Define your generation here. Generation What
بعيدًا عن الكتب.. «خروجة» المعرض
 
 
صورة: أحمد عبد الجواد
 

«إحنا زهقنا من المول والسينما والأكل، وللأسف مصر مفيهاش أي خروجات غير دي، فإحنا بنتشعبط في أي حدث جديد يكون فيه نشاط مختلف، ومعرض الكتاب كل سنة بيكون فرصتنا، وبنحاول نقضي فيه أطول وقت ممكن»، تقول نورهان (21 سنة) لـ «مدى مصر» بعد أن قطعنا عليها استراحتها في ظل شجرة تقرأ خلالها أحد الكتب التي اشترتها للتو.

توضح نورهان أنها عادة تأتي للمعرض بمفردها كمندوبة عن أسرتها التي يحدد أفرادها ما يريدونه من كتب، وتتولى هي مهمة البحث عنها وشرائها. وتقول: «2017 معرفتش أجي المعرض، والسنة دي أول مرة أجي مع صديقات لي، رغم إن الخصومات مش مختلفة أوي عن اللي في المكتبات نفسها طول السنة، وحتى العروض وارد تكون متاحة، لكن معرض الكتاب حالة أكتر منه مكان لشرا الكتب، المكان كله ذكريات عن طفولتنا».

صورة: أحمد عبد الجواد

«معرض القاهرة الدولي للكتاب» جاء هذا العام في دورته الـ (49) بعنوان «القوى الناعمة.. كيف؟»، ويستضيف دولة الجزائر كضيف شرف، بعد أن حلت مصر كضيف شرف على الصالون الدولي للكتاب بالجزائر في دورته الحادية والعشرين عام 2016. وتشارك بالمعرض 34 دولة يمثلها 670 ناشرًا.

ورغم حالة العزوف التي شهدها المعرض خلال السنوات الأخيرة بشهادة الناشرين، خاصة السنوات الثلاثة الأخيرة، بسبب ارتفاع أسعار الكتب تحديدًا بعد تعويم الجنيه، إلا أن دورة 2018 شهدت إقبالًا مختلفًا.

«الناس أول معرض بعد تعويم الجنيه كانت متفاجئة من أسعار الكتب، لإنهم مكنوش حاسين بإن كل حاجة غليت، لكن بعد ما أسعار كل حاجة زادت بدأوا يربطوها شوية، بس إحنا كمان كمكتبات ودور نشر بنحاول نعمل عروض وخصومات، والسنة دي فعلًا فيه إقبال شديد» يقول محمود لطفي، مسؤول مكتبة تنمية، بالمعرض في حيثه لـ «مدى مصر».

تبرُّع نورهان بشراء الكتب لعائلتها، ليس حالة فردية، وإنما سلوك يعتمده الكثيرون، فنلاحظ مثلًا هذا العام عودة حقائب السفر للظهور مرة أخرى في المعرض، وهو المشهد الذي اختفى السنوات الماضية. يدخل الزوار بحقائب سفر خالية، يخرجون بها محملة بالكتب. «كده أريح بدل ما نشيل أكياس كتب كثيرة»، على عجل ردت فتاة وهي تضحك على سؤالنا عن حقيبة السفر التي تسحبها داخل أروقة المعرض.

عِشرة طويلة .. عشرات السنين

أبو عمر مع أسرته - صورة: أحمد عبد الجواد

أرست الراحلة الدكتورة سهير القلماوي فكرة معرض الكتاب خلال فترة رئاستها لـ «المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر»، ونُظم المعرض في دورته الأولى عام 1969 بأرض المعارض الدولية بالجزيرة حتى عام 1983، ثم تم نقله في دورته السادسة عشر عام 1984 لأرض المعارض الدولية بمدينة نصر ليستوعب عددًا أكبر من دور النشر والزوار، على مساحته البالغة 700 ألف متر مربع.

«علاقتي بمعرض الكتاب بقالها 35 سنة من وقت ما كان المعرض بيتعمل في أرض الجزيرة مكان الأوبرا»، يقول أبو عمر لـ «مدى مصر» وهو يجلس على الأرض بينما تفترش أسرته مفرش وبرفقتهم تُرمس للشاي وحقيبة طعام وزجاجات مياه.

