Define your generation here. Generation What
عن المساحات الرمادية في «سابع جار»: أخبي الشوق وأداري ليعرفوا الجيران
خمس كاتبات عن خمس شخصيات نسائية في «سابع جار»
 
 
 

شهران ونحن نتلصص على حياة سكان العمارة، نتابع بمنتهى الاهتمام مسارات علاقاتهم ببعض، دون أن يحدث في أغلب الأحوال أي شيء مهم، تمامًا مثل حياتنا. مجرد يوميات عادية لشخصيات مختلفة، تلف حول نفسها في دوائر، دون وجهة معينة.

في السنوات الأخيرة أصبح تصنيف المسلسل المبتكَر هو الذي يحاكي تكنيك السينما السريع المليء بالأحداث، لكن ها نحن نتابع لنصف ساعة كاملة، وباهتمام كبير، مشهد شديد العادية، يصور عائلة مصرية ملتفة حول السفرة بعد صلاة الجمعة، يتناول أفرادها الإفطار، ويغرقون في حوارات شديدة الواقعية. ولكن هل المسلسل ممل؟ الإجابة بالتأكيد لا.

قامت المخرجات الثلاث، ذوات الخلفية السينمائية بالأساس، بتناول أكثر المواضيع الشائكة والمثيرة للجدل، مستخدمات أكثر طريقة تقليدية: مسلسل دراما عائلي يعرَض على قناة تليفزيونية جماهيرية في تمام السابعة مساءً خارج موسم رمضان.

تساءلنا نحن الخمسة في أول لقاء لنا: ما الذي يتناوله المسلسل أصلًا؟ ما الذي يجعلنا نجلس مترقبات كل ليلة أمام الشاشة ننتظر «ألا يحدث شيء»، ثم نتناقش لساعات ونفصِّص أدق تفاصيل النصف ساعة؟ نتابع بنهم مستجدات هذا الزمان من العلاقات الرمادية التي لا تقع تحت التعريفات الواضحة المصدَّق عليها من قبل المجتمع. علاقات مفزِعة، نحاول طوال الوقت تجنبها والالتفاف حولها وإنكارها حتى لا نصطدم بواقعيتها التي تفرض نفسها. علاقات تخرج من نطاق لوني الأبيض والأسود الواضحين المريحين والمطمئنين، لتدخل في منطقة المائع والمحيّر. علاقات تستدعي المغامرة ويتعامل أطرافها مع المجهول، كاشفين بذلك نقاط ضعف إنسانية أصيلة بداخلهم، تجبرهم وتجبرنا نحن المشاهدين على مصارحة أنفسنا ومواجهتها. هنا نتأمل المسلسل ونكتب عن هذا اللون الرمادي المهضوم حقه.

(هبة)

تكتب عنها: رحاب بسام

نحفظ تفاصيل سريرها وغرفة نومها، يعجبني اللحاف ثم أتأكد مع مسار الأحداث أنها في الأغلب لم تقم باختياره، سواء هو أو أي شيء في «منزلها». هبة تشبهني، تمثلني في سنوات الضياع، الفارق الوحيد هو أنني لم يكن لديّ أُم تحمِّر البانيه والبطاطس باستمرار، فاضطررتُ للاعتماد على نفسي في مرحلة مبكرة من حياتي. أتابع حياة هبة، التي لا يحدث فيها شيء، بنهم.

مثلها، تركت بضع وظائف في اليوم الثاني، وهربت من علاقات بعد كوب الليمون الأول. هبة نتاج تعليمنا الذي لا نتعلم فيه شيئًا يؤهلنا لمقابلة الحياة بعد الحصول على الشهادة، ونتاج تربيتنا وعلاقاتنا بأهلنا حيث لا يقول لنا أحد كيف نتعامل مع مشاعرنا، أو حتى كيف نرى أنفسنا ونفهمها. تمام.. تمام.. ستتعلَّم كل ذلك كما تعلمنا: بالصدمة.

ما مشكلة هبة؟ قالتها بوضوح: «ما بيحصلش.. ودي المشكلة». مشكلتها هي مشكلتنا جميعًا: الملل. وكيف نتعامل مع الملل؟ نَفرُك. بعض الناس تفرُك في مكانها، وآخرون يفركون في أرجاء المكان، ولكن الأغلبية تفرك في دماغها. نجلس في هدوء ظاهري على الكنبة، ولكن في مخنا فرْك فرْك فرْك. ندبّس أنفسنا في أشياء وعلاقات لا نعرف إلى أين ستأخذنا. نريد أن نجرب أي شيء لعله يكون هو العلاج، لعله يأخذنا في رحلة، يفتح لنا بابًا، يجد لنا وظيفة، أو حتى حبيبًا.

