الأنبا مكاريوس.. رجل يُسمع صوته
 
 

يُقال إن المصريين، في كل مناسبة، يصنعون الأغاني ويفرحون، يرقصون، ثم يعود كل شيء لما كان عليه. لكن هذه المرة، قبل سبع سنوات، تغيّر كل شيء ولا يزال.

في كل ذكرى ، يُعاد الكلام عن الثورة بصيغة الجمع، رغم أن الحراك كان فرديًا بالأساس. أفراد صنعوا جماعات؛ امتدت بطول الشوارع والميادين.

خلال سبع سنوات، تفرقت كل الجماعات، في مسارات مختلفة، منها التشريعي، والقانوني؛ عبر محاكمات الرئيس وأعوانه، وأُخرى لمَن ثاروا ضده. فضلًا عن مسارات حالمة، أفضت إلي حزن وموت، وصناديق انتخابات، وصراعات على السلطة، وغيرها.

وسط سنوات الدراما الكبيرة، بذرواتها وانكساراتها، لا ننسى أن الأفراد هم مَن صنعوا كل هذا.

هنا نركز على حكايات الناس؛ ما هو شخصي من داخل بطولات الجماهير المُجهَّلة. ملامح الأشخاص، الذين حصلوا على رصيد من الخسائر والأحلام. مَن أنضجتهم التجارب الجماعية، في 25 يناير، لكنهم الآن يحملون هذه الخبرات فرادى.

——————————————

«الأنبا مكاريوس قال لنا ما نتكلمش دلوقتي لأنه مستني رد من الأمن.. وبعدها نبقى نتكلم.. وإحنا واثقين فيه».. يقولها رجل من إحدى القرى التي شهدت أحداث عنف طائفي العام الماضي، مختصرًا جزءًا كبيرًا من علاقة مسيحيي المنيا بأسقف مطرانيتها العام.

مر أكثر من عام على محاولاتي للقاء اﻷنبا مكاريوس لعمل حوار صحفي معه، عادةً لا يتأخر في الرد على هاتفه حين أطلبه، أنا أو غيري، خاصة إن كانت هناك أحداث مشتعلة في المنيا، وهو ما يحدث كثيرًا. غير أن محاولات اللقاء جميعها انتهت بالفشل.

يحدد لي ذات مرة موعدًا لزيارته في مقره بالمنيا، أصطحب مصورًا وأسافر له في الموعد فلا أجده، وحين أبعث له برسالة عاتبة يرد برسالة اعتذار موضحًا أنه اعتقد أننا حددنا موعدًا آخر، لتبقى الرسائل هي الوسيلة اﻷسهل للتواصل معه.

مع أي أزمة طائفية جديدة في المنيا يرد على تساؤلاتي بتفصيل ووضوح، أو يحيلني أحيانًا لأحد الأباء قائلًا إنه من يمتلك التفاصيل اﻷكثر واﻷدق، وحين أتفق معه أخيرًا على حوار عبر الهاتف يأتي صوته هادئًا، ينتقي ألفاظه بوضوح حاسم، ويفسر مواقفًا بعينها بكلمات لا تحتمل التأويل. تقطع حديثه فترات صمت -تطول أحيانًا، حتى أشك أن الخط انقطع- وهو يتذكر بدايات الرحلة.

—-

وهو في العشرينات من عمره، دخل الشاب مكرم عياد، المولود في 10 يونيو 1958 بالفيوم، دير البراموس -دير السيدة العذراء بوادي النطرون- وترهبن باسم الراهب كيرلس البراموسي، وفي عام 1988 نال أول رتبة كنسية حين تم رسامته قسًا.

وسط القليل جدًا الذي يحكيه لي عن نفسه وعن شخصيته يكشف اﻷنبا مكاريوس أنه كراهب قضى 25 عامًا في الصحراء يقرأ الكتب، على اختلاف موضوعاتها، ويكتب ويترجم، وبخلاف تأثره -كمسيحي- بشخصيات الكتاب المقدس، يقول إنه تأثر كذلك بالروائي الروسي ليو تولستوي والمصري نجيب محفوظ واللبناني جبران خليل جبران.

