الاتحادات الطلابية واللائحة: معركة الطلاب مع دولة يوليو

في مارس 1976، وبعد انعقاد المؤتمر الحادي عشر لاتحاد طلاب الجمهورية بمدينة شبين الكوم، توجه الطلاب في مسيرة احتجاجية لمنزل الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بقرية ميت الكوم، للمطالبة بإقرار اللائحة الطلابية التي أعدها اتحاد طلاب الجمهورية.

حمل الطلاب لافتاتهم متوجهين لمنزل الرئيس، حيث قابلهم النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق وآخرون، وأخبروهم أنهم سينقلون وجهة نظرهم للرئيس.

ما دفع الطلاب لهذه الخطوة كان عدم قدرتهم، على مدار ثلاثة مؤتمرات متتالية لاتحاد طلاب الجمهورية، على إقرار اللائحة التي أعدوها، بسبب رفض رئاسة الجهورية إقرارها ومحاولات موظفي رعاية الشباب إغراء بعض أعضاء الاتحاد، عن طريق تسهيل رحلات كثيرة للخارج لهم.

لكن في هذه المرة، اتفق الطلاب على الاستقالة الجماعية، محددين يوم 12 إبريل 1976 لإعلانها. وأعدوا بيانًا أشاروا فيه إلى إمكانية العمل على إيجاد تنظيمات مستقلة داخل الجامعات، والاستغناء عن الاتحادات الطلابية التي لا تقوم بأبسط مهامها في توفير حقوق الطلاب.

جرى التوقيع على البيان، وكُلّف رؤساء طلاب الجامعات بإعلان هذا البيان في جامعاتهم.

وفي 11 أبريل 1976، وقبل يوم واحد من اليوم المحدد لإعلان الاستقالة الجماعية، أصدر نائب رئيس الجمهورية، آنذاك، حسني مبارك، اللائحة الطلابية التي أتاحت مساحات واسعة لاستقلالية اتحاد الطلاب الإدارية والمالية.
ألغت اللائحة الجديدة إلزامية وجود أعضاء هيئة التدريس كرواد لمجلس الاتحاد أو لجانه المختلفة، وأعطت مجلس الاتحاد الحق في اعتماد ميزانيته والحساب الختامي، بدلًا من اعتمادهما من قبل إدارة الكلية.

ظلت لائحة 1976 سارية لثلاث سنوات حتى إصدار لائحة طلابية أخرى في 1979، تسببت في تجفيف النشاط الطلابي بالجامعات.

من أزمة مارس 1954 حتى الآن: المعركة مستمرة

منذ نشأة دولة يوليو، تواصل الصراع بين الطلاب والنظام الحاكم على اللائحة الطلابية واستقلالية النشاط الطلابي داخل الجامعات المصرية.

بداية من أزمة الديموقراطية في مارس 1954، عمل النظام العسكري في مصر على التضييق على الحركات والاتحادات الطلابية وعدم إتاحة المجال لها لممارسة الأنشطة الطلابية بحرية. وعلى مدار ما يقارب الستين عامًا، كان العامل الرئيسي وراء ضمان اللائحة لحرية النشاط الطلابي من عدمه، هو وضع المجال العام آنذاك.

مثلًا، كان الغضب الشعبي تجاه النظام، بجانب الاحتجاجات الطلابية بالجامعات، هو ما يدفع النظام لإقرار لائحة طلابية تتضمن مساحة من الحرية لممارسة الأنشطة الطلابية، والتي كان النظام سرعان ما يتراجع عنها عندما تهدأ الأمور، كحال لائحة 1968.

نستثني من هذه اللوائح لائحة 1976، التي استطاع الطلاب إقرارها بجهودهم الذاتية، نتاجًا لنضال جيل كامل من الحركة الطلابية، ساعدتهم الأوضاع الصعبة لمصر، بعد هزيمة يونيو 1967، بجانب قمع الأنظمة الحاكمة، على قيادة الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات النظام.

بشكل كبير، استطاع النظام الحاكم بعد 3 يوليو 2013 فرض سيطرته على المجال العام في مصر، مستخدمًا في ذلك غطاء تشريعيًا، كقانون التظاهر، مكّنه من اعتقال آلاف المعارضين، بالإضافة إلى انتهاكات حقوق الانسان التي انتهجها النظام بحق المعارضة، وكان لطلاب الجامعات النصيب الأكبر منها، فعلى مدار السنوات الأربع الماضية قُبض على نحو 1200 طالبًا، وفُصل مئات الطلاب تعسفيًا وحوكم عسكريًا 65 طالبًا، كما قتل 21 طالبًا في الحرم الجامعي، وفقًا لتقارير المؤسسات الحقوقية.