​المشهد الذي انتفضت له الطبقة الوسطى المحافظة؛  مشهد البنت التي تدخن سيجارة حشيش، أثار شفقتي. عندما قررت هبة أن تفعل شيئًا خارج العادي، كان «سيجارة حشيش». لم تحاول أن تتحدى نفسها، بأن تتمسك بوظيفة، أو تخرج من المكان المريح (ظاهريًا) الذي تعيش به، أو تدع نفسها تُعجب بشخص وتختبر مشاعرها. ومع دخان الحشيش عبرت عن آمالها في الزواج، التي انحصرت في «واحد محشش، وننزل نشرب جوب ع النيل»، وذلك بعد سخريتها اللاذعة من فستان الخطوبة المتناسق مع كرافتة العريس وحفل بقاعة الأوركيد.

​يقولون إن «ما تبحث عنه يبحث عنك»، ولكن في حالة هبة «ما لا تبحث عنه يبحث عنك» (غالبًا ليعضك في مؤخرتك). فهبة ليس في بالها الارتباط ولا حتى الحب، وهي فعلًا ليست متلهفة عليه كمعظم البنات في سنها، لكنها كلما قابلت رجلًا أُغرم بها وحاول التودد لها، سواء كان زميل عمل، أو جار، أو مؤلف مرموق. ولم يسلَم من سحرها حتى هذا الشخص العشوائي الذي ظهر للحظات وهو يأكل الخس بالفانلة جالسًا في أحضان والدته، فحتى هذه اللحظة من المسلسل تجاوز إجمالي من أُعجب بهبة الثمانية، وتبريري الواهي لذلك هو أنها نموذج مختلف، وربما كانت صراحتها ولا مبالاتها وعدم «تحويرها« هو سر جاذبيتها، وربما هو الكون يتآمر عليها ليختبر قناعاتها.

من بين كل هؤلاء المعجبين، نجد هبة «مرتاحة في جلدها» إلى حد ما في علاقة رمادية مع شريف: شخص لا تعرفه يساعدها في الحصول على وظيفة لا تريدها. تجلس معه في شرفة بيته (لتلطم الطبقة الوسطى) وتقزقز اللب وتتكلم من القلب. تحتار في تفسير إشاراته، ولا تعرف كيف تفك شفرتها لتفهم إذا كانت لديه مشاعر ناحيتها. تحاول صناعة  مجدها الصحفي من خلال إجراء حوار مع ممثل مشهور (يُعجب بها طبعًا) وترتبك جدًا لأن لا شيء يؤهلها لفهم هذه الأمور، لأنها حتى هذه اللحظة لم تكن تريد ذلك.

مع غياب أبيها، الذي من الواضح أنه مات منذ وقت طويل جعله  مجرد طيف يظهر في كلام الأم أحيانًا ولا يظهر أبدًا في كلام أولاده، وتعلقها بمجدي زوج خالتها النصاب الظريف، وميلها لطارق جارها الأكبر منها، نشعر أن هناك خللًا في صورة الأب أو دور الرجل في حياتها، يدفعها إلى، ويبعدها، عن الرجال بقدر متساوٍ.

مكانتها كإبنة وسطى أعطتها بعض المزايا، فالضغط الأسري والمجتمعي الذي قد يدفع البنت للزواج بأول شخص يتقدم لها مُنصَب هنا بالكامل على أختها الكبرى. وتركيز أمها على «الإنجاز» منصب على أخيها الأصغر ودراسته. ترك هذا هبة حرة طليقة (بعض الشيء) لتنام معظم اليوم، وتجلس على الكنبة بقيته، ولا تؤدي أي واجبات نحو هذه الأسرة إلا تحت التهديد أو الشتائم أو رفع الشبشب.