في عام رسامته قسًا أصدر كتابه اﻷول بعنوان «معلمين كثيرين»، أما التوقيع فكان «راهب من دير البراموس»، أسأله عن سبب استخدامه اسمًا مجهلًا للنشر وعدم الإفصاح عن هويته ككاتب، فيرد: «لم يكن ذلك بدافع الاتضاع (التواضع) بقدر ما كانت رغبة في معرفة رأي القارئ بصدق، ولكي يختار كتابي دون أن يعرفني، وكنت قد اكتسبت أصدقاء كثيرين في ذلك الوقت». استمر استخدامه لتوقيع راهب دير البراموس، ولم يبدأ في نشر كتبه بهوية معلنه إلا حين تم رسامته أسقفًا عام 2004.

—-

في سبتمبر 1981، ومع اعتقاله عددًا كبيرًا من معارضيه، ألغى الرئيس أنور السادات قراره الصادر قبل عشرة أعوام بتعيين اﻷنبا شنودة بابا الإسكندرية وبطريركًا للكرازة المرقسية، وحدد إقامة اﻷخير في دير السريان بوادي النطرون، وهناك كان اللقاء اﻷول بين البابا شنودة واﻷنبا مكاريوس، حسبما يحكي اﻷخير.

بعد شهر واحد من «اعتقالات سبتمبر» تم اغتيال أنور السادات، وبعد أربعة أعوام ألغى الرئيس حسني مبارك قرار تحديد إقامة البابا شنودة، الذي سيرسل للأنبا مكاريوس لاحقًا للسؤال عن أحواله، وإبلاغه أنه اختاره مع أربعة رهبان آخرين للسفر إلى الولايات المتحدة لتعمير دير اﻷنبا أنطونيوس في صحراء كاليفورنيا، إلا أن اﻷنبا مكاريوس اعتذر مفضلًا البقاء في وادي النطرون، وتقبل البابا اعتذاره حينها.

بعد مرور سنين كثيرة سيكرر البابا طلبه.

كان الراهب مكاريوس قد نال رتبة قمص في عام 2001، في العام التالي يرسل البابا شنودة للأنبا أرسانيوس، مطران المنيا الحالي، والذي كان أمينًا لدير البراموس، يطلب منه أن يعرض على القمص مكاريوس البراموسي السفر لكاليفورنيا لتولي رئاسة دير الأنبا أنطونيوس خلفًا لرئيسه المتوفي اﻷنبا كاراس.

لم يتغير موقف الأنبا مكاريوس من السفر، لكنه، على حد قوله، شعر بالخجل من رفض طلب البابا للمرة الثانية، فما كان من الأنبا أرسانيوس إلا أن طلب من البابا ألا يُرسل مكاريوس للخارج، وأن يعينه مساعدًا له لإدارة شؤون إيبارشية المنيا. وافق البابا على الطلب، على أن ينتقل القمص مكاريوس للعمل ضمن طاقم السكرتارية الخاص به لفترة، وبالفعل ينتقل مكاريوس إلى المقر البابوي ليقضي عامًا في مقر ملاصق مباشرة لمقر إقامة البابا، بناء على اختيار اﻷخير.

في عام 2004 وبناء على طلب مطران المنيا اﻷنبا أرسانيوس، وكان عمره وقتها 76 عامًا، تمت رسامة اﻷنبا مكاريوس أسقفًا عامًا للمنيا، للمساعدة في إدارة شؤون الإيبارشية التي كانت تشهد الكثير من الاعتداءات الطائفية.

كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة قد اتخذت شكلًا خاصًا منذ جلوس البابا شنودة الثالث على كرسي مار مرقس في نوفمبر 1971، إذ أصبح البابا هو المتحدث الرسمي باسم اﻷقباط في ما يخص السياسة، وبالرغم من الحرية التي أُتيحت لرجال الكنيسة للحديث مع الإعلام، لم تكن السياسة جزءًا من حديثهم إلا في نطاق ترديد ما يقوله البابا، ولم يعلن أيهم رأيًا سياسيًا مختلفًا.

