Define your generation here. Generation What
ثورة درامية في مصر (3-5): الواقع، الواقعية، النسوية
 
 

تحليل مطول لتطورات كبرى في الدراما التليفزيونية المصرية يرصدها م.ف. كَلْفَت، وتطورات متصلة في السينما المصرية المعاصرة، يربطها بالأدب والمسرح والموسيقى والإنترنت والثورة وفنونها.

في الجزء الثالث يبحث الكاتب أزمة وأثر «سابع جار» وتفاوت تلقيه، مستعرضًا مشكلة الواقع وتمثيلاته عبر التاريخ، ثم يقدم تشريحًا لواقعية المسلسل من خلال عناصره الأساسية: السينمائية، والزمن والنسوية، ونوع الكوميديا التي خرجت منهما بدلا من الميلودراما.

قبل القراءة: الجزء الثاني.

تحذير: هذا المقال يحتوي على «مفسدات فرجة»[1]، أو، بالبلدي، يحرق قصص الأعمال المتناولة. لكن ذلك وكما سيتضح غير مهم وغير صحيح بل ومطلوب.

 

واقعيون يطلبون المستحيل

السؤال الذي يُفترض أن «سابع جار» فجّره بأعجوبة عند كل من شاهده وتابع الآراء والشجار والانقسام حوله هو: ما هي الواقعية إذن؟ لماذا تثير حتى الآن غضب الناس ومللهم وإعجابهم إلى هذا الحد؟ لماذا تبدو بديهية ولا غبار عليها عند المبدعين ولماذا يصدمهم الغضب؟

يا لها من حرب طويلة.

بقدر ما دارت في الواقع حروب لتغيير هذا الواقع أو تثبيته، دارت بموازاتها معارك لتمثيل هذا الواقع والتعبير عنه في الأدب والفوتوغرافيا والفن التشكيلي والسينما[2] وحتى الصحافة[3]. يزخر تاريخ هذه الحرب بالتحولات الدرامية الكبرى والمفاجآت التي يتكفل بها أحيانًا اختراع أو تطور تقني، كما يحفل بالأوهام وتجدد وتعقُّد السؤال بعد انتهاء صلاحية إجابة تلو أخرى.

دارت رحى المعركة في مصر للمرة الأولى – يمكننا قول ذلك بلا مجازفة كبيرة – في منتصف عقد 1950، على خلفية معركة التحرر الوطني مع الاستعمار في الخارج والقوى الرجعية في الداخل، واحتدمت في البداية بين نقاد ماركسيين تصدروا المشهد، معتقدين أنها لحظتهم الثورية الكبرى، وبين رجالات وشيوخ الأدب المكرسين من أزمنة ثورية سابقة في ظل الملكية والاستعمار، وسرعان ما انتقلت إلى طور يساري-يساري بموازاة صراع جديد بين الجناحين المستوعَبين إلى هذا الحد أو ذاك في النظام الناصري الفضفاض، بعد استبعاد الأطراف غير المتوائمة من كليهما، وأحدهما ثوري أكثر من الثورة والآخر معادٍ لها. تمحورت المعركة حول مقالات لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس تحولت إلى الكتاب ذائع أو سيء الصيت «في الثقافة المصرية».[4]

وقبل ذلك، وفي العالم الأوسع، كان المبدعون والمنتجون الثقافيون قد ذهبوا أشتاتًا في كل اتجاه وعكسه لتحقيق هذا الهدف البسيط ظاهريًا: التعبير عن الواقع. فمن محاكاته إلى أبعد حد بشر به العلم الحديث في أدب فوتوغرافي ميكروسكوبي عند الطبيعيين، إلى إغرابه وإبعاده في مسرح بريخت، مرورًا بالتعبير عن سورياليته وعبثيته، سعى الجميع، سواء تسموا واقعيين أم لا، لتصوير واقعهم الحديث وإنسانه. استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلامه القلقة ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة عملاقة. استيقظ جريجور سامسا متعَبًا بعمق وشاعرًا بالانسحاق قبل رحلته اليومية القهرية إلى العمل حيث الروتين اليومي الذي لا معنى له. أيهما (الـ)واقع؟ أيهما (الـ)واقعي؟ وما الترتيبة المقنعة للمارة في مسيرة جحا وابنه والحمار؟[5]

وهذا العنف تجاه «سابع جار»، والعنف المضاد دفاعًا عنه، يشاركهما فيه المسلسل نفسه، مرة لأشياء يفعلها صناعه مباشرة، داخله وخارجه، وسنتناولها، ومرة لتحميلات ناتجة عن حسابات قديمة مرحَّلة على ذمة ادعاءات لم تتوقف من الكتاب والمثقفين والمبدعين والنقاد، ولم تتبرأ منها المخرجات بل وكررنها صراحة[6]، تزعم لهذا أو ذاك من الأعمال أو المدارس، إن لم يكن الفن كله أو الجيد منه، أنه «مرآة الواقع». ومهما اختلفنا فليس ثمة ما هو أكثر مشروعية من أن يرفض المجتمع أو أفراده هذا التعاقد المضمَر غير المحسوم بل والإذعاني بلغة القانون[7]، لكن هذه المراجعة تعبر عن موقف مشوَّه ومتناقض ومفرغ إلى حد الدوران حول نفسه:

  • ليس من حق أحد/الكل تمثيل الواقع/الآخرين/نفسه.
  • عليك أن تمثل الواقع جيدًا/بصدق.
  • الفنان لا يصور الواقع فقط وإنما يتخذ منه موقفًا أيضًا.
  • أنت متحامل على هذا الجزء أو ذاك من الواقع وتشوهه لأغراض غير أخلاقية.
  • لا يعبر عملك عن الواقع فقط وإنما يغيره أيضًا فتحلَّ بالمسؤولية في الاتجاهين.
  • كل تمثيل هو أدلجة وتورط غير أخلاقي وغير فني في السياسة: التجريد هو الحل.
  • ما قيمة الفن إن لم يتخيل/يحاول تغيير الواقع؟
  • الواقع ممل ونحن ننتظر من عمل فني أن ينسينا إياه قليلًا ويمتعنا بأحلام وجمال الخيال.
  • الثقافة خدمة للجماهير والمجتمع والمصلحة العامة.
  • كل عمل هو صوت صاحبه.
  • نعرف أن هذا خيالك وليس الحقيقة ولا ننتظر من الفن معرفة ومعلومات.[8]
  • لا يمكننا أن نعرف العالم فقط من الموسوعات والكتب غير الأدبية.

وفي خضم ذلك يُنسى أو يهمَل السؤال الفلسفي الأساسي والكامن بخبث وراء اللغط. إننا نقول «التاريخ»، ويُفهم من ذلك شيء محدد كبير متفق عليه في العموم. فهل هناك شيء فعلي وقع وحدث اسمه التاريخ؟ أم أننا نتحدث عن تأريخ وتواريخ، بينما التاريخ نفسه غير موجود أو غير قابل للإمساك به؟ وبالمثل فما هو الواقع نفسه؟ أهو أي شيء إلا صور الواقع؟ أليس الواقع شيئًا شديد الثبات والوضوح والعمومية ويلتبس مع الحياة والوجود والعقل والحقيقة نفسها لكنه مع ذلك غير قابل للإمساك أو الإجماع حتى في صيرورته الحاضرة؟ لنقلها بلا تذويق (وبكل ما يحمله السؤال من معانٍ): هل الواقع واقعي؟

وفي مقابل هذا الواقع، المراوغ والذي يمكن تسميته واقع المشاهدين، هناك واقع المشاهَدة، أي الواقع الأصلي ولكن باعتبار جدِّي لتوقعات المشاهدين عن الواقع وما هو واقعي، والمستمدة بالمثل من تاريخ طويل من التلقي وعادات وتعاقدات وسياقات القراءة. وبكلمات أخرى، فإن الواقع الذي نتحدث عنه هو الواقع الحقيقي (أيًّا تكن ماهية ذلك) مضافًا إليه وملتحمًا فيه الواقع بصفته تخييلات عن الواقع وتصورات تساهم في صياغتها أعمال تقدِّم وتعالج الواقع بمثل ما تساهم الخبرة المباشرة، حيث يتبادل هذان النوعين من الخبرة التلاقح والإحالة إلى بعضهما البعض والعون والاستناد لتكوين مفاهيم وتصورات وحقائق ومواقف، وفي سياق العملية فإننا نتغير ويتغير واقعنا – وفق توازن متفاوت الاختلال من الإرادات – بينما كنا ونظل نحاول فهم هذا الواقع أولا، محاولين تخطي حاجز القُرب، وقبل أن نفعل، وعندما يكون قد تحول بالفعل إلى واقع ماضٍ ومادة تاريخية يضاف الآن إلى تحدي فهمها حاجز البُعد.

