Define your generation here. Generation What
من الثورة إلى الأثقال
كاتبةٌ تحوَّلَت إلى رفع الأثقال.. قصة بحثٍ شغوفٍ عن تغييرٍ ملموس
 
 
 
صورة: Roger Anis
 

يُقال إن المصريين، في كل مناسبة، يصنعون الأغاني ويفرحون، يرقصون، ثم يعود كل شيء لما كان عليه. لكن هذه المرة، قبل سبع سنوات، تغيّر كل شيء ولا يزال.
في كل ذكرى ، يُعاد الكلام عن الثورة بصيغة الجمع، رغم أن الحراك كان فرديًا بالأساس. أفراد صنعوا جماعات؛ امتدت بطول الشوارع والميادين.
خلال سبع سنوات، تفرقت كل الجماعات، في مسارات مختلفة، منها التشريعي، والقانوني؛ عبر محاكمات الرئيس وأعوانه، وأُخرى لمَن ثاروا ضده. فضلًا عن مسارات حالمة، أفضت إلي حزن وموت، وصناديق انتخابات، وصراعات على السلطة، وغيرها.

وسط سنوات الدراما الكبيرة، بذرواتها وانكساراتها، لا ننسى أن الأفراد هم مَن صنعوا كل هذا.

هنا نركز على حكايات الناس؛ ما هو شخصي من داخل بطولات الجماهير المُجهَّلة. ملامح الأشخاص، الذين حصلوا على رصيد من الخسائر والأحلام. مَن أنضجتهم التجارب الجماعية، في 25 يناير، لكنهم الآن يحملون هذه الخبرات فرادى.

***

مشيتُ بتردُّدٍ في قاعة الألعاب الرياضية حيث حدَّدَت سارة كار ميعادنا لأول جلسة رفع أثقال. ورغم أنني أخطو بثباتٍ نحو الأربعين من العُمر، لست واثقةً من التدرُّب في مكان عام أو أن أفعل ذلك تحت إرشاد شخصٍ.

في عامها الواحد والأربعين، وحتى قبل ذلك، كانت صلابة سارة أو «الكوتش سارة»، في الحياة الحقيقية، جنبًا إلى جنبٍ مع شخصيتها الافتراضية التي نمت على خلفية نشاطها على الإنترنت، تنقل شعورًا بالثقة، ويمكن أن توحي بالترهيب كذلك.

لكن رفع الأثقال، شأنه شأن الصحافة، قد يكون مسعى محفوفًا بالمخاطر. ومحاولة كتابة «بروفايل» عن سارة لا تختلف عنهما في ذلك، تلك المرأة التي قفزت من عالمٍ إلى آخر بحثًا عن تغيير ملموس، حقيقةٍ ما، جوهرٍ لم تعثر عليه مُجسَّدًا في اللغة والكتابة والصحافة. في المقابل، جعلت جسدها هو ما يؤلِّف سطور حياتها.

بينما كنتُ أمشي بين أجسامٍ كتلك التي نجدها على أبواب النوادي الليلية، على خلفية موسيقى صاخبة، في صالةٍ «جيم» تطل على النيل، كنتُ آمل أن أجد سارة بسرعة، في بحثٍ مُتوتِّر عن شخص آلَفُه. لكنني لم أرِ سارة منذ ثلاث سنوات؛ هل صارت مثل تلك الأجسام المُغطَّاة بالعضلات من حولي؟

صارت كذلك بالفعل، لكن وجهها لا يزال هو نفسه. ربما تبدو أصغر الآن، بعد أن طال شعرها أو ربما تبدو أهدأ، بالنظرِ إلى تغيير المسار الذي اتَّخذَته. لا تزال ترتدي قميصًا رياضيًا زهريًا، من بين ملابس وأشياء زهرية أخرى، (يبدو أنه لونها المفضل منذ زمن). ولا تزال تتناول طعامًا غامضًا في الفطور، بينما تسخر من النخبوية النباتية. لا تزال تحييني بفتورها المعتاد، تأخذني مباشرةً إلى إجراءات الانضمام لبرنامجها التدريبي: نقيس الوزن، والطول، والدهون، وما إلى ذلك.

تأتي أوامرها في التمارين، وكأنها صادرة من ضابطٍ، بترديدٍ ثابت وصارم لا يتغيَّر مع التفافها حولك، بينما تكافح أنتَ من أجل الحفاظ على الوضعية الصحيحة. إنها دقيقة، ومُمعِنةٌ في الدقة. لديها أيضًا قدر من الإصرار، خاصةً مع شخصٍ مثلي بـ «ركبَتَين بارِزَتَين وظهرٍ لا يُعين». تُصفِّق لي حين نصل للوضعيةِ الصحيحة، وبتغييرٍ بسيط في نبرتها، تُصيح بلهجتها الجنوب شرق لندنية، التي لا تزال تحتفظ بها جيدًا. لا تكتم ضحكةً طفوليةً للسخرية من حركةٍ مرحة أو خاطئة، والشيء الوحيد الذي يمكنك فعله حيال ذلك هو أن تشاركها الضحك على نفسك.

كانت سارة، التي خلقت لنفسها اليوم قاعدةً داخل صالة «الجيم»، تشعر بالملل في كل مرةٍ تذهب فيها إلى الصالة في بلدة كرويدون في لندن، حيث قضت معظم فترة مراهقتها، والأعوام الأولى من عقدها الثالث. ففي حين أنها مارست تنويعةً من التمارين، من «الپيلاتس» إلى «الپول»، تلك التي تتركَّز كلها على فقدان الوزن، كانت تشعر بالملل، حتى تمكَّنَت من تحديد مكمن المشكلة.