في الوقت نفسه استمرت خطوط التماس بين شخصيتي البابا شنودة واﻷنبا مكاريوس، ليتولى اﻷخير في سبتمبر 2011 اﻹشراف على مجلة الكرازة التي أسسها شنودة عام 1965 حين كان أسقفًا للتعليم. وكان الاهتمام بالتعليم هو أحد أوضح نقاط التلاقي بين فكر الرجلين، وأحد أبرز الملفات التي دفعت كثير من الأقباط لإيجاد تشابهات بينهما، واعتبار مكاريوس امتدادًا لشنودة في جرأة مواقفه وجذريتها، خاصة عندما أصبح مكاريوس هو أول رجل دين مسيحي يتحدث بوضوح -عام 2013- عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، وإعادة النظر في المناهج الدراسية كخطوة رئيسية لمواجهة التطرف الفكري.

توفي البابا شنودة في 17 مارس 2012، بعد عام من ثورة يناير، التي أدخلت على المجتمع تغييرات فكرية لافتة، وصلت بشكل ما إلى الكنيسة، فضلًا عن التغييرات السياسية التي كان أحد نتائجها توالي أحداث عنف طائفي في مختلف محافظات الجمهورية، كان للمنيا نصيب كبير منها، ليشكل الحدثان -وفاة الباب شنودة وثورة يناير- فرصة قدرية للأنبا مكاريوس للعزف منفردًا بصوت لا تخطئه أذن على امتداد سنوات ما بعد الثورة بكل ما فيها.

يرصد الباحث إسحاق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تأثيرين لثورة 25 يناير على الملف القبطي، أولهما أن الإعلام لم يعد حكرًا على الصحف والقنوات الرسمية، مع ظهور إعلام موازي أفرد مساحات كبيرة للكتابة عن قضايا الأقباط، وعن الكنيسة نفسها، خاصة مع مناخ الحرية الذي رافق اﻷعوام التالية للثورة حتى نهاية 2013، قبل أن تنسحب بعض الشخصيات من المشهد مرة أخرى.

ثاني المتغيرات التي يرصدها إبراهيم هو ظهور قيادات كنسية من جيل أصغر لديه رغبة في الحديث للإعلام لإيمانه بحق الناس في المعرفة، وبأن هذا الحديث هو الوسيلة المفيدة لقضايا الأقباط، ويحدد إبراهيم اﻷنبا مكاريوس كأبرز مثال على هذا التيار الجديد داخل الكنيسة.

—-

وفقًا للتعداد السكاني لمصر عام 2017 يبلغ عدد سكان محافظة المنيا 5 مليون و774 ألف نسمة، وإن كانت الإحصاءات الرسمية لا ترصد تعدادًا للأقباط في مصر، إلا أن مؤشرات من مصادر محلية ترى أنهم يمثلون 30% من نسبة السكان في محافظة المنيا وحدها، رغم كونها واحدة من المحافظات التي يتركز فيها وجود التيارات الدينية الإسلامية المتشددة.

ومع ما تلى ثورة 25 يناير 2011 من انسحاب الأمن في مناطق عديدة، ثم تنامي وجود جماعة الإخوان المسلمين حتى وصولها للحكم قبل إزاحتها عنه في يونيو 2013، كان الأقباط هدفًا لاعتداءات طائفية متنوعة.

كان نصيب محافظة المنيا بمفردها سبعة وسبعين حالة توتر وعنف طائفي في الفترة من 25 يناير 2011 وحتى 25 يناير 2016، بحسب إحصاء المبادرة المصرية، والذي لم يتضمن حوادث العنف التي شهدتها المحافظة عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، حيث حُرقت ونهبت حوالي 44 كنيسة وعشرات المباني المملوكة للمؤسسات الدينية والأقباط، وقتل 7 أفرد في أنحاء البلاد.

تنقسم المحافظة إداريًا لعدة إيبارشيات، نظراً لكبر حجمها، ولكل إيبارشية أسقف خاص بها لإدارة شؤونها، إحداها هي مطرانية المنيا وأبو قرقاص، والتي لم يكن لبياناتها بعد حوادث العنف الطائفي طابعًا مختلفًا عن نظيراتها.