وبناء على ذلك يمكننا مبدئيًا وصف ما فعله «سابع جار» في سياقه المصري والعربي بأنه إفراط في الواقعية، ولا تمنع نسبية هذا الإفراط من إحداث صدمة التلقي سلبًا وإيجابًا، وهي تعمل للمفارقة على إغراب الواقع، أي كما ألفناه على الشاشة، وإحداث بلبلة تدفعنا لمساءلة مفاهيمنا السابقة عن الواقع، وواقعنا، وعلاقته بما نشاهد في مسلسل واقعي أو يُفترض ذلك.[9]

وسيظل من المحبط والمدهش في آنٍ ألا يكون حتى سرد المرء سيرته الذاتية ضمانة لأن يجدها الجمهور واقعية، ناهيك بتحقيق صحفي استقصائي يجمع قصصًا أصلية عن الدعارة في مصر، أو مقال عن مفارقات اكتشاف كاتبه لدور مصر في حرب إبادة بيافرا. ولا تكتفي فرق الإنكار المصرية بترديد أن هذه القصة أو تلك غير واقعية بمعنى أنها لم تحدث وإنما تذهب إلى أنها غير واقعية بمعنى أنها غير قابلة للحدوث، وفي هذا فارق تكتيكي وسياسي ضخم. فحتى لو ثبت حدوث هذا أو ذاك، سيظل يُرى استثنائيًا، استثناءً غير واقعي حدث بالفعل لكنه يثبت قاعدة الواقع الصلب.

إن «سابع جار» حلقة مفصلية في معركة الواقع والواقعية، وقد أصبح كذلك بسبب اختياراته وطريقته الفنية الصادمة للجميع، وهو أول أو أهم عمل جماهيري مصري فعلها في مجاله على الأقل بعد حلقة مفصلية كبرى في تاريخنا وواقعنا هي الثورات العربية.

وتكتسب المسألة طابعًا سياسيًا حتميًا ومباشرًا في مصر الآن، شاء صناع العمل أم أبوا، بل ومنسحبًا على ما يعدو بكثير مضمونه. فمن الخطر كما ترى قوى المجتمع المختلفة أن نترك أحدًا ببساطة يصور الواقع والتاريخ القريب والبعيد إذ تنتج عن ذلك تلقائيًا أفكار ونقاشات وتصورات عن الحاجة إلى تغير اجتماعي وثيق الصلة بوضع سياسي ونظام حكم ورؤية رسمية للكون، أو الحاجة العكسية إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه. وفي النسخة السلطوية: لقد فشلنا في وقف أو تهذيب هذا المسلسل أو إقناع الجمهور بمقاطعته (حتى الآن)، حسنا…دعهم يتنفسون قليلًا، ولكن إذا تم بنجاح نزع شرعية هذا التصوير، أي واقعيته، فإننا نقطع صلته بالحياة والوضع القائم خارج الشاشة، نعزله في الحجر الصحي كفيروس خطر، مجرد خيال عابث (وفي النسخة النخبوية: واقع ممل بلا خيال). المصدر الوحيد للتعبير عن الواقع والمجتمع والحياة والوضع القائم هو نشرة الأخبار الرسمية، أو بيان المتحدث العسكري، أو خطبة الجمعة في الأزهر والأوقاف، أو أدب الناشئة في هيئة الكتاب، لكن هذا نفسه ليس موضع إجماع بين المشاهدين السلطويين.

وهكذا، وكمن جاؤوا ليحضروا العرض من منتصفه، يتوه حوارنا حول واقعية «سابع جار» ويصبح حوارًا عجائبيًا من فرط قفزه على البديهيات وعلى كل ما كان. فعن أي واقع نتحدث مثلًا إذا كان الواقع نفسه قد أصبح صورًا تخضع بالأساس لتحكم الكبار؟ وأي واقع في بلد تعالَج فيها سِيَر الشخصيات العامة التي أثّرت في حياة الملايين بإذن من الورثة؟ أي واقع حيث تناقش الصحف القومية مدى إنصاف الدراما لعبد الناصر في مئويته وهو الذي ترك لنا مؤسسات تحجب عنا أرشيف نظامه وتاريخ البلاد؟[10]

وبينما يطالبنا بالواقعية ويحاسبنا عليها الستالينيون، والعقلانيون الليبراليون، والوطنيون، والمحافظون على أشكالهم، واليسار الجديد، والمؤمنون والعدميون، ومواطنو الكوكب، علينا أن نسألهم ونسأل أنفسنا من جديد: واقعية من وماذا[11]؟ أحزابكم؟ شلَّتكم على الفيسبوك؟ المستشرقين؟ وثائق الشرطة؟ قصص الأطفال؟ شعراء الأقاليم؟ الجدات الريفيات؟ شباب المناطق الشعبية؟ خريجات الجامعة الأمريكية بالقاهرة؟ كائنات فضائية تراقبنا[12]؟ …

«كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل»، باريس، مايو 1968

مسألة وقت

إلى جانب الخلفيات والمسارات والمكونات سالفة الذكر، ترتكز واقعية «سابع جار»، العنيفة وراء واجهة من اللطافة والرقة والتخفيف، على ثلاثة عناصر جوهرية فيه: التعامل المكثف مع الزمن والمساحة؛ النظرة النسوية؛ النبرة الكوميدية المحكومة.

يستحدث «سابع جار» في مجال الدراما التليفزيونية المصرية نوعًا واقعيًا يمكن وصفه بالأنثروبولوجيا البصرية الحميمة. وبموجبه تتكون العلاقات والشخصيات والخيوط والأحداث، أي تخييل الواقعية الأنثروبولوجية، انطلاقًا من تأسيس عالم اجتماعي دقيق بملحقاته نراقب عن كثب مجرياته وطقوسه ودينامياته اليومية في مواقع تصوير من الحياة الحقيقية (مقابل الحي الشعبي في «هذا المساء» والذي يتخذ طابع أستوديو منفذ بدقة، وعلى نحو منسجم مع علاقته بالصورة و«مصر في المعرض»). وفي الحلقات المبكرة من المسلسل، تتدفق الطاقة الدرامية من ترك المواقف والمواجهات والحوارات اليومية تنساب بإيقاعها القريب من الزمن الفعلي أقرب ما يكون، وبما لا يقارَن في تاريخ المسلسل المصري، مقتربًا قدر الإمكان من تجارب السينما البطيئة أو التأملية.

وبهذا تُلْتَقط مشاهد تكاد تكون بالحجم الطبيعي من حيوات الأسرة المصرية القاهرية المسماة بالمتوسطة، وكذا حيوات أفرادها في مواقع عملهم واختلاطهم الاجتماعي وأدوارهم في المجتمع وإن في حدود ضيقة جدًا ومبتورة توحي بحالة التصاق مرضي بالبيت، بينما تضعهم المونولوجات والحوارات الثنائية والجماعية في سياق زمني أكبر يضيء الاحتكاكات والفروق الجيلية والاجتماعية بين عالمين، من جيل الأمهات والآباء وصولًا إلى المراهقين والأطفال، بينما تُراكِم هي في ذاتها طاقة حكي واجترار للذاكرة وتَبادل خبرات واستشارات محورها شركاء الحياة الموجودين أو المحتملين أو المفتقدين، في مخطط يبرز خريطة الاحتياجات والتحالفات والتكافلات، في مواجهة تغيرات وتحديات تختبر آليات صمود العلاقات الأسرية والجيرة والزمالة والحب والصداقة أمام قوى تهددها وتستنفرها في آن لاستكشاف مشاكلها وبدائلها.

وهذه الأريحية المبكرة في مراقبة ديناميات التعامل والتواصل اليومي تقترب في بعض الأحيان من الإيحاء بتليفزيون الواقع في مواقع التصوير المختلفة، لكن حركة ووضع الكاميرا وزواياها وخطة التمثيل ونبرة الإخراج هي ما يمنعها من التطفل والتلصص ويجعلها دراسة حميمة لا أكاديمية للشقق وللبناية وبقية المواقع. وتوحي الكاميرا بأنها ضيف شبحي أو طيفي مرحب به.[13]

يساهم في إفساح المجال لهذا التأمل وإكسابه واقعية غير عادية ثلاثة توجهات: الانتباه اليقظ للتفاصيل حتى على المستوى الذي يكاد لا يُرى خلف تعقد المواقف (مثلًا تفضيل ليلى للجوافة)؛ والتشجيع على الاكتفاء بحد أدنى من إظهار أداء التمثيل، في مخالفة للأعراف الميلودرامية والملحمية والكوميدية المصرية (اللعثمة في الحوار وإشراك ممثلين غير محترفين أو يعيدون تجسيد أدوارهم في الحياة مثلًا)؛ تطوير عوالم صغرى باهتمام لا يقل عن، إن لم يزد على، الاهتمام بسَيْر مجرى حيوات سكان البناية وتطورات أزماتهم، في ومضة واحدة أو على دفعات تظهر وتختفي وتعاود الظهور، حيث يسمح تتبع وقائع وفصول يوم السيفون مثلًا، أو لحظات رقص المهرجانات بين الأخت والأخ والأم، أو طلب فتوى، أو زفاف أو خطبة أو عيد ميلاد، أو عملية فتاق لمراهق[14]، باكتشاف ديناميات السلطة وترسيم الحدود، والاعتناء والتعاضد والتعاون، والتقارب وتخفيف التوتر، ومراعاة الشكليات، والمجال المشحون بتبادل النظرات بين المتدينين وغير المتدينين في سياق جامع وكاشف للمشترك.[15]

تنبع صدمة مثل هذا الإيقاع وهذه النظرة السخية من ندرة السينما البطيئة، إن وجدت، في مصر. وتكاد مصر على الشاشة لا تُرى من منظار هذه السينما التأملية إلا في فيلم فرنسي وحيد هو «مبكرًا جدًا، متأخرًا جدًا» Trop tôt/Trop tard (جان-ماري ستروب، دانييل أوييه، 1982).[16] ولعل الاستثنائين الوحيدين في السينما الروائية هما «المومياء» (شادي عبد السلام، 1969) و«الخروج للنهار» (هالة لطفي، 2012)–لاحظ علاقة كليهما بمصر القديمة. أما ممارسة «المط والحشو» الشهيرة في المسلسلات المصرية (لدواعي تلبية مواصفات الطلبية التليفزيونية، على الأخص في رمضان) فهي تواجه هنا مناعة ناتجة عما يشبه المصل، في مسلسل قائم على المط من الأصل بينما هو غير قابل للحشو. وهو في الحقيقة نوع متمايز عن المط المصري التجاري وعن المط الفني السينمائي كما في بعض نماذجه الآسيوية المعاصرة[17]، على الأرجح كحل وسط مع الشروط التجارية أيضًا.

