Define your generation here. Generation What
مراهقون مكتئبون وعصابات هوليوودية: عن أبرز أعمال الدورة الثالثة من مهرجان «زاوية» للأفلام القصيرة
 
 
من فيلم «الرائد توم»
 

أعلنت سينما زاوية، مساء السبت الماضي، عن أسماء الفائزين في الدورة الثالثة من مهرجان زاوية للأفلام القصيرة، والذي استمر من الأول وحتى الثالث من فبراير الجاري.

ضم برنامج المسابقة 15 فيلمًا لصناع أفلام مصريين، يتنافسون على خمس فئات مختلفة. فيما كانت لجنة التحكيم مكونة من أيتن أمين (مخرجة فيلم «فيلا 69»، 2013)، وشريف البنداري (مخرج فيلم «علي معزة وإبراهيم»، 2016) ومروان عمارة (مخرج الفيلم التسجيلي «واحد زائد واحد يساوي كعكة شوكولاتة الفرعون»، 2016).

في فئة أحسن إخراج، فاز محمود تيمور عن فيلمه «من ريحة المرحوم» (2017). الفيلم عبارة عن تحية للأوقات السعيدة التي قضيناها في بيوت أجدادنا أثناء طفولتنا. بدلًا من أن يستخدم ممثلين ليحكي قصته، يأخذنا الفيلم في رحلة بداخل عدة شقق قاهرية قديمة، يُعبر أثاثها المغبر عن جماليات يسهل تمييزها عند الطبقة الوسطى، بينما يستدعي التعليق الصوتي الغارق في النوستالجيا أصوات ومذاقات وروائح زمن مضى.

أما جائزة أفضل سيناريو فقد ذهبت لـ عمروش بدر عن فيلم «حاجة ساقعة» (إنتاج 2017)، الذي كان أحد الاختيارات الرسمية لمهرجان كليرمون فيران الدولي للأفلام القصيرة العام الماضي. يتتبع الفيلم حيوات خمس شخصيات في الإسكندرية، على مدار يوم واحد، قبل أن تتقاطع طرقهم في حفلة الزفاف. ورغم كون الفيلم جيد التصوير، إلا أنه عجز عن إعطاء خطوط السرد حقها.

وحاز فيلم التحريك القصير «بائع البطاطا المجهول» (إنتاج 2017)  لـ أحمد رشدي على تنويه خاص. الفيلم  مستوحى من القصة الحقيقية لحادثة مقتل الطفل عمر صابر، بائع البطاطا على يد ضابط بوليس بالقرب من السفارة الأمريكية بالقاهرة في 2013، ويحتوي على إشارات إلى فساد البوليس وتواطؤ الجيش. وكانت سينما زاوية قد أعلنت الجمعة الماضية عبر صفحتها على فيسبوك، تراجعها عن عرض الفيلم كما كان مخططًا له، وذلك لأن الرقابة على المصنفات الفنية لم تعطه تصريحًا بالعرض، لكنها نوهت أنه مازال داخل المسابقة في نفس الوقت.

أما جائزة لجنة التحكيم فقد ذهبت لفيلم « مارشيدير» (2017) لـ نهى عادل، بينما حصل فيلم «الرائد توم» (2017) لخالد مدحت معيط، على جائزة أحسن فيلم.

فيما يلي نقدم مراجعة للفيلمين الأخيرين، بالإضافة لثلاث مراجعات عن أفلام أخرى وقع عليها اختيارنا من البرنامج.

«الرائد طوم»

يعتبر الفيلم تحية للموجة الفرنسية الجديدة، متقاطعًا في الوقت ذاته مع جماليات سينما الألفية الحديثة. يأخذنا هذا الفيلم المعتمد على خلق أجواء سينمائية خاصة، في رحلة صادقة بداخل عقل وعالم توماس (عبد الرحمن سالم)، المراهق المهووس بموسيقى ديفيد بوِّي. يغرق توم في غيمة اكتئاب ويكافح أفكاره الانتحارية بعدما تنفصل عنه حبيبته.