يحكي أبو عمر الذي يعمل بأحد المكاتب الإدارية بوزارة الخارجية باستفاضة عن علاقته بمعرض الكتاب، لكنه ورغم عشقه للكتب فهو يشكو بعض مظاهر الإهمال التي طرأت على الحدث في السنوات الأخيرة، حيث غياب التنظيم الجيد، وقلة الخدمات المقدمة مثل عدم نظافة دورات المياه، وقلتها، حيث تُقدم دورة واحدة خدمتها للآلاف من زوار المعرض يوميًا، «المفروض المنظمين عارفين إن الناس بتيجي تقضي اليوم بالكامل فلازم يكون في شوية رعاية، يعني على الأقل دكك نقعد عليها، أو حتى تنظيف للجناين»، يقول أبو عمر.

يتدخل عمر بحماسة في الحديث ليحكي عن علاقته بالمعرض رغم عدم شرائه للكتب أو قراءتها وهو ما يُحزن والده، فهو بالنسبة له «خروجة» تستحق المشوار الذي يقطعونه من حي الزيتون بالقاهرة، رغم عناء التجول داخله لمسافات طويلة سيرًا على الأقدام.

«السنين اللي فاتت المعرض كان فاضي وده شئ محزن لأن الناس كانت دايمًا مشتاقة للمعرض، ومن 30 سنة وفي ناس بتعتبر معرض الكتاب مش مكان لشراء الكتب لكن خروجه وشمس وهوا وتسلية، بس الحمدالله السنة دي الوضع متغير تمامًا وفي زحمة حقيقي» يقول أبو عمر.

معلش.. أنا مش من هنا

صورة: أحمد عبد الجواد

رغم الإقبال على المعرض هذا العام، إلا أن الزوار اشتكوا من أزمات محددة وهي نقص الخدمات كالمقاعد ودورات المياه وعدم وجود مناطق مظللة تكفي الأعداد الموجودة في حال هطول أمطار، أو للاحتماء من الشمس، وهو ما حدث في دورة هذا العام من هطول أمطار في اليوم الأول، ثم موجة حر شديدة أجبرت الناس على البقاء داخل الخيام فترات أطول هربًا من الحرارة.

كما كان طول الطوابير على المداخل واضحًا، وذلك لعدم توافر عدد كافٍ من البوابات الإلكترونية ما يؤخر عملية التفتيش، بالإضافة إلى رفض الأمن أحيانًا دخول الزوار بالسيارات، وتركهم تحت رحمة «السُياس»، ودفعهم أموالاً كثيرة نظير «الركنة»، بينما يدفعون جنيه واحد نظير دخول المعرض ذاته.

الطوابير أمام بوابة المعرض - صورة: أحمد عبد الجواد

«معلش أنا مش من هنا»، هكذا أجاب شباب، يحمل شارة برنامج «أنا متطوع»، على سؤالنا عن مكان أحد الصالات داخل المعرض. والبرنامج يأتي برعاية  شبكة قنوات DMC من خلال عقد وقعته الشبكة مع الهيئة العامة للكتاب، التي أعلنت أن هذا البرنامج الموحد للتطوع فكرة جديدة تمامًا تم إضافتها هذا العام على آلية تنظيم المعرض.

رد الشاب الذي يرتدي قميص فسفوري مطبوع عليه «أنا متطوع» على سؤالنا، هو نفس الرد الذي واجهه آخرون من زوار المعرض،  والذين تندروا على هذه المفارقة. يقول ممسؤول «تنمية» لـ «مدى مصر»: «جالنا كاتب عربي كبير بيضحك وهو بيقولنا إنه كان تايه فقرر يسأل شاب من (أنا متطوع) وقاله معلش أنا مش من هنا، فالكاتب قاله وأنا كمان مش هنا، نعمل ايه».

من ناحية أخرى، جاء الموقع الرسمي لمعرض الكتاب أكثر تنظيمًا وتحديثًا وتفصيلًا، حيث وفر خريطة بالصالات ودور النشر، ومواعيد كافة الأنشطة المتاحة من توقيع كتب وندوات وبرامج أطفال وحفلات،  حتى أسئلة المعلقين واستفساراتهم على تجد إجابات فورية من القائمين عليه، الأمر الذي أشاد به بعض زوار المعرض ممن تحدثوا معنا.