يُستخدم المط هنا كتقنية للتعامل مع الوحدات الزمنية الصغيرة لأغراض واقعية وفنية، أو إذا عبرنا بالسلب، فبدءًا من السيناريو والحوار مرورًا بالتمثيل والتصوير ووصولًا إلى المونتاج يتطور اختيار واعٍ بالاستغناء عن الأساليب السائدة والمرجعية الخاصة بالتكثيف والاختزال والتقطيع المركز على انتقاء اللحظات الدرامية وذات الخصوصية، إذ تنتفي الحاجة إلى ذلك بالذات مع الاستغناء عن الملاحم والميلودرامية والطابع المسرحي. وإذا تصورنا الوحدة الزمنية كبالونة، منتفخة بالفعل بنسبة مائة بالمائة، فإن كل ما يفعله «سابع جار» هو تفريغها أقل مما يفعل المسلسل والفيلم السائد، ولا يزيدها نفخًا كما قد تفعل السينما البطيئة بالمعنى المضبوط.

ويؤدي هذا التباطؤ إلى مراكمة الإحساس العام بتعطل شخصيات المسلسل[18]، والمصريين كامتداد لهم، وبابتذال وتفاهة حياتهم اليومية، إذ تُستهلك أوقاتهم في محاولة تحقيق وتجربة أبسط الرغبات والأهداف والخبرات بأعقد الأشكال وعلى رأس ذلك مجرد الاستقلال أو الانفراد في متر مربع. وبينما تذوب القصص الفردية والأسرية في بعضها بنهاياتها المتروكة والمموهة، وتغيب الشخصيات لحلقات كثيرة، ونحن ندرس التنويعات أو المنابع المختلفة للأزمة نفسها في بيوت وعلاقات أخرى، عبر الحيوات المتوازية المتقاطعة (صعودًا وهبوطًا في بير السلم أو من خلف الأشجار، عبر الكاميرا التي تنتظر ليلًا أمام البناية راصدة في نومها الحركة المرورية)، يتأكد الأثر المتناقض بإدراك أنه بينما لا شيء يحدث فإن «الحياة تحدث» في «سابع جار». (ومن الكاشف أن إيقاف العرض بعد الحلقة 47 دفع البعض إلى الاعتقاد بأنها كانت نهاية المسلسل، وأن هذا بينما هو مفاجئ وغير متوقع إلا أنه أيضًا محتمل. شكرًا للرقابة.)[19]

ويمثل الديكور وتصميم المناظر مثلًا إضافيًا على، وبكلمات تامر محسن في وصفه لنهجه هو في إخراج «هذا المساء»، «فن إخفاء الفن»، وبما يخدم هذه المرة مشروع «سابع جار». وبالمقارنة مع «الحساب يجمع» (هاني خليفة، 2017) كنموذج معاصر سائد، يتبدى الفرق بين جماليات سلسلة مطاعم زوبة ومطعم شعبي حقيقي، وبين معايير بي آر إن بي التسويقية العقارية وبيوت الطبقة الوسطى في منطقة لم تتعرض بعد للترقية الطبقية، وهي قيم وجماليات صارت تغزو المسلسل المصري، لترويج شخصية تجارية بطاقة تعريفها هي الأصالة الشيك، كآخر ما تملكه الطبقات المزاحة لكي تبيعه. وحتى الكيتش موظف برهافة غير جارحة تجعله مقبولًا في سياق التعاطف ودفء البيوت، دون تجميله بالمرشِّحات وعلى طريقة إنستاجرام.

وبشكل عام فإن إحدى أقوى مزايا «سابع جار» هي كونه دراسة للحيز غير مسبوقة في مصر في تفصيلها وربطها بالمادة الدرامية المصوَّرة (من ينسى هالة السائرة دومًا في الممر المعتم مقابل الصالة التي يشغلها الآخرون؟)، وهناك إطارات لا تُنسى يقوم جمالها على توظيف علاقة المساحات من قبل الشخصيات وصانعي العمل في آن.

وبالرغم من اتساع الشقق (إيجار قديم، متنازع عليه في إحدى المراحل) ووجود البناية في حي تبدو ظروفه آدمية (لعله المعادي أو مدينة نصر)، تصبح البيوت ضيقة واغترابية، فلا خصوصية حقيقية، ولا راحة حقيقية، والسيارة الخاصة امتداد محدود لها، وهناك بحث دائم عن مساحات جديدة واكتشاف لها (الشرفتان المتلاصقتان والسجائر؛ غرفة عبد الرحمن تتحول فجأة لمرقص أو مكان مواعدة تنهي وجوده بسرعة إحدى الأختين؛ حديث أحمد ومي عن ممرهما القديم، وهي التي مكان عملها المشترك الحالي هو بيتها وعش غرامها المراقَب الذي لا تعوضها عنه فيللا والديها الداعمين المنفتحين).

وهكذا وبين الأمان والضيق، وفي نهار وليل داخليَيْن معظم الوقت على مدار الحلقات (حظر تجول على البنات من أم أو زوج متوقع، اكتئاب، فَلَس، …)، يسود انطباع عن حالة غير طبيعية محيرة. فعلى عكس حالة الحرب الأهلية السورية في فيلم «مسكون» (لواء يازجي، 2014) الذي يترجم حالة الحبس داخل المنازل الآخذة في التخرُّب واختفاء وانهيار كل ما هو خارجها أو عدم احتمال الخروج إليه، لدينا هنا خروجات آمنة ومرحة أيًّا يكن ارتباكها وابتسارها، في بلد عاد جيشها إلى ثكناته بعد أن قضى على الإرهاب والبلطجة والفوضى.

أوجد الفروق: من مشروع فوتوغرافيا داخل شقق مصرية بين 2012 و2013، والصور قابلة للمقارنة مع تصوير الشقق في «سابع جار» لبيان التضاد وأوجه الشبه.

بالتكامل مع النزعة التقليلية، ينسجم ما قد يُرى بعجلة إطالة وثرثرة، ليخدم التركيز في سبيل معاينة أقل وحدة اجتماعية وزمنية شبه ميكروسكوبية، لاستكشاف القلق والصراع تحت سطح الركود. في تكرار الشريط بالتفصيل تتزايد آمال احتمالات تحديد ما الخطأ الذي وقع. للنجاة من فوضى المدينة وشروطها الصعبة وتعقيدها وزحامها، بقي الجيران في بيوتهم، وسنبقى معهم. وسنعاني معهم الملل لكننا سننعم أيضًا بشيء من راحة البال بينما نتلمس معًا الاضطراب والاحتجاج والتململ.

يبدو أن هبة يسري استمعت بصبر واهتمام وتعاطف إلى ثرثرة وفضفضة المصريين اللانهائية، في مواقف الحياة المختلفة وعلى الإنترنت، بنفسها أو عبر شريكات الكتابة، ليجمعنها هنا موضوعةً موضع الدراسة والاحتفاء، النسائي والنسوي…

نساء العائلة ونسوياتها

…لأن «سابع جار» هو مسرحة بليغة – في التليفزيون، عقر دار الأسرة المصرية – لهذه الحالة المصرية التي طالما أشرنا إليها عبر الأجيال بكلمة غير قابلة للترجمة إلى بقية اللغات: «الوَنَس»، والحاملة لدلالات متمايزة عن أصلها الكلاسيكي «الأُنْس»، والمشتركة إتيمولوجيًا مع ناس وإنسان ونساء ونسيان. تعود المخرجات والكاتبات إلى المكان الذي أتين منه حيث أريدَ لهن أن يخضعن للمشيئة وأن يبدأن لعب دورهن كإناث، ليس بالضبط للتحقيق في مسرح جريمة بريء المظهر وإنما للفهم والتفاهم مجددًا وبحثًا عن ملاذ أيضًا (مع الأم والأخت وبنت الخالة بالذات)، هذا البيت الموضوع الآن مقابل البيوت التي يراد لهن أن يلتحقن بها أو بمثلها.

