Define your generation here. Generation What

مثلث ماسبيرو ورملة بولاق: مسلسل «التطفيش» بالتراضي

حتى الآن، لا أزال أتحسس طريقي في مدن أنا غريبة فيها، فألجأ إلى نظام تحديد المواقع GPS، وكذلك في بعض أحياء في القاهرة الكبرى والتي تخرج عن نطاق معرفتي بالمدينة.

ولكني لم أضل طريقي في رملة بولاق منذ سنوات، ليس فقط لولعي وحبي الشديد للجغرافيا والخرائط وشبكات الطرق والشوارع، بل لعملي وبحثي في المنطقة منذ أغسطس 2012.

في السنوات الأخيرة من بحثي في منطقة رملة بولاق، أعبر من الجهة الشمالية لأبراج النايل تاورز والمعروفة بـ«أبراج ساويرس»، الواقعة على كورنيش النيل بحي بولاق، وأسير تجاه مدخل رملة بولاق. لا أحتاج لأن يدلني أحد على الطريق، كما لا يسألني أي من السكان أين أذهب، فقد اعتادوا ظهوري كل عدة أشهر وترددي على منازل العديد منهم.

أعبر أمام بقالة أم نسمة وأنظر لها، وهي سيدة مقلة في الحديث وتحمل مرارة موت ابنتها منذ سنوات. أعبر مدخل عشش الكفراوي، وهو عبارة عن فتحة ضخمة في سور يفصل بين الشارع والمنطقة السكنية، كما يفصل بين مستويين مختلفين، حيث يأخذ الشارع في الهبوط لنفق تحت شريط السكك الحديدية، والذي تمر عليه القطارات الذاهبة لصعيد مصر وشمالها والعائدة منهما.

منذ أيام، وبعد عبوري للمدخل، بدأت في تحية بعض السيدات المتسامرات في مدخل المنطقة السكنية، يسألنني عن أحوالي وأطمئن منهن عن أحوالهن. لاحظت وجود سور خرساني عال داخل المنطقة واختفاء بعض العقارات ذات الثلاثة والأربعة طوابق على امتداد نظري.

نظرت حولي متفحصة كل البيوت، أحاول سريعًا إدراك ما الذي تغير؟ ما الذي اختفي؟ حيث لم أذهب هناك منذ عدة أشهر. أصرت إحدى السيدات على أن أدخل منزلها لاحتساء الشاي، فأخبرتها بأنه يجب عليّ زيارة فلانة لأن أحد أبنائها في السجن وأريد متابعة أخباره، وجاء ردها بمنتهى العفوية: «إيه دا إنتي ماتعرفيش؟ دي باعت وعزلت من هنا».

من مثلث ماسبيرو.. تصوير: أمنية خليل

لم يستوعب عقلي للحظات، رغم أن البيت، وما حوله، متهدمان بالفعل أمام بصري. اعتذرت لها وسرت باتجاه البيت لأرى بنفسي. تعودت في غيابي عن المنطقة أن يموت بعض المسنين، وخاصة السيدات منهن، لسوء أحوالهن الصحية وانعدام الرعاية الطبية التي ليست في متناول أيديهن. لكني لم أعتد على اختفاء البيوت أو هدمها.

حاولت إكمال طريقي متظاهرة أني ما زلت أحفظه عن ظهر قلب، ولكني كنت أتحسس الطريق بالفعل، وأحاول جاهدة إخفاء تطلعي الشديد إلى معرفة ما الذي تغير عما يعرفه نظام تحديد المواقع بداخلي.

من رملة بولاق إلى مثلث ماسبيرو، لا يختلف الحال كثيرًا.

يقع مثلث ماسبيرو في شمال ميدان عبد المنعم رياض، وفي أقصى جنوب الحدود الإدارية لحي بولاق، ويتخذ شكله الجغرافي مثلثًا مكتمل الأضلاع من شوارع كورنيش النيل وشارع 26 يوليو وشارع الجلاء. في ضلعه المُطل على النيل، يحتوي المثلث على مبنى وزارة الخارجية ومبنى الإذاعة والتليفزيون المعروف بـ«ماسبيرو». جزء كبير من المنطقة عبارة عن حي شعبي سكني له معمار متميز، وعدد من مبانيه مُسجّل في قائمة المباني ذات القيمة لهيئة التنسيق الحضاري.