إذن ماذا تريد هبة؟ تشتكي من أنها في السادسة والعشرين ولكنها بلا وظيفة، ما زالت تأخذ المصروف من أمها. تتقدم في السن، ووقتها يضيع، وحياتها تسير إلى لا مكان. لا تعرف ماذا تريد بالتحديد. وهذا الوضع لا يضايقها لكنها تريد أن تكون سعيدة. تصوُّرها لهذه السعادة يدور حول «شغلانة ظريفة.. يبقى معايا فلوس.. أسافر… أشوف الدنيا.. أتفسح». ولكنها تريد كل هذا بشروطها، بدون تنازلات، بدون مواءمات. حقها. لا ألوم عليها.

تعجبني هبة وأشفق عليها. أعرف أن الحياة ستمسكها من شعرها وتمرمغ وجهها في الطين، لأن الحياة لا تحتمِل هؤلاء الذين يجلسون على «الشط» يتمنون الحصول على أشياء دون أن تتسخ أيديهم. ربما لو كفت طنط لميا عن تحمير البطاطس والبانيه قليلًا .. فقد تدفع هبة لترك هذا العش الدافئ المريح المشبع برائحة القلي.

(نهى)

تكتب عنها: دينا الهواري

قد يبدو غريبًا تضمين طارق ونهى في العلاقات الرمادية كونها علاقة رسمية واضحة المعالم. لكن هي رمادية لأن ما بينهما ماسخًا كحيادية اللون الرمادي أو تحلّل حتى أصبح هو رماد. يبدو زواج نهى وطارق من الخارج زواجًا مثاليًا: زوجان شابان، شقة جميلة، وظيفة مستقرة في بنك، وطفلان لطيفان. فقط فيما بينهما، خلف باب الشقة حيث لا يراهما الجيران، نراهما نحن المشاهدين ونعرف أنها علاقة ستنتهي حتمًا قبل أن يفطن طارق لذلك وربما لن تدركه نهى أبدًا.

لم تُظلم أحد الشخصيات في الكتابة قدر نهى التي، في رأيي،  كُتبت بقلمٍ غير متعاطف آثر أن يكتبها عن بُعد. صحيح أنها خرجت من النطاق التنميطي لـ«زوجة تُسمّم زواجها»، فهي جميلة ورشيقة وأنيقة، لا تجلس في المنزل بشعر منكوش ولا تفوح منها رائحة البصل. إلا أن المسلسل لم يكترث أن يقول لنا «من هي نهى؟». في الحلقات الأولى نعرف قليلًا عنها كإنسانة تراعي الأصول والواجبات وتتشدد في تربية ولديها بصورة مزعجة، ولكن غير ذلك لا نعرف عنها إلا شذرات. طوال المسلسل لا نعرف لنهى أي صديقات ولا نراها في لحظة فضفضة واحدة. لا أم ولا أخت ولا صديقة تحدثها. معارفها هم جاراتها الأكبر منها سنًا، طنط لمياء وطنط ليلى، بالإضافة إلى سيادة اللواء، حتى بنات العمارة الأقرب لها سنًا لا تقيم معهن أي علاقات خاصة، في حين نرى ترفعها عن زوجة صديق طارق التي تزعجها بدلالها وطبيعيتها واهتماماتها النسائية. لم تقل لنا صانعات العمل ما هي أزمة نهى الحقيقة. اكتفين بالإشارة إلى تخرجها من مدرسة راهبات، وانسحاقها أمام واجباتها المنزلية في تنميط مخل لا يسمح بأي قدر من تعاطف المشاهدين معها، حتى مع اتساع الفجوة بينها وبين طارق. قرأت تعليقًا لأحد المشاهدات على جروب فيس بوك مخصص لمناقشة اعترافات سرية للزوجات، تقول فيه: «والله لو طارق مارحش يتعرف على واحدة بدل مراته النكدية لأروح أنا بنفسي أعرفه على واحدة».

تبدو لي نهى ضحية مجتمع الطبقة الوسطى بجدارة، المجتمع الذي يتجنى على الأمهات ولا يرضى أبدًا عن أدائهن. يقول طارق شاكيًا نهى لصديقه الوحيد: «المشكلة إن نهى مكانتش كده قبل الجواز».