ورغم هذا الاحتفاء والحميمية، يُصدم المشاهدون أيضًا، التقليديون منهم والسلطويون (بينما لا ينتبه النخبويون)، من عمل تقدمه صانعاته باعتباره مسلسلًا عائليًا ولكن غير مراعٍ بالضبط للقيم العائلية، وفي هذا أكثر من مجرد صنعة أو تصرُّف يحرّف ويطوّع نوعًا فنيًا وأعرافه الثقافية-الاجتماعية. ولا يفلح في الترضية وضع تصنيف عمري في صدر كل حلقة. تصطدم إثنوغرافيا المشاهَدة التليفزيونية العائلية كما تحللها ليلى أبو لغد (تحليلًا يتطلب تحديثه الآن) مع أنثروبولوجيا «سابع جار» المتخلصة من النزعتين المحافظة والتنويرية. ولكن، إضافة للدرس الخاص بجدوى التنازلات ومعقولية الإقدام على هدم أشد للأعراف الواقعية بما في ذلك إخلاء المسؤولية من ادعاءاتها التمثيلية الفوقية، ربما يكون في هذا أيضًا درس إضافي بخصوص «المشاهد السيء»[20]، يقضي بتجاهله والعمل ضده بدلًا من التوجه إليه، سواء بقدر من المراعاة عند الكاتبات، أو في مراحل الإنتاج اللاحقة، أو في الخطاب المعلن، الدفاعي والتبريري في المعتاد، بما يشمل الدعاية وممارسات أخصائيي الوسائط الاجتماعية.

يُعرَض «سابع جار» في سياق من لغة حادة وساخنة في أوساط الشابات المثقفات ومجتمعات الناشطين وعلى الشبكات الاجتماعية، وأجواء مشحونة بالتوتر تتمحور حول التحرش وتعريفه ومحاربته، متعلقة من ناحية بالعنف الجنسي في مصر والذي بلغ ذرى جديدة في السنوات الأخيرة، ومن ناحية أخرى بموجة في الغرب اشتدت الآن خاصة بتوالي انكشاف متحرشين محميين طويلي العهد وتحرش متوطن في مواقع ثقافية وسياسية مرموقة، إلى حد أن توصيفات مثل «هلع جنسي» بدأت تستخدم، مع الدعوة إلى التمييز بين الافتراس والانحلال، وعدم خلط العاطل بالباطل لأغراض قد تكون كيدية واستهلاكية.

وفي هذا السياق يُتحفنا «سابع جار» بنسوية تخلو من الميوعة أمام الذكورية وفي الوقت نفسه من الخطابية والمباشرة، ومن معاداة الذكورة والأنوثة والجنس، وبلغة سينمائية رائقة، وذلك بإبراز ضعف النساء وتذويتهن للتمييز ضدهن أثناء مقاومتهن التي لا تكل للاضطهاد وذكورية الرجال اللطفاء.

تأمل مثلًا لحظة فتح وإغلاق الباب في حلقة النهاية الرقابية المفترضة رقم 47 وبروز لافتة طارق على باب زوجته بعد يوم طويل مظلم من عملية استيعابها للصدمة بمراحلها في السرير بطريقة مركبة، كزوجة وأم متدينة ومن خلفية تعليمية وطبقية مرتفعة، بعد مواجهتها الجريئة لطارق، الذي يذكرنا في سقوطه الناعم من صورة الضحية البريء بأكرم «هذا المساء».

وكما يمثل «كرامر وكرامر» Kramer vs Kramer (روبرت بنتون، 1979) وثيقة سينمائية لطفرة جيلية تخص الأمريكيات بعد الموجة النسوية الثانية، انقلبن فيها على اختيارات البيبي بومرز وأمهاتهم ونموذج الزوجة المثالية الساخنة، ستبقى هالة واختيارها الشاذ – ضد الزواج، مع الإنجاب – إعلانًا تاريخيًا عن جيل جديد من المصريات واختياراتهن غير النمطية، حيث أصبح للتحقق مساحة متخيلة أوسع بعيدة عن الزوجية وغير محدودة بعتبة سن الثلاثين.

وكمثال آخر على قيمة «سابع جار» كدراسة لأحوال شريحة من المصريات، قارن مشهد ترقية ليلى بنظيره في رواية «السكرية» والخاص بياسين أحمد عبد الجواد، وهي مقارنة تنير فهمنا لما تغير ولم يتغير في مصر على الأخص بين نسائها ورجالها.

كيف أمكن لكل ذلك أن يحدث؟ كيف نجحن في فعلها؟

تقول ناقدة صحفية[21] إن سر تفرُّد «سابع جار» هو ما تسميه «دراما اللادراما»، فبعد الملل «من الأكشن والألغاز والإثارة والتشويق» و«[الـ]قضايا [الـ]كبيرة و[الـ]موضوعات [الـ]سياسية [الـ]معقدة» هناك «حنين إلى الماضي» و«الحالات الاجتماعية والمشكلات العاطفية والأسرية اليومية»، وفي ظل هذا الوضع «أوجد المسلسل حالة…توحَّد فيها المشاهد من…فئات…مختلفة مع تلك الأسر…التي تعيش تفاصيل…تتطابق حرفيا مع ما نعيشه… . وقد يبدو…أن…البساطة والمباشرة…هما سر ذلك النجاح والارتباط الكبير…منذ أيام عرضه الأولى، إلا أنني بتحيز معترف به، أرى أن الكتابة النسائية تستطيع أن تجذب القلب والعقل بلا استعراض أو ضغط أو إعمال كبير للإثارة والتشويق الذي نراه بشكل أكبر وأكثر سيطرة في كتابات المؤلفين الرجال، فالأنثى دائما قادرة على اختزال المشاعر وتسريب الأحاسيس والانطباعات للمتلقي دون عناء أو «فذلكة» طبقا لطبيعتها وتركيبتها العاطفية الفطرية.» (التوكيدات من عندي.)

هذا كم كبير إلى حد مزعج من الأخطاء والمشاكل والخلط قياسًا إلى حجم المقال القصير جدًا والإيجابي جدًا! فهذا الطرح يصف «النجاح» باعتباره مجرد تلبية حاجة عند جمهور مل من الإثارة والتشويق والسياسة (هكذا في نفَس واحد). ثم إن هذا المنتج الجماهيري الذكي تجاريًا يقدم وصفة هروبية نوستالجية إلى الماضي.[22] أما المسائل النسائية والجنوسية فتصبح مجرد «مشكلات عاطفية» (وهو توصيف نمطي قديم لاهتمامات القراءة والمشاهدة والكتابة بين الإناث). ويكرر الكلام عن «التطابق الحرفي» مع الواقع، معنا جميعًا، إساءة فهم شائعة للواقعية وذات جذور استعمارية واستشراقية. أما تناول الحياة اليومية والعادية فيصبح، وبأوصاف مهينة على عكس مقصدها، «بساطة ومباشرة». والتلقي أيضا بسيط وتلقائي وسلبي وطفولي ويتألف من «ارتباط» أي تعلُّق فقط. وأما سر النجاح الأعمق فهو («بتحيز» نسائي-نسائي، لا غير) قدرة المرأة «العاطفية الفطرية» على «اختزال» و«تسريب» المشاعر والعواطف (مقابل الأفكار والتحليلات والتنظيرات، الرجالية طبعًا) دون جهد أو تعقيد (هما للرجال أيضًا).

غير أن هذه المراجعة المهينة للنساء والرجال معًا لا تخلو في الحقيقة من فكرة جيدة جدًا ومثيرة للاهتمام، تشوهت ويمكننا إعادة صياغتها وتطويرها كالآتي: تشخيص النظرة النسوية، لا النسائية ببساطة، باعتبارها متمايزة عن النظرة الذكورية، لا نظرة الرجل وحسب، سواء في الكتابة أو صناعة الصورة (المتحركة). وبالرطانة النسوية الفلسفية توضع الخبرة مقابل النظرية باعتبارهما مملكتي النساء والرجال على الترتيب وفي العموم. وحتى فيما يخص النوع الواحد مثل السيرة الذاتية لوحظ ميل المؤلفين إلى قول أشياء كلية ونهائية عن العالم، كحكمة أبوية للأجيال، بينما تميل المؤلفات إلى طابع المقال الشخصي الذي نجا أثناء محاولات فرض أشكال معينة من الكتابة عليهن لإرضاء اهتمامات ونظرات وتوقعات القراء والنقاد والزملاء الرجال.[23] (بل إن الكتابة الاعترافية نفسها تُستقبل استقبالًا مختلفًا حسب نوع الكاتب.[24]) وفي المسافة بين الخبرة والتعبير عنها تسقط أشياء وترتبك ولا تُستخلص منها بالضرورة صورة كلية أو متسقة إذ تصبح الكتابة نفسها امتدادًا للخبرة لا تحصيلًا فكريًا منهجيًا أو مسبقًا، بغرض استكشاف المرأة لرغباتها الحقيقية ووضعها في العالم ومسيرة اضطهادها الطويلة للغاية ودورها الملتبس بين البيولوجيا والأيديولوجيا. (وهو ما لا يعني أيضًا بالطبع استئثار الرجال بالنظرية وبكل أنواعها!)

https://mobile.twitter.com/parisreview/status/955937440962895879

كما أن المعرفة الاجتماعية وثيقة الصلة بالموقع الاجتماعي أو زاوية النظر وفق النظرية النسوية المعروفة بهذا الاسم، حيث المهمشون (بما فيهم النساء) أكثر معرفة بالواقع بناءً على معايشة غير متاحة لغير المهمشين.