منذ أيام، ولدى دخولي المنطقة، والتي تميزت دائمًا بالشعارات على حوائطها مع بقاء السكان وضد التهجير، بدت تلك البيوت خاوية. لا تزال الجدران تحمل الشعارات ذاتها بنفس الخط، وعند قراءتها أجد نفسي أمد يدي إلى جيبي كي أصل لتليفوني المحمول بالكاميرا لألتقط بعض الصور للشعارات.

أدرك أني في كل مرة ألتقط صورًا مشابهة وتكاد تكون متطابقة. لكن هذه المرة اضطررت لأخذ لقطات مختلفة، لا تحمل فقط شعارات المقاومة، وإنما تحمل شققًا خاوية ومهجورة. لا غسيل منشور ليجف في حبال البلكونات، والشبابيك ذاتها لم تعد موجودة، فقد جرى خلعها ولا يظهر وراءها إلا السواد الذي ينم عن الخواء.

يخبرني سيد لابي، أحد أعضاء رابطة مثلث ماسبيرو، أنه في عام 2008، بدأ أهالي منطقة مثلث ماسبيرو حراكهم المستمر ضد مخططات الحكومة المصرية، حكومة أحمد نظيف حينها، لتهجيرهم من المنطقة وطرح مشاريع استثمارية لنفس الأرض.

منذ منتصف السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات، جرى بيع عدد لا بأس به من المنازل لعدد من الشركات الخليجية بهدف الاستثمار العقاري. وفي عام 1997، أُنشئت شركة ماسبيرو، والتي كانت محافظة القاهرة شريكًا بها، وأخذت في شراء عدد من العقارات الآهلة بالسكان هي الأخرى.

وفي عام 2008، وبسبب صدور عدد من قرارات من الإخلاء لسكان مجموعة من المباني السكنية، تحت دعوى كونها آيلة للسقوط، كوّنت مجموعة من شباب وفتيات المنطقة جماعة أسموها «رابطة شباب ماسبيرو»، وبدأوا فيها الحراك، بالتعاون مع مجموعة محامين حقوقيين، في نشر جزء من مخطط القاهرة 2050 والذي يخص منطقة مثلث ماسبيرو، وفيه إعادة تخطيط للمنطقة بحيث تضم مجموعة ناطحات سحاب تطل على النيل وتحوي أنشطة استثمارية وترفيهية، من خلال أبراج بشقق سكنية وفندقية ومكاتب إدارية وفنادق ومحال تجارية.

جاء حراك المجموعة بمطالب صريحة لمحافظة القاهرة تضم وضع مخطط لتطوير المنطقة دون إخلاء سكانها، حيث أُوقف إصدار أية تصاريح ترميم للعقارات الآيلة للسقوط منذ زلزال عام 1992. وعليه فقد قرر تسعة شباب تكوين الرابطة لمقاومة عمليات التهجير المستمرة، وفي عام 2010 تعاونوا مع جهة هندسية لوضع مخطط لتطوير المثلث، وعُرض المخطط على الجهات المسؤولة وتضمن تصورًا لإعادة توزيع الملكيات، غير أنه لم يُنفّذ.

في أوائل لقاءاتنا منذ عدة سنوات، يحكي سيد لابي لي: في ديسمبر 2011، انهار عقاران في حارة عثمان رشدي، وتوفي جراء الانهيار سبعة من سكان المنطقة، وعليه قرر الأهالي الاحتجاج والتظاهر.

وقتها، بعد اندلاع ثورة 25 يناير، كانت أدوات الاعتراض والتظاهر معروفة للشعب المصري. نتج عن التظاهرات تحديد موعد مع محافظ القاهرة، ولكن الاجتماع لم يصل لأي نتائج مثمرة.