مشكلة نهى هي اختلاط الأدوار داخلها. اعتقادي أنها لم تكن هكذا في بدايات علاقاتها مع طارق ولا في سنين زواجهما الأولى. صحيح أننا لا نعرف الكثير عن مشاعر نهى تجاه طارق إلا أنني أعتقد أن مشكلتها ظهرت مع ولادة طفلهما الأول، عندما أصبحت نهى أم. حينها حصرت نهى كل صور النجاح والتحقق في دور الأم المتفانية التي لا يختل أبدًا نظام منزلها من أجل تربية أطفال متفوقين دراسيًا ورياضيًا وأخلاقيًا. ومما زاد الطين بلة، أن نهى أصبحت ترى زوجها كطفلها الثالث، وتعامله على هذا الأساس. توجه له الأوامر والنواهي، وتنتقد أفعاله، ولا تعجب بقراراته، بل نشعر أحيانًا أنه لا يرقى في عينها إلى منزلة رجل مكتمل الرجولة. هو طفلها الذي تعدِّل على تصرفاته وتوبخه، والذي رغم كل ما تفعله فيه لن يهجر أمه (نهى) لحاجته إليها. فهي لا تعتقد أبدًا أنه كبير بالقدر الكافي ليرحل عنها أو يتركها لأخرى. حتى في المشكلة الأكبر التي تمثل نقطة تحوُّل في علاقتهما تتغير نهى بعدها قليلًا، وإن كان يبدو تغييرًا يهدف لأن تمر الزوبعة التي سببتها، وليس تغيرًا جذريًا.

يمضي طارق في زواجه من نهى بالدفع الذاتي، كأنه لا يعرف طريقًا ينهي مأساته معها. يتودد بشكل غير مدروس وغير مقصود إلى جارته هبة الأصغر منه عمرًا، لدرجة أنها تناديه بـ«أونكل» أثناء أول حديث  بينهما جرى مصادفة وهما واقفان يدخنان في شرفتيهما المتجاورتين. بهذا التودد يعود لطارق جزء من كيانه المفقود، يتزامن مع أزمة وجودية يمر بها ويعبر عنها بـ: «أبص لكرشي وأبص للولاد وأبقى مش عارف أنا مين». هذا التقارب بين طارق وهبة كان الحافز ليتخذ طارق مواقف أقوى في عمله وزواجه وعلاقاته. يدرك طارق فجأة أنه كما استطاع أن يتحدث مع جارته الشابة ويواعدها سرًا في سيارته، سيستطيع أن يمتلك زمام أمره ويواجه نهى ويختار طريقًا أكثر جرأة يجد فيه سعادته.

للأسف كما نزعت صانعات العمل عن نهى فُرص التعاطف كان هناك أيضًا كثير من التحامل عليها. لا أعلم إن كان نابعًا من رؤية خاصة للكاتبة، أو جاء استسهالًا من باب التنميط، ولكنه في المحصلة احتجز نهى في خانة الزوجة النكدية المتحفزة التي «تستاهل اللي هيجرالها» وسمح لطارق بكل وسائل الثأر لنفسه.

(مي)

تكتب عنها: دعاء نبهان

بحسب أحكام الطبقة الوسطى، تنتمي مَي بأغلب علاقاتها إلى خانة العلاقات السوداء، المحظورة والمرفوضة. فهي مستقلة، تعيش وحدها في شقتها التي تستغلها أيضا كمكتب، تستقبل فيه أصدقائها الذكور، الذين يتعايشون فيها معها بأريحية وسلاسة.

هشام، شريكها وصديقها المقرب، يشاركها الكثير، في العمل والحياة، يعمل كوسيط بينها وبين أهلها، يهتم بها ويرعاها في أحلك لحظات حياتها، يحبها ويعيش على أمل أن تبادله يومًا مشاعره، راضيًا، بلقب الصديق المقرب مؤقتًا.

ثم أحمد، حبيب المراهقة، يظهر مع زوجته وطفله، لتتحول مي إلى عشيقته السرية، في علاقة مستحيلة. يقف بجوارها في تلك المرحلة صديقها شريف، الكسول الهادئ، الذي تزوه في بيته، حيث تجد راحتها وسلوانها.

ولكن كيف تحولت تلك العلاقات الموصومة بعار السواد إلى علاقات رمادية مقبولةً نسبيًا وإن كانت جدلية!

ميّ لاتعيش مع والديها، ولكن على عكس ما اعتدنا أن نراه، هي على علاقة طيبة بأهلها. ليست بالهاربة أو المطرودة. قد تبدو علاقتها بأمها في أول الأمر باردة وجافة، فالأم مرفهة و«دلوعة» تميل إلى إقصاء مي عن تبعات مرضها وآلام العلاج، تعلم القليل جدًا عن مي وتفاصيل حياتها، ولكن هناك رابط رمادي يجمع بينهماعندما تقتضي الحاجة، يعمل كحائط أمان وملاذ طمأنينة.