ولا تخجل مويرا فيجل من أن تشير صراحة إلى الطاقات الجنوسية عند مؤلفين سينمائيين مثليين ومؤلفات مثليات تكمن وراء إيقاعهم ضمن اتجاهات السينما التأملية البطيئة.[25]

فكر في الإيقاع المثلي والكويري: مقابل جنس إيلاجي بالضرورة في الأغلب الأعم، وله غاية أو أكثر هي القذف والوصول لذروة الانتشاء والتحبيل والإنجاب، هناك جنس مثلي وكويري مختلف وواسع الرقعة والزمنية بشكل متأصل. ثم فكر في الطريقة العابرة والمسلَّم بها والملولة والسريعة والمقتحمة التي نمضي بها كذكور مصرح لهم ومرحب بهم في العالم، مقابل الساعات الطويلة الطقسية التي تقضيها الأنثى في الانضباط، منذ طفولتها، بينما يكون الولد قد فعل الكثير، في ساعات الاستذكار والدراسة، في ساعات حظر التجول، إلخ (العناية بالشعر، الملابس، العمل المنزلي موضوع فيلم شانتال أكيرمان العلامة «جاين ديلمان، 23 رصيف التجارة، 1080 بروكسل» (1975) Jeanne Dielman, 23 Commerce Quay, 1080 Brussels،[26] …). وكل هذا يضيف إلى عبقرية ومصرية «الخروج للنهار»: يوم الفتاة اللانهائي في الاعتناء بوالدها، ثم الخروج من البيت، ثم المشي، … .

وبينما عُرضت مؤخرًا إعادة عمل في شكل مسلسل لفيلم سبايك لي «عليها أن تحصل على الشيء» She’s Gotta Have It (1986)، الكلاسيكي في تاريخ السينما الأمريكية السوداء، عاد الجدل بخصوص نظرته في تمثيل السوداوات وجنسانيتهن، على الأخص بسبب مشهد الاغتصاب سيء الصيت[27]، وكان لي قد اعتذر مؤكدا أن هذا لن يتكرر في المسلسل. فبالنسبة لنقاده، لدينا في الظاهر امرأة سوداء متحررة ومستعصية على التملك إلى حد التعدد الجنسي، بينما في الباطن، وكما تنطق الصورة، هناك امرأة تتحرر وتسعد على يد مغتصبها. أما لارس فون تراير، الإسكندنافي الأشد اقتحامًا لتصوير موضوعات الجنس والجنوسة، فتصفه بحماس مخرجة شابة صاعدة ذات أصول إيرانية بأنه هو النسوي، «النسوي الأكبر»، متشككة في نسويتها هي التي ينسبها إليها النقاد. ومع ذلك يظل تمثيل النساء والجنس عمومًا عنده إشكاليًا وموضع انقسام حاد، فهو كذلك «كاره للنساء» ومعادٍ للجنس وللحب وأشياء أخرى.

والمحصلة أنه بالإمكان تطوير نظرة نسوية من مبدعين رجال، بينما ليس مجرد الانتماء للأنوثة كنوع ضمانة لهذه النظرة، ولكنه في أفضل شروط ممكنة يؤدي إلى تطوير خبرة نسائية، ونسوية بالضرورة، في شكل عمل فني أو فكري أو تعبيري.

نساء ونسويات، لا نساء فقط ولا نسويين فقط – وليست أي نسوية – هن من يمكنهن أن يبدعن بهذا النجاح (الفني) مسلسلًا مثل «سابع جار». وهو أمر لا يعني بالضرورة، وعلى الأخص في نظام الورشة، أن تعي كل واحدة من الصانعات بأيديولوجيتها الواضحة والكاملة وأجندتها أو أن تصنف نفسها حتى صراحة كنسوية، ناهيك بنسوية من هذا التيار المحدد أو ذاك.[28]

وهكذا فبعد جيل فتحية العسال وإنعام محمد علي (نسوية الدولة سواء في طورها الاشتراكي أو النيوليبرالي، وفي إطار التنوير الثقافي دائمًا)، ومرورًا بمريم نعوم (التي تقدم في «سجن النسا»، 2014، المأخوذ عن رواية العسال، «عالمًا نسائيًا بالكامل…بشكل غير مسبوق في تاريخ الدراما المصرية»[29])، يصل اليوم بقوة جيل من المبدعات والفنانات اللاتي طورن بشتى الأشكال وعيًا نسويًا ثوريًا[30] بحيث يصبح تناولهن الدرامي والسينمائي لتشابكات الجنوسة والعلاقات الجنسية والعاطفية والدين والطبقة والأجيال تناولًا ثوريًا بالمعنيين السياسي والجمالي.

الصابون يَضحك

امتدادًا للقولبة الذكورية الراسخة للنساء باعتبارهن دراميات، بل ملكات الدراما، يصنعن من الحبة قبة، يبكين في الفارغة والملآنة، يشكين الكبيرة والصغيرة، ويذهبن كثيرًا إلى حافة الجنون حسبما نجح تطبيب القرن 19 في تشخيصهن، بل وهستيريات دائمًا ومن قبل ذلك، دشنت هوليوود تقليدًا إنتاجيًا سُمِّي بأفلام النساء، أفلام العياط والمناديل، والتي انبثقت منها تسمية أوبرات الصابون التي أُطلقت على المسلسلات (الصابون يُدمع الأطفال – والنساء؟ – وشركات الصابون تدعم المسلسلات)، وهي أشكال سينمائية وتليفزيونية مبكرة واعية بذاتها من الميلودراما (حرفيًا: الدراما اللحنية)، ابنة مسرح القرنين 18 و19.[31]

وسرعان ما أصبح يُنظر إلى الميلودراما من زاوية الثقافة الرفيعة والنقد الجاد كنظير في التراجيديا للهزل أو التهريج (الفارْس) في الكوميديا، كعاطفية فجة، وتحديدًا كمبالغات سردية وحوارية مسرفة لإثارة العواطف الفجة من شفقة وحزن وما شابه، تعتمد على تصوير مسطح للشخصيات الموزعة بين أطراف الخير والشر والبؤس والطمع والجبن، والتفاصيل والتطورات غير المنطقية، وتَمَحْوُر الزمن حول صروف القدر الباطشة المظلمة من أمراض وموت غادر وسقوط في الفقر والرذيلة والخيانة وانقلاب الحظوظ وضياع الصديق والمستقر والعائلة. ويلخص أحد أهم منظري الميلودراما، بيتر بروكس، ذلك بعبارة «سهولة القراءة الأخلاقية» كشفرة لفهم هذا النوع وتلقيه والوظيفة التي يؤديها مع المتلقين.

بروكس هو أحد أبرز من دعوا إلى أخذ الميلودراما بجدية كنوع أدبي، دافعًا بأن دراسة الروائيين الفيكتوريين ووضعهم أمام «كل ما يمكننا معرفته عن الحياة الفيكتورية» تؤكد أن الميلودراما الفيكتورية لم تكن إلا «صورة مبالغا فيها مبالغة طفيفة» وكل تيماتها وموتيفاتها «حقيقية بما يكفي»، في عالم كان يتغير جذريًا بعنف وقسوة يعصفان بالأسرة، بحيث كانت الميلودراما «ملائمة كوصف للأحوال الاجتماعية.»[32]

غير أن أسبابًا جديدة دعت إلى تغير الموقف النقدي والأيديولوجي من الميلودراما، أو بالأحرى بعضها، لتصبح ليست فقط ذات مشروعية أدبية وأهمية تاريخية، وإنما ذات جماليات وقيم فنية باقية في عالم ما بعد الحرب على الأقل. وعلى سبيل المثال، فقد سلطت لورا مالفي،[33] مؤسسة النظرية السينمائية النسوية، الضوء على أعمال دوجلاس سيرك بالذات، حيث وجدت فيه كما في أعمال ميلودرامية أخرى[34] نظرة نسوية تفسح المجال لعواطف وقلق المرأة في أدوارها المختلفة، كأم مثلًا، وكذلك كصمَّام أمان للتنفيس عن مكبوتات النظام الأبوي والاعتراف بقهره.[35]

وسواء في القرن 19 أو 21 يمكننا القول إن الحياة دائمًا واقعية وغير واقعية ودرامية ومضحكة وملحمية وميلودرامية وسوريالية وعبثية وجادة وهزلية ومبتذلة ومتطورة وفجة وهابطة وفنية وذكية وغبية ومتخلفة وخيالية وعلمية ومرعبة ورومانسية، وما الدنيا إلا مسرح كبير أيضًا.