يشير عنوان الفيلم لشخصية خيالية تظهر في بعض أغاني الموسيقي الإنجليزي ديفيد بوي. ويعكس اختيار صوت أنثوي يتحدث بالفرنسية كصوت للراوي طوال الفيلم ولَه الشخصية بأيقونة جنسية من أحد الأفلام الفرنسية المفضلة لبطل الفيلم. يسمح هذا الاختيار للمخرج بتفادي الحوار الضعيف وغير الضروري، كما يخلق مناخًا يتماشى مع محاولة الفيلم استكشاف هوَس توم بالجنس، وفترة بلوغه في المجمل.

عبر حذف الحوار من المعادلة بالكامل تقريبًا، تتاح الحرية لصانع الفيلم لاستخدام الكاميرا بطرق مبدعة، حيث يراوح بين اللقطات المقرَّبة وبين الأوضاع الثابتة للكاميرا بما يعكس صراع توم الداخلي. يبدو تأثير مخرجي الموجة الجديدة كجودار وتروفو واضحًا على الاختيارات الأسلوبية للمخرج، خاصة في قطعات المونتاج العشوائية، والتعليق الصوتي غير المترابط. وتنجح هذه الاختيارات في أن تكون تعبيرًا صادقًا عن طبيعة عقل توم المضطرب.

لا يخرج خالد مدحت معيط، بمشاهد فيلمه خارج حدود غرفة نوم توم الفوضوية المزينة بذوق فني، وذات الإضاءة المنخفضة المائلة للزرقة المعبرة عن اكتئابه. يستكشف الفيلم أيضًا مفهوم «الهروبية» عند جيل الشباب الحالي. يواجه توم مشاكله بأغاني ديفيد بوِّي، والتي تعكس تقلبات مزاجه المتكررة، وبالمخدرات والسينما وأحلام المشي على القمر، ليهرب من واقعه المتمثل في أبيه وحبيبته، اللذين لا نرى وجهيهما بوضوح أبدًا. وهي طريقة أخرى من الطرق التي يستبقي بها المخرج المشاهدين منغرسين في إحساس أنهم بداخل رأس توم، حيث الشخصيات الأخرى مجرد أشكال هائمة.

يعتبر أداء الممثل عبد الرحمن سالم، أحد نقاط قوة الفيلم الأكيدة. فهو يواجه الكاميرا بارتياح ملحوظ، لكن قدراته التمثيلية توضع في الاختبار في نصف الفيلم الثاني، حينما يقرأ قصيدة عن الموت. رغم أن القصيدة تتماس مع حالة القلق والتوتر لدى جيل الألفية، وفكرة الخوف من الموت بشكل عام؛ إلا أنها تخذل محاولة صانع الفيلم في طموحه تضمين فيلمه أبعادًا مختلفة، حيث يبدو عند هذه النقطة محملًا بالفلسفة بأكثر مما يحتمل.

«مارشيدير»

 

عُرض الفيلم للمرة الأولى العام الماضي، في مسابقة المهر للأفلام القصيرة ضمن مهرجان دبي السينمائي. ويحكي قصة بسيطة ومتماسكة في نفس الوقت.

يُفصِح أسلوب المخرجة نهى عادل عن نفسه في لقطات الفيلم الأولى، التي جاءت بطيئة وواثقة في الوقت نفسه: شرفات مغلقة وفارغة تطل على شارع، لقطة لاسم الشارع وعلامة «ممنوع الدخول» المرورية. بهذا التتابع الافتتاحي الهادئ تمهد نهى بيئة فيلمها عبر سرد بصري صلب. ثم، وبإيقاع دقيق، تتصاعد المشَاهد إلى حالة صراع: زحام هستيري في ذلك الشارع الضيق ذو الاتجاه الواحد، وشجار بين السائقة الوحيدة في الاتجاه الصحيح، وبين عدد من السائقين الرجال، لأنها ترفض التراجع بسيارتها في الاتجاه العكسي.

بينما يتطور هذا المأزق «المصري» بامتياز، تستمر نهى عادل في سيطرتها على إيقاع الفيلم. يوازي براعة المخرجة في تصوير تفاصيل هذه المجموعة المتنافرة من الشخصيات والتي يؤديها طاقم تمثيل ماهر؛ اهتمامها بصنع حوار ذكي وواقعي وبليغ، يحمل داخله تعليقها القوي على فكرة الاستحقاق الذكوري، والصراعات اليومية، التي تمر بها النساء في القاهرة، من خلال رصد التناقض بين الشخصيتين الرئيسيتين: الغضب المتفجر لحمدي (أحمد عصام) الذي يصرخ في المرأة الصموتة الواثقة حنان (منى الناموري)، والتي يستعاض عن ضآلة حوارها باللقطات المقربة لوجهها المعبر ويدها المرتجفة بينما يستمر حمدي في القرع على مقدمة سيارتها.

