Define your generation here. Generation What

حروب مذهبية صغيرة: أقباط ضد أقباط

في البداية، ومع تداول صور قيل إنها لهدم الأرثوذكس لكنيسة بروتستانتية في المنيا، لم يلفت الأمر الكثير من انتباهي، وربما تجاهلته عمدًا.

لم يكن هذا التجاهل من باب الإنكار أو عدم التصديق، بل العكس، فمع استبعادي أن تصل الحساسيات بين الطوائف القبطية لحد هدم الكنائس، إلا أنني أعرف أن عداوات بعينها، لها تاريخها الخاص والطويل، منها المفتعل ومنها الحقيقي، قد تنتهي بأسوأ من هذا.

لاحقًا، خرجت البيانات الرسمية وشبة الرسمية من الطرفين، وتبين منها أن الأمر لا يتعلق بهدم كنيسة على وجه الدقة، بل بقاعة للمناسبات كان يستخدمها أبناء الكنائس الثلاث؛ الأرثوذكسية والإنجيلية والرسولية (والأخيرتان بروتستانتيتان).

ولسبب ما، كانت القاعة المذكورة محلًا لخلاف قضائي وصل للمحاكم. وحتى مع بَتَّ المحكمة في الأمر، يبدو أن كل طرف قد فسر الحكم ومعناه بطريقه مختلفة، شرعت الكنيسة الأرثوذكسية في هدم القاعة، وفي بناء مبني جديد، أو بالأحرى في فرض أمر واقع جديد. ومع تكشف تلك الحقائق؛ أو أنصافها، واحدة وراء أخرى، خفت اهتمامي، القليل بالأساس، تجاه القضية.

إلا أن ما أعادني إليها، كان تلك التراشقات المحدودة التي بدأت تظهر على شبكات التواصل الاجتماعي؛ صديق أرثوذكسي يتهم البروتستانتيين بتعمد استفزاز الكنيسة الأرثوذكسية، وبأن هناك غرضًا لهم وراء ذلك، وآخر يحاجج بشكل أكثر عقلانية، منتهيًا لكون الأمر كله قانونيًا بحتًا، والقانون في صفه بالطبع. وثالث لجأ إلى التاريخ، فخصومه الإنجيليون دخلاء، ولا حقوق لهم بالتأكيد، بينما طائفته هي كنيسة الأصالة والنقاء. كما لم يعدم الطرف الآخر من جانبه الاتهامات تجاه كنيسة الأغلبية.

الحزين والمؤلم في كل هذا، كان أن كل هذه الحجج ضيقة الأفق، وكل هذه الاتهامات المتبادلة، وليِّ الحقائق لصالح التمترس داخل الانتماء الطائفي، كلها تبدو مكررة ومألوفة جدًا في جميع حوادث العنف الطائفي بين المسلمين والأقباط، وفوق هذا أن لها تاريخًا طويلًا، وبعضه شخصي جدًا.

***

كان والدي أرثوذكسيًا كغالبية الأقباط، أما والدتي فكانت كاثوليكية، أو لأكن أكثر دقة، كانت من عائلة تحولت إلى الكاثوليكية قبل جيلين فقط من ولادتها.

لم يتسبب هذا في أي مشكلة على الإطلاق، فالوالد لم يكن مهتمًا بالأمور العقائدية بالأساس. صحيح أنه كان أحيانًا يذهب للكنيسة الرسولية، ولكن لا لشيء سوى ليعزف العود، والوالدة لم تواظب على الكنيسة الأرثوذكسية، إلا لكونها الأقرب، لا أكثر.

وبفضل التسامح وبعض اللامبالاة هذين، حدث أن ازداد المشهد تعقيدًا، فوالداي ومنذ سن صغير بدآ في إرسالي إلى «جمعية خلاص النفوس»، بدلًا من الكنيسة الأرثوذكسية التي أنتمى إليها بالميلاد والمعمودية، وذلك لأسباب عملية بحتة، فالجمعية كانت في الشارع الموازي لشارعنا، والوصول إليها لم يستدع عبور أي شوارع رئيسية، وبالتالي لم يكن هناك ما يقلق في ذهابي وحدي إلى هناك.

والجمعية، التي تأسست في أسيوط عام 1927، قبل أن تنتشر فروعها في محافظات مصر المختلفة، وتصل حتى إلي ملبورن، وسيدني في أستراليا، نموذج شديد الكشف والفرادة. فـ «خلاص النفوس»، كغيرها من الجمعيات القبطية المسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، كانت ولا تزال تحايلًا على معضلة قوانين بناء الكنائس، وتعقيداتها القانونية والأمنية.