في 11 يناير 2011 أطلق أمين شرطة النار على أسرة مسيحية داخل قطار متجه للقاهرة، فقتل رجلًا وأصاب أربعة، أصدرت مطرانية المنيا وأبو قرقاص بيانًا اكتفى برواية الواقعة كما جرت، لافتًا إلى اتصال تليفوني بين البابا شنودة، الذي كان يتلقى علاجه في أمريكا، وبين الأنبا مكاريوس للاطمئنان على صحة المصابين.

بعد ما يزيد على العامين، وفي ديسمبر 2013، وإثر خلاف على حدود البناء على قطعة أرض تفصل بينهما، اندلع شجار ما بين قريتي نزلة عبيد، التي يقطنها أقباط، والحوارتة، التي يقطنها مسلمون، أسفر عن أربعة قتلى و20 مصابًا، وللمرة اﻷولى خرج اﻷنبا مكاريوس معلنًا رفض جلسات الصلح العرفية.

كانت تلك الجلسات قد تحولت لنظام تعتمده الدولة، بموافقة الكنيسة، بديلًا للمسار القانوني لاحتواء العنف الطائفي، فيما يصفها إسحاق إبراهيم بأنها «طريقة للتحايل على القانون وإفلات المتهمين من المحاكمة القضائية، وترسيخ أشكال مختلفة للتمييز الديني».

بعد موقف اﻷنبا مكاريوس لجأت القيادات المحلية لقس من إيبارشية أسيوط، التي لم يكن لها علاقة بمكان الحادث، لحضور جلسة صلح، ليخرج الأنبا مكاريوس ويتبرأ من تلك الجلسة، معلنًا أن «الكنيسة لم تغيّر موقفها، وما زالت ترفض جلسات الصلح العرفي دون تطبيق القانون الأمر الذي يهدد هيبة الدولة ويقضي على معنى العدل والمساواة». كما إنه ألمح، للمرة اﻷولى، للتقصير الأمني بتأكيده على تأخر وصول قوات الأمن، ما فاقم من الخسائر رغم أنه أبلغهم قبل الحادث بمدة زمنية طالبًا إحتواء الأزمة قبل وقوعها.

موقف اﻷنبا مكاريوس، وتصريحاته اللاحقة في أزمات أخرى، أثار تساؤلات عن مدى تخطيه للقيادة الكنسية بالعباسية، خاصة مع تباينه مع الموقف الرسمي المعلن لمؤسسة الكنيسة، حتى وقعت حادثة الاعتداء على القبطية سعاد ثابت في منزلها وتجريدها من ملابسها في الواقعة المعروفة إعلاميا بـ «تعرية سيدة الكرم» في مايو 2016.

في أعقاب تلك الواقعة أعلن البابا تواضروس الثاني تفويض الأنبا مكاريوس رسميًا للتعامل مع الأزمة والحديث باسم الكنيسة، ليقول أسقف المنيا بوضوح إن الكنيسة «ترفض رفضًا باتَا تحويل قضية الكرم إلى جلسات الصلح وتطييب الخواطر».

لم يتوقف اﻷنبا مكاريوس عند هذا الإعلان، إذ رفض كذلك لقاء وفد البرلمان وبيت العائلة الذي حاول لقائه.

كان «بيت العائلة» قد تأسس بدعوة من شيخ اﻷزهر أحمد الطيب في يناير 2011، وضم مشايخ من اﻷزهر وقساوسة من الكنيسة، بهدف حل مشكلات العنف الطائفي.

برر اﻷنبا مكاريوس رفضه استقبال الوفد بـ «أنهم لم يستأذنوا قبل الحضور»، وهو ما لم يكن متوقعًا، خاصة أن الوفد تحرك بصورة رسمية لمحاولة إنهاء الأزمة دون الحاجة للتقاضي، وهو ما علق عليه مكاريوس قائلًا: «طريقة الملاطفة وحلو الكلام أفسدت جميع القضايا وأوجدت الفرصة للمسؤولين للهروب من المواجهة والقيام بمسؤولياتهم، وجعلت من كل كارثة مقدمة لكارثة أكبر في زمن قصير».