نشاهد علاقة  مي بهشام: يحبها من طرف واحد في صمت، ويعتني بها. نوع جديد من علاقات هذا الزمن الرمادية، تسمى بـ«الفريند زون». نحترم صراحة مي معه، نغضب له ونتمنى أن يثأر لكرامته، ولكن لا يسعنا إلا أن نحترم اختياره ونرثى لأمله الذي لا ينقطع.

في «سابع جار»، كانت الصدمة في تعاطفنا مع مي كعشيقة سرية لأحمد، فهي ليست النمط المعتاد للمرأة الثانية في حياة الرجل، المرأة المنحلة المغرية التي بلا أخلاق ولا مبادئ. هذا التعاطف الذي أفزع بعض المشاهدين وجعلهم يتراجعون عن متابعة المسلسل، بل وأن يتهموا صناعه بتزييف الواقع ومحاولة، ما يسمى دسّ«السم في العسل»!

 أحببتُ ميّ، الشخصية اللطيفة وغير المؤذية، المبتسمة دائمًا، صديقة كريمة وملجأ هبة، والتي تضع شقتها وسيارتها دائمًا في خدمة الجميع. عشتُ مع قصة الحب القديمة لِمَي التي عاشت طفولة غير مستقرة، تتنقل بين الدول وتُنتزع  كل فترة من الجذور، فتعلّقتْ تعلقًا شديدًا بأحمد، ربما لأن حبه الشيء الوحيد الذي تستطيع التمسك به والانتماء إليه.

أشفقت عليها من علاقة حب بائسة تقع حبيسة فيها، ولاتستطع الفرار منها، علاقة لاتخضع للمنطق أو للعقل. بدأت بإنجذاب أضداد وانتهت نهاية مبتورة، بفعل سلطة أكبر، مما جعل التمسك بها – ولو سرًا- يمثل انتصارًا صغيرًا على كل مانرفضه من تحكمات الأهل الظالمة. بالرغم من لُزُوجَتِه و سخافاته التي لا تنتهي، ترى مي بمشاعرها أحمد بشكل مختلف عن الجميع. تفهمه وتنصحه وتساعده في فهم نفسه، لتظفر ببعض لحظات السعادة المسروقة، مع أنها لا ترى لها مستقبل أو نهاية سعيدة.

تفهمتُ مخاوفها من خسارة حبها الأول والوحيد، وإسقاطات قصة صديقتها «لانا» على حياتها. لانا الزوجة التعيسة، التي تعيش في زواج يبدو مثاليًا، مع زوج طيب يحبها ويحب بناته منها، ولكنه زواج جاف، دون حب. لانا حبيسة علاقة رمادية أخرى، فالزواج الفاشل لا يحتاج لأسباب صاخبة واضحة، لتلقي الظلال على حال العديد من الزيجات الحديثة التعيسة، بالرغم من كل مافيها من مقومات النجاح.

 تألمتُ معها ولحسرتها من نظرة المجتمع لها، وأولهم عائلة أحمد المحافظة والقاسية، والتي كانت سببًا في انفصالهما، مدعومة بضعفه وأنانيته. أحمد يمثل نموذج الرجل المصري المتفتح ظاهريًا، ولكن تقبع بداخله كل موروثات المجتمع الجامدة المتخلفة والأنانية الذكورية الخالصة. فهو يتزوج الفتاة المحجبة، يطالبها بالاحتشام والطاعة، في حين يحلم بميّ، الفتاة الطموحة الحرة قوية الشخصية.

  حرص صناع العمل على كسر قوالب العديد من العلاقات التي طالما وُصمت بالسواد وحُكم عليها بأنها من أوجه الشر الأعظم. كان الهدف أن يسلطوا عليها النور ليجعلونا نراها من زوايا جديدة وبشكل مختلف، لا أن يبرروها أو يجبروا المجتمع على تقبِّلها، مما قوبل بمقاومة وهجوم من قِبل تلك الطبقة الصعبة المعقدة والمتشددة في أغلب الأحيان. ومع ذلك، نجحوا في عرضها كواقع لهذا الزمان لا يقبل الإنكار، وفي أن يغلفوها بغلاف الرمادية الرحيم، لنفهمها بشكل أعمق، وربما معها قد نفهم أنفسنا.

