Define your generation here. Generation What
عن حفرة سوداء وليال مفعمة بالفرحة.. وسفر دائم بينهما
 
 

يُقال إن المصريين، في كل مناسبة، يصنعون الأغاني ويفرحون، يرقصون، ثم يعود كل شيء لما كان عليه. لكن هذه المرة، قبل سبع سنوات، تغيّر كل شيء ولا يزال.

في كل ذكرى ، يُعاد الكلام عن الثورة بصيغة الجمع، رغم أن الحراك كان فرديًا بالأساس. أفراد صنعوا جماعات؛ امتدت بطول الشوارع والميادين.

خلال سبع سنوات، تفرقت كل الجماعات، في مسارات مختلفة، منها التشريعي، والقانوني؛ عبر محاكمات الرئيس وأعوانه، وأُخرى لمَن ثاروا ضده. فضلًا عن مسارات حالمة، أفضت إلي حزن وموت، وصناديق انتخابات، وصراعات على السلطة، وغيرها.

وسط سنوات الدراما الكبيرة، بذرواتها وانكساراتها، لا ننسى أن الأفراد هم مَن صنعوا كل هذا.

هنا نركز على حكايات الناس؛ ما هو شخصي من داخل بطولات الجماهير المُجهَّلة. ملامح الأشخاص، الذين حصلوا على رصيد من الخسائر والأحلام. مَن أنضجتهم التجارب الجماعية، في 25 يناير، لكنهم الآن يحملون هذه الخبرات فرادى.

——————————————

أسعد أيام حياتها قضتها نهى (38 عامًا) في ليبيا، قبل الثورة. ذلك عندما كان عالمها مازال متكاملًا.

فى ضواحي طرابلس عاشت مع ابنيها وزوجها الذي يعمل في مجال النفط، في سكون وبمنأى عن صخب المدينة. داخل مزرعة صغيرة، كانت تزرع الملوخية والبطاطس والفلفل والطماطم، متمتعة بطبيعة ليبيا الزاخرة. «معظم المصريون يظنون أن ليبيا عبارة عن صحراء جرداء»، تقول حالمة، ولكنها مليئة بالجبال والسهول الخضراء، فيخيل للمرء أنه في إيطاليا.

حتى مجتمع الأجانب الذي كان يعمّر ليبيا حينذاك كانت تتجنبه. نهى انطوائية بطبعها، هادئة لدرجة البرود، كما تصف نفسها. قليلة الحديث إلا مع قليلين، تستطيع أن تكون معهم على سجيتها.

في صغرها تنقلت هي وأخيها كريم الذي يصغرها بعامين ووالديها بين مصر وأمريكا، لإعداد والدها رسالة الماجيستير، ثم الدكتوراه في مجال «الإدارة والتدريب» في واشنطن وأوهايو، حيث مرت مثل أي مراهقة بأزمة هوية، إضافة لاضطرارها مصالحة ثقافتها المصرية الإسلامية بالأمريكية، لوعيها، هي وأخيها، باختلافهما عن باقي الأطفال.

لما عادا إلى مصر، ترسخ لديهما الشعور بالاختلاف نفسه، وأنهما يرتحلان من غربة إلى أُخرى مماثلة.

ربما لذلك غدت نهى رحالة تجوب أركان مصر، لا يهمها الوصول بقدر متعة التنقل من مرفأ تلو الآخر. كانت الرحلات التي قامت بها مع كريم ووالديها، بعد عودتهم إلى مصر، إلى سيناء وسيوة تشكل إحدى المتع الرئيسية في حياتها.

أحيانًا كانوا يصطحبون سيف، ابن خالتها الصغير، الذي يصغر كريم بنحو ثماني سنوات، واعتاد أن يتطلع إليهما كأخين كبيرين. تذكره نهى هادئًا وقليل الكلام، مكتفيًا بذاته، يعيش في دواخله أكثر مما يتفاعل مع ما حوله.

في المناسبات العائلية لما كان كريم وسيف يتجمعان في بيت الجدة، كانا ينتحيان جانبًا، لا يردان على أي من الأسئلة الموجهة لهما من الأقارب، إلا بكلمات مقتضبة، تجعل أي حديث صعبًا.

تسح دموع دافئة على وجنتيها وهي تتحدث، فتشعل سيجارة بيد مرتجفة، وتنفخ دخانًا يتوسع ليندثر في الغرفة، فيما تحل لحظة سكون لا يشوبها كلاكسات أو ضجيج القاهرة المتكدسة. فنهى تسكن في «كومباوند» على أطراف القاهرة.

كانت ترتحل مع زوجها وابنيها في قرية نائية بالهند حين جاءها النبأ بفض اعتصام الإخوان المسلمين الموالين للرئيس الأسبق محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية في 2013.