من مثلث ماسبيرو.. تصوير: أمنية خليل

بعد شهور قليلة أعلنت الحكومة عن مشروع تطوير للمنطقة يتضمن 64 برجًا على سبعة فدادين لإعادة تسكين الأهالي بها. وعليه، فقد أعلنت رابطة شباب ماسبيرو عن عقد مؤتمر شعبي في منطقتهم ليعلنوا مطالبهم مرة أخرى ويجري الضغط على المسؤولين للاستجابة لها.

لكن شيئًا لم يحدث، وظل المشروع الحكومي، مع مطالب السكان، قيد مصير مجهول، وذلك حتى مارس 2013، حين قرر الأهالي الاعتراض مرة أخرى بتنظيم وقفة ومسيرة في أرجاء حي بولاق تأكيدًا على رغبتهم في تطوير المنطقة، واعتراضًا على عمليات التهجير المستمرة من خلال قرارات الإخلاء المتتابعة من محافظة القاهرة.

في مايو 2013، أتاني هاتف من محامين بالمركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي، يطلبون فيه مني العمل بشكل تشاركي مع أهالي المنطقة للتوصل لرؤية تطوير عمرانية، بحيث يضمونها لتقرير اجتماعي وقانوني، بمعرفة الباحث باهر شوقي والمحامي محمد عبد العظيم، في محاولة منهم لطرح التقرير على الجهات المختصة بهدف حصر مشاكل أهالي المنطقة.

لم أستطع القيام بالمهمة لأسباب عدة، منها سفري بالخارج وانغماسي في العمل في رملة بولاق. وعليه فقد جرى التواصل بين الأهالي ومجموعة «مدّ»، وهي مجموعة تضم عددًا من المعماريين والباحثين في مجال التطوير العمراني التشاركي، وذلك بغرض أن تطرح «مدّ»، تصورًا عمرانيًا تشاركيًا مع أهالي مثلث ماسبيرو حول كيفية تطوير منطقتهم.

لمدة عام ونصف، عمل فريق مجموعة «مدّ»، وتوصل لمجموعة من الحلول والاقتراحات لتطوير المنطقة، وهو ما عُرض على الدكتورة ليلى إسكندر والتي كُلفت في يوليو 2014 بإدارة وزارة التطوير الحضري والعشوائيات.

يحاول أبناء الرابطة مقاضاة الدولة والقائمين على المشروع، ويعلمون أن القانون لم ولن ينصفهم، لا يتركون أبواب الأمل ولا يطرقونها، فلا خيارات لديهم سوى مواصلة اللعبة مع الدولة، عل وعسى أن يخرجوا منتصرين، أو حتى بأقل الخسائر

وفي اجتماعات مطولة مع الأهالي وملاك الأراضي وفريق العمل تم التوصل لرؤية اتفق عليها جميع الأطراف. وتقرر في ديسمبر 2014 التوقيع على وثيقة تضم جميع أطراف المشروع، وفيه إعادة لتوزيع الملكيات بين المستثمرين والسكان، بحيث تتضمن عددًا من الأفدنة، والمخصصة للبناء عليها عمارات من ستة طوابق للأهالي، على أن يُعوَّض الأهالي بثلاث طرق مختلفة، حسب اختيار الساكن أو الساكنة:

وحدة سكنية داخل المنطقة، أو أخرى خارج المنطقة في أحد مشاريع الإسكان الحكومي، أو تعويض مادي بقيمة ستين ألف جنيه مصري عن الغرفة. على أن تتراوح القيمة الإيجارية للوحدات السكنية في المنطقة بين 165 إلى 800 جنيهًا، حسب مساحتها ونوع الإيجار، سواء كان عاديًا، يدفعونه طول استخدامهم للوحدة، أو إيجارًا تملكيًا، أي أن يدفع السكان إيجارًا لعدة سنوات ليتمكنوا في نهايتها من امتلاك الوحدة السكنية.

في أبريل 2015، جرى البدء في عمل اللجان التعويضية في المنطقة، وفي يوليو من نفس العام، ومع التعديل الوزاري، أُلغي عمل وزارة التطوير الحضري والعشوائيات. وعليه فقد أوكل المشروع، بحيثيات تنفيذه، لمحافظة القاهرة وصندوق تطوير المناطق العشوائية ووزارة الإسكان.