«لم يكن هناك تقدُّم. كيف يمكن أن يكون الأمر أصعب؟ لا أحب الهوس بكل هذه التمارين التي تُركِّز على النساء. على أن يكن نحيفاتٍ وفي مظهرٍ معين. هناك حدٌّ للقوة التي تصلين إليها، وبالنسبةِ إليّ كل هذا مرتبطٌ بجماليات المرأة باعتبارها ذلك الكائن الهش الذي لا ينبغي أن يكون كالرجل».

وهكذا، في العام 2015، التحقت سارة في نظامٍ غذائي وبرنامج نباتي لكمال الأجسام على الإنترنت، ثم تعرَّفَت على مُدرِّب، تحدَّثَت عنه بحماسةٍ معي، إذ قابَلَته في صالة حديد. وبينما كانت حريصةً على ارتداء زيٍّ رياضيٍّ مُحافِظ نظرا لطبيعة تلك الصالة، كانت تتجاهل بسعة صدر الفتيان الذين كانوا يُحدِّقون فيها من وراء النافذة الحديدية للصالة.

صورة: Roger Anis

«ما مِن شيءٍ يُضاهي هذه الرياضة من حيث القوة، من حيث الشعور بأنكِ قوية، أو من حيث أنكِ ترين ثِقلًا بوزنِ 70 كيلوجرامًا يعلو أمام وجهك. يمكنني أن أقول إن تمارين القوة كانت هي المرة الأولى حرفيًا التي أشعر فيها أنني واثقةٌ من نفسي تمامًا».

اليوم، تستطيع سارة، التي يبلغ وزنها 65 كيلوجرامًا، أن تحمل ما يصل إلى 127 كيلوجرام في تمرين الرفعة المميتة. ولكي أُوضِّح ما يعنيه ذلك لمَن لا يُفكِّرون بمقاييس الأوزان، فإن بمقدورها أن تقوم برفع عدد 5 من حيوانات الباندا أو بإشارةٍ أوضح فإنها تستطيع أن ترفع ما يصل إلى ضعف وزنها. الآن تضع أمام عينيها وزن 143 كيلوجرام كهدفٍ تالٍ لها. إنه تقدم يترك بصمات على جسدها. يسعدها ذلك.

وبالتوازي مع هدفها بأن ترفع وزنًا أثقل، فإنها أيضًا تحمل شغفها برفع الأثقال إلى مجتمعها، لتبني شهرتها كمُدرِّبةٍ. فقد جاء اهتمامها بأن تُدرِّبني استجابةً منها لطلبي بالتحاور معها بغرض صحفي. قالت لي إنها لا تتذكَّر أنني تحدثتُ من قبل عن اللياقة البدنية، بخلاف ممارستي للركض أثناء المظاهرات. فلِمَ إذًا لا تنضمي للطائفة؟ قالت لي. وهي بالطبع زعيمة هذه الطائفة، ولها أتباعها بالفعل.

إحدى هؤلاء، ليلى مرعي، وهي مُؤرِّخةٌ معمارية، تصف لي سارة بأنها «يقظة ومُشجِّعة». تُردِّد ليلى ما وَجَدَته سارة مُقنِعًا في رفع الأثقال، في رسالةٍ شخصية كتبتها لمدربتها: «بصرف النظر عن كمِّ الوقت الذي يلزمني لأبلغ أهدافي، فإنني لم أصل من قبل قط إلى صورةٍ أكثر إيجابية لجسدي. لقد أظهرتِ لي ما يمكن لجسدي أن يُحقِّقه، وأظهرتِ لي مدى قوته، وإلى أي قوةٍ يمكن أن يصل». تقول ليلى أيضًا إن سارة تقودها بشكلٍ شامل صوب نمطِ حياةٍ صحي.

تقول رضوى مدحت، وهي مُتدرِّبةٌ أُخرى ومُتخصِّصة في الشبكات الاجتماعية، إن سارة، بالإضافة إلى كونها مُدرِّبة يقظة، هي أيضًا تميل إلى الأسئلة البحثية بدلًا من تقديم إجاباتٍ سطحية. كما تُشرِك مُتدرِّبيها في بحثها. ومثل ليلى، تُردِّد رضوى أفكار سارة نفسها بأنها وجدت في رفع الأثقال قيمة التطور.

سألتُ رضوى: «هل تضع سارة تحديات؟»؛ فقالت: «يمكنها أن تتحداك بقوة، لكن السلامة تأتي لديها أولًا، وهذا ليس شائعًا بين المُدرِّبين».

إنها أيضًا حسَّاسةٌ للحالة النفسية التي قد تمنع صاحبها من ممارسة الرياضة كما يقول عمرو عابد، المُمَثِّلٌ الذي يتدرَّب مع سارة أيضًا. جاء عمرو إلى سارة بصورة لبراد بيت في فيلم «Fight Club»وقال لها انه بحاجةٍ لأن يبدو مثله في ستة أسابيع ليؤدي دورًا جديدًا.

«أخبرتني منذ البداية أننا لن نتمكَّن من بلوغ هذا الهدف في ستة أسابيع، لكن ربما في ستة أشهر، وكنت سعيدًا بصراحتها»، يقول عمرو. ومع أن ذلك كان غريبًا في البداية أن يذهب إلى مُدرِّبة كمال أجسام امرأة، اندمج عمرو تمامًا في الخطة التي وضعتها سارة له. قال بتأملٍ: «إنها ذكية، وفاهمة».

لكن لا يزال الرجال ثلاثة فقط من ضمن المُتدرِّبين الخمسة عشر لديها.