مع تكرار تلك المواقف، ومع بياناته المدعومة بمعلومات مستوفاة، وشهادات عيان، ومتابعات شخصية منه، أكتسب اﻷنبا مكاريوس ثقة أبناء إيبارشيته، وامتدت تلك الثقة لتتحول لسؤال يراود باقي أقباط مصر إن كانت الحال ستختلف في حال تصدره المشهد، أو مسؤوليته عن إيبارشيات تعرض أبنائها ﻷحداث أكثر عنفًا ودموية، بدءًا من ذبح 21 قبطيًا في ليبيا في 2015، مرورًا بتفجير الكنيسة البطرسية في 2016، ووصولًا لتفجيرات أحد السعف في 2017.

صورة: Heba Afify

مع جرأته في التعامل مع حوادث العنف الطائفي، اكتسب اﻷنبا مكاريوس سمة ثورية في عيون كثير من الأقباط، رغم الصعوبة النظرية لاجتماع تلك الثورية مع الزي الكهنوتي داخل الكنيسة الأرثوذكسية، إلا أن قطاعًا من هؤلاء الذين رأوا فيه أملًا في حركة تجديد داخل الكنيسة أصيبوا بصدمة من موقفه في قضية أخرى قبطية- قبطية.

في أبريل 2017 زار البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، مصر، والتقى البابا تواضروس، ووقع الاثنان وثيقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية لتوحيد المعمودية.

وفي نوفمبر الماضي، وخلال أحد اجتماعاته في الإيبارشية، تحدث اﻷنبا مكاريوس عن أسباب رفض معمودية الكاثوليك، معتبرًا أن توقيع أي اتفاقيات بين الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية عن توحيد المعمودية غير مقبول.

خلال كلمته قال اﻷنبا مكاريوس: «نحن لا نؤمن بكهنوت الكاثوليك وبالتالي لا نؤمن بأي طقوس تتم على أيديهم»، لتدفع تصريحاته الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية، لإصدار بيانات عبرتا فيهم عن استيائهما.

لاحقًا، حاول الأنبا مكاريوس تدارك تصريحاته بإصدار بيان يعتذر فيه للكاثوليك فقط، قائلًا: «أعرب عن أسفى إن كان تعليقى على مسألة قبول معمودية الكاثوليك قد ضايق البعض من إخواتنا الكاثوليك، وأؤكد على محبتى للأنبا بطرس والآباء الكهنة، وجميع أفراد الشعب الكاثوليكى، والذين تربطنى بهم محبة كبيرة».

كان موقف اﻷنبا مكاريوس متسقًا مع بعض رجال الكنيسة الذين رفضوا توحيد المعمودية، وحشدوا الأقباط وكتبوا بيانات يعلنون رفضهم، ورغم أن شريحة من اﻷقباط اعتبرت هذا الموقف تشددًا دينيًا، إلا أن البابا تواضروس الثاني عاد لينفي توقيع الوثيقة موضحاً إنها لم تكن وثيقة توحيد وإنما وثيقة لإرساء محاولات حوار، وخرج المجمع المقدس في أولى جلساته الروتينية يؤكد على عدم توقيع وثيقة. وهو ما تنافى مع ما سبق وأعلنته الكنيسة الكاثوليكية في بيان الفاتيكان الرسمي وما أعلنته الكنيسة الأرثوذوكسية.

  —-

في أغسطس 2016 أقر مجلس النواب قانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016، وهي الخطوة التي صاحبها احتفاء كنسي وبرلماني خاصة من النواب اﻷقباط، غير أن أسقف عام المنيا وأبو قرقاص كان له موقف أكثر هدوءا، إذ قال عن القانون: «أرجو أن يكون قانون مفيش فيه ثغرات تقضي عليه، يعني يحمل في داخله أسباب فشله أو عدم فاعليته، والموضوع محتاج روح القانون وأن المسؤول يكون عنده النية أنه يتعاون».