(ليلى)

تكتب عنها: يمنى خطاب

طالما هناك عقد شرعي فالعلاقة غير رمادية. طالما هناك مأذون وفرح بزغاريد وكيكة ثلاثة طوابق فالجميع بالتأكيد بخير. نحن بدون شك فى الجانب الأبيض من الحياة. أقف حائرة أمام علاقة ليلى ومجدي. أخذتُ الكثير من الوقت لأحسم ماهية العلاقة بينهما. اعتقدت في الحلقات الأولى أنهما مطلقان. تتحدث عنه ليلى بمرارة حقيقية، وتبدو لنا ابنتاه في تخبط دائم فيما يتعلق بمشاعرهما نحوه. في الحلقة التي عاد فيها مجدي للمنزل وأتت ليلى بالكباب ودعته بدلال لقضاء الليلة، أدركت وضع هذه العلاقة، وملأني الحزن.

لم نتردد نحن الخمسة في اختيار الثنائي ليلى ومجدي كعلاقة رمادية أخرى في المسلسل. لم نقف لثوانٍ أمام واقع أنهما زوجان، ولكن المدهش عدم وقوف أحد غيرنا أمام هذه العلاقة. ففي الوقت الذي واجهت فيه بعض النماذج المطروحة في المسلسل الكثير من الانتقادات، كان هناك على الناحية الأخرى تواطؤ جمعي على عدم انتقاد نموذج ليلى مريض، الذي بالرغم من بؤسه وتعاسته إلا أنه ينتمي وبجدارة لقيم الطبقة الوسطى، وكأن هناك اتفاق ضمني أنها قامت بـ«الاختيار السليم» الذي تختاره آلاف النساء في مصر للحفاظ على أسرهن من الوحوش في الخارج، دون أي إدراك منهن أنهن بذلك يربين وحشًا بالداخل.

ليلى امراة ناجحة، موظفة بدرجة مدير عام، لبقة ومثقفة وتفهم في الأصول ومحتفظة بأناقتها. تتولى إدارة حياتها وحياة ابنتيها بنجاح. كل ذلك بمفردها تمامًا. ومع ذلك ترفض ليلى بشكل قاطع أن تحمل لقب مطلقة حتى وإن كانت فعليًا تحيا حياة المطلقات. تصرخ هالة ابنتها في حيرة وتسألها: «إنتِ ليه لسه على ذمة الراجل ده؟»، لتجيب ليلى باقتناع وحكمة: «يعنى عايزة زمايلي في الشغل يقولوا عليّ مطلقة». تتمسك ليلى بتحقيق صورتها المتخيلة عن أسرتها في شكلها المثالي. هذا النموذج الخاص يلزمه رجل، حتى وإن كان غير لائق، ليجلس في صالون منزلها المهندم وأمامه الجاتوه من محل شهير، ويستقبل عريس ابنته ويتفق معه على كل الأمور التي لن يعرف عنها شيء بعد رحيله مرة أخرى. ولكن لا يهم، لا يهم يا ليلى طالما هناك «راجل فى البيت» كما تكرِّر هي دائمًا.

تبدو ليلى في معظم الحلقات ضحية قيم مجتمعية بالية اضطرتها للقيام بهذا الخيار المهين. إلا أن مع الوقت نكتشف أن ليلى تحب مجدي بصدق، وأنها ربما تستخدم حجة «الناس» كمُبرِّر أقوى من الحب، من وجهة نظرها، لشرح موقفها المتخاذل أمام ابنتيها. فبالرغم من التأكيد على أن ليلى كانت «حبّيبة» إلا أنها من الواضح لا تؤمن بالحب كحجة يعتد بها.