لكن ذلك يُعد إنجازًا بالنسبة لامرأةٍ اقتحمت مساحة كمال الأجسام، الذكورية بوضوح، بثقةٍ، وليس على مضض. تقول سارة واصفة هذا العالم:  «يدور الحديث حول كيف يصبح كل شيءٍ كبيرًا، وضخمًا، وأقوى، ويعتمد بشدة على المزاح والنكات والدعابات في غرف تغيير الملابس، وهذا غير سارٍ بالنسبة لامرأة».

وبينما تدرك سارة ذلك المجال المُتحيِّز جندريًا بشدة الذي أقحمت نفسها فيه، يقفز خيالها على الدوام إلى مساحةٍ تكون فيها شيئا من السيولة الجندرية: «لديّ مشكلةٌ في اعتبار القوة خصلة ذكورية. لا أعتقد أن من الذكوري أن أكون أنا نفسي».

تقول: «القوة ليست تعريفًا جندريًا»، مشيرةً إلى جيني مارك كروك، وهي لاعبة كمال أجسام سبق أن شاركت في منافسةٍ لأول مرةٍ كرافعِ أثقالٍ ذكرٍ محترف، وذلك قبل أن تصبح مُتغيِّرة / عابرة جنسيًا في 2015.

تستطيع سارة، التي يبلغ وزنها 65 كيلوجرامًا، أن تحمل ما يصل إلى 127 كيلوجرام في تمرين الرفعة المميتة - صورة: Roger Anis

وفي سعيها نحو القوة الجسدية، اتَّجَهَت سارة إلى مساحةٍ جديدة لم تأخذ إليها جسدها فحسب، بل شخصيتها أيضًا. هناك مثلًا القبول بالفشل، وهو جانب حتميّ في الرياضة، جعلها تصير «أهدأ في التعامل مع الأمور، وأفضل في التعاطي مع الإخفاقات»

في 2016، مزَّقَت سارة رباطها الصليبي الأمامي بينما كانت تلعب كرة القدم. كانت تلك تجربة جديدةً ومهمة بالنسبةِ لها: «جعلني ذلك أُقدِّر مواطن الضعف. لم أشهد قط ألمًا ولا تقويضًا في الحركة مثل ذلك من قبل. كان عليّ استخدام عكازات، وكان ذلك مُذِلًا للغاية».

وتضيف: «أعتقد أنني شخصيةٌ قاسية إلى حدٍّ ما، وأحيانًا أفتقر إلى التعاطف. الآن، أنا مدركةٌ لإصاباتي، ولديّ ذعرٌ من الإصابات وما إذا كان أحد المُتدرِّبين لديّ قد يتعرَّض لها. يجعلني هذا أتأمل أكثر في الجسم البشري».

تُركِّز سارة الآن على خطةٍ لإنشاء صالة «جيم» خاصة بها، لتجعلها «ودودة ومريحة، حيث يأتي الناس ويستمتعون بالتمارين». تريد سارة «أشخاصًا كبار أقوياء لرفع مستوى المُتدرِّبين. لكن في الوقت نفسه لا أريد نميمةً في الخفاء عمَّا ترتدي هذه، وعمَّا تفعل تلك. أريد مساحةً بها رحابةٌ جندرية، ليست رجولية، بل قوية؛ قوية بالمعنى المنفتح جندريًا».

سألتها: «ماذا عن الطبقة؟».

قالت: «فكرتي هي أن أجد فتىً صغيرًا شغوفًا بحق، لأُدرِّبه وأصنع منه بطلًا».

أسرَّت لي بأنها في كل مرة تُفكِّر في أن ليس بمقدورها أن تُدشِّن صالةً رياضية خاصة بها، تتذكَّر «مدى مصر»، التي هي نفسها مؤسِّسَةً مُشارِكةً فيها: «لقد بدأ من لا شيء، وهذا مُلهِمٌ لي».

***

ذات مرةٍ في 2009، كنت أسير في قاعة محكمةٍ بالإسكندرية، مُثقَلةً بحقيبةِ سفري وميلي المُزعِج لأن أحني ظهري. رأيت سارة، التي كانت في ذلك الوقت شخصيةً افتراضيةً بارزة على الإنترنت، لكن الأهم من ذلك بالنسبة لي أنها كانت لها كتابات بديعة.

إلى جانب عددٍ من المحامين الحقوقيين، كنت أنا وهي، بشكلٍ منفصل، مهتمَّتَين بتغطية قصة رجائي سلطان، وهو الرجل الذي يعاني إعاقةً، والذي تعرَّض لاعتداءاتٍ بدنية على يد ضابط شرطة في مديرية أمن الإسكندرية. وبينما كان العنف ضد سلطان تعسُّفيًا؛ تعذيب الشرطة، وإساءة المعاملة يجريان بصورةٍ منهجية. وبينما كانت قصته واحدة من قصصٍ عديدة، كان الرجل محظوظًا بأن يلقى بعض الاهتمام الإعلامي.

بدا لي أن سارة لديها علاقات وثيقة بمحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان ممَن كانوا في المحكمة، ذلك العالم الذي زرعت نفسها فيه حين انتقلت من لندن إلى القاهرة في 2003 للعمل مع «المنظمة المصرية لحقوق الإنسان»، ثم لاحقًا في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية». بدت محبوبةً وتحظى باحترامٍ بين الجميع في قاعة المحكمة. قال لي صديقها القديم، شريف عازر، الذي بدأ حياته المهنية في حقوق الإنسان معها في «المصرية لحقوق الإنسان»، كيف أنه كان يتطلَّع إليها حين يتعلَّق الأمر بحقوق الإنسان، إذ كانت قيمها لا تقبل مساومات. «كانت هي المقياس»، على حد قوله.

