Define your generation here. Generation What

معركة انتخابات 2018: لماذا لا يوجد بديل؟

منذ إعلان إنسحاب خالد علي بعد القبض على سامي عنان، بدأ الاعلام المصري في لوم المعارضة المصرية على عدم قدرتها على إفراز بديل قادر على الترشح والمنافسة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

لا يأبه الاعلام بالطبع بوجود ديمقراطية حقيقية في مصر، بقدر ما يريد ضمان عدم نجاح الدعوة لمقاطعة الانتخابات، التي تهدد بعدم وجود عدد كاف للاصطفاف أمام اللجان في شهر يونيو القادم.

ومن ناحية أخرى قام مؤيدو النظام بهجوم مضاد لدعوة المقاطعة، والهادفة لفضح زيف المسرحية الديموقراطية، بالقول إنه حتى إذا ترشح الرئيس بمفرده، فليس عليه حرج، حيث ليس من ضمن مسؤولياته إيجاد منافسين له. وحتى من يرغبون في التغيير، وهم غير مسيسين بالضرورة، يرون بقاء النظام مبرَّرًا في ظل عدم وجود بديل له.

يهدف هذا المقال لبيان أسباب غياب البديل، لبيان كيف يهندس النظام الحياة السياسية في مصر، لضمان عدم وجود بديل محتمل قادر على منافسته حتى يحكم، إلى الأبد أو إلى أن يشاء الله أمرًا كان مفعولًا.

السبب الأول: القمع

منذ 2013 ارتفع عدد المسجونين سياسيًا في مصر إلى أرقام غير مسبوقة، قدّرها البعض بستين ألف معتقل سياسي.

لم يشمل السجن فقط أعضاء الإخوان، ممن صُنّفوا كجماعة إرهابية لتقنين ملاحقتهم جميعًا بغض النظر عن مسؤوليتهم الجنائية، وإنما شمل أيضًا قيادات حزبية وتنظيمية شابة سعت للعمل على الأرض، كما شمل أيضًا أصحاب أراء عبّروا عنها على فيسبوك.

هذا إلى جانب عدد متزايد من «المختفين قسريًا»، وهو تعبير مهذب لمن خطفهم الأمن دون إعلام ذويهم بأماكن إقامتهم، لتشجيع باقي الأهالي على القيام بدورهم في تربية أبنائهم على السير بجوار الحائط، حتى لا يتكبدوا معاناة البحث عنهم في غياهب السجون.

منذ 2013 وحتى 2017، سُجّلت 5500 حالة اختفاء قسري في مصر، في رسالة واضحة من النظام مفادها أن أي محاولة للنزول إلى الشارع، سواء من أجل التظاهر أو التنظيم، ستكون عواقبها وخيمة، فالشارع لم يعد ملكنا.

كيف يمكن إذن ظهور بديل قادر على كسب ثقة الشارع، وهو ممنوع من نزوله أصلًا؟

السبب الثاني: الاغتيال المعنوي

إذا حدث وظهر بديل لم يردعه القمع، يجري اللجوء إلى اغتياله معنويًا، لضمان عدم قدرته على كسب دعم الشارع، عن طريق ترويج الإشاعات للنيل من سمعته، أو عن طريق تسريب مكالمات شخصية أو مقاطع فيديو ساخنة قادرة على سلبه احترام الشارع المصري المتدين بطبعه، والذي لا يتعاطف، فيما يبدو، إلا مع الملائكة المنزلين.

البرادعي مثلًا، وفور ظهوره كبديل محتمل لمبارك، صوّرته أبواق النظام الإعلامية كسبب رئيسي للاحتلال الأمريكي للعراق.

وبعد الثورة مباشرة، وفي أوج شعبية وائل غنيم وأحمد ماهر وظهورهم كبدائل محتملة، جرى تكريس شخصية كارتونية تخاطب الطبقات الأقل تعليمًا مثل توفيق عكاشة للترويج لكونهم عملاء لأمريكا وأعضاء في الماسونية العالمية التي رمزت لها، في هذه الحالة، حظاظة غنيم.