يتتبع المسلسل في روتين محبب للقلب دورة حياة علاقة ليلى ومجدي، والتي تبدأ دائمًا بسخط ليلى المتوارى ودعائها على مجدي و«سنينه» ثم ظهوره المفاجئ وما يتبعه من ذوبان ليلى عشقًا، وذلك قبل أن يختفي من جديد تاركًا إياها وحيدة في غرفة النوم تبكي بحرقة على طرف سريرها حياتها بأكملها. لم أكن محتارة أمام هذا الحب، فقد فقدت الأمل في الإجابة على سؤال «لماذا نحب أولاد الوسخة». أتفهم تمامًا حب ليلى لمجدي، الشخص الساحر، بياع الكلام، الذي يمتلك الخليط العجيب من الذكاء والطيبة وخفة الدم. بدا كزوج واقعي بعيدًا عن الصورة السينمائية الكليشيه لزكي رستم ويحيى شاهين وغيرهم من الأزواج الوحوش. مجدي كارثة متحركة تمشي على الأرض ولكنه حنون ويحب ليلى بطريقته، فوقعنا في غرامه وتعاطفنا مع ليلى.. أحيانًا.

تناول المسلسل مسار علاقات رمادية أخرى، كانت، ببساطة، نتاج هذه العلاقة الأم. نرى هند وهالة وما آلت إليه حياتهما جراء نشأتهما ليس فقط مع أب مثل مجدي ولكن مع أم مثل ليلى. أعادت هند إنتاج هذه العلاقة الرمادية الشرعية بحذافيرها. وقعت فى غرام نصاب آخر غير قادر حتى على إصلاح سيفون الحمام لتبكي حالها كل ليلة مثل أمها. أما هالة فقد ارتمت فى أحضان علاقة من نوع غريب. تبدو أكثر وعيًا من هند، وترى أن سبب بلاء أمها هو الحب، فوصلت لسن الخامسة والثلاثين دون أن تُفتن برجل واحد. حتى عندما اختارت علِي للزواج أصبحت وأمست تؤكد أنها فقط تريد أن تكون أم لا أكثر ولا أقل. نشأت الفتاتان على أن لا ضرر من علاقة رمادية طالما هي شرعية وتحقق أغراضًا أخرى غير الود والأمان والرفقة، الأسباب الحقيقية لأي زواج.

تتوالى كوارث مجدى فأتساءل متى يمكن أن تفقد ليلى حبها له. تدعي عليه وتلوم نفسها وتبكي عمرها وتذبل حلقة بعد أخرى، ولكنها تقف ساكنة لا تتحرك. تأتي لها عمتها وأختها بعريس جديد في مشاهد هزلية لتجيب هي في حسم: «عيب..أنا على ذمة راجل». أسمعها تقول ذلك فيملأني الحزن ويفيض.

(هالة)

تكتب عنها: مريم النقر

أجدني متعاطفة تمامًا مع هالة.

لست مولعة بالأطفال بشكل خاص ولا أشاركها الرغبة الحارقة في الإنجاب، إلا أني أستطيع تفهم الدافع الذي يحرك قراراتها، أستطيع تفهم رغبتها في الشعور بأنها تتحكم في مسار حياتها، أنها تستطيع أن تحصل على ما تريده وتتحمل نتيجته لكن دون التورط في خيارات يفرضها عليها المجتمع ولا تستطيع تحمل تكلفتها العاطفية.

في حالة هالة تحديدًا تبدو رغبتها منطقية بسبب علاقتها المعقدة مع أبيها التي تورثها شعور هائل بانعدام الأمان وفقدان الثقة في معنى وقيمة الارتباطات العاطفية. بل ربما يكون سعيها للإنجاب ما هو إلا وسيلة لخلق علاقة ذات معنى في حياتها تستطيع التحكم فيها بدرجة كبيرة لأنها ستكون الأم بكل ما تحمله الأمومة من معاني حب وسلطة ملتبسة ومركبة.

تبتلى هالة بأب نصاب لم تختره لكن وجوده مفروض عليها بسبب تمسك أمها به رغم كل فضائحه. نرى هالة تساهم ماليًا في إنقاذ أبيها من السجن، لكنها تظل متسقة في موقفها المحايد والعدائي أحيانًا منه ولا تبدي التعاطف التقليدي والمتوقع تحت مسمى «حقوق الأبوة»، بالعكس نراها تواجه أمها في أكثر من مشهد بعواقب تمسكها بهذا الزوج ورغبتها في طلاقها منه في مواجهة مؤرقة لبعض القناعات المجتمعية الخاصة بضرورة الحفاظ على «صورة» متماسكة للأسرة بأي ثمن.