لم يُقابَل حماسي للقائي الأول معها بالمثل. لكننا انتهجنا عادةً صغيرة باللقاء سويًا بعد جلسات المحكمة في قضية سلطان. كنَّا نحضر الجلسة، ثم نذهب بعد ذلك إلى مقهى ديليس على الكورنيش لإعداد ما كتبناه، هي لصحيفة «دايلي نيوز ايجيبت»، وأنا للنسخة الإنجليزية لـ «لمصري اليوم». وإلى جانبِ الشعور بحميمية الصداقة المهنية، كان هناك الكثير من التكرار: إجراءات المحكمة، والتعذيب، والعمل الصحفي في مصر في أوائل الألفية.

لكن، رغم التكرار، كانت تلك لحظةً مختلفةً على صعيد الإعلام في مصر، بالنظر إلى ما شهده هذا المجال من تحررٍ نسبي، وتدشين الكثير من المنصات المختلفة، التي احتوت على روايات مختلفة عن تلك التي تصنعها الدولة. وجدت سارة موطئ قدمٍ لها في هذه اللحظة؛ وجدت مساحةً في اللغة.

سألت عبد الرحمن حسين، الذي عمل في الصحافة قبل أن يُكرِّس حياته المهنية للموسيقى، عمَّا أدهشه في عمل سارة، فأجاب: «كانت شديدة الحساسية في تقاريرها، مدفوعةً باهتمامٍ بالغ بالناس فيما وراء القصص». عرف عبد الرحمن سارة لسنواتٍ من عملهما معًا في «دايلي نيوز إيجيبت»، ولاحقًا في النسخة الإنجليزية لـ «لمصري اليوم»، التي عملنا فيها جميعًا سويًا. يضيف عبد الرحمن: «واضحة الأفكار في مسارها، تُرشِدها الحقائق، وليس الانسياق وراء الخطاب العاطفي. صحافتها لا تسعى إلى تزيين أو تجميل الحقيقة من أجل قولبتها في روايةٍ مُستساغة».

أحبَّت سارة أيضًا تغطية قضايا المحاكم. تقول: «أحب ما هو مألوف وأن أعرف ماذا أتوقَّع»، وتضيف: «أحب أيضًا العبث، وإن كنتِ تريدين العبث في مصر، اذهبي إلى محكمة».

وتقول: «ليس هناك متَّسعٌ للاجتهاد الذاتي. القاضي قال كذا. الشاهد قال كذا. كيف يمكن أن أتحايل على ذلك».

سعت سارة أيضًا لكتابة شهادات عيان للأحداث.

تستخدم كلمة «الموضوعية» حين نتحدَّث عن هذا النمط من الصحافة. وفي حين أنني أستخدم هذه الكلمة أقل، وبينما قد أكون أكثر تقبُّلًا لفكرة ضبابية الحدث، فقد وجدت قرابةً في اهتمام «مدى مصر» بفعل الشهادة، والارتكاز على حقيقةٍ مادية ماثلة، ومحاولة نقلها بأقل قدرٍ ممكنٍ من التشويهات، في وقتٍ تؤدي فيه تشويهاتٌ كبيرة إلى حدٍّ مُذهِل إلى طمس الحقيقة.

تقول سارة: «أنتِ تكتبين ما ترين. حين تتناولين أحداثًا وقعت، يكون هناك وضوحًا ليس موجودًا عند التحدُّث إلى الناس، وهذا ما أعتقد أنه يُمثِّل موطن قوة وموضع ضعف كذلك في ممارستي الصحفية. لا أعتقد أنني ألتقط الصورة الشاملة، لكن جزء الصورة الذي أُقدِّمه أظن أنه صحيح إلى حدٍّ كبير».

بشهادتها على الأحداث، نجحت سارة في إعادة خلق الصورة أحداث ماسبيرو في أكتوبر  2011 حين قتل28 شخصًا، أغلبهم أقباط، بينما كانوا يتظاهرون للمطالبة بالحق في بناء الكنائس بحرية عندما هاجمتهم قوات الجيش.

وصفت سارة اللحظة التي وقع فيها الهجوم في مقالٍ بعنوان «شهادة عيان: من المسيرة في شبرا إلى الموت عند ماسبيرو»، كتبت فيها: «المُدرَّعتان كانتا تسيران في خطوطٍ مُتعرِّجة في الطريق أمام ماسبيرو تحت كوبري 6 أكتوبر، ثم إيابًا في نفس الطريق بالتزامن مع بعضهما، فيما كان إيقاع هذا الموكب هو إطلاق النار الذي لا يتوقَّف. طاخ طاخ طاخ. أما الموسيقى فكانت صرخات المتظاهرين الذين تتوجَّه المُدرَّعتان صوبهم. ثم احتلت مُدرَّعةٌ منتصف الطريق كحيوانٍ مسعور في حالةِ هياج. رأيت مجموعةً من الناس يختفون؛ يُسحَبون تحتها. المُدرَّعة دهستهم».

وفي الختام كتبت: «لابد أن يكون هناك شيء فاصل في الموت. لابد أن تكون هناك حقيقةٌ لا تقبل الجدل حين تحدث ببساطة بهذه الوحشية».

حُفِرَت هذه القصة في ذاكرتي كدليلٍ على قدرة الكلمات على الإدلاء بالشهادة، وبالاطلاع عليها مجددًا في خضم محادثاتنا الأخيرة، تتبَّعتُ بحث سارة الذي لا يُضاهَى عن الحقيقة في ممارستها الصحفية.