لكن الجمعية التي كان أعضائها المؤسسين إما بروتستانتيين أو من المتأثرين بالفكر البروتستانتي بشكل عام، كانت كذلك تحايلًا من نوع آخر، لخلق مساحة روحية جامعة، لا تنتمي لطائفية بعينها، وتتحاشى الانقسامات المذهبية، على أن يحتفظ أعضاؤها والمترددون عليها بانتمائهم الكنسي، أيًا كان، كما هو خارجها.

ورغم الاتهامات التي وجّهتها الكنيسة الأرثوذكسية للجمعية، من كونها محاولة بروتستانتية للتخفي، فقد نجحت الجمعية في سنواتها الأولى، في اجتذاب جماهيرية واسعة، بل وبدأت في إرسال وعّاظها إلى فلسطين، وبتأسيسها دارًا للنشر، في نهاية الخمسينيات، أضحت أحد أهم مراكز النشر والترجمة للفكر الروحي في مصر.

وصل انتشار الجمعية إلى حد أن أصبح يُشار للبروتستانتيين عمومًا بأنهم «خلاص النفوس»، وأحيانًا، ومن باب المعايرة، «خلاص الفلوس»، ويعني هذا أن مَن يذهبون إلى الجمعية، لا يفعلون ذلك سوى لقاء مقابل مادي يتلقونه، وهي تهمة طالما وجّهها الأقباط الأرثوذكس لغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى، سواء من باب المشاكسة أو الاقتناع.

يقع فرع الجمعية، الذي اعتدت زيارته، في شارع جانبي بحي هادئ بشرق القاهرة، وتجاوره من الجانبين بيوت سكنية.

اليوم، حين أتذكر الأمر، أشعر بالكثير من الخجل، فقد كان على الجيران أن يحتملوا الاجتماعات المسائية في الجمعية، والتي تستمر حتى التاسعة والنصف مساءً، مع أصوات الوعظ والترانيم وموسيقى الأورج والتي يمكن سماع صوتها من آخر الشارع. ولكن الحقيقة أن الجيران كانوا دائمًا في غاية اللطف تجاهنا، ولم يحدث أن شكا أحدهم على الأطلاق.

كان هذا هو الحال، حتى انتقل جار مسيحي لجوار الجمعية، لتبدأ بعض المشاكل.

فالجار، والذي فاض به من الضجيج بعد أسبوع واحد، قرر التعبير عن امتعاضه، بأن يتربص للأطفال الخارجين من الجمعية، وكنت واحدًا منهم، وأن ينهال عليهم بالضرب.

لم تكن الصفعات والركلات العنيفة التي تلقيتها مأساوية في الحقيقة، فقد كنت معتادًا على «التلطيش». البالغون، سواء في المدرسة أو البيت أو الجمعية أو الشارع، كانوا أحيانًا ينهالون علينا بالضرب، والأطفال الأكبر سنًا على مَن هم أصغر منهم، وهكذا.

لم يبد لي الضرب، وأنا في السابعة، عقوبة أو أذى، بقدر ما كان أمرًا معتادًا ويوميًا ومقبولًا اجتماعيًا لتنظيم العلاقات بين الأقوى والأضعف. لكن ما كان مأساويًا هو ما فهمته لاحقًا، بعد أن هرعت مدرّستنا من داخل الجمعية، على صوت صراخنا. ومن الشجار الحاد الذي دار بينها وبين الجار المعتدي، فهمت أننا ضُربنا لا لشيء، سوى كوننا «بروستانتيين»، كما وصفنا الرجل الغاضب، مع سلسلة طويلة من السباب أيضًا.

كانت تلك هي خبرتي الأولى على الإطلاق مع الطائفية، من أي نوع.

من تهديده حينها باستدعاء «أمن الدولة» لإغلاق الجمعية، فهمت بعد عدة سنوات، أن هناك تراتبية واحدة للقمع والتمييز الطائفي، وأدواتها متطابقة في معظم الأحيان، وأن من سوء حظي يومها أني وقعت في أحد أدني درجاتها.

لم يكن التهديد بـ «أمن الدولة» مجرد تهديد أجوف، فقد أخذته مُدرّستنا حينها على محمل الجد. كما أني لاحقًا سأشهد عشرات الوقائع التي حرّضت فيها الكنائس الأمن ضد كنائس لطوائف أخرى أو حتى ضد أعضاء الكنيسة نفسها، وكانت الوشاية الأكثر فاعلية لتحريك الأمن، هي تهمة «التنصير».