تتبدى هذه العواقب بشكل واضح أحيانًا، وبأشكال أكثر غموضًا وإيلامًا أحيانًا أخرى. تظهر مثلًا في خوفها من فكرة الزواج التي تسمح بأن يقترب أحد منها لدرجة تتيح له معرفة عائلتها وتاريخ أبيها المخجل، كما تتبدى في انغلاقها على نفسها وبناء أسوار بينها وبين من حولها لدرجة تلغي وجود الصداقة في حياتها. فصديقاتها المقرّبات هما ابنتا خالتها لأنهما بالضرورة تعلمان تاريخ الأب ولا تحتاج هالة لشرح أو تبرير شيء لهما، لكن في عالمها الخارجي، الذي يتمحور حول الوظيفة، تبدو هالة شخصية استعلائية.

في مسلسل انحاز لخيار جريء، وهو أن تظهر البطلات بلا ماكياج تقريبًا معظم الوقت، تُبدي هالة اهتمام خاص بشكلها الخارجي وكأنها تحتمي بهذه الصورة المبالِغة في الكمال لمظهرها لأنها تمكنها من التعامل بنوع من الأمان مع مجتمع لن يرحمها كثيرًا لو عرف عن أبيها. تبدو حتى غير متأكدة تمامًا من هذه الصورة الخارجية وهي في قمة أناقتها عندما تطلب من عبدالرحمن التقاط صورة لها في خطوبة دعاء وتسأله بقلق واضح: «بجد يا عبدالرحمن شكلي حلو؟». لا تبدأ هالة في فهم كيف يراها الآخرون إلا من خلال علاقتها بعلِي التي تتيح لها بعض التواصل الاجتماعي بزملائها، ونراها تشعر بالتعجب وبعض التجني لأنهم يرونها مغرورة ويحكمون عليها دون معرفة حقيقية.

تظهر أيضًا هذه العواقب في خوف هالة ليس فقط من فكرة الزواج ولكن من «الوقوع» في الحب عمومًا، من أن تتخلى عن حرصها فتتسلل أي مشاعر إلى حياتها المحكومة بالعقل فتفسدها عليها. نراها تميل تدريجيًا نحو علِي الذي يعجبها بوضوح لامتلاكه «حد أدنى» من الذكاء والاتساق باتت لا تؤمن بوجودهما في نماذج الرجال حولها، لكنها في نفس الوقت لا تستطيع التخلي عن توجّسها وخوفها من الضعف الذي قد تسببه هذه المشاعر ويودي بها لحياة تشبه حياة أمها. تحاول هالة استكشاف خيارات تجميد البويضات أو الحصول على متبرع لتستطيع الإنجاب دون التورط في علاقة زواج فاشلة، وعندما تجد هذه الخيارات غير متاحة تحاول أن ترسم اتفاق آمن يمكِّنها من الحصول على ما تريد ويحميها من كسر القلب. ما لا تدركه هالة بعد أنه لا أحد يملك التحكم في تسيير حياته بشكل كامل لأن الحياة والنفس البشرية أيضًا تفاجئاننا بجديد دائمًا، لكني أشعر أن هالة مستعدة لتعلم هذه الخبرة لأنها تملك جسارة الإقدام على ما تريده والاستعداد لتحمل نتائجه.

تبدوعلاقة هالة وعلِي من أوضح العلاقات الموجودة في المسلسل، فهي قائمة على شروط واضحة ومحددة يحكمها فهم الطرفين لاحتياجاتهما واستعدادهما لخوض التجربة الجديدة وتحمل عواقبها. تكمن المفارقة في إصرار مجتمع محافظ ومنافق أحيانًا على اعتبارها علاقة رمادية أو غير واضحة فقط لأنها لا تتسق مع ما يراه «ثوابت»، لا يتوقف للتساؤل عنها أو عن مدى صلاحيتها لزمن مختلف ومربك إلى حد كبير، بل وينتهكها يوميًا لكن دون اعتراف أو وعي أو رغبة في تحمل مسئولية تغييرها. ربما يفسر ذلك هذا الشعور بالهلع إذا ما حاول أي فرد آخر تغيير هذه «الثوابت» ولو في إطار حياته/ها الشخصية، شعور بالهلع والتهديد يدفعه لقمع هذه المحاولة الجديدة فورًا دون إعطاء أي مساحة للفهم أو لحق التجربة والاختلاف.

اعلان
 
دعاء نبهان 
دينا الهواري 
مريم النقر 
يمنى خطاب