هناك سببٌ آخر وراء اختيار سارة بأن تُقدِّم شهادات عيان، وهو مرتبط بذلك الشعور المُختَلَط بالغيرية والانتماء في آنٍ معًا؛ وهو ربما شعورًا اعتياديًا لابنة أب انجليزي وأم مصرية. «إذا حدث شيء، أذهب وألقي نظرة. جزئيًا بسبب فضولي، وأيضًا لأن ممارستي الصحفية تستند على أن أرى بعيني بسبب حاجز اللغة، ولأنني شخصٌ يستمتع بالنظر وفعل ما هو أكثر من الكلام. وجزءٌ من ذلك هو أن أكون موجودةً في الحدث. لم أرد أن أكون جزءًا منه، نظرًا لحالتي التي قد تكون مضحكة بعض الشيء كـ «خواجاية» مصرية. ليست هذه معركتي، لكنها كذلك».

هذا الاغتراب انتقل مع سارة منذ صغرها. جاء إحساسها بأنها مختلفةٌ، وهي التي وُلِدَت في المملكة المتحدة لربةِ منزلٍ مصرية وأمين مكتبة إنجليزي، إلى الصدارة في ليلاند، حيث انتقلت العائلة في العام 1985، وحيث كانت والدتها هي الشخص الوحيد غير الأبيض في البلدة.

صورة: Roger Anis

«لطالما أربَك ذلك أفكاري. أولًا، كان اسمها غريبًا. ليست ماري، ولا ليندا، بل نبيلة. لم يكن ثمة أحدٌ أمه تُدعى هذا الاسم. عدتُ إلى المنزل ذات يوم من المدرسة وقلت: «مامي، مامي، يمكنني أن أتلو صلاة الرب»، فكانت وكأنما تقول: «نحن مسلمين».

لم تكن سارة تسمع اللغة العربية في الأحاديث في المنزل، وكانت تصُبِغَ والدتها شعرها باللون الأشقر في الخامسة من عمرها. وحين صار بوسعها تحديد اختياراتها في سن الثانية عشر، قرَّرَت التعبير عن مصريتها عبر الدين، فذهبت إلى مسجدٍ في البلدة، وهناك، لم تتمكَّن من حلِّ شفرات ما يقولونه؛ لأنهم كانوا يتحدَّثون الأُردية.

وفي سن السابعة والعشرين، جاءت سارة إلى مصر لدراسة اللغة العربية بالإسكندرية كجزءٍ من شهادتها في القانون في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن.

وفي الإسكندرية، عاشت حياة أندية الطبقة العليا. وبمجرد أن سمح القانون لأبناء الأمهات المصريات بالحصول على الجنسية، استخرجت بطاقتها المصرية في 2004، وكانت «سعيدة للغاية» بذلك.

في 2005، حين عادت إلى المملكة المتحدة للحصول على الماجستير في قانون «حقوق الإنسان» من جامعة إسكس الإنجليزية، ارتدت الحجاب خلال شهر رمضان.

سألتها: «هل كان حجابًا من النمط الإيراني؟»  فقالت: «لا. كان إسباني. بدا لطيفًا. لكنني بدوت كأنني مستوطِنةٌ يهودية. كانت تلك مغازلتي الأخيرة للدين كهويةٍ».

وحتى رغم أنها بدت وثيقة الصلة بزملائها الحقوقيين في المحكمة أثناء قضية سلطان، لم يكن عملها في المجال سهلًا. «كل المزاح الذي كان يُقال بالعربية، وكل قفشات الأفلام التي أربكت حياتي لعدم فهمي إياها. ليس لديّ الوقت لمشاهدة مئات الأفلام. ليس لديّ الوقت لتذكُّر مائة اقتباس من أفلامٍ مختلفة، ولا يمكنني أن أتعلَّمها بالإنجليزية. كنتُ أتتبَّع المحادثة، ثم يأتي أحدهم ويقول «خالد»، ثم يأخذون في الضحك جميعًا. لابد أن تلك كانت شفرة، شفرة سرية».

ولم تكن الصحافة مختلفة عن ذلك: «جزءٌ من السبب في أن الصحافة كانت دائمًا تحدي؛ هو أنني كنتُ يوميًا عليّ أن أُثبِت مصريتي. لم يكن بمقدوري أن أُجري مقابلات عمل ليس فقط لأنني لا أجيد العربية، بل أيضًا لأني لا أمتلك ذلك الشيء الذي يجعل الناس يتعاملون على راحتهم معي. كل يومٍ كان اختبار، وكل يومٍ كان فشل».

استغرقت سارة بعض الوقت حتى تسوي الأمور مع هذه الازدواجية كمصريةٍ انجليزية. ورغم أن هذه الازدواجية كانت على الدوام بمثابة صوتٍ داخلي مزعج، فقد سبحت سارة ضد تياره حين عمدت إلى تغطية القضايا العمالية على سبيل المثال، تلك القضايا التي نادرًا ما تجتذب الصحفيين الأجانب.

وفي كل الأحوال، كان خيارها بأن تعمل صحفيةً ميدانية يزج بها في المشكلات، لا سيما في أحداث العنف التي أعقبت الثورة.

في 25 يناير 2011، جاءت الثورة إلى منزل سارة، إذ شاءت الصدفة أن يكون هذا المنزل واحدًا من الأماكن القليلة التي ظلَّت متصلةً بالإنترنت عبر مُوفِّر خدمة لم ينقطع عنه الاتصال حين فُرِضَ قطع الاتصالات عبر مصر في محاولةٍ لقمع الاحتجاجات.