يُظهر الوضع الحالي بالجامعات قدرة النظام الحاكم على إحكام السيطرة على الأنشطة الطلابية، حتى إن لم يكن ذلك نهائيًا

ولكن رغم القمع الذي مارسه نظام السيسي تجاه الطلاب، إلا أنه لم يتمكن من إخماد الاحتجاجات الطلابية بشكل كامل. ففي انتخابات اتحاد الطلاب للعام الدراسي 2016/2015، استطاع طلاب معارضون الفوز في انتخابات المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب مصر، ما دفع النظام لإلغاء نتيجة الانتخابات.

كما تجددت تظاهرات الطلاب بالجامعات في نفس العام الدراسي اعتراضًا على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية.

وفي العام الدراسي الماضي، حاولت حركات واتحادات طلابية تقديم مقترح للائحة الطلابية، التي قرّرت وزارة التعليم العالي تعديلها، اعتراضًا على نهج الوزارة في إقصاء الحركات الطلابية وعدد كبير من الاتحادات أثناء تعديل اللائحة.

يُظهر الوضع الحالي بالجامعات قدرة النظام الحاكم على إحكام السيطرة على الأنشطة الطلابية، حتى إن لم يكن ذلك نهائيًا، فما حدث في انتخابات اتحاد الطلاب في العام الدراسي الحالي كان نتيجة متوقعة للائحة الطلابية التي أقرتها السلطة مؤخرًا، حيث تتشكل مجالس الاتحادات الطلابية عن طريق التعيين والتزكية، بدلًا من الانتخاب، وذلك نتيجة لشروط الترشح وشروط صحة الانتخابات التي وضعتها اللائحة.

برهن ذلك على اقتراب النظام من إحكام سيطرته على النشاط الطلابي في الجامعات، والعودة لما قبل 25 يناير 2011 باستخدام غطاء تشريعي يتيح تقنين قمعه للاحتجاجات.

طريقة الاحتجاج

يقول ميشيل فوكو: «أينما وجدت السلطة، وجدت معها المقاومة».

فعليًا، لن يستطيع النظام الحاكم إطباق سطوته بالكامل على الجامعات. فستعمل الإخفاقات السياسية والاجتماعية للنظام على خلق وتيرة احتجاجية.

لكن الأزمة ستكمن في طريقة الاحتجاج، فباعتقادي، لم تكن الطريقة التي تعاملت بها الحركة الطلابية مؤخرًا مع أزمة اللائحة والاتحادات الطلابية سليمة.

وقتها، ومع معرفة الطلاب بنيّة الدولة في السيطرة على الاتحادات الطلابية وتعديل اللائحة، دون النظر للمقترح الذي قدموه للوزارة، اتخذ الطلاب قرار المشاركة في انتخابات اتحاد الطلاب، والتي أقصى النظام أغلبية الطلاب المعارضين منها، بحيث يضمن عدم تمكن القلائل الفائزين من تحقيق شيء يذكر.

امتلك النظام كل خيوط هذه الأزمة وتحكم بها كيفما شاء، وستتكرر هذه الأزمة في كل مرة طالمًا يُمسِك النظام الحاكم بزمام الأمور.

حتى لا ندخل في هذا النفق المُظلم، وحتى لا يتواصل في العام القادم حديثنا حول انتهاكات الدولة للطلاب وحقهم في استقلالية التنظيم وحرية التعبير، وكي لا نكرر سنويًا أدائنا الكربلائي، فإن السؤال الحالي يجب أن يكون: «كيف يُفلت الطلاب من سيطرة الدولة على الاتحادات الطلابية؟»

قصة العام 2006 وميليشيات الأزهر

لكي نتمكن من طرح إجابة أولية على هذا السؤال، سنعود للعام الدراسي 2006/2007 حيث شهدت الجامعات المصرية تجربة اتحاد الطلاب الحر، بعد محاولات عديدة قام بها الطلاب ذوو التوجهات السياسية للمشاركة في انتخابات اتحاد الطلاب في ظل لائحة 1979.

جاءت خطوة الاتحاد الحر كرد فعل على منع طلاب الحركات السياسية وآخرين من الترشح لانتخابات اتحاد الطلاب، وفي محاولة لخلق اتحاد طلاب يعبر عن آرائهم ويدافع عن حقوقهم بعيدًا عن تدخلات إدارة الجامعة أو مباحث أمن الدولة.

لاقت انتخابات الاتحاد الحر قبولًا كبيرًا من الطلاب كبير للمشاركة فيها. وانزعجت السلطة بالطبع من هذا، ففي جامعة الأزهر، وعقب الاحتفال بتأسيس الاتحاد الحر، دخل البلطجية بالآلات الحادة للاعتداء على الطلاب

جرت انتخابات الاتحاد الحر في العديد من الجامعات بشكل لامركزي، حيث اختار طلاب كل جامعة النظام الذي تتم به الانتخابات في جامعتهم. وكان طلاب الإخوان المسلمين هم النسبة الأكبر في المشاركة بهذه الانتخابات، بجانب تيارات سياسية أخرى.