زوار جدد

الطفل يحيي محمد مع والده ووالدته سمر - صورة: أحمد عبد الجواد

وقفت الأسرة الصغيرة المكونة من زوج وزوجته وطفل ورضيعة في عربة أطفال تحت ظل شجرة بعد بوابة الدخول بقليل، يتابعون بقلق الجموع المتحركة ومنهم من يتسابق على ركوب «الطفطف»، وهو القطار الملون الذي يطوف المعرض بالركاب، وعادة يكون مكدس بالناس الذين يستمتعون بقضاء وقتهم في تهادي عرباته بين أروقة المعرض.

«إحنا أول مرة نيجي المعرض، لأن بابا وماما حكوا لي عنه، إنه شبه معرض المدرسة اللي بشتري منه الكتب» بحماس يقول يحيي محمد (7 سنين) لـ «مدى مصر» بعد أن توجهنا بالسؤال لوالده الذي شجعه بدوره على التحدث معنا.

والدة يحيي سورية متزوجة مصري ومقيمة في مصر، وهي من أصرت على زيارة معرض الكتاب برفقة أطفالها بعد أن لمست تعلق ابنها الكبير بالإنترنت والكمبيوتر، «بيكّفي تاب ، لازم الطفل يفهم إن الكتاب أهم» تقول سمر لـ «مدى مصر». ترى سمر، ويتفق معها زوجها محمد؛ أن تركيز الأطفال أصبح مشتت بسبب قضائهم وقت طويل في مشاهدة الكارتون، بدلًا عن القراءة التي تشجع الخيال.

وللأطفال نصيب

نشاط ترفيهي للأطفال داخل جناح إحدى دور النشر - صورة: أحمد عبد الجواد

نُصبت عشرات الخيام البيضاء الضخمة، وقُسمت الممرات المسقوفة بالألومنيوم لتستضيف مئات الآلاف من الكتب والمطبوعات، إلا أن أرض المعارض في الفترة التي تحتضن فيها معرض الكتاب؛ لا تشكل مكانًا لتجمع أكبر عدد ممكن من دور النشر فقط، وإنما ما يحدث بمثابة مهرجان فني يوفر فرصة للمصريين من كافة الأعمار والمستويات الاجتماعية المختلفة لممارسة نشاط ثقافي ربما غير متاح لغالبيتهم، سواء بشراء الكتب أو المشاركة في الفعاليات المتاحة، والتي تنوعت بين ندوات، وتوقيع كتب، وعروض فنية، وحفلات غنائية وأنشطة كاملة للأطفال.

الطفطف وسيلة المواصلات المعتمدة داخل معرض الكتاب - صورة: أحمد عبد الجواد

ومن أبرز ملامح المعرض وجود أحد المسارح المنصوبة داخله، والذي يسمح بفقرة حرة خلال ساعات النهار الأولى لكل من يرغب في الغناء. فمن يريد  أن يُسمع صوته لزوار المعرض، ليس عليه إلا أن يعتلي المسرح ويُمسك الميكرفون ويغني، حتى وإن كان صوته غير مقبول، فلن يمنعه أحد أو يطلب منه النزول. أما بعد الواحدة ظهرًا فالمسرح محجوز للفرق الغنائية المدرسية، وبعض الفرق الغنائية المستقلة.

لمعرض الكتاب كحدث ثقافي زوار مخلصون؛ مهما ضاقت ظروفهم فإنها لا تحول بينهم وبين أن يحجوا إليه، حتى وإن لم يشتروا ما يشتهونه من الكتب. فجنيه واحد يوفر لهم مساحة مفتوحة بها الكثير من مظاهر البهجة، فالأطفال يجدون أماكن للعب وتناول الحلوى والحصول على الهدايا المجانية التي يقدمها بعض دور النشر الخاصة بكتب الأطفال خلال فعاليتها، بينما يجد الشباب فيه فرصة للخروج في جماعات كبيرة. يجلسون على الأرض ويفترشون الكتب، ومنهم من يتوسدها في استراحة قصيرة، لتبدو أرض المعارض كمكتبة كبيرة مفتوحة.

البهجة التي تغلب على أجواء المعرض، ليست حكرًا فقط على أبناء العاصمة، إنما يحصل أبناء المحافظات على نصيبهم  أيضًا، فتنظم المدارس وقصور الثقافة رحلات للطلبة، بينما يؤجر البعض على نفقتهم الخاصة أتوبيسات تقل أفراد عائلة واحدة يأتون في رحلة طويلة لقضاء يوم في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

اعلان
 
 
كارولين كامل