«كان هناك خوفٌ حقيقي في تلك اللحظة، حين رأيت المصريين على صفحتي على تويتر يختفون تدريجيًا، وكنت كمَن يقول: حسنًا، أنا لازلت هنا. ماذا يجري إذًا؟». وبحلول يوم الجمعة، كنَّا لازلنا متصلين بالإنترنت، وكان ذلك أمرًا لا يُصدَّق. وفي وقتٍ ما، كان هناك 20 شخصًا نائمين في منزلي، بينما لم أكن أعرفهم كلهم. أحببتُ ذلك. كان المنزل أشبه بـ «كوميونة»، حيث أعدَّ الناسُ جداول للطهي والغسيل. حين غادروا، شعرت بالحزن حقًا. بدا المنزل فارغًا. كنتِ لتحبين ذلك. كان الناس ينامون على الأرض، يفعلون كل شيء، أجهزة «لاب توب» في كل مكان. كان البيت أشبه بـ «مدى مصر»».

سألتُ منى سيف، وهي واحدةٌ من النشطاء الذين كانوا يتردَّدون على منزل سارة في الفترة بين 25 إلى 28 يناير، عن تلك الأيام. وصفت لي كيف بات معروفًا في أوساط النشطاء والصحفيين المستقلين أن منزل سارة مكانٌ آمن لا يزال متصلًا بالإنترنت. وتتذكَّر منى أن النشطاء والصحفيين كانوا يتردَّدون هناك على مدار الساعة بعد المشاركة في الاحتجاجات، إما لأخذ قسطٍ من الراحة ولشحن أجهزتهم، وإما لرفع المواد النصية والبصرية على الإنترنت. تقول: «كان المنزل مفعمًا بالحيوية».

خلال الثمانية عشر يومًا، لم تكتب سارة كثيرًا. كانت حاضرةً، وانضمت للاحتفال بالانتصار، لكنها أيضًا شهدت أحداث عنفٍ مُقلِقة. حين اندلعت موقعة الجمل، عندما هاجَمَ مؤيدون للنظام المتظاهرين في ميدان التحرير على ظهورِ جمالٍ وأحصنة، كانت تشاهد ذلك برعب من فوق أحد المباني. وذات مرة، حين تسلَّقت كابينة تليفون لالتقاط بعض الصور بالقرب من المتحف المصري، جاء رجلٌ يرتدي معطفًا جلديًا وتحدَّث مع صديقها على أنها أجنبية، قائلًا إنه يريد أن يزج بها داخل المتحف. نجح صديقها في إبعاده، وعلمت سارة فيما بعد أن المتحف كان موقع تعذيب لقوات الأمن. أفلتت سارة من ذلك الخطر، لكن بفرقِ شعرةٍ منه.

وفي اشتباكات مجلس الوزراء بين المتظاهرين وقوات الأمن، تلك التي وقعت في ديسمبر من ذلك العام، قذف أحد الجنود حجرًا كبيرًا كاد يصيب رأس سارة لولا سنتيمترات معدودة. تقول: «سقط هنا»، مشيرةً إلى صدرها، «كان ذلك أقرب حدثٍ لي من الموت».

يقول عبد الرحمن: «كانت شجاعة بشكلٍ يثير الضحك». يتذكَّر كيف أنها كانت في الصفوف الأمامية حين اندلع اشتباك بين المتظاهرين وقوات الأمن المركزي في يوم 25 يناير بوسط القاهرة: «كان الجنود يستخدمون هراواتٍ في أيديهم لضرب الناس، وجاء أحد الجنود لضربها حين كانت تلتقط صورًا. خفضت الكاميرا، وصاحت: «ماتضربش، ماتضربش»، ما جعله يتردَّد ويرخي هراوته قليلًا، فرفعت الكاميرا على الفور وبدأت تلتقط المزيد من الصور. مرةً أخرى رفع ذراعه ليضربها، ومرةً أخرى صاحت «ماتضربش»، ومرةً أخرى تردَّد، وهكذا واصلت التقاط الصور أمام أعينهم جميعًا. حدث ذلك مرتين أو ثلاث مرات، ولحسن الحظ أفلتت من ذلك دون أذى. كانت عنيدةً هكذا دائمًا في هذه المواقف».

بعد سبع سنوات، كتبت سارة واصفةً يوم ذكرى الثورة والاعتياد المُهيمِن الذي كاد يطمسها، على حسابها على فيس بوك: «يقولون إن الماضي بلدًا أجنبيًا، لكن 25 يناير تبدو كوكبًا آخر».

في وقتٍ ما بعد الثورة، أرادت سارة أن تطبع وشم على جسدها لجرافيتي الفنان كايزر: «فاكر بكرة اللي ماجاش». ولكنها تراجعت عن الفكرة. اليوم لدى سارة ثلاثة وشوم: امرأةٌ تقوم برفعة الخطف (حركة أوليمبية في رفع الأثقال)، ونجمة، وببغاء.

بالتوازي مع عملها الصحفي، كانت سارة تُدوِّن، وصارت تدويناتها بمثابة مسوداتٍ بديلة، كتابات اللا صحافة.

بدأت مدوَّنتها Inanities (سفاهات) كإلهاءٍ لها بينما كانت تدرس للحصول على درجة الماجستير. في البداية، وصفت مدوانتها بـ «كتابة أشياء ذات أهمية وغير ذات أهمية، حتى يتسنَّى لي أن أقرأها لاحقًا لأتذكَّر مَن أكون». كان ذلك في وقتٍ كان هناك زخمٌ حول التدوين في مصر عن السياسة والأمور الشخصية، مما كون علامةً في التاريخ الثقافي للبلد. تأثَّرَت سارة بصورةٍ خاصة بمدونةٍ لشيرين زكي «كتبت فيها عن أمور الحياة اليومية بطرقٍ ممتعةٍ للغاية».

