Define your generation here. Generation What
صور «مريضة العباسية».. سؤال عن التقصير والخصوصية
 
 

امرأة عارية جالسة على الأرض بجوار أحواض لغسل الأيدي، تقف أمامها امرأتان أخريان يحملان دلو ماء. مشهد وثقته ثلاث صور انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، انتقلت فيما بعد إلى المواقع الصحفية والقنوات الفضائية. معظم من نقل الصور عنونها بـ«مشاهد تعذيب المرضى النفسيين في مستشفى العباسية».

سرعان ما استجابت وزارة الصحة بعد نشر الأخبار وأصدرت بيانًا رسميًا متضمنًا قرارًا بوقف مدير مستشفى العباسية، و11 من فريق التمريض في المستشفى عن العمل، والتحقيق في واقعة التصوير، بالإضافة إلى إدانة نشر الصور نفسها، لما تمثله من انتهاك لقانون «رعاية حقوق المريض النفسي».

الرأي المُثار حول المسألة وقرارات وزارة الصحة، التي انعكست أمس، الثلاثاء، في بدء تحقيقات النيابة العامة حول الواقعة، صاحبه ردود أفعال مناقضة لدى الفريق الطبي في المستشفى.

يقول الطبيب النفسي في مستشفى العباسية محمد بلطية لـ «مدى مصر» إن واقعة التصوير افتعلتها ممرضة في القسم لديها خلافات إدارية مع إدارة المستشفى تتعلق برغبتها في الانتقال للعمل في الأقسام الإدارية في المستشفى بدلًا عن الأقسام العلاجية، ولا صحة لما نُشر عن أن المصور شخص من خارج المستشفى.

كلام الطبيب النفسي أكده بيان وزارة الصحة الثاني بشأن القضية، والذي جاء فيه، نقلًا عن رئيسة التمريض في الأمانة العامة للصحة النفسية، أن «إحدى الممرضات بالمستشفى تدرس في كلية إعلام قامت بتقديم طلب لإدارة المستشفى لنقلها إلى قسم الإعلام بالمستشفى، وبعد رفض الإدارة طلبها، قامت المذكورة بخدش حياء المرضي وتصويرهن بدون ملابسهم أثناء الاستحمام، ونشر هذه الصور عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لإحداث رأي عام ضد إدارة المستشفى ورئيسة التمريض بالأمانة العامة لرفضهما نقلها».

يقول الطبيب: «الناس رأت صورة مجردة، وبنوا عليها استنتاجًا أن هناك امرأة تعمل ممرضة في مستشفى العباسية، أمامها امرأة هي مريضة مقيمة في المستشفى، وأن الأولى تعذب الثانية.. هذا أمر عبثي بالنسبة لي. ربما كان على أي جهة من الجهات الناشرة للصور أن تسأل إدارة المستشفى عن الواقعة أو أن تتأكد على الأقل من الأشخاص المصورين فيها أو حتى أن ما حدث كان تعذيبًا».

وأشار بلطية إلى أن عدة تحقيقات منها ما هو إداري، فضلًا عن تحقيقات النيابة، فقد بدأت إدارة المستشفى التحقيق في الواقعة، وآخر من قِبل الأمانة العامة للصحة النفسية، غير أن هذه التحقيقات لم تسفر بعد عن قرارات.

على الرغم من ذلك، فإن الطبيب يسرد الواقعة بحسب ما يدور في أروقة المستشفى «الواقعة حدثت في ديسمبر الماضي في قسم 14 حريمي. في البداية لا بد أن نفهم بعض الإجراءات؛ من الأعراض الأكثر شيوعًا لدينا هي إهمال النظافة الشخصية، والامتناع عن الاستحمام. وعليه فيتعين على التمريض التأكد من استحمام النزيل مرة واحدة على الأقل يوميًا، إن لم يكن مرتين، وإلا فإنها تكون عُرضة للجزاء الإداري. ومع قلة أعداد التمريض نفسهم وندرة الإمكانيات المتاحة، تبدأ بعض الإشكاليات في الظهور».

فيما يوضح مصدر طبي من المستشفى، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ «مدى مصر»: «في الحالة التي نتحدث عنها فإن المريضة مُقعَّدة وعادة ترفض الاستحمام. والرضوخ لرغبتها ليس خيارًا. وفي هذا السياق علينا تخيل كيف أن ممرضة واحدة أو اثنتين في أفضل الظروف عليها التأكد من استحمام كل نزلاء القسم الذين يتراوح عددهم بين 25- 50 نزيلة. كل ما في الأمر أن ضيق الحمّام أجبر الممرضة على استخدام منطقة الأحواض، وهي ليست غرفة مفتوحة للجميع، وأنها سقطت على الأرض أثناء ذلك بشكل عرضي، وهنا قامت الممرضة صاحبة المشكلة بتصوير المشهد».

ويضيف المصدر الطبي: «باختصار نحن في مستشفى العباسية نقوم بأفضل وظيفة ممكنة في حدود الامكانيات المعدومة بالأساس. يحاول طاقم التمريض الاهتمام بمسؤولياته في الاعتناء بالمرضى دون الوقوع تحت طائلة قانون الصحة النفسية الذي يفرض عقوبات صارمة فيما يتعلق بحقوق المريض النفسي. في هذه الحادثة المتهم ليس الإدارة ولا الفريق الطبي، المتهم هو صاحب السياسات العليا في الأمانة العامة والوزارة والحكومة، التي قبلت بوجود ميزانية هزيلة لمستشفى في حجم العباسية، وغيرها من المستشفيات. إن كنا نسعى للحفاظ على كرامة المرضى ونحن جميعا نريد ذلك، علينا أن نوليهم اهتمام مادي ومعنوي، لا أن نعاقب الحلقة الأضعف وهم التمريض».

على الجهة الأُخرى، يقول عضو مجلس نقابة الصحفيين محمود كامل لـ«مدى مصر» إن «نشر مثل هذه الأخبار ربما يكون مثيرًا بالنسبة لجهة النشر باعتبار أن الصورة الصادمة قادرة على تحريك الرأي العام والضغط على المسؤولين. لكن هذا بالطبع يستوجب الالتزام بأدبيات محددة وصارمة. أولا: علينا ألا ننشر أي صور تمس خصوصية الآخرين، خاصة لو كان الأشخاص الواردين في الصور ليسوا على دراية بالتصوير وموافقين عليه. ثانيًا: قبل النشر يستوجب علينا العودة للمتهم ووضع الصور أمامه قبل وضعها أمام الرأي العام وإدراج رده كجزء أساسي من القصة الصحفية».

حتى اللحظة لم تصدر أيًا من جهات التحقيق رأيًا نهائيًا في حقيقة ما حدث، وعلى الرغم من أن بيان وزارة الصحة يدين نشر الصور، إلا أنه لم يوضح تفاصيل الواقعة نفسها، إلا أن احتمالية الكشف عن تفاصيل المسألة ومشروعية حدوثها تبقى في يد النيابة العامة التي باشرت التحقيق أمس، الثلاثاء، وقيامها بمعاينة مكان التصوير والحديث مع الشهود المحتملين.

اعلان