السبب الثالث: منع السياسة داخل الجامعة

إلى جانب التعليم الفنى، فالجامعة مكان للتعليم السياسي، فيها يتدرب الطالب على الممارسة السياسية عن طريق تنظيم الحملات وصياغة البرامج الإنتخابية، مما يؤهله لممارسة السياسة خارج الجامعة بعد التخرج، مستقلًا أو عضوًا في أحد الأحزاب التي تعبر عن أفكاره وتوجهاته.

منذ إنشاء جامعة القاهرة، أولى الجامعات المصرية في بدايات القرن الماضي، مرت الحركة الطلابية المصرية بفترات من الصعود والهبوط، ولكنها كانت دومًا هدفًا للقبضة الأمنية، التي رأت فيها شوكة عصية على الكسر.

لذلك فأول قرارات النظام الحالي كان إلغاء إنتخابات القيادات الجامعية، على أن يجري اختيارها بالتعيين لضمان ولائها.

هذا بالإضافة إلى إلغاء الأنشطة السياسية داخل الجامعة وإلغاء انتخابات إتحاد طلاب مصر عامي 2014 و 2016، مع عدم إقرار نتيجة انتخابات عام 2015، والتي هُزم فيها الائتلاف الموالي للدولة، تمامًا مثلما ألغى عبد الناصر انتخابات اتحاد الطلاب لست سنوات منذ 1953 إلى 1959، واعتمد، بدلًا من ذلك، على التعيين، بعد تشكيل طلاب جامعة القاهرة جبهة لمناهضة الحكم العسكري.

إذا مُنعت السياسة داخل الجامعة، فكيف نتوقع أن تُمارَس خارجها؟! خاصة في ظل تجريم أي صورة من صور الحراك العمالي الذي يُحارَب لجذب المزيد من المستثمرين، حتى وإن كان ذلك على رقاب العاملين.

كيف يظهر من هو قادر على التنظيم وهو محروم من كل وسائل التنظيم؟

السبب الرابع: غياب الثقة

لا فائدة في الانتخابات إن لم تكن حرة نزيهة. لدى إعلان خالد ترشحه هاجمه عدد من معارضي النظام، لأنه يضفي شرعية على النظام  بمشاركته في المسرحية.

 رغم ذلك خاضت حملته المغامرة، لأنها أرادت خلق بديل قادر على المنافسة على الأرض، مستغلة انفتاح المجال العام مؤقتًا بسبب الانتخابات.

اعتقال عنان تسبب في انسحاب خالد علي، ليس حبًا فيه، فقد كان أحد كبار المجلس العسكري، والرجل الثاني في مصر أثناء أحداث محمد محمود وبورسعيد، لكن لأن اعتقاله أكد عدم جدية النظام في إحياء العملية السياسية، ولا حتى في إخراج المسرحية.

جدير بالذكر أن لفظ «مسرحية» ليس اختراعًا إخوانيًا، لكنه نفس رأي سيادة الرئيس الذي صرح في رسالته، المكتوبة أثناء دراسته الزمالة بكلية الحرب الأمريكية، بأن أي إنتخابات تجري تحت سيطرة الحكومة على الإعلام، وسيطرة الأمن على الشارع، هي مجرد مسرحية.

 هناك أسباب داخلية أخرى بالطبع غير تلك المذكورة، تساعد في عدم وجود بديل قادر على المنافسة على السلطة، مثل متوسط العمر المنخفض في مصر؛ 24 عامًا، والذي يصعّب احتواء المتظاهرين في مؤسسات سياسية وحزبية، نظرًا لنفورهم من الهياكل التنظيمية العمودية، بالمقارنة بتونس مثلًا والتي يبلغ متوسط العمر فيها 29 عامًا.

كل ما سبق يعلمه النظام جيدًا، فهو من هندس الحياة السياسية في مصر لقتلها، مع إحيائها بصورة مؤقتة ورمزية كل أربع سنوات.

لو كان النظام جادًا في نيته خلق بدائل، فليفتح السجون ويرفع قبضته الخانقة المطبقة على المجال العام، ليري بنفسه كم بديل جاهز وقادر على المنافسة. المشكلة ليست في غياب البديل، لكنها في نظام لا يسمح بالبدائل.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله