Define your generation here. Generation What
«زبيدة خلف خط الأفق».. سريالية اليومي
 
 
غلاف دعائي لعرض زبيدة خلف خط الأفق
 

ليس غريبًا أن يكون باسم يوسف أحد الذين تحمسوا لاستضافة «مشروع كورال» قبل أعوام، حينما كان «البرنامج» حدثًا من أهم أحداث الأسبوع، ذلك أن يوسف وكورال يشتركان معًا، في استخدامهما للشفرات الاجتماعية للطبقة الوسطى التي خرجا منها، والتي خرجت منها أولى مظاهرات يناير 2011، وأيضًا في السخرية الموجهة ضد الجميع، والتي لا تسلم منها حتى الذات.

بعد عدة أعوام من استضافته في «البرنامج»، قدم «مشروع كورال» عرضه الجديد، المسرحية الغنائية: «زبيدة خلف خط الأفق»، في مساحة صغيرة وحميمة من مركز الجيزويت بالفجالة على مدار يومين الأسبوع الماضي.

وصلتُ بحدود الساعة الثامنة مساءً، وفي نيتي التبكير بابتياع تذكرة، قبل أن يبدأ العرض بنصف ساعة، امتثالًا لنصيحة فريق العمل، الذي قال إن الأماكن المتاحة محدودة. وصلت بهذا التصور الحالم، لأقف في طابور لم أتبين، من ازدحامه، أبعاده الحقيقية لا بالطول ولا بالعرض، ليمتد زمن حصولي على التذكرة من نصف ساعة إلى الساعة وعدة دقائق. كنتُ على وشك الرحيل اعتراضًا على كشوفات حجز المقاعد بالأسماء، التي لم أكن أعرف عنها شيئًا، قبل أن يخرج في اللحظة الأخيرة سلام يسري، مؤسس «مشروع كورال»، معتذرًا لي و لآخرين، واعدًا إيانا، بأن يدخل كل مَن جاء راغبًا في الحضور.

وهكذا جلستُ على طرف قصي من الدائرة التي تمثل خشبة المسرح، بالقرب من المُغنيين، دون أن أعرف حساسية موقعي، فانتفضت حين دبّت الموسيقى أول مرة وبدأ العرض. في الواقع، تجربة مشاهدة «زبيدة خلف خط الأفق» لا يمكن أن تُحقق أفضل نتائجها، إلا إذا كُنتَ كمتلقٍ قطعة من أرض المسرح، كما حدث معي، لحُسن الحظ.

عرض زبيدة هو نتاج ورشة عمل في الكتابة والتلحين والأداء بشكل جماعي. بدأت الورشة في إبريل 2017 بمناسبة الاحتفال بالسنة السابعة لتأسيس مشروع كورال، وقد أُنتج العرض، بكل تفاصيله، جماعيًا.

هناك خمس شخصيات مركزية في العرض: زبيدة، وحمص، ونورا، والباشا، والخالة.

 زبيدة هي الأيقونة حسب نجومية اسمها في العنوان، وهي شخصية تؤديها أكثر من ممثلة بتبادل الأدور بينهن. أما حُمص فهو من يفتتح العرض بسلسلة من عبارات بريئة، يتذكر بها طفولته، وهو «عيل رفيع ولابس كيلوت». تتقاطع ذاكرته مع أحلامه، ويلعب المونتاج السوريالي على طريقة السينما، دورًا فعالًا في نقلنا مع حمص من حقبة زمنية إلى أخرى، وفي ترويضنا على تلقي طبيعة العرض الذي لا يغادر أبدًا مرحلة الطفولة والصبا المتأخر أو نهايات المراهقة في الجامعة، فحتى عندما نصل لنقطة متقدمة في هذا الخط الزمني، يرتد حمص صغيرًا ومرتبكًا كما بدأ.

بسبب ألعاب الحكي والتذكر، فإن فكرة «الزمن» في العرض مطاطية. ننتقل بلعبة السحر من مدينة إلى أخرى، ومن يد إلى الثانية، لا نعرف عمَّ نبحث فعلًا، لكننا لا نتوقف عن البحث، حتى نصل إلى الشخصية الثالثة:

 نورا التي يقع حمص المراهق في حُبها، فنتعرف معها على حياة ممزقة بين الخالة، وقطط منوّرها في منطقة البساتين، وبين أحلامها في السفر إلى باريس. تنهار نورا باكية كأنها في البكاء تمارس فعل التراجع عن الأمنية وتمحيها، لكنها حتى في البكاء، وفي التراجع، تُضحكنا.

أما الشخصية الرابعة فهي الباشا، الذي يرمز، بالطبع، إلى «الضابط»، لكنه الضابط قبل أن يكتمل تكوينه، ويشتد عوده. ويعبر أداؤه وهو يداعب «السلوبيت» الذي يرتديه عن شعوره المتواصل بالنبذ وقلة حيلته، التي لا يجد لها متنفس سوى استمتاعه بالتسلط على زملائه. متعة ليست مؤذية جدًا بعد.

هناك أيضًا الخالة، (خالة نورا)، والتي تمثل هنا مركزية سلطة الأم، والتي تحتضن الأبناء جميعًا في نهاية العرض، وتُثيب بعضهم وتعاقب البعض الآخر، مُستخدمة الكلمة «خرة» وهي تنادي على نورا وحمص والباشا، الذي لا تشعر بالانهزامية أمامه مثل حمص.

لدينا أيضًا شنطة مدرسة نبحث عنها ونتتبع رحلتها بين الناس والدول، وقطة تتلبسنا روحها وهي تُغني على البحر حالمة ببَكَرة من الخيط، تنزعها منها يد كابوسية وتمنع استمرار سعادتها بها. الفكرة الأخيرة، فكرة «الانتزاع» وأن هناك شيء دائمًا يمنع سيولة الأحلام؛ ثيمة متكررة في العرض. شيء يشبه «الثورة المضادة»، ويلعب دور «الفاصلة (،)»التي تنقلنا من عبارة إلى أخرى، ومن حكاية إلى واحدة ثانية.

إنها لعبة أقنعة واسترجاع واستبعاد متواصلين، فكما تؤدي شخصية «زبيدة» أكثر من ممثلة، يحدث  المثل مع «حمص»، فنحن في لعبة. وهذا هو مبدأ «مشروع كورال» الذي بعد أن نستوعبه، سيكون بإمكاننا الدخول معهم إلى مسرحهم المُتنقِّل في الخيال، مستمتعين بممارسة فعل «التلقي» المسرحي الخالد، الذي لا يمكن أن تكتمل «زبيدة» بدونه.

غلاف دعائي للعرض، وتظهر فيه محطاته

مشروع كورال هو مشروع تطوّعي عالمي؛ مبني على ورش عمل منفصلة مفتوحة لمشاركة المحترفين وغير المحترفين. وهو ليس فرقة وإنما كيان متحرّك، يتغيّر أعضاؤه في كل ورشة، ويعرِض نتاج ورش العمل الجماعية التي يختار موضوعها المشاركون.

كل تلك النتف من القصص والحكايات نعرفها عن طريق الغناء، باللهجة العامية. وبأبجدية من الإحالات المألوفة للطبقة المتوسطة تُمرر لنا المعلومات عن الشخصيات، وعن العلاقات الحاكمة، بين أفرادها، فمثلًا يستيقظ حمص من نومه على البلاج على أغنية «طيارة ورق» لإيمان البحر درويش الصادرة من شريط كاسيت (والكاسيت يحيلنا بدوره إلى التسعينات. ألم تنتج هذه الفترة جيل متظاهري يناير؟).

قد يكون السبب وراء سباحة زبيدة «خلف خط الأفق» وليس أمامه، ووراء غياب خط مُهندَس وتقليدي لقصة العرض، هو أنه قد أُنتج أصلًا بصورة جماعية وبناءً على ورش عمل وارتجال، في غياب لثنائية المخرج والمؤلف، بمعانيها المألوفة، فاللغة التي نسمعها هي التي يحكيها الممثلون كأشخاص قبل أن يصعدوا على المسرح (والحال مع زبيدة أنهم يقفون بيننا).

وتكمن قدرة العرض على خطف الأنفاس، والحفاظ على ضحك المشاهدين خلال ساعة عرضه، في أنه أعفاهم من إرهاق تجميع وإفلات خيوط الحبكة. نحن في أجازة من منطق العالم الواقعي لكننا مازلنا في قلب الحياة. قد لا يكون بإمكاننا تذكر كيف ضاعت الشنطة من حمص أول العرض، لكن الأكيد أن خروج زبيدة كالجنيّة منها سيُبهرنا.

«زبيدة» هو انتصار لفكرة «الثورة» على الأشكال المعتادة للمسرح، سواء في طريقة العمل، أو في التلقي. كل شيء هناك كان جزءًا من العرض. شعرتُ أن حقيبتي الخاصة، والمقعد الذي أجلس عليه، وحتى قلقي الذي لم ينطفئ وأنا أهرول وراء كل تفاصيل المشهد، كي لا تفوتني إحداها، كل ذلك قطعة من «زبيدة»، وأعتقد أن بوسعي حالًا تقديم اعتذار مكتوب لسلام يسري على انفعالي الزائد بسبب الزحام. فهمتُ الآن لماذا امتلأ مسرح الجيزويت عن آخره حتى فاض.

اعلان