الواقعية النسائية: جدل الذكورة والأنوثة في «سابع جار»

النموذج الأخلاقي الذي يقدمه مسلسل «سابع جار» مغاير بشكل جذري لما اعتدنا عليه في الدراما التلفزيونية التقليدية، حيث لا ينتصر للقوة أو النجاح، كما لا يدين الاختلاف أو الهزيمة، ولا يحبذ الفضيلة أو البطولة بأشكالهما التقليدية.

في المقابل، قدّم المسلسل نموذجه الأخلاقي والدرامي المختلف من خلال مواضيع وشخوص وعلاقات لم نعتدها في الدراما التليفزيونية التقليدية، ما أثار ضجيجًا إعلاميًا، وجذب له ملايين المشاهدين والمشاهدات ممن استطاعوا بسهولة تقمص ذلك النموذج، بل ووجدوا أنفسهم في مشاعر وأفكار أبطال المسلسل وخيباتهم ومتعهم البسيطة.

أخلاق نسائية.. أخلاق رجالية

عبر أبحاثه الميدانية والتي أجراها في خمسينيات القرن العشرين اكتشف لورنس كولبرج، مؤسس عِلم التطوّر النفسي للأخلاق، أن تطوّر الوعي المعرفي للفرد هو ما يحدد توجُهه الأخلاقي، بمعنى قدرته على التمييز بين الخطأ والصواب، فبينما ينمو ويتسع وعي الإنسان وقدرته على التفكير، كذلك يتكوّن وينمو توجهه الأخلاقي. في نظريته، ميّز كولبرج ثلاث مراحل رئيسية متتالية لهذا التطور:

تبدأ المرحلة الأولى بانشغال الفرد الطفل، أو البدائي، بتجنب ما يجلب له العقاب، والإقبال على ما يجلب له الثواب، فالكذب لا يكون خطأ إلا عندما نُعاقَب عليه.

مع اتساع الوعي تزداد قدرة الفرد على التفكير، لينتقل إلى المرحلة الثانية، والتي تمكّنه من فهم وتبني القواعد الأخلاقية العامة والمجردة والخالية من الثواب والعقاب المباشرَيْن، على غرار «لا تسرق» و«لا تكذب» و«لا تزنِ»، فيكون الكذب في حد ذاته مؤلمًا حتى لو لم يعاقَب عليه.

في مقابل كولبرج تأتي كارول جليجان التي وجدت في أبحاثها الميدانية أن هناك نمطًا آخر من الأخلاق الإنسانية ينتشر أكثر في عينات النساء، حيث ينبع التوجُّه الأخلاقي المنتشر بين النساء من صورة الأنثى عن نفسها، وليس فقط من نمو الوعي لديها

في المرحلة الثالثة يزداد وعي الفرد اتساعًا، ويصبح أكثر تمكنًا من فهم المتناقضات، ليتمكن أخيرًا من الاعتراف بنماذج أخلاقية مغايرة لأخلاقه، بل وقد تناقضها أيضًا.

وحسب أبحاث كولبرج، فإن الإنسان لديه توجُّهًا أصيلًا لتبني «أخلاق العدالة»، والأخلاق الفردية المجرّدة التي تعنى بالصواب والخطأ والنجاح والفشل والانتصار والهزيمة والحقوق المجرّدة بشكل عام، وهو النموذج الذي نراه سائدًا في أغلب الدراما التقليدية.

ولكن في مقابل كولبرج تأتي كارول جليجان التي وجدت في أبحاثها الميدانية أن هذا الميل للأخلاق الفردية المجرّدة، يزداد انتشارًا في عينات الذكور، وأن هناك نمطًا آخر من الأخلاق الإنسانية ينتشر أكثر في عينات النساء، وهذا النمط الأخلاقي أوسع من مثيله عند كولبرج، حيث ينبع التوجُّه الأخلاقي المنتشر بين النساء من صورة الأنثى عن نفسها، وليس فقط من نمو الوعي لديها، وتنشغل الأنثى بالتواصل والتعاطف والرعاية والخيال والمتعة مع عدم إهمالها للحقوق الفردية، التي سمّتها جليجان «أخلاق العناية».

مثل كولبرج، تقسّم جليجان مراحل تطور «أخلاق العناية» إلى ثلاث:

الأولى تنشغل فيها الذات بنفسها، وتتمحوَر حول حمايتها وتلبية احتياجاتها، بصرف النظر عن الآخر واحتياجاته، وتتميّز هذه المرحلة بالاضطراب النفسي واليأس والخوف من العالم الخارجي، وتمثل الدكتورة دعاء في المسلسل تلك المرحلة كما سنرى لاحقًا.