وفي حين تتنوع أسباب حوادث العنف الطائفي ما بين علاقات عاطفية بين طرفين أحدهما مسلم واﻵخر مسيحي، أو نزاعات عادية تتطور لتتخذ شكل طائفي، يبقى السبب اﻷكثر تكرارًا مرتبطًا بأماكن العبادة المسيحية، التي يرفض مسلمون وجودها أو تجديدها أو إقامتها، فيتم محاصرتها وتحطيمها، والتي كان آخرها حادثة الاعتداء على كنيسة الأمير تادرس في قرية كفر الواصلين، وهي الحوادث التي تشهد المنيا النصيب اﻷكبر منها.

خلال السنوات السابقة لثورة يناير لم يكن الحديث عن الحق في بناء الكنائس وترميمها، بالزخم الحالي، لأسباب أهمها أن الحديث عن مثل هذه الملفات في حياة البابا شنودة كان شأنًا خاص به وحده، بالإضافة إلى أن القانون المقترح قبل الثورة كان بعنوان «قانون دور العبادة الموحد»، وتم حذف كلمة الموحد منه خلال فترة حكم المجلس العسكري في 2011، كما حضر البابا شنودة لقاء في أكتوبر 2011 للحديث مع ممثلي الطوائف المسيحية عن تعديلات للقانون بعد رفض الأزهر صياغة قانون يساوي بين بناء الكنائس والجوامع بحجة اختلاف طريقة العبادة على حد وصف الأزهر، واقتصار القانون على شروط بناء الكنائس.

فيما يربط إسحاق إبراهيم بين ارتفاع نبرة المطالبة ببناء الكنائس ورفض الممارسات العنصرية تجاه حرية الأقباط وبين المتغيرات التي شهدها المجتمع بعد ثورة يناير.

في حديثه عن القانون بعد إقراره في أغسطس 2016 قال الأنبا مكاريوس: «إحساسي الشخصي بيقول إن القانون اتعمل عشان يشل بناء الكنائس، وفيه شروط تعجيزية وثغرات كتير، ولو رجل الأمن المحلي قال إن الوضع الأمني مش مناسب يبقى مش هيسمح لي بالبناء، وما يزال الملف القبطي ملف أمني وما تزال بعض المناطق بوليسية وفي تلاعب في الألفاظ وبنود مطاطة».

بعد عام كامل من هذا الحديث بدا أن حدس الأنبا مكاريوس كان الأقرب للحقيقة، ففي أغسطس 2017 تم إغلاق كنيستي «الأنبا بولا» في قرية كدوان و«العذراء» بقرية عزبة الفرن، وهما تابعتان لإيبارشية المنيا وأبو قرقاص، قبل أن يعاد فتحهما في سبتمبر بعد تصريحات الأنبا مكاريوس ، لتصدر إيبارشية المنيا وأبو قرقاص بيانًا يوم يشكر فيه الأنبا مكاريوس الرئيس عبد الفتاح السيسي لتدخله وحل أزمة الكنيستين، دون أن يوضح البيان كيفية تدخل الرئيس في حل الأزمة.

لم يكد شهر يمر حتى تم إغلاق ثلاث كنائس في أسبوع واحد في شهر أكتوبر، ليصدر الأنبا مكاريوس بيانًا بعنوان «بعد تدخل السيد الرئيس لفتح كنيستين مغلقتين بالمنيا, إغلاق ثلاثة كنائس!»، قال فيه: «التزمنا الصمت لمدة أسبوعين بعد إغلاق إحدى الكنائس، أملا في أن يقوم المسؤولون بدورهم الذي ائتمنتهم الدولة عليه، ولكن إزاء هذا الصمت تطوّر الأمر للأسوأ، حيث أُلحِقَت بالكنيسة الأولى التي أُغلِقَت كنيسة ثانية ثم ثالثة ثم شروع في الرابعة، وكأن الصلاة جريمة يجب أن يعاقَب عليها الأقباط، مُؤثِرين انتقال أفراد الشعب إلى قرى مجاورة لأداء الشعائر، فهل مُحرَّم عليهم الراحة؟».