«كنتُ أدرك تمامًا «مَن أنا لأكتب؟»، و«مَن يكترث بما أفعل؟». لم يكن لديّ الكثير لأقوله. فقط حاولت أن أكون مرحةً، في الغالب كنت أسلي نفسي أكثر من أي شيءٍ آخر».

«ثم كان هناك جنوحٌ نحو السياسة». وبينما وضعها ذلك بصورةٍ لافتة في خريطة المُدوِّنين المنخرطين في القضايا العامة ومجتمع النشطاء الإلكترونيين في مصر في ذلك الوقت، فهي مرةً أخرى ليست واثقةً من أنها كانت بالفعل جزءًا من ذلك المجتمع.

لكن، مع ذلك، كانت منشوراتها تُجمَّع بواسطة علاء عبد الفتاح، الرائد في حركة التدوين وفلك النشاط الإلكتروني في مصر، وهو الآن يقضي عقوبةً بالحبس خمس سنوات على خلفية اتهامه بمخالفة قانون التظاهر. كانت أيضًا صديقةً لمُدوِّنين بارزين آخرين، مثل أحمد غربية، وعمرو غربية، ومصطفى حسين. كانت تحضر جلسات الاستماع في محاكمة وائل عباس، المعروف بنشره مقاطع فيديو تُظهِر تعذيب الشرطة على مدونته، حيث كان مُتَّهمًا بـ «إتلاف كابل إنترنت».

تُعزي سارة التباسها حول الانتماء لهذا العالم إلى كتابتها بالإنجليزية وإلى كونها غير مصريةٍ. لكن الالتباس ربما يكون أيضًا سمةً لذلك المجتمع المنفتح والمشتبك مع القضايا العامة من المُدوِّنين، ذلك المجتمع الذي ارتَكَزَ بشكلٍ أكبر على الأفراد وتعبيرهم وبشكلٍ أقل على المجموع.

هكذا صارت سارة واحدةً منهم. لقد طوَّرَت مسارًا خاصًا في السخرية جَمَعَ حوله معجبين بتدوينها. انتحلت مثلا شخص الكاتب الأمريكي توماس فريدمان ككاتبٍ ضيفٍ على مدونتها، وكتبت، كما كان هو، أشياءً مثل «مَن سيخبر العرب بأن لديهم من الذكاء ما لدى الشباب في كل مكانٍ آخر؟ الإجابة هي: أنا من سأخبرهم بذلك. إنهم لا يتساءلون عن ذلك، لكنني – أنا المحتال الذي بَلَغَ منتصف العمر الذي لا موهبة له سوى قتل اللغة الإنجليزية بكل طريقةٍ مُبتَكَرة – سأخبرهم على أي حال، لأنني خُلِقت على هذه الأرض لإزعاج العرب».

بمعزل عن التدوين، أضفت سارة أشكالًا افتراضيةً مُتعدِّدةً حول شخصيتها الإلكترونية. على سبيل المثال، كرَّسَت نفسها لتغيير صورتها الشخصية (أفاتار) على «تويتر» بانتظامٍ في استجابةٍ ساخرة على المجريات السياسية. شخصياتٌ مثل فايزة أبو النجا، ومصطفى بكري، وكلاهما من غير المتحمسين لثورة يناير2011 حظوا بقدرٍ من الوقت على «أفاتار» سارة، المُمَيَّز الآن باسم «أفاكار».

في 2015، في وقتٍ باتت فيه قبضة المؤسسة العسكرية على السلطة قويةً بالفعل، بدعمٍ من جمهورٍ كامل من محبي الجيش، استغرقت سارة في إنشاء حسابٍ كاملٍ على موقع «فيسبوك» لشخصيةٍ خيالية تُدعى «مدام سارة». كانت مدام سارة، التي وُلِدَت في 30 يونيو 1960، وهو نفس اليوم الذي أخذ فيه الجيش السلطة لاحقًا بعد 53 عامًا، واحدةً من سُكَّان الزمالك، ترتاد نادي الجزيرة، وهي عضوةٌ في مجتمعٍ محبٍّ للجيش أطلقت عليه سارة، في واحدةٍ من طرفاتها، «طنطات الجيش» أو «ميليطنط». لكن جاء الوقت الذي كفَّ فيه حضور سارة الإلكتروني عن منحها السعادة. أرادت أن تخوض الحياة بجسدها أكثر من شخصيتها الإلكترونية.

***

في لقائنا الأخير من أجل إعداد هذا «البروفايل»، دعوت سارة للمجيء إلى «مدى مصر»، الذي غادرته في 2014، مُغلِقةً بذلك الفصل الأخير – على الأقل حتى وقتنا هذا – في عملها بالصحافة. كتبت عن الشعور بالوخزة العابرة لسؤال «ماذا لو؟». لكنه كان شعورًا عابرًا فقط، وبينما هي سعيدةٌ بأن «مدى»، ذلك المشروع التي أسهَمَت في إنشائه، باقيًا حتى الآن، فهي سعيدةٌ أيضًا بمغادرتها إياه، نحو عالمٍ تُمسِك به بيديها بصورةٍ أفضل.