وفي المنيا، التي تجولت بها في مرحلة بعد تخرجي، وفي نواحي القرى التي لم يسكنها سوى الأقباط، كانت الحساسيات بين الطوائف البروتستانتية، بعضها وبعض، أكثر حدة مما بينها وبين الكنيسة الأرثوذكسية.

***

للخلافات المسيحية المسيحية في مصر تاريخٌ طويلٌ، فالرواية الرسمية للكنيسة المصرية لا تتبنى فقط صورة حافظة الإيمان القويم والمدافعة عنه ضد الهرطقات، بل أضافت لهذه الصفات لاحقًا صفة «الوطنية»، وهي صورة دُمجت في الرواية الرسمية للدولة أيضًا.

على سبيل المثال، أعيد تفسير الخلاف بين الملكانيين (المنتمين للكنيسة البيزنطية) واليعاقبة (المنتمين للكنيسة السكندرية)، بوصفه ناتجًا عن قمع المحتل البيزنطي للكنيسة الوطنية، بل وفُسّر نظام الرهبنة، الذي وهبه الأقباط للعالم المسيحي، فقط باعتباره حلقة من حلقات المقاومة ضد البيزنطيين ولاهوتهم الأجنبي، عبر الاختباء في الصحاري والبراري.

لا يبدو أن تلك السردية حديثة، ففي كتاب «تاريخ البطاركة»، المنسوب لساويروس ابن المقفع، المقرّب للإدارة الفاطمية، يبدو التركيز على العداء للملكانيين، والاضطهاد الذي ناله الأقباط على أيديهم، مبالغًا فيه، حتى أنه لا يقارن بالإشارات الخافتة والوجلة لمعاناة الأقباط تحت الحكم الإسلامي.

مع تقاطر الإرساليات الغربية، والبروتستانتية تحديدًا، في نهاية القرن التاسع عشر، أُعيد استدعاء تلك السرديات.

رحبّت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في البداية بنشاط الإرساليات، ولم تمانع فيها السلطات الحكومية، خاصة أن الإرساليات كانت توفر خدمات صحية وتعليمية عجزت الدولة عن توفيرها.

لكن سرعان ما انتبهت الكنيسة القبطية إلى التهديد الذي تمثله الإرساليات، فمثلما كان تحوّل الكثير من الأقباط إلى البروتستانتية دافعًا للكنيسة الأرثوذكسية المصرية لإصلاح نفسها، كان كذلك مبررًا لخصومة طويلة، امتدت، في أحيان كثيرة وحتى اليوم، لتحريضها الدولة ضد الطوائف الأخرى.

يظل الخلاف واسعًا على تاريخ تلك الخصومة ومراحلها ومشاربها وأسبابها، ولكن يمكننا الادعاء أنها تقوم على ذات الثنائية الطائفية/ الوطنية للدولة الحديثة في مصر، بين الوطني والأجنبي، النقي والملوث، الأصيل والدخيل، الأكثرية والأقلية، والتي كما تستخدم ضد الأقباط في عمومهم، تستغلها كنيسة الأغلبية أيضًا في وجه الطوائف الأصغر.

في كل من الحالتين، تبدو الطائفية مدجنة داخل منظومة الدولة، ويلعب الأمن أو مجرد «تخيُّله» أو التهديد به، دورًا جوهريًا في ضبطها وتأجيجها في الوقت ذاته.

لكن ما يزيد عمق الخلاف أنه، وفي مجتمع تلعب فيه الهوية الدينية دورًا جوهريًا في تحديد الموقع السياسي لأصحابها، وشكل علاقاتهم الاجتماعية، فإن الهوس بتعيين الحدود بينـ «نا» وبين «الآخرين»، يدفع أصحاب الجماعات المتقاربة للمبالغة في تكثيف الاختلافات وتبيين المسافات بينهم.

في النهاية، الفرق بين المسلم والمسيحي ظاهر بما يكفي، ومُثبت حتى في الأوراق الرسمية، بينما تلك الفروق بين القبطي والقبطي، تحتاج حروبها الصغيرة والدائمة للتأكيد عليها مرة بعد مرة.

«دا أنا أجوّزها لمسلم ولا إني أجوّزها لإنجيلي»، هكذا أخبرنا قريبٌ تقدم لخطبة ابنته زميلُها البروتستانتي.

اعلان