المرحلة الثانية تنظر فيها الأنثى لنفسها بوصفها أنانية، وتتجه لتجاوز تلك الأنانية بتلبية احتياجات المجتمع والإيمان بقيمه التقليدية، وتتميز هذه المرحلة بالتضحية بالاحتياجات الشخصية في سبيل التمحور حول الآخر، ورعاية احتياجاته. وتظهر الصورة النموذجية لهذه المرحلة في حالة الأم التي تضحي بحياتها لرعاية أولادها، والتي تمثل لمياء صورتها الأدنى، وفي صورتها المتطورة تأتي الابنة هبة.

تقف هبة في المرحلة الثانية من سلم جليجان، وتتميز بالتضحية بالاحتياجات الشخصية في سبيل التمحور حول الآخر ورعاية احتياجاته. رسمة: رنوة يوسف

المرحلة الثالثة تطمئن فيها المرأة إلى قدراتها وتزداد ثقة في نفسها، وتنشغل برعاية احتياجاتها وتحققها الفردي وحقوقها الشخصية، مع الاستمرار في رعاية احتياجات الآخر ورعاية علاقتها به، وتمثلها هالة.

ولأن صانعات مسلسل «سابع جار»، نادين خان وهبة يسري وأيتن أمين، كلهن نساء، فقد جاء المسلسل ليرفع الصوت الأخلاقي للنساء وليحتفي بالثيمات المحببة لهن في اعتقادي، مثل التواصل والتراحم والاسترخاء والنوم والراحة والكسل والأكل والتجاوز والتجاور والتسامح والحكاية والخيال، وذلك على عكس ما اعتدنا عليه في الدراما التلفزيونية التي تحتفي بثيمات الوعي الأخلاقي الذكوري، حسب جليجان، مثل الحق والباطل والشر والخير والهزيمة والانتصار والانتقام والعار والعدل والظلم.

كيف؟

في «سابع جار» نجد أنفسنا أمام عمارة مكونة من عدّة أسر، ما بين ست وسبع أسر حسب الغياب والحضور، مع مكتب هندسي تسكن فيه صاحبته المهندسة، مي. الشقق أكثر سكانها من النساء، اللاتي يعشن إما مع بناتهن أو رجالهن القليلين الغائبين الحاضرين، بالإضافة لشقة وحيدة بالدور الأرضي يسكنها لواء جيش متقاعد وأرمل مع خادمته كريمة، التي تحتل المشهد تقريبًا، وتمثّل صوت الشقة في العمارة.

الأختان، لمياء وليلى، هما سيدتا الموقف؛ لمياء الأرملة والأم لبنتين ومراهق، تقف على أولى درجات سلم جليجان الأخلاقي، فهي ربة بيت تقليدية محافظة ترملت وضحت باحتياجاتها الشخصية، والعناية هي همها الرئيسي، تنشغل بالطبخ وتربية البنات والحكي وإطعام الجميع والدعاء للجميع ورعاية أختها ليلى.

هي الأم كما يجب أن تكون، أو أم الجميع بلا منازع.

بينما تقف ليلى على منتصف سلم جليجان، فهي أم لبنتين وموظفة تنشغل بارتقائها الوظيفي ورومانسية وحالمة بالثراء. أحبّت رجلًا نصابًا، ورغم شقائها معه إلا إنها لا تتوقف أبدًا عن حبه ودعمه ورعايته وفتح ذراعيها له في أي وقت، ولم تتوقف عن حبها له حتى طعنها في رومانسيتها باكتشافها أنه تزوج عليها.

ليلى أيضًا لها ابنتان، أورثتهما سماتها الشخصية بشكل متناقض، فالصغرى ورثت رومانسيتها وحلمها بالنجاح السريع، لتتزوج نصابًا مثل أبيها وتنشغل ببرامج التنمية البشرية، وعلى الجانب الآخر تقف هالة الكبرى التي تمثل مرحلة متقدمة على سلم جليجان الأخلاقي، فقد تجاوزت مرحلة التضحية بالنفس من أجل الآخرين وانتقلت إلى المرحلة الثالثة من تحقيق الذات، ربما لأنها رأت مصير المضحيات مثل الأم والخالة والأخت.