وفي «تحت السيطرة»، وإذا سلمنا جدلًا بأن الميلودراما ليست بالضرورة نوعًا عفا عليه الزمن إذ نضجنا واستوعبنا نتائج الثورة الصناعية، وأنها وإن كانت غير معبرة عن روح العصر أو تقلباته، مفسحة الطريق ربما للدستوبيا، فهي تظل مشروعة لسبب أو آخر مثل بقاء التقاليد الأبوية الخانقة، فهل يفترض أن تكون هي النوع الفني أو الشكل موضع الاختيار في مصر 2015؟ وفي إطار تيمة هي إدمان المخدرات البيضاء والعلاج الجماعي؟ وفي وقت كانت المخدرات فيه تيمة لموجة من المسلسلات الأمريكية (منها «الاشترار و«ويدز» و«ناركوس») تحقق في عوالم الميثامفيتامين والماريوانا والكوكايين من نواحٍ وبنبرات أبعد ما تكون عن «سهولة القراءة الأخلاقية»؟ وفي عالم يخوض حربين على الأقل على المخدرات تمزقان النسيج الاجتماعي أكثر ربما مما تفعل المخدرات نفسها وتشهدان وحشية عسكرية وتحالفًا نيوليبراليًا فاسدًا؟

أعرف على الأقل ثلاث طالبات ماجستير ودكتوراه مصريات يدرسن العواطف وثورة يناير، وليس من باب المصادفة أن كلهن نساء، فالرجال لا يلتفتون إلى مثل هذه الأشياء الطرية. وأتصور أنه كان من الجائز والملائم خروج ميلودرامات تمرِّر وتتعامل مع الإثارة والطاقة العاطفية الرهيبة التي انفجرت في السنوات بين 2011 وعهد الانقلاب، فقط بإيجاد ترجمة بصرية ملائمة وغير منبتة الصلة. (ويمكنك عمل فيلم رعب عن التحرير لأسباب عضوية منها ما سلف عن اللَّبس.)[36]

واللافت في «سابع جار» أنه بينما يخلو من ميلودرامية كان من السهل تصوُّرها منسجمة مع عالمه، فإنه يتضمن نفسًا كوميديًا خفيفًا (يُسحب بسرعة في الوقت المناسب أحيانًا عندما يهدد بإفساد النبرة). وهذه الكوميديا الناعمة لا تصبح أبدًا كوميديا صريحة كما أن المزاج المتزن في الناحيتين لا يسهِّل علينا تلقيها كتراجيكوميديا. لكن يبقى أنه بواقعيته المدروسة يَطبخ بمهارة من مكونات كوميدية ودرامية مألوفة في الحياة اليومية المصرية، فينتقل بسلاسة بين مضحكات غير مكتوبة بغرض أن تكون نكاتٍ وتتولد بشكل مكتوم، في جو متوتر وغير مرتاح تكتنفه انفعالات أخرى جدية، لتكشف أزمات ذات جوانب اجتماعية ونفسية:

  • النقار المستمر بين هبة وأمها وكل من حولها كشابة قلقة ليست لديها خبرة واحدة منزلية أو غير منزلية بشيء ذي بال، استهلاكية ومظهرية لكنها معتدة بنفسها ومتضامنة مع الجميع أيضًا، وهي نموذج لم يسبق ظهوره لشابات اليوم وكيف يحدثن أمهاتهن؛
  • استسلام سيادة اللوا التدريجي الطويل لكريمة وشهيته للحياة بعد الفقد وانتهاء ماضيه العسكري الوقور؛
  • اهتمام العمة الكبرى البسيط بنفسها كأنثى وعدم تذكرها لزيجات سابقة؛
  • تواجد ليلى ولميا الدائم عند الخط الفاصل بين الانفجار غضبًا أو ضحكًا خلال رحلة الأم المصرية طوال اليوم لإنقاذ الموقف والفرح بعيالها؛
  • ذكريات وحكايات قريبهما البعيد التي تثير الضحك لخلوها من أي نكتة فعلية أو مغزى؛
  • كذبات مجدي غير المبتكرة التي لا تتوقف والملتبسة بين جوانبه المرضية والطفيلية وتورطه الفاشل في المشاريع المالية؛
  • سماجة عرسان دعاء؛
  • تمزق دعاء بين محاولة إيجاد معنى لحياتها بممارسة الطب والتدين الذي لا نعرف أبدًا إن كان هو وحده سبب بحثها المتعثر عن عريس، ومجرد ذكر أنها تدرس الفقه الإسلامي بالإنجليزية (وهي إحدى المضحكات التي تلقى بشكل عابر كمعلومة دون محاولة التأكيد عليها كنكتة على مدار المسلسل)؛
  • اكتفاء أحد الكوميديانات القليلين جدًا في المسلسل (محمد متولي) بأداء النكتة الصامتة المتقطعة، والقاسية فيما تقوله عن الطائفية المصرية، والمشار إليها آنفًا، بينما تختفي أسرته التي لا نراها أبدًا من الداخل كغيرها، ولا حياة لها (راجع نقاش المسافة
  • وأخيرا، فإن فؤاد (محمود الليثي، الصاعد في الكوميديا من خلال عرض ساترداي نايت لايف بالعربي) يضحكنا بطفيليته التابعة لحميه الغائب، إذ يضغطان برعونتهما ولامسؤوليتهما على امرأتيهما وعلى أخريات (ليذكراننا بمن الذي يعول 30 بالمائة من البيوت المصرية ويدير اقتصاد بقيتها)، والذي يبكي في مشهد، وبحرقة كما في بقية مشاهد البكاء المتفرقة.

وعلى طول الخط يثير «سابع جار» الابتسام أكثر مما يثير الضحك. (كلاسيكيات فورية: لقطة الضحك الذي يصعب تصديق أنه تمثيل بسبب تجويع عبد الرحمن في مشهد الانتظار الطويل قبل عملية الفتاق.)

على الرغم من أن النكتة السياسية لم تتوقف في مصر منذ النكسة، إلا أنه لا يمكن تصور العملية التي أدت إلى إسقاط مبارك بدون اعتبار ضرب هيبته بشكل متواصل علنًا من خلال الفكاهة في المدونات وصحف مثل الدستور منذ مولد حركة كفاية. وتخضع السخرية المصرية للتعليق والتحليل والدراسة بغزارة منذ اندلعت الثورة. ويشكل ظرفاء ومضحكو وكوميديانات ما بعد 2011 ظاهرة كبرى من ظواهر الثورة، سواء على حساباتهم الشخصية في المواقع المختلفة أو عندما يجدون طريقهم إلى المنابر والإنتاجات الاحترافية الممولة جيدًا. لكن الملاحظ أن الغلبة الكاسحة تظل لذكور حتى في الكتابة، وهو ما له تبعات على رأسها ما يخص صياغة الخطاب فيما يتعلق بالجوانب الجنسية والجنوسية وهي باب أساسي للسخرية المصرية المعاصرة وهدميتها وتحطيمها المحظورات، جنبا إلى جنب مع السياسة المباشرة.[37]

وبالرغم من رسوخ شعار الضحك للضحك، وحكمة الضحك المصرية في الحلوة والمرة، وشيوع فكرة الضحك كعلاج وآلية صمود، واعتقاد بريخت أننا بينما نضحك نفكر بشكل أفضل[38]، فإن الضحك كما يبقى مفتاحًا لفهم مصر، وللفهم في مصر، إلا أنه يشهد أيضًا مراجعات متشككة من جمهوره غير المحافظ بل ومن منتجيه وسادته، إذ كما فتحت الثورة الباب للحديث عن سياسيات وجماليات الكوميديا، فتحته لنقاش وتطوير أخلاقياتها. وسواء كإحدى وسائل اصطياد النقرات والمشاهدات والمشاركات والإعجابات والتعليقات، بأي ثمن، أو كقناة للتنفيس والتلطيف تفيد الدولة وأجهزتها القمعية وقوى المجتمع الرجعية بشكل قد يعكس أثر الهجاء السياسي نفسه، فبسبب قابلية كل شيء (وعكسه) للسخرية، مع التطور البالغ لفنونها اللغوية والأدائية، فإنها تصب أيضًا في أمزجة وتيارات عدمية وتقويضية، وتتحول إلى سينيكية ونزعة تهكمية تَسِم الجو العام في أوساط الشباب، وجزء لا يتجزأ من ظاهرة البلطجة الإلكترونية، والمجتمعات الافتراضية السُّمِّية، وعملية قتل النقاش ومن ثم التغيير.

كل هذا يساعدنا في تقدير الكوميديا المحكومة والمتعاطفة والواقعية في «سابع جار»، وذات الصبغة النسائية غير الفاقعة أو الثقيلة. وعلى ذكر «ويدز»[39]، فالكوميديا التي تغدو فيه أحيانًا سوداء تؤدي من ناحية وظيفة الإغراب كما تساهم في المغزى العام لعمل عن أم تتاجر في الماريوانا لدعم أسرتها (مثل الأب في «الاشترار»)، في مسار هاوية مليء بالجثث والجرائم والمآسي، يدين بعمق ظروف الحياة الأمريكية وينتهي إلى تبني إباحة الماريوانا وتقنينها لأغراض طبية.

وأخيرًا، وبالعودة إلى القائل بالسينما كموسيقى، ففي فيلمه «الدكتور سترينجلوف أو: كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة» (1964) Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb، يورد كوبريك مشاهد حربية لا تعدو دقائق تُعد على أصابع يد واحدة، يتقاتل فيها مشاة بحرية أمريكيون في معركة برية مع زملائهم حراس قاعدة أمريكية، في مقاطع صامتة إلا من صوت النيران ومصورة بجدية وثائقية بكاميرا محمولة وبطريقة السينما المباشرة أو سينما الحقيقة. في وسطٍ مكون بشكل صرف من مَسْخَرة سياسية عالية، ذات خلفية واقعية جدًا مع ذلك (بل ومستمرة)، عن جنون الحرب النووية الأبوكاليبسية الوشيكة بين قطبي العالم والحرب الباردة، تؤدي هذه الدقائق المقبضة وظيفة بؤرة ماصة ومشعة، ماصة للهزل الكوميدي ومشعة بالغضب والتحريض والاحتجاج، تذكرنا أن الأمر جدي ولا يَحتمل الهزل.

