضافة لهذا، لم ينفذ الفيلم إلى عمق السردية المسيحية وتنوعها وتعقدها. فشخصية المحامية الشابة المسيحية التي تقرر الدفاع عن ياسر سلامة الفلسطيني ودعمه، كانت تستحق التوقف عندها كثيرًا للبحث في دوافعها وموقفها المركب.

لا يكفي هنا القول إنها تجاوزت الحرب لأنها لم تعشها، فالبلد بأكمله اشتعل مع تحول الحادثة الشخصية العابرة لقضية رأي عام، حيث وقفت جموع الشباب الفلسطينيين وراء سلامة، وجموع الشباب المسيحيين وراء حنا، في تعصب طائفي أعمى، ولكنه مفهوم.

داخل كل من المعسكرين، هناك بالتأكيد آلاف الشباب ممن لم يروا الحرب إطلاقًا، ولكن هذا لا يعني أنهم تجاوزوها.

كان هناك كذلك العديد من الشخصيات المسيحية التي ظهرت في الفيلم، والذي كان يمكن التعمق ولو قليلا في قصصهم لتكتمل قليلًا صورة تلك السردية، بما في ذلك شخصية زوجة أنطون حنا، أو والده مثلًا الذي شهد مذبحة الدامور ذاتها، أو المحامي المسيحي ذو المكانة الكبيرة والذي عايش الحرب هو الآخر، ورغم أدائه المتحضر، إلا أن قلبه ممتلئ بالمرارة.

حاول دويري إذن طرح السردية المسيحية في إطار من الجرأة الممزوج بالقسوة الجارحة ضد الجانب الفلسطيني أحيانًا، ولكنه لم يتعمق في رسم السردية المسيحية ومرارتها، ووجد نفسه في مأزق التعرض للقضية الفلسطينية من منظور واحد وضيق؛ منظور الوجود الفلسطيني في لبنان إبان الحرب الأهلية.

نهاية ذكية ترضي الجميع

للخروج من هذا المأزق، وبذكاء وبراعة شديدين، حجّم المخرج مغامرته واندفاعه الصبياني، وخلط الأوراق جميعًا في نهاية الفيلم.

فمع تعاطف بطل الفيلم الفلسطيني بشكل فردي، وبوصفه ضحية، مع الضحية الأخرى التي غاب عنه، وربما عن آخرين، التعاطف معها، أو على الأقل فهم منظورها ومرارتها من الحرب، يقدم أخيرًا ياسر سلامة الاعتذار الذي أصر عليه أنطون حنا طوال الفيلم.

تحكم المحكمة ببراءة سلامة من تهمة الاعتداء على أنطون، لأنه حتى لو اعتدى بالضرب على غريمه المسيحي، فإن ذكر «شارون» و«صبرا وشاتيلا»، ولو في إطار المشادة الكلامية والغضب الأعمى، مبرر كاف لغضب سلامة، بل لغضب الفلسطينيين والعرب على مدى عشرات السنوات، أيًا كانت انتماءاتهم السياسية والطائفية والدينية.

قد لا يكون هذا في النهاية هو الرأي الأصيل لدويري، وربما لا تزال لديه دوافعه وتحيزاته ضد «الاحتكار الفلسطيني لدور الضحية»، لكن في كل الأحوال، فقد كانت هذه النهاية الذكية هي مخرجه من تلك الورطة.

ترك دويري صالة العرض بهذه النهاية، بين تنهدات التعاطف الإنساني مع ضحايا الحروب الأهلية عمومًا على اختلاف انتماءاتهم، كما طمأن ضميرَ الحضورِ المتعاطفين مع القضية الفلسطينية في نفس الوقت بأنها ستظل الأكثر نبلًا، سواء كانت داخل المعادلة اللبنانية أو خارجها.

وربما حاول دويري طمأنة الجميع أيضًا بأنه لا تزال هناك، داخل الأطراف المتحاربة التي لا تزال كارهة لبعضها في لبنان وأماكن أخرى من العالم العربي، مساحة من التعاطف الإنساني الشخصي على الأقل.

بعد خروجي من قاعة العرض، بكل هذا الارتباك في مشاعري، قابلت بالصدفة صديقة كرواتية كانت هي أيضًا شديدة التأثر بالفيلم، لأنه ذكرها بمأساة الحرب في يوغسلافيا السابقة. قالت لي إن ما حدث في الفيلم لا يزال يحدث بين زملائها في العمل حتى الآن.

توقفت قليلًا لأدرك أنه خارج إطار الشرق الأوسط، سيظل الفيلم بكل تأكيد يحصد صيحات الإعجاب. فلا أجمل من دعوات المصالحة الوطنية والمحاسبة والمحاكمات العادلة بعد سنوات القتل والحروب الأهلية، وما أجمل خطاب «الكل ضحايا»!

أدركت في تلك اللحظة أن العالم أرحب وأوسع من تعقيدات الشرق الأوسط، وأن الفيلم بخطابه هذا سيلقى إعجابًا حقيقيًا وأصيلًا لدى ضحايا الصراعات والحروب الأهلية في شتى بقاع الأرض، بعيدًا عن الشرق الأوسط وأشواكه.

اعلان
 
 
يارا شاهين