تقف هالة في مرحلة متقدمة على سلم جليجان الأخلاقي، فهي منشغلة بنجاحها وباحتياجاتها الفردية، وتتعامل بصرامة مع الرجال عمومًا، لكنها لا تتوانى عن رعايتهم عندما يحتاجونها. رسمة: رنوة يوسف

هي منشغلة بنجاحها وباحتياجاتها الفردية، وتتعامل بصرامة مع الرجال عمومًا، ومع أبيها النصاب وزوج أختها الفاشل، لكنها لا تتوانى عن رعايتهم عندما يحتاجونها، وهي تعرف ما تريد بالضبط، تسعى إليه بدأب دون أن تجور على أحد، فعندما ترغب في الإنجاب تختار أكثر الرجال مناسبة لذلك، وترعاه وتتعاطف معه.

 أما هبة، ابنة لمياء الوسطى، فهي نموذج واضح لفتاة تقف في مرحلة انتقالية على منتصف سلم جليجان، هي مشغولة باحتياجاتها الشخصية وفي نفس الوقت منهمكة في رعاية من حولها، فهي تقضي أغلب وقتها في النوم ومشاكسة أمها، والاهتمام الإنساني بكل من يقعون في طريقها.

هي غير مشغولة بتحقيق أحلام الآخرين كأغلب النساء في المراحل الأولى لتطورهم على سلم جليجان، كما لا يشغلها تحققها الفردي، مثل ابنة خالتها هالة، كالعمل والإنجاز كما في مراحل جليجان الأخيرة، وإنما تشغلها فرديتها في أطوارها الأولى، بمعنى أنها تفعل ما تشعر به بأصالة، بداية من رعاية أخيها المراهق وصديقاته البنات إلى رعاية أختها المتدينة، وجارها المأزوم في زواجه، وشريف صديق مي وآخرين.

أما دعاء، الابنة الكبرى للمياء، فهي تمثل بجدارة المرحلة الأولى لامرأة أنانية وخائفة ومتمحورة حول ذاتها، وتحاول جاهدة حماية نفسها وتأمين مخاوفها عن طريق الالتزام الديني، والبخل المادي، واستغلال من حولها، بالإضافة للبحث عن زوج لاستكمال التأمين وإغلاق الدائرة.

إيقاع بنكهة نسائية

في المسلسل كما في الحياة، لا يعتني الإيقاع النسائي بالأحداث عمومًا، ولا يهتم بتقدم الخط أو الصراعات الدرامية، وإنما يركز على الحكي والتواصل وربط الشخصيات بعضها ببعض، حتى أن المشاهد قد ينسى نفسه ويتصور أنه في «قعدة ستات» كاملة، مثل ما حدث في المسلسل عند زيارة العم رجائي بحكاياته المشوقة التي لا تنتهي، أو زيارة العمة من الإسكندرية.

أعادنا المسلسل إلى ليالينا الشتوية، حيث التجمع في غرفة واحدة بهدف الدفء وإطلاق العنان للضحك والحكي ثم المزيد من الضحك والحكي.

يستعرض المسلسل إذن حالة أنثوية عامة تتسم بالرقة والعذوبة والصوت الهادئ، وبالقدرة على إنجاز المهام المتعددة بهدوء وفي آنٍ واحد، مع اختفاء المعارك والصراعات الكبيرة والصغيرة، حيث كل الخلافات تنتهي بالضحك والهزار والتلامس الجسدي.

يستعرض المسلسل حالة أنثوية عامة تتسم بالقدرة على إنجاز المهام المتعددة بهدوء وفي آنٍ واحد، مع اختفاء المعارك والصراعات الكبيرة والصغيرة. رسمة: رنوة يوسف

الأحداث لا تجري ولا تقفز وإنما تنزلق، كأنما هي في حِجر امرأة تقشّر البسلة، وتتذوق الطعام أثناء طبخه، وتُرضع طفلها وتتكلم مع صديقتها، وكل ذلك في نفس الوقت، بلا أهداف سامية تسعى لتحقيقها، ولا انتصارات كبيرة، ولا حتى منافسة على رجل أو امرأة مثلما في كل الدراما التقليدية.

قضايا شائكة

اقترب المسلسل بطريقة مختلفة تمامًا، حانية ورحيمة، من قضايا شائكة ومحكومة سلفًا بالإدانة الأخلاقية والمجتمعية والقانونية، مثلما في حالة مجدي النصاب، زوج ليلى، ومثلما في حالة خيانة طارق لزوجته.

لكن الأكثر إشكالية، كانت قضيتا الإجهاض وتجارة الجنس، أو ما يسمى بـ«الدعارة». تعامل المسلسل مع القضيتين كما تعامل مع القضايا الأخرى؛ بتعاطف وحب وانشغال بالأشخاص ومعاناتهم وصراعاتهم، أكثر من انشغاله بالحكم عليهم وإدانتهم، كما كان ليحدث في أي دراما تقليدية تتبع القيم الذكورية، فكريمة عاملة الجنس، التي ساقتها الظروف لترعى سيادة اللواء، راضية بوضعها المتدني في العمارة ومكتفية بالحياة الكريمة مثل اسمها، أصبحت بكل ضجيجها عضوًا أساسيًا في مجتمع العمارة.