لاقت انتخابات الاتحاد الحر قبولًا كبيرًا من الطلاب للمشاركة فيها. وانزعجت السلطة بالطبع من هذا، ففي جامعة الأزهر، وعقب الاحتفال بتأسيس الاتحاد الحر، دخل البلطجية بالآلات الحادة للاعتداء على الطلاب، وفصلت إدارة جامعة الأزهر خمسة طلاب من الاتحاد الحر لمدة شهر.

كما تطور الأمر لاحقًا عبر تنظيم طلاب الإخوان عرضًا عسكريًا بحرم جامعة الأزهر احتجاجًا على فصل زملائهم، وتداول القضاء العسكري هذه القضية التي اشتهرت إعلاميًا بقضية «ميليشيات الأزهر».

رد فعل الاخوان المسلمين هذا، والذي نال انتقادات واسعة من قوى المعارضة المدنية، أجهض تجربة الاتحاد الحر، الذي لو قُدّر له الاستمرار لاختلف الوضع الحالي للاتحادات الطلابية.

الوضع الآن: أسوأ من 2006

الآن، فإن وضع المجال العام أشد انغلاقًا مما كان في 2006، كما أن القوى المعارضة للنظام الحاكم أضعف من ذي قبل، لكن إعادة تجربة الاتحاد الحر، في رأيي، لا تزال هي السبيل الأمثل في الوضع الراهن لإقامة منظمة طلابية تتمتع بالاستقلالية.

فلنفترض جدلًا أن طلابًا معارضين استطاعوا الفوز بانتخابات الاتحادات الطلابية، فلن يستطيع هؤلاء الطلاب تنفيذ أي نشاط بدون موافقة إدارة الكلية أو الجامعة، طبقًا للائحة الطلابية الجديدة، بالإضافة إلى قدرة إدارة الكلية على إسقاط عضوية هؤلاء الطلاب عن طريق توقيع جزاء تأديبي قد يصل، على أقل تقدير، للفصل من الكلية لمدة شهر.

تتمثل التحديات التي ستواجه تأسيس الاتحاد الحر، في ظل القبضة الأمنية التي تفرضها السلطات المصرية على الجامعات وحرية التنظيم داخلها، في مخاطر أمنية قد يواجهها الطلاب المشاركون في التدشين وتوقع ضعف المشاركة من الطلاب، بجانب صعوبة تنظيم الأمور الداخلية لإدارة الاتحاد، كشروط العضوية واللائحة الداخلية للاتحاد ونظام الانتخابات داخله.

آمل أن يجد هذا الطرح قبولًا لدى الحركات الطلابية والطلاب الذين شُطبوا من انتخابات اتحاد الطلاب، وأن تعمل المجموعات الطلابية، التي تواجدت في حملات مرشحي القوى الديموقراطية لانتخابات رئاسة الجمهورية، على البدء في التخطيط لتدشين الاتحاد

لكن في كل الأحوال، فوجود هذا الاتحاد واستمرار عمله في الدفاع عن الحقوق والحريات الطلابية، سيجذب فئات مختلفة من الطلاب إليه، خاصة مع فشل الاتحادات الطلابية الرسمية في تمثيل الطلاب والدفاع عنهم.

أخيرًا، آمل أن يجد هذا الطرح قبولًا لدى الحركات الطلابية والطلاب الذين شُطبوا من انتخابات اتحاد الطلاب، وأن تعمل المجموعات الطلابية، التي تواجدت في حملات مرشحي القوى الديموقراطية لانتخابات رئاسة الجمهورية، على البدء في التخطيط لتدشين الاتحاد، وذلك بدلًا من تعديل اللائحة الطلابية التي طالما أخفقنا فيها.

ما فعله الطلاب سابقًا لإقرار لائحة 1976، أي التهديد بوجود تعددية تنظيمية للطلاب بالجامعات، كان العامل الأكبر وراء موافقة نظام السادات على هذه اللائحة. حيث ليس بمقدور النُظم ذات الخلفية الشمولية استيعاب التعددية الحزبية أو النقابية، وبالتالي كان قبول لائحة 1976 أقل ضررًا بالنسبة للسلطة من وجود تنظيمات مستقلة داخل الجامعات.

إن استقلالية التنظيمات الطلابية ماليًا وإداريًا هي الضمان الفعلي لاستقلالها عن سياسات النظام الحاكم. حيث أثبتت التجربة أنه لا استقلالية بدون اتحاد مستقل.

وبالتالي يجب أن يشرع جيل الحركة الطلابية لثورة 25 يناير في اتخاذ هذه الخطوة، التي غفلت عنها أجيال أخرى، رغم نجاحها في تونس مثلًا، وذلك لتمهيد الطريق لأجيال قادمة، حتى تتمكن من التعبير عن آرائها دون خوف.

اعلان