لكنني لازلت أفتقد كتابات سارة، جزئيًا بسبب فرادتها، وأيضًا لأنني لازلت هنا، في الصحافة، وبصورةٍ أخص في الكتابة نفسها، بكل ما تكشفه الكتابة، وكل ما تمحوه أيضًا. طلبت منها؛ هذه المرة ليس بشكلٍ ملح كرئيسةٍ سابقة لها في العمل، بل ككاتبةٍ لـ «لبروفايل» الخاص بها – أن تُدخِل في هذا النص بعضًا من أفكارها حول ابتعادها عن الصحافة.

وهذا ما ردَّت به:

كنتُ ولازلت أحب الكتابة، والصحافة كانت طريقةً مكَّنَتني أحيانًا من ممارسة النوع من الكتابة الذي أحبه بينما أجمع بعض المال (ليس الكثير منه)، والأهم من ذلك أنها جعلتني أحظى بأشياءٍ أنظر إليها وخبراتٍ أفكر فيها وأكتب عنها. أعتقد أنني دمت في الصحافة طويلًا رغم كراهيتي للكثير من الأمور فيها (المكالمات الهاتفية، والإلحاح على الناس كي يتحدَّثوا إليّ، ومحاولة إقناع الغرباء في الشارع بأنني لست جاسوسة) لأنها أهدتني الفرصة لأكون مراقِبةً صامتة. وهذا يعني أنها منحتني رخصةً بحضور الأحداث والفعاليات التي لولاها لما كان لي شأنٌ بالتواجد فيها، وإذا كنتُ أكتب نوع القصص التي أستمتع بكتابتها، فقد طالبتني فقط بأن أدوِّن ملاحظاتي وأفكاري التي يُرثى لها، كي يقرأها الناس مع قصصٍ أخرى لناسٍ آخرين ويستجمعوا نسختهم من الحقيقة.

ومع ذلك، في يومٍ سيء، كنت لأجلس إلى مكتبٍ وأطارد الناس بالهاتف كي يتحدَّثوا إليّ، في الأغلب باللغة العربية. أحيانًا كنت أجلس وأُحدِّق في الهاتف المحمول لعشر دقائق، أستجمع شجاعتي لأقوم بالاتصال (أكره الاتصالات الهاتفية، أكرهها تمامًا، والاتصالات الوحيدة التي أقوم بها هذه الأيام هي طلبات الطعام). الاتصالات الهاتفية، جنبًا إلى جنبٍ مع إزعاج الغرباء للحصول على تعليقاتهم (عادةً في وقتٍ يمرون فيه بنوعٍ من الجحيم الشخصي)، ثم كتابة تقرير مُطوَّل أجوف من الروح، كل ذلك بدا لي صورةً من عقابٍ على جرائم ارتكبتها في حياةٍ سابقة.

أكثر مساحةٍ «فنية» حظيت بها كانت هي «مدى». لينا والطاقم هناك ليسوا من النوع الملتزم بما هو معتاد، ولينا كانت دائمًا متسامحةً إلى حدٍّ كبير مع انفعالاتي الصغيرة حول رغبتي بالأساس في كتابة «ماذا فعلت اليوم – بقلم سارة كار» وأُمرِّرها كمقالةٍ. LOL. أحيانًا كان الأمر ينجح تمامًا، لكنني كنت فقط أفلت بفعلتي هذه كثيرًا، وأحيانًا كان مُحتَّمًا عليّ أن أقوم ببضع العمل الصحفي الحقيقي، فتبدأ المعاناة كلها من جديد.

لذا، في النهاية، كان ذلك، جنبًا إلى جنبٍ مع الإرهاقٍ الهائل من تغطية أحداثٍ ليست لطيفة للغاية في مصر لست سنوات، بالإضافة إلى بعض المتاعب الشخصية، هو ما جعلني أنهي عملي في الصحافة وفي «مدى». لكن المسألة تتعلَّق أيضًا بالطريقة التي تُنظَّم بها الصحافة وتعمل وفقها؛ فهي أمورٌ جماعيةٌ للغاية، وتتطلَّب نفسيةً معينة كحزمةٍ واحدة لا أمتلكها ببساطة، لا سيما في «مدى».

كان الناس يعقدون دائمًا اجتماعاتٍ أو حفلاتِ إفطار أو أنشطةً اجتماعية، كما تفعل أي منظمةٍ عادية أو أي مجموعةٍ من البشر. وكان هناك ضغطٌ من أجل حضور هذه الأشياء، لأننا – مهلًا – نحن فريق!

كان هناك ضغطٌ مماثل، حين شاركتُ في فريقٍ رياضي، كي أحضر الفعاليات التي كانوا ينظموها، ولم أذهب إلى أيٍّ منها. هذه أنا وليس أنت، وهذا مرتبطٌ بصورةٍ وثيقة بسِماتي الخاصة (أنظر لما أشرت إليه أعلاه كوني مراقبةً صامتة وأستمتع بذلك). لكنها كانت فقط القشَّةً التي قصمت ظهر البعير.

***

هناك شعورٌ بالإشراق ينبعث من سارة، ويحيط بها مع تمحوِر حياتها حول رفع الأثقال. ربما يكون ذلك بسبب تحرُّرها من المجتمع الذي كانت فيه؛ حقوق الإنسان، والتدوين، والصحافة أو المجموعة المتضافرة التي بَنَت «مدى مصر» على خلفيةِ علاقاتٍ إنسانيةٍ مُعقَّدة ومحاولاتٍ ضبابية لأن يكون مشروعًا تشاركيًا بشكلٍ حقيقي وجذري. ربما يكون ذلك أيضا بسبب التحرُّر من عمليات السرد والكتابة كوسطاءٍ لنقل حقائق مُعقَّدة.

ما نعرفه الآن أنها تشعر بثقة في نفسها داخل جسدها.

اعلان
 
 
لينا عطاالله