تحدق نهى في حِيطان الصالون الفارغة، وكأنها ستطبق عليها، وهي تسحب نفسًا تلو الآخر، ثم تستنجد عيناها الخضروان بالنافذة المطلة على حديقتها الصغيرة، المحاطة بسور من الجرانيت، وتتمتم:

«مش هي دي العيشة اللي تخيلت أني هعيشها».

الوصول إلى بيت نهى بمثابة رحلة سفر طويلة، يستغرق على الأقل ساعة من وسط البلد.

في أوقات مرحة تصفه بالـ retreat، أي منتجع يسافر إليه الزوار للتنعم بالراحة والهدوء. وبالفعل يضج ملاذها كثيرًا بزوار يقضون الساعات في صحبتها، قبل أن يهموا برحلة العودة الشاقة. أصدقاؤها أو أصدقاء زوجها «مو»، وابنيها؛ سليم وعلي، البالغين من العمر ثلاث عشرة سنة وإحدى عشرة، ويكادا يتخطيا نهى طولًا، فلا يصدق المرء أنهما نابعان من رحمها.

تزوجت نهى وأنجبت وهي في منتصف العشرينات. كانت تُرضع سليم في ظل العربة في الصحراء، كما تقول في فخر.

مع أنها قضت فترة طويلة من حياتها في العجوزة ومصر الجديدة والمعادي، إلا أنها أصبحت تتفادى القاهرة قدر ما تستطيع.

ليس فقط التجمعات والزحام اللذان يصيباها بالتوتر. بعد التحول السياسي الظاهر الذي مرت به المدينة، إثر فضّ اعتصام رابعة العدوية في 2013، واعتلاء صور الرئيس عبدالفتاح السيسي، واجهة النظام الحالي، الشوارع والمحلات والبيوت، خاصة قبل الانتخابات الرئاسية في 2014، كان ينتابها شعور فادح بالانتقاص، كأنه تمّ انتهاك حرمة أعز ما تملك؛ قدسية الحياة.

«فاكر الوقت اللي كانت فيه الأنظمة العربية بتقع واحد ورا التانية»، تقول ساهمة وهي تشعل سيجارتها العاشرة هذا الصباح. وتتابع: «تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، واليمن، والبحرين. كان الوضع عامل زي سيناريو نهاية العالم».

«زي في الأفلام. بالذات بعد هروبنا من ليبيا، كنت بحلم نعيش بعيد عن كل الحوارات دي. في أفريقيا الوسطى مثلًا وسط الطبيعة».

تنحدر نهى من أسرة مصرية بسيطة من الطبقة الوسطى. والدها الذي تذكره بالكثير من المحبة، وقد فارق الحياة وهي في منتصف العشرينات، أصله من الإسكندرية.

تأثر بوظيفته كمدرب يعقد الورش التدريبية والتعليمية، فعلمها هي وكريم، مبكرًا، ثقافة النقاش.

وساد جو فلسفي من المناظرات في البيت، حببتها في الفلسفة وعلم النفس، وأرادت دراستهما. ولكنها لم تفعل ذلك في جامعات حكومية، ولا قدرت على الالتحاق بالجامعة الأمريكية الباهظة، فدرست التجارة.

«لسه بتفلسف مع نفسي»، تقول مازحة.

أحيانًا ترقد بالساعات فوق الكنبة في صالون بيتها الذي يُفضي إليه درج خشبي ملتو يستقبل الزائر عند المدخل. تسرح، فيما تصدح أغاني صوفية من السماعات، مع أي أفكار قد تخطر على بالها. أفكار عن الرب والحياة. عن المصريين القدماء وحضارتهم. على الحائط معلق بجانب صورة لأحمد عدوية، وصور لإخناتون، الثوري الذي تحب مظهره الطبيعي، وأرفف متناثرة بأرجاء الغرفة مليئة بالكتب الأدبية والتاريخية.

نهى تعشق القراءة، رغم أنها مؤخرًا لا تستطيع التركيز على المدى الطويل، حسبما تشكو.

العناوين لنعوم تشومسكي، وروبرت فيسك، ولسان العرب، والفيسلوف الفرنسي ميشيل دي مونتين أو ميشو، كما تدلعه، وتجري معه حوارات فلسفية في ذهنها، ودوستويفسكي، وكامو، وكافكا، وقد راحت أعمال الأخير العبثية تذكرها أكثر فأكثر بالواقع الذي يحيطها. خاصة ما تقرأه على الفيسبوك، نافذتها الوحيدة، خلاف ضيوفها، على العالم، لأنها لا تتابع الأخبار أو التليفزيون.

«ليبيا برضه كانت وكأنها رواية مأخوذة من كافكا».

كانت تستمتع بالاستماع لخطب القذافي وحواراته، وتتابع ظهوره في الإعلام، خاصة مظهره وملابسه الصاخبة. ما زالت تحتفظ بنسخة من كتابه الأخضر.

«أنا عارفة إنه شرير. بس اللي مش قادرة أفهمه إزاي الراجل ده طبع على بلده بالطريقة دي. طول السنين اللي فاتوا. كل مكان في ليبيا كان شايل بصمته. أنت شفته مرة وهو بيتكلم؟».

كان لهروبها من ليبيا أيضًا طابعًا عبثيًا، عندما أخطرت الشركة الإنجليزية التي كان زوجها يعمل بها جميع موظفيها الأجانب بأن عليهم إخلاء بيوتهم، والتوجه إلى المطار لدواع أمنية.

«كان في تشيك بوينت كل ميتين متر.. عساكر بتصوب بنادقها جوه العربية.. علي، ابني، سألني: إحنا هنموت يا ماما؟، ساعتها كانوا قالبين على مصر عشان الثورة».

نجحوا في اللحاق بالطائرة بأعجوبة من مطار طرابلس حيث عمت الفوضى، وتكوم المسافرين الأجانب فوق بعضهم البعض في هستيريا. فيما صدح رنين المدافع من بعيد.

كلفت مساعدها بالبيت في ليبيا بالاعتناء بجلجامش، كلب جولدن ريتريفير عجوز. يتشممني في ضجر، كلما أزورها، ثم ما يلبث أن يتمدد في ركن هادئ ليستريح من رحلة الهروب التي قام بها حينذاك. تتناسب هذه الرحلة مع اسمه الأسطوري.

جلجامش

بعد هروبهم من طرابلس كلفت الجنايني بتهريبه في عربة نصف نقل إلى تونس. هناك واصل جلجامش رحلته في يخت، حتى تمّ وضعه على متن طائرة إلى مصر. كانت شركة «مو» قد أجلّتهم عن ليبيا إلى لندن حيث عاشوا لتسعة شهور، قبل أن يقرروا العودة إلى مصر . فسافرت نهى خصيصًا لتستقبل جلجامش في جمرك القاهرة، ثم بعد معاناة بيروقراطية «عبثية»، كما تقول، نقلته إلى الواحات الداخلة، حيث وعدها مالك فندق اتفقت معه أن يعتني به. إلا أن جلجامش قضى شهورًا شاقة في الصحراء، اشتبك خلالها مع كلاب برية في معارك عشوائية تتعلق بالحفاظ على المكان، قبل أن يستقل في حياة التراخي في «الكومباوند»، حيث يرقد الآن صامتًا معظم الوقت، غير أبِهَ لما يجري في عالم البشر بالخارج.

إلا أن سيدته ما زال يراودها الفضول عما يدور وراء الأسوار، فتسألني كلما أزورها عما يشغل الرأي العام حاليًا. ولما ألخص لها بعض الأزمات المتفشية من حولنا، تهز رأسها غير مصدقة، وتكرر كلمة: «عبث».

التعثر ومحاولات الهروب

ونحن جالسان في حديقة بيتها، ننعم بأسراب أشعة شمس الخريف المتخلفة، يقتحم أبناها البوابة، راكضين إلى الداخل وهما يجران خرطوم مياه طويل، طالبين من أمهما أن يغسلا سيارتها.

بعد تردد، توافق، ولا تستطيع كتم بسمتها، فيعجلا بملء جرادل صغيرة، رغم تحذيراتها ألا يهدرا المياه.

أحيانًا ينضم إليهما أطفال من البيوت المجاورة. فتعطيهم نهى أجرًا في المقابل.

«عاوزاهم يتعودوا على قيمة الفلوس. يتعلموا أنهم لازم يتعبوا شوية».

سليم الأكبر هادئ الطبع، شعره مموج، نظراته حالمة، تصفه بالزاهد في الحياة، على نقيض أخيه على، المعفرت، الذي لا يكف عن الطلبات اللا نهائية.

أتجرأ وأسألها بحذر إذا كانا يذكراها بكريم، وسيف. تدمع عيناها في الحال، ثم تخفت صوتها وتتمتم بأن سليم يذكرها أحيانًا بأخيها، كريم. ثم تجوب عيناها السماء البعيدة، قبل أن تستقر فوق ظهر جلجامش المتمدد بجوارها، ناظرًا إلى العالم بحكمة، مَن يفهم كل ما يحتاج فهمه.

عندما أسأل عنها في التليفون ترد بصوت ثقيل أنها في «الحفرة» التي تقع فيها كل حين، وهو الوصف الخاص بدوامة الاكتئاب التي تلبد بداخلها لأيام