هوامش

[1] وفق ترجمة هلال شومان للمصطلح الإنجليزي.

[2] حيث إن السينما الوثائقية أو التسجيلية تقوم على ادعاء أساسي هو تقديمها الحقيقة، فمن المفيد جدًا الاطلاع على تلخيص ممتاز لتاريخها وجدلها في مدخل شديد الإيجاز إلى السينما الوثائقية. وقد تابع جمهورها في القاهرة برنامج أفلام بارزًا في دار عرض زاوية بعنوان «مزج» (مايو 2015)، لاستكشاف التنوع وأشكال التهجين والتخييل والإبداع في الوثائقي.

[3] يمثل ريزارد كابوشتشنسكي دراسة حالة جيدة في هذا المضمار ضمن ما يعرف بموجة الصحافة الجديدة في عقد 1960 والتي نتجت عنها كتابة صحفية ذات طابع فني وأدبي، وتصنَّف كتب الصحفي والمراسل البولندي، سلبًا أو إيجابًا، بالصحافة السحرية. (من النتاج الكلاسيكي لهذه الموجة طالع: «فرانك سيناترا عنده برد»، جاي تاليز، ترجمة: إيهاب عبد الحميد، مؤسسة البرنامج المصري لتطوير الإعلام، 2016). وفي مقاله «كيف يختبر فيلم عن اللاجئين صلاحية التعريف الأشهر للسينما التسجيلية»، يحاول مخرج «تسجيلي» شاب، هو أحمد نبيل، تقديم إجابة شخصية على السؤال القديم الجديد من خلال الحديث عن فيلم «حريق في البحر» Fuocoammare (جيانفرانكو روزي، 2016). والاختيار بين كلمتي «وثائقي» و«تسجيلي»، المتداخلتين مع ذلك، هو في حد ذاته مدخل أساسي للوقوف على اتجاهات السينمائيين العرب.

[4] هناك تشريح ممتاز للكتاب والسجال وخلفيات وتبعات القضية برمتها بعد سنوات قليلة في مقال غالي شكري «الواقعية الاشتراكية في النقد العربي الحديث» ضمن عدد خاص من مجلة الآداب. وفي 2008 أعاد سامح نجيب زيارة الجدل ومتابعة مستجداته، داعيًا إلى نقد ماركسي مصري جديد. (نسخة مخبوءة)

[5] الخلاف بين شتى القوى والفئات حول الأجزاء الأولى بالذات من «ليالي الحلمية» (إسماعيل عبد الحافظ، 1987-) كاشف بخصوص جدل الواقع والواقعية في مصر، وكذلك فيما يخص الرقابة والدقة التاريخية. انظر دراسة ليلى أبو لغد، سبق ذكره.

[6] استمع إليهن بالذات في لقائهن مع لميس الحديدي في برنامج «هنا العاصمة»: فالكلام دفاعي صرف، وهو عن الواقع لا الفن، وليس حتى عن أن هذا واقع أيضًا، ويصاحب هذا تعبير المخرجات (الصادق، للأسف) عن اندهاشهن من الرفض والغضب والاحتجاج. كما يتصل حديثنا السابق عن التماهي واشتراك الممثل والشخصية في الخلفية والطبقة بمقابلات الممثلين في الحلقة نفسها: لاحظ من أين أتوا وكيف هم في الحقيقة وماذا يقولون عن شخصياتهم، دفاعًا بالأساس. أما «هذا المساء» فتصدِّر الحوارات الصحفية مع الصناع والممثلين أنه «عن قصة حقيقية» وعن مشاكل النساء وعنف الأزواج والغيرة إلخ.

[7] أهم ما كُتِب بعد الثورات العربية في هذا الموضوع هو بحسب علمي تحليل نقدي لمعركة في المغرب وفرنسا حول فيلم «الزين اللي فيك» Much Loved (نبيل عيوش، 2015) قدمه نادر بوحموش، واضعًا الجدل والادعاء الواقعي والإنتاج وتقنيات التصوير في سياق الاستعمار القديم والجديد، والصراع الطبقي، ودور المثقفين. لا يهتم بوحموش للحظة بإن كان ما في الفيلم هو الواقع أم لا كما جرت العادة، وإنما يركز على عنف تمثيل الواقع وعدم براءته بل وسلطويته من ناحية وتبعيته من ناحية أخرى.

[8] على سبيل المثال، شاهد محاضرة جيل دولوز عن «ما هو العمل الإبداعي»، حيث يناقش علاقة الاتصال بالفن بدءًا من الدقيقة 38:18: «ما العلاقة بين العمل الفني والاتصال؟ ليس ثمة علاقة. العمل الفني ليس أداة اتصال. العمل الفني لا يمت بصلة للاتصال. العمل الفني لا يحتوي على أدنى ذرّة معلومات. …»

[9] اقتباس من الطوخي، سبق ذكره: «في «سجن النسا» ترد قصة رضا ودليلة…شخصيتان من لحم ودم متخلصتان من جميع الأحكام الأخلاقية، تمثلان «الواقع» بشكله الأصفى. … من منهما المجرم ومن البريء؟ لا أحد يعرف. وعندما تحرق رضا دليلة، ينقسم مشاهدو المسلسل على صفحات التواصل الاجتماعي إلى فريقين، أحدهما مع الخادمة والآخر مع المخدومة. هنا أجادت نعوم في نقل ذبذبات الواقع متناهية الصغر، في التخلص من أحكام القيمة وفي إشعال مجتمع مشاهدي المسلسل. تقول نعوم في ندوة عقدت بمقر حزب العيش والحرية إنها عن طريق معرفة الآراء المختلفة في قصة رضا ودليلة كانت تعرف شيئًا عن نفسية المشاهد وآرائه بخصوص الحياة. … تجيد نعوم الإنصات لـ«الرواية الكبرى المسكوت عنها»، ولكنها لا تجيد الإنصات للتفاصيل الصغيرة لهذه الرواية.»

[10] من المثير كيف أن تاريخًا راديكاليًا وأكاديميًا في آن للثورة المصرية يقتبس وبشكل بارز في مقدمته Hazem Kandil, Soldiers, Spies and Statesmen: Egypt’s Road to Revolt, Verso, 2012, p. 4, ما يلي من مذكرات بطرس بطرس-غالي («طريق مصر إلى القدس»، ص 9-10): «من أراد أن يكتب عن الماضي لابد أن يعي أن…الأحداث المهمة قلما تتوالى في سرد وتتابع متماسكين؛ إنها مبعثرة عبر الزمن…ولكن بمجرد أن تُجمَع شتى جوانب موضوع واحد، فإنها تبدو أشد ترابطًا بكثير مما كانته في الواقع. والأفكار والأفعال [التي يبدو أنها قد] حدثت على نحو عشوائي ومعزول تظهر في شكل متوالية واضحة وانسيابية. لهذا فإن الحقيقة كما وقعت يصعب حقًا الإمساك بها…[و]المؤرخون…في النهاية يصدرون أحكامهم على [تتابع] الأحداث في شكله المبني الكامل.» (ترجمة عكسية عن الترجمة الإنجليزية)

[11] تأتي من الجانب المقابل لمحبي الواقعية ومحددي مواصفاتها انتقادات كالتي تنقلها ليلى أبو لغد (ص 7، سبق ذكره) لـ«هوس» المسلسلات المصرية بما هو محلي واجتماعي وسياسي، أي بالواقع من الأصل وفي العموم.

[12] هذا ما يفعله مثلا فيرنر هيرتزوج في «دروس الظلام» (1992) Lektionen in Finsternis والمصنف أحيانًا كفيلم خيال علمي عن حرب الخليج الثانية. وضمن برنامج أفلام «مزج» سالف الذكر، عُرض فيلم «ليفياثان» Leviathan (لوسيين كاستاينج-تايلور، فيرينا بارافيل، 2012)، والمصوَّر من «وجهة نظر» الكائنات البحرية.

[13] فيلما عاطف سالم «أم العروسة» (1963) و«الحفيد» (1975) هما لـ«سابع جار» كـ«البوسطجي» لـ«هذا المساء».

[14] إدلاءً بدلوي مع كل المشاهدين الذين شاركونا ما مسّهم بشكل خاص هنا وهناك في المسلسل، سأظل مدينًا له شخصيًا بحوار «المسقعة الكدابة» الذي أكمل تاريخًا كان ملغزًا ومنقوصًا بالنسبة لي في بيت طفولتي، حيث اعتادت أمي وأخواتها وضع البطاطس، بدلًا من اللحم كما تبين لي الآن. وضمن اللمسات الاجتماعية الأخرى ذات الحساسية الطبقية المرهفة، بصريًا فقط هذه المرة، هناك في مشهد زيارة كريمة لبيت صديقتها عَصّارة الطماطم العتيقة التي لن يتعرف عليها بسهولة كثيرون منا.