وزادت القيم الإيجارية مبالغ أخرى لم تعد في متناول الأهالي، وعليه، فقد اختار معظمهم الرحيل عن المنطقة مع أخذ تعويض مادي أو وحدة سكنية في مشروع إسكان الأسمرات بالمقطم، ولا تزال عملية التعويضات مستمرة حتى يومنا هذا.

في زيارتي منذ عدة أشهر ظل أحد الأطفال يقف بجانبي بغرض شد شعري القصير الذي بدا له مختلفًا عن بقية نساء المنطقة. وعندما كف عن شد شعري، أخذ يلعب بالكرة ويصوبها باتجاهي كي أترك حديثي وألعب معه. ولكن الآن، مع دخولي مثلث ماسبيرو ، لا أجد نفس العدد من الأطفال يلعبون، اختفوا. لم يعد أحمد موجودًا تلك المرة كي ألعب معه، ولم أجرؤ على السؤال عنه.

لدى دخولي للمنطقة لم أجد الباعة والبائعات في الطرقات، ولا الرجال الجالسين على المقهى الذي اعتدت الجلوس فيه، حيث يضع القهوجي، لي ولمن معي، بسبب الازدحام الدائم للمقهى، عددًا من الكراسي في الركن الأخر من الشارع. فلكوني سيدة صغيرة في السن، لا تسمح أخلاقيات المنطقة بتواجدي بين الرجال داخل المقهى، رغم أن كل من أجلس معهم من الرجال.

أين التطوير؟ إحنا مش ماشيين.. تصوير: أمنية خليل

رحل عن المنطقة ما يزيد على 400 أسرة، هم من استلموا شققًا في حي الأسمرات بالمقطم. كما استلم ما يزيد على الـ80% من الأهالي تعويضات مادية، منهم 20% يقيمون بالمنطقة بالفعل، أما الآخرون فيعيشون في مناطق أخرى في القاهرة، ولديهم أملاك ومواريث مشتركة في عقارات في مثلث ماسبيرو.

ووفق العرف السائد في مجتمعنا الأبوي والذكوري، فأكثر من ظُلموا في المنطقة هم النساء؛ فتيات وسيدات بلا إخوة ذكور، وعليه، فأعمامهن يشاركونهن في التعويضات. من كانت تقطن في شقة في مثلث ماسبيرو، لا يتعدى تعويضها الـ15 ألف جنيه.

لا تعلم النساء والفتيات ما يمكن فعله حيال هذا، فليس بإمكانهن اختيار البقاء في المنطقة أو أخذ شقة في الأسمرات، لأن أعمامهن يريدون من الحب جانبًا، ويظهرون بعد سنين من الاختفاء للحديث عن شرع الله في قوانين المواريث، حتى يأخذوا «حقهم» في الورث المتروك منذ سنوات والذي تمكنوا من هجره، لامتلاكهم وحدات سكنية أخرى في أحياء بالقاهرة والجيزة.

لا يزال أهالي مثلث ماسبيرو، الباقون في المنطقة، يتعاركون مع الدولة في حقهم فيما يملكون، يصارعون رأس المال وسياساته محاولين الحصول على أكبر استفادة مادية يمكن الحصول عليها من حكومة السيسي، أمام عدة تصريحات كاذبة من عدد من المسؤولين في المشروع ذاته، منها الوعد بعدم الاستثمار في بعض مناطق المنطقة، حتى وإن لم يحدث هذا، ولن يحدث .

لا يعرف أبناء الرابطة ما الذي يمكن فعله الآن في هذا المشروع؛ يشعرون بأنهم مخدوعون، ولديهم أدلة مادية على هذا، ولكنهم لا يملكون العودة بالزمن للوراء.

يحاولون مقاضاة الدولة والقائمين على المشروع، ويعلمون أن القانون لم ولن ينصفهم، لا يتركون أبواب الأمل ولا يطرقونها، فلا خيارات لديهم سوى مواصلة اللعبة مع الدولة، عل وعسى أن يخرجوا منتصرين، أو حتى بأقل الخسائر.