عبر حركة الكاميرا المحمولة يدويًا، والمونتاج السلس، والتوظيف الجيد للممثلين في المشهد، تنجح نهى عادل في خلق عالم كامل وثري داخل شارع صغير مخنوق. تعرفنا المخرجة على الشخصية، من خلال عدد من العناصر، كالموسيقى التي تستمع إليها ( أغانٍ لفيروز)، ومحتويات سيارتها، وألبوم الصور على هاتفها المحمول، بينما تنتظر في هدوء وعناد أن يحل الرجال مشكلتهم بأنفسهم. ورغم أن بعض مقاطع الحوار تبدو مقحمة في أوقات، إلا أن الإشارات النسوية الضمنية في الفيلم تنتمي لإيقاعه بدون افتعال.

«رد فيلفت»

يبدأ فيلم رد فيلفت (2017) لمحمود سمير ويوسف محمود؛ بمشهد للطفل آسر (آسر هاني)،  يتسلق فراش وينام بين ذراعي أمه. في الصباح وبينما يزال آسر نائمًا تموت الأم بعدما تتصل بالنجدة كمحاولة للحصول على مساعدة، لكنها لا تستطيع الكلام رغم ذلك، ولذلك فبعد موتها يعود موظف النجدة للاتصال. يجيب آسر، الغافل عن موت أمه، الهاتف حينما يستيقظ ويأخذنا الفيلم في رحلة مثيرة. يكافح الطفل المصاب بمرض السكري لمقاومة إغراء كعكة ريد فيلفت شهية المنظر، وفي الوقت ذاته يحاول إعطاء موظفة الطوارئ المعلومات التي تحتاجها لتحديد العنوان.

تتلاعب تكوينات صانعي الفيلم الحذرة بانتباه المشاهدين بشكل كفء، فهي تبني توتر وتخلق صراعًا مفهومًا يسري طوال مدة عرض الفيلم البالغة 15 دقيقة. تنجح حركة كاميرا الفيلم في بناء علاقة مكانية بين غرفة النوم والمطبخ؛ نقطة التركيز الرئيسية لآسر لاحتوائه على الكعكة.

على الرغم من عدم واقعية الاتصالات المتتالية لموظفة النجدة وأدائها المقحم غير المقنع، فإن تمثيل الطفل الطبيعي وحضوره الكاريزمي على الشاشة يعوِّض ذلك، إذ أن التناقض الواضح بين أدائه اللعوب والحيوي وبين مهابة الموقف، من نقاطة قوة الفيلم. بصريًا، يظهر هذا التناقض بين البيئة الرمادية الباردة للغرفة، حيث تستقر جثة الأم على الفراش وبين المطبخ المشمس المليء بالألوان، حيث يحدق الصبي بشوق للكعكة الحمراء الداكنة المغطاة بالسكر المجمد.

وفي حين لا ترتقي نهاية الفيلم لبنائه الواعد، ينجح صانعو الفيلم في بناء دراما محكمة عبر عدم الإفصاح من البداية عن معلومات أساسية، الأمر الذي يجعلنا، كمشاهدين، نمر بتجربة مشوقة.

«المنفي»

 

يصور فيلم المخرج عمر إلهامي شخصية «المنبوذ»، في تجربة تأملية تمزج بين جماليات المخرج تيرانس مالك، والحس المميز للارس فون ترير. «المنفي» فيلم مفاهيمي يحتاج إلى مشاهد صبور ومراعي. وقد يجد البعض صعوبة استكمال مدة العرض البالغة 20 دقيقة.

يُنتشل رجل فاقد للوعي، نعلم لاحقًا أن اسمه مارك (مارك أندريه ماليه)، من البحر ويُحمل للشاطئ. بعد استيقاظه، نجده يبدأ رحلة في قارب متجهًا إلى ما يبدو لنا وكأنه بلدته الأصلية. هناك، يجلس مارك في مطعم قبل أن تدعوه نادلة طيبة عجوز لقضاء ليلة في بيت عائلتها. تتبدى عدم راحة الرجل بوضوح في فتوره، الذي يغدو ملموسًا أكثر عندما يوضع في مقابل سلوك مضيفته الواثق والودود، وهي تحكي له قصصًا عن العائلة والأغراب.