[15] قارن هذه الحلقات مثلًا (لتقدير الإمكانات غير المستغلة بعد أيضًا) بحلقة الملاكمة («قتال» Fight) في «ماستر سادة الجنس» Masters of Sex (الموسم 2، الحلقة 3، مايكل أبتد، 2014) أو حلقة الأكل في المطعم («التذوق» Degustation) في «اُعجَب بي من فضلك» Please Like Me (الموسم 4، الحلقة 4، ماثيو ثافيل، 2016).

[16] أعيد اكتشاف الفيلم مؤخرًا بعد ترميمه، وقد عُرض في القاهرة في 2017 ضمن برنامج صدر عنه كتيب يضم ترجمات لمختارات نقدية لسيرج دانيه، سبق ذكره، تتضمن مقالًا عن الفيلم.

[17] انظر Slow Wars، سبق ذكره.

[18] سؤال إضافي لمفتقدي التحليل النفسي وتطوير الشخصيات: إلى أي مدى تتطور الشخصيات في مصر لكي تتطور في المسلسل؟ وعلى صعيد آخر، فمنذ أيام نُشرت دراسة في دورية طبية متخصصة في نمو الأطفال واليافعين تعيد تعريف مرحلة المراهقة ونطاقها العمري، بسبب تأخر سن الزواج والإنجاب وطول مدة الانتظام في المدرسة والجامعة.

[19] ضمن الملاحظات التي تشي بوعي الممثلين بفنهم وبمشروع المسلسل، يتحدث أصغرهم سنًا أحمد داش، مادحًا، بأنه «مكتوب بتفاصيل التفاصيل» (لقاء طاقم وفريق العمل مع منى الشاذلي)، كما تقول صفاء جلال، في مقابلة الحديدي (سبق ذكره) إن “الإحساس أهم من الموضوع” عند المخرجات.

[20] وفق تعبير ناقد يرصد ميزة في «ريك ومورتي» Rick and Morty (جوستين رويلاند، دان هارمون، 2013-) و«الاشترار»، ألا وهي مخالفة متعمدة وواعية لتوقعات ورغبات هذا المشاهد بدلًا من الانجرار وراءها. وسأعود في الجزء الرابع إلى مناقشة موضوع المتلقي السيء.

[21] «سابع جار.. دراما اللا دراما»، منة عبيد، العدد 878، «المقال»، الملحق، ص 7. لمطالعة نسخة ممسوحة ضوئيًا.

[22] لاحظ التلاعب بالألفاظ أو على الأقل الخلط بين الحنين إلى الماضي والحنين إلى المسلسلات الواقعية أو الاجتماعية. ويستخدم الممثل اللبناني نيقولا معوض كلمة نوستالجيا صراحة، ومن باب المديح، في لقاء منى الشاذلي، سبق ذكره. وسأعود في الجزء الرابع لمناقشة وجود الحنين من عدمه وتفسير هذه الآراء.

[23] انظر Jordan Kisner, “Against the Nude“, n+1.

[24] في مقال منشور مؤخرا، Anne Enright, “Diary“, Vol. 39 No. 18 · 21 September 2017, London Review of Books، ترصد آن إنرايت الذكورية المتوطنة في الدوائر الرفيعة من عالم النشر بأوروبا، سواء من حيث النسبة والتناسب والتمييز الصريح ولكن غير المعترف به أو الإسقاطات على كتابة النساء.

[25] سبق ذكره.

[26] عندما تتعطل هذه الماكينة التي تصبح عليها حياة جاين ديلمان فإنها تستعيد حواسها وتفقد عقلها وتقتل، على نحو قابل للمقارنة مع لوثة تشارلي تشابلن كعامل مصنع. وهذا الروتين الهلوسي هو أيضًا موضوع مونودراما داريو فو وفرانكا راما «الاستيقاظ» Il risveglio التي يعاد إنتاجها بغزارة (في مصر مثلا بعنوان «نوبة صحيان»، فرقة الورشة، و«صباح الفل»، شريف البنداري، 2006).

[27] انظر مقال بل هوكس في نقد الفيلم، وهي تضع نقدها في إطار نزع الاستعمار عن الخيال الجنسي: Bell Hooks, “Whose Pussy Is This?”, Reel to Real: Race, Sex, and Class at the Movies, Psychology Press, 1996, pp. 227-244? وكدراسات حالة معاصرة قابلة للمقارنة يمكن مشاهدة وقراءة التعليقات حول «حجر الصبر» The Patience Stone (عتیق رحیمی، 2012) وكذلك «بيدون 2» (الجيلاني السعدي، 2012) والذي عرض في مصر مؤخرًا في مناسبات مختلفة.

[28] راجع حالة نادين لبكي في «سكر بنات» و«هلأ لوين»، سبق ذكره.

[29] الطوخي، سبق ذكره.

[30] لا تمثل سارة عبد الرحمن جيلًا جديدًا فقط وإنما كادرًا جديدًا بالنسبة للممثلات المصريات والممثلين المصريين عمومًا. وفيما يخص اشتباكها مع الخطاب النسوي، شاهد مثلًا حديثها عن الأبوية الخفية في المجال العام. أما منة إكرام، إحدى كاتبات المسلسل، فهي منخرطة كذلك في النقد السينمائي النسوي، وانظر مثلًا مقالها المميز عن «الرجولية» في أفلام محمد خان. وسأقارن هذين النموذجين لاحقًا بحالة يسرا اللوزي.

[31] كما في الغرب فإن هذه الميلودراما (الموجهة للنساء افتراضًا) كانت لدينا ومنذ البداية ملعب الرجال، وفي طليعتهم جيل مصطفى لطفي المنفلوطي.

[32] نقلًا عنه في آرمبروست، سبق ذكره، ص 223.

[33] يمكن الاطلاع على ترجمة عربية لنصها المؤسِّس هنا، وستتوفر على ويكي الجندر قريبا ترجمة أخرى أنجزها عبد الرحيم يوسف. وللتعرف على إسهام مالفي بشكل عام، انظر نبذة عنها في: «مناهج البحث في الدراسات السينمائية»، مي التلمساني، مجلة فصول، ص 355-356، المجلد 25/ 1، العدد 97، خريف 2016.

[34] عُرِض فيلم «ميلدرد بيرس» Mildred Pierce (مايكل كورتيز، 1945)، أحد كلاسيكيات النوع، ونوع آخر كذلك هو الأفلام النوارية، في نادي سينما كويري بالقاهرة بعد الثورة.

[35] وجد صناع أفلام ونقاد كويريون لاحقًا عناصر كامبية لدى سيرك، وقد استلهم منه أحدهم، فاسبندر، أحد أشهر أفلامه. ويمكن الاطلاع هنا على الفصل الأول من كتاب روبي ريتش المؤسِّس عما أسمته «السينما الكويرية الجديدة». وبذكر فون تراير فإن «راقصة الظلام»  (2000) Dancer in the Dark يمكن مشاهدته كتحية للنوع حيث تختلط الدموع بالألحان حَرفيًا في فيلمه الغنائي، وحيث تُعطى للميلودراما قوة سلاح سياسي ونسوي سافر يتخيل مساحة العمل (المصنع) كحيز محرِّر من خلال الفانتازيات الراقصة.

[36] لعل شعر العامية «الثوري» هو حتى الآن المصب الأوحد أو الأنجح بين الأنواع الفنية لتمرير المشاعر والطاقة الميلودرامية الثورية.

[37] شاهد حلقة مصورة خاصة من راضيو كفر الشيخ الحبيبة لمتابعة كيف تخوض سارة عبد الرحمن (في دور مرام) وسط الكوميديانات المكرسين على الإنترنت من الذكور بجيوش متابعيهم ومعجبيهم، حيث وبالرغم من ظهورها في حلقات سابقة تظل غريبة على عالم البرنامج الذي يهيمن عليه الذكور كمًّا وكيفًا، ويجري التغامز على ضعف قدرتها على الإضحاك، وهو ما يمكن استيضاحه بشكل مباشر من حوار علي قنديل (صاحب دور عبكويم) مع عزب شو وحديث الأول عن «نكت البنات» غير المفهومة وغير المضحكة. بالرغم من ابتكارية شخصيتها وقوتها السياسية بل وقدرتها الكوميدية الفائقة كما يتبين من الحلقة، تظل عبد الرحمن موضوعًا للسخرية ككوميديانة من الكوميديانات الثوريين أنفسهم، وقبل ذلك مجرد سنيدة باهتة في برنامج «البلاتوه» مع أحمد أمين.

[38] بينما كان أدورنو متشككًا في إحدى المراحل على الأقل من جدوى استخدام الهجاء الساخر تحديدًا في وقف هتلر، ظانًا أنه يستخف بوحشية الفاشية، فإن بنيامين في ختام القسم الخاص بالمسرح الملحمي من مقاله «المؤلف كمنتج»، سبق ذكره، يقول إنه «ما من نقطة انطلاق للتفكير أفضل من الضحك. وتحديدًا، يتمتع الفكر بفرصة أفضل عندما يهتز المرء من الضحك منه عندما يهتز عقله ويتكدر. والشكل الوحيد للإسراف في المسرح الملحمي هو المقدار الذي يحويه من الضحك.»

[39] يعني الاسم وفق مبدع العمل عدة أشياء تصعِّب ترجمته إلى العربية: الأعشاب الضارة، الماريوانا، ملابس حداد الأرملة، النمو في ظروف معادية.

اعلان