شجّع تعاون الدكتورة ليلى إسكندر مع أهالي مثلث ماسبيرو وزياراتها المتكررة لهم أهل منطقة رملة بولاق على التواصل معها عام 2014.

رملة بولاق، والتي بدأت هنا بالحديث عنها، تقع في أقصى شمال حي بولاق، خلف أبراج النايل تاورز. كوّن أهالي منطقة رملة بولاق لجنة شعبية للدفاع عن المنطقة منذ يناير 2011، وتطورت أجندة أعمالها لتضم حراكًا ضد محافظة القاهرة وإدارة شركة النايل تاورز لمحاولاتهما المستمرة لإخلاء الأهالي من مساكنهم.

تضمن الحراك عددًا من التظاهرات والاجتماعات مع محافظة القاهرة عبّر فيها الأهالي عن مطالبهم المستمرة بتطوير المنطقة، ولكن الاجتماعات لم تنته لشيء؛ لم تصل الاجتماعات التي دارت بين أهالي المنطقة وبين الوزارة عام 2014، ، لأي اتفاقات واضحة أو خطط معلنة، لأن الوزارة أرادت اتباع نفس حلول منطقة مثلث ماسبيرو، وهو ما اعترض عليه الأهالي.

ظل الأهالي بالتالي في نفس وضعهم طوال عام 2016 وحتي منتصف عام 2017، تحديدًا في رمضان/ يونيو 2017، حين زار المنطقة الدكتور أحمد عادل درويش، نائب وزير الإسكان للتطوير الحضري والعشوائيات. وفي اجتماع مفاجئ مع أهالي عشش الكفراوي في رملة بولاق، عرض نائب الوزير علي الأهالي نفس الحلول المقدمة والمعمول بها مع أهالي مثلث ماسبيرو.

وجّه الأهالي له عددًا من الأسئلة عن مكان الوحدات السكنية المستقبلية في نفس المنطقة، ولم يملك نائب الوزير أي رد. فقط أبلغهم أنه لدى نهاية عيد الفطر، ستبدأ لجنة التعويضات عملية التعويض المادي أو حصر رغبات السكان في وحدة سكنية داخل المنطقة أو خارجها.

ولكن أهالي عشش الكفراوي فوجئوا في نهاية عيد الفطر 2017، بأن إدارة النايل تاورز أرسلت تطلبهم لرغبتها في شراء منازلهم، وألا ظهور لأي أطراف من الحكومة، سواء من محافظة القاهرة أو وزارة الإسكان.

تعادي الحكومة الحالية أحلام سكان حي بولاق في الحفاظ على وجودهم وسط المدينة، ليس لأنهم بسطاء أو فقراء أو مغلوبون على أمرهم، فليست تلك هي الأوصاف التي يمكن وصف أهالي مثلث ماسبيرو أو رملة بولاق بها، وإنما لأنهم يعرفون مواقعهم الاجتماعية

تعود بدء عمليات شراء إدارة الأبراج لمنازل السكان إلى أوائل الألفينيات، بعد الإنتهاء من بناء الأبراج، حيث استمرت عائلة ساويرس في شراء البيوت، ولم تتوقف عمليات البيع والشراء تمامًا إلا بعدها بسنوات، وجراء أحداث العنف المتتالية بين السكان وإدارة الأبراج حتى وقتنا هذا.

منذ شهر يوليو، أي في الخمسة شهور الماضية، بيع حوالي 11 بيت من منطقة عشش الكفراوي برملة بولاق. وفي عمليات البيع يجري التفاوض بين كل شاغل بيت مع إدارة الأبراج على حدة. وعليه فلا سعر ثابت للبيع، وإنما يتوقف السعر على المفاوضات بين الأهالي وإدارة الأبراج، أي، بحسب كلام الأهالي، فـ«كل واحد وشطارته».

وعبّر عدد من الأهالي عن كون عمليات البيع والشراء التي تجريها إدارة الأبراج تضيع حقهم في التطوير، أو حتى في التوصل لمبلغ عادل في عملية البيع. لأن شاغلي البيوت الأكبر حجمًا يحصلون على مبالغ مرتفعة لمجموع أمتار مساحة منازلهم، أما السيدات اللواتي يشغلن غرفًا صغيرة الحجم في المنطقة فسيحصلن على مبالغ ضئيلة للغاية لا تكفي لإيجاد بديل سكني لهن في منطقة أخرى.