أغضب هذا البيان محافظ المنيا، اللواء عصام البديوي، الذي أصدر في اليوم ذاته بيانًا شديد اللهجة، طلب فيه من الأنبا مكاريوس توخي الدقة والحرص في حديثه حتى لا يُفهم أن الكنيسة تعمل ضد الدولة، وهو ما امتنع الأنبا مكاريوس عن الرد عليه.

في نوفمبر من العام نفسه يصدر الأنبا ديمتريوس أسقف ملوي وأنصنا والأشمونين، الواقعة إدرايًا في نطاق محافظة المنيا، بيانًا بعنوان «بيان وشكر»، يشكر فيه رئيس الجمهورية ووزير الداخلية ومدير الأمن الوطني ومدير الأمن والمحافظ على تعاونهم لإنهاء مشكلات الكنيسة القبطية.

يعلق إسحاق إبراهيم على موقف اﻷنبا مكاريوس وغضب محافظ المنيا منه قائلًا: «رغم خوف الكثيرين من الحديث بحرية هذه الأيام، إلا أن موقف الأنبا مكاريوس مختلف، فهو يمارس نوعًا من الضغط تجاه المؤسسات المتعنته في حقوق الأقباط من خلال الضغط الإعلامي، ولكن مع تحييد جزء من المنظومة متمثلاً في رئيس الجمهورية، فلا يمكن جني أي أرباح بمهاجمة المنظومة كاملة».

ويضيف إسحاق أن اﻷنبا مكاريوس نجح في ممارسة نوع من الاحتجاج السلمي ضد الممارسات الممنهجة تجاه الأقباط، وفضح كذب بعض المسؤولين، موجهًا الشكر الرئيس لتدخله، حتى لو لم يتدخل شخصيًا.

—-

خلال حوارنا الهاتفي، أسأله عن تميز دوره ووجوده في المنيا، فيرفض الأنبا مكاريوس وصفه بالاستثنائي، ويقول: «لا أعتقد أن وجودي بالذات في المنيا مهم.. ويمكن لأي أب يقود المسيرة في المنيا وربما بشكل أفضل».

مع حلول عام 2018 كان مئات الأقباط في المنيا محرومون من الصلاة والاحتفال بعيد الميلاد، وعلى حد قول الأنبا مكاريوس في تصريحات صحفية،  فإن أكثر 15 مبنى للصلاة مغلق، و70 قرية ونجع وعزبة بلا أماكن للصلاة أصلا.

في مطلع العام احتفل البابا تواضروس الثاني بعيد الميلاد في كاتدرائية الميلاد، التي أقيمت في العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور عدد من مسؤولي الدولة وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، الذي كان قد أعلن، عام 2017، عن إقامة تلك الكاتدرائية لتكون الكنيسة اﻷكبر في الشرق اﻷوسط، ورغم الاحتفاء والاهتمام الإعلامي بقداس الميلاد الذي حضره الرئيس، كان هناك احتفاء شعبي بقداس آخر في مكان بعيد.

في كنيسة صغيرة لا يوجد بها أكثر من مذبح وغرفة ملحقة به في عزبة الطوبجي، القرية الهامشية في محافظة المنيا، فوجئ اﻷهالي بوجود الأنبا مكاريوس بينهم، يصلي معهم ليلة العيد، الجودة الضعيفة للصور الملتقطة من داخل الكنيسة ذات الجدران الفقيرة لم تمنع تصدر هذه الصلاة حديث اﻷوساط القبطية.

في ختام محادثتنا الهاتفية، المقتضبة، يقول اﻷنبا مكاريوس بنبرة هادئة واثقة: «الباقي هو الله والكنيسة والشعب، وأنا ليست لي مآرب خاصة، وأي علاقة مع الرموز والكبار ما لم تصب في النهاية في صالح الشعب فهي بلا قيمة».

أنهي المحادثة، وأتذكر الثقة التي ملأت صوت شاهد العيان من عزبة الفرن من أن أسقفهم لن يفرط في حقوقهم، وهو يقول: «الأنبا مكاريوس قال لنا ما نتكلمش دلوقتي لأنه مستني رد من الأمن.. وبعدها نبقى نتكلم.. وإحنا واثقين فيه».

اعلان
 
 
كارولين كامل