كذلك تناول المسلسل برقة متناهية حالة مي المغرمة منذ طفولتها بشاب أرعن متزوج وغير ناضج، وقد حملت منه على غير رغبتها وأجهضت نفسها على غير رغبتها أيضا.

مي، وهي الأكثر معاناة، كانت الأكثر مساعدة واستماعًا لمن يعانون في العمارة، فهي المستشارة النفسية لهبة وأخيها المراهق وكريمة، والوحيدة التي عرفت سر عمل كريمة، ربما بسبب تشاركهما وطأة الإدانة الاجتماعية لحياتهما الشخصية.

يأخذنا المسلسل أيضًا إلى مناطق شائكة غير مطروقة، بل ومستهجنة، مثل نزع القداسة عن الأمومة المعطاءة دائمًا والتي تؤثر الآخرين على نفسها دومًا، عندما أشار إلى فقدان الهوية والتحولات النفسية التي تصيب الأم بعد الولادة ورفضها لأطفالها

كما احتضن المسلسل ارتباكات طارق تجاه زوجته، وهو الذي ترك نفسه يؤخذ في علاقة لم يقتنع بها في البداية، فضلًا عن أن وجود أسرة مسيحية لم يؤطَّر في نموذج نمطي من الاضطهاد الديني أو التعايش السلمي المُفتعل كما في أغلب المسلسلات.

يأخذنا المسلسل أيضًا إلى مناطق شائكة غير مطروقة، بل ومستهجنة، مثل نزع القداسة عن الأمومة المعطاءة دائمًا والتي تؤثر الآخرين على نفسها دومًا، عندما أشار إلى فقدان الهوية والتحولات النفسية التي تصيب الأم بعد الولادة ورفضها لأطفالها، بحيث تستغرب الأم نفسها بعد الحمل والولادة، وكأنها شخص آخر، بل وتستغرب أبناءها أحيانًا، كما ظهر في الحوار بين مي وصديقتها: «ببص لبناتي وأقول مين دول».

ولأن البطولة شأن ذكوري بالأساس، فقد خلا المسلسل من الأبطال؛ تظهر الشخصيات وتختفي كما الحياة، ولا يمكنك إلا متابعة الجميع بنفس الشغف وبدرجات متفاوتة من الاهتمام، على حسب قربك من الشخصيات المختلفة أو بعدك عنها.

رجال بروح نسائية

في المسلسل، الرجال كما النساء؛ رقيقون ومحبون ومتعاونون لا يعانون من تورمات الذات وخشونة المسلك وعنف الذكور، ليسوا أشرارًا ولا استغلاليين، هم بشر مثل نسائهم وفقط.

والرجلان اللذان غردا خارج السرب، مجدي زوج لمياء وكذلك زوج ابنتها فؤاد، كانا مضطربين أكثر منهما أشرارًا، وحظيا بعطف ورعاية النساء.

أظهر المسلسل الطبيعة الخفية للذكور ككائنات فردانية هشة ومرتبكة ومحملة بأحلام وطموحات أكبر من فردانيتها، مثل عمرو العائش في حلم الموسيقار، والمرعوب من مسؤولية الإبداع والإنجاب معًا، فاعتزل الحياة متعاليًا وخائفًا، ومجدي العائش في حلم الثراء، أو سعادة اللواء، الأرمل والأب المتروك من ابنه الوحيد والعائش في حلم السلطة الغابر.

يُظهر الرجال أحيانًا في المسلسل بعضًا من ملامح الذكورة الهشة، التي تعتني بالقوة الشكلية بديلًا عن الرقة، والانتقام بديلًا عن الرحمة، والخصام بديلًا عن التواصل، حتى لتمحو في طريقها الأخضر واليابس، وتقضي على الذكور والإناث معًا.

يقدّم «سابع جار» – الذي يشير اسمه إلى التعاطف الممتد حتّى سابع جار – نموذجًا دراميًا للتعايش السلمي، يكون الانشغال الرئيسي فيه بالجميع وللجميع، بالمحبة والرعاية والإطعام وتقديم الشراب، وإحاطة الجميع بالعناية.

هكذا أردنا أن يكون «سابع جار»، وهكذا أرادتنا صانعاته النساء.

اعلان