هذا الحس البارد الذي يعكس حالة الوحدة والمنفى في بداية الفيلم يذوب تدريجيًا، مفسحًا الطريق للمشهد الوحيد المضاء بألوان دافئة بينما يحظى مارك بعشاءه مع عائلة السيدة في طقس حميمي، لكن بإمكاننا ملاحظة التناقض بين حوار العائلة الطبيعي وبين صمت مارك الأمر الذي يبرز حالته العاطفية.

يبدأ الفيلم وينتهي بمشاهد ساحرة للبحر، ويستفيد بشكل فعال من معطيات البيئة الطبيعية، كالإضاءة. تخدم حركة الكاميرا المهتزة والزوايا المقلوبة والتكوينات الغائمة ذلك الشعور بالوَهن الذي يسعى إليه صانع الفيلم، مضحيًا بمشاهد وصور كانت لتبدو وكأنها لوحات فنية في أحوال أخرى. قد نجد ارتباكًا مشابهًا في تتابع باليتة الألوان الباردة التي تصور موكب استعراضي مرِح بالبلدة، في مناسبة مجتمعية. يغرق المطر الشارع، في الوقت ذاته، يمشي ساكنو الحي على أنغام أنشودة أطفال إنجليزية قديمة تتحدث عن الموت، بينما لا نلحظ بطلنا في أي مكان.

على الرغم من أن إيقاع الفيلم البطيء وحواره النادر وغياب سردية واضحة يخاطر بانفصال المشاهد في أحيان، يترك «المنفي» بصمة شعورية  قوية على مشاهده بفضل خيارات المخرج الحسية.  فهو فيلم فني يتحدى مشاهديه ويبدو أقرب لقصيدة بصرية غير منسقة.

«بانشلاين»

 

في بانشلاين (2017) يُصدِّر المخرج المصري السويسري كريستوف صابر، أجواء تنتمي لعالم المخرج كوينتن تارانتينو منذ اللحظة الأولى. رجلا عصابات (يقوم بدوريهما مهدي جعدي وآلان بوريك) يجلسان في سيارة للتحضير لعمليتهما الأولى، في حين يبدي أحدهما افتتانه بأسلوب فرانك زعيم العصابة. هذه المحادثة البسيطة تحدد عالم الفيلم، حيث تُدخل المشاهدين في رحلة ممتعة، يشاهدون فيها محاولات أولئك الراغبين في أن يصبحوا رجال عصابات، وهم يرددون الجُمل التي تعجبهم في أفلام العصابات، والتي ينوون تجربتها في عملياتهم.

يسخر الفيلم من أفلام العصابات الهوليوودية، حيث يجرب بطلينا اقتباسات مختلفة من أفلام أكشن شهيرة في حين تنضم ضحيتهما ميشيل (لورين باير) للمحادثة. يضاف إلى الحوار الطريف أداء الممثلين الطبيعي، حيث يتبارون بينهم في تناغم مثير للإعجاب.

ولكن رغم الضحك الذي يولده الفيلم، ينجح «بانشلاين» في الحفاظ على التوتر الضروري للدراما، دون التخلي عن نسبة معينة من الواقعية. يسمح أسلوب صابر الإخراجي المتقشف ورؤيته البصرية للمشاهدين بالتركيز على الحوار الذكي، والذي يعتبر بلا شك نقطة قوة في الفيلم، بينما تبني الصورة باهتة الألوان جو بارد ومخيف، تقطعه من حين لآخر لفحات من الكوميديا.

يبدو أمامنا الفيلم بشكل خفي كحكاية جذابة يرويها كوميديان ماهر: لا لقطات أو جمل حوارية زائدة عن الحاجة، فيلم مشدود، ذو إيقاع منضبط، ينتهي في اللحظة المناسبة بالضبط. يبني الفيلم إيقاعه بنعومة، ومثل عنوانه ( بانشلاين punchline ويعني الجملة الأخيرة الحاسمة في نكتة جيدة) ينتهي بانفجار.

اعلان
 
 
حسين حسام