تشترط إدارة الأبراج على البائع هدم منزله قبيل الرحيل عن المنطقة وتركه مهدومًا، وهو شرط لضمان عدم عودته مرة أخرى للمنطقة، ليشغل نفس البيت الذي جرى بيعه مسبقًا.

عبّر عدد من بائعي منازلهم عن كونهم أرادوا ترك المنطقة مقابل أي سعر، وذلك للتهديدات المستمرة منذ عام 2013 من ضباط وأمناء شرطة قسم بولاق أبو العلا لهم إذا لم يتركوها، والملاحقات المستمرة لأبنائهم وحبسهم في قضايا ملفقة.

وعليه، فالسكان يبيعون بيوتهم لأقرب مشتر، في ما تغيب الحكومة ووزارة الإسكان، وأي مظلة قانونية تضمن حقوق الطرفين، عن تلك الصفقات الجارية لإخلاء السكان بالتراضي، عقب صراع فُتحت أبوابه منذ قرار بناء الأبراج في عام 1996.

خلال الشهر الماضي، أنشأت إدارة النايل تاورز أسوارًا عالية حول قطع الأراضي التي اشترتها مجمعة، ضامة إليها أجزاء كبيرة من مسارات الحركة داخل رملة بولاق، وتبلغ مساحة كل قطعة تقريبًا ألف متر مسطح، تحولت، بأسوارها، إلى أماكن انتظار للسيارات القادمة من خارج منطقة رملة بولاق.

لم تعاد الحكومة الحالية فقط من آمن بثورة يناير 2011، بل قررت أيضًا معاداة من طالبوا بحقوقهم وحاولوا تحدي الخطط الحكومية التي تظلمهم وتعود بالنفع على طبقات ومجموعات بعينها.

تعادي الحكومة الحالية، بنظامها الحالي، أحلام سكان حي بولاق في الحفاظ على وجودهم وسط المدينة، ليس لأنهم بسطاء أو فقراء أو مغلوبون على أمرهم، فليست تلك هي الأوصاف التي يمكن وصف أهالي مثلث ماسبيرو أو رملة بولاق بها، وإنما لأنهم يعرفون مواقعهم الاجتماعية ويدركون أنهم مواطنون ومواطنات ولديهم واجبات مثلما لديهم حقوق، وكل ما فعلوه هو المطالبة بتلك الحقوق، والتي تتمثل في خطط تشاركية مع الدولة والمستثمرين في تخطيط المنطقة، بما يسمح ببقائهم فيها على وضعهم.

نعم، يريد هؤلاء الأهالي، الذين قرروا بيع منازلهم لإدارة الأبراج، حياة أفضل لأولادهم، ولا يتطلعون للبقاء تحت رحمة أمناء وضباط شرطة قسم بولاق أبو العلا، والذين يهددون أمن أبنائهم كل يوم، بل ويتسببون في ضياع مستقبلهم الدراسي والمهني من حين لآخر.

ما يحدث لهذه الأسر هو تطفيش بالتراضي، وبشكل مجحف لحقهم في سكنهم وأرضهم، والتي يتوارثونها عبر أجيال. لم يترك الأهالي المنطقة سعيًا وراء الارتقاء الطبقي أو الصعود المادي أو الاجتماعي، وإنما كان كل ما أرادوه الحياة لأبنائهم وبناتهن، وفي مقابل هذا قبلوا على مضض بترك المنطقة، فيما سمّوه «التراضي بحكم القوة».

ومثلما تقبّلَ الجميع الهزيمة، وصاروا يبحثون عن سبل العيش تحت حكم من يكرهوننا، سواء لانتماءاتنا الطبقية أو السياسية أو الأيديولوجية أو الجندرية، فقد قبل الأهالي بانحسار أحلامهم في عامي 2011 و 2012، وبالتمتع ببلد أفضل وحياة أكرم.

اعلان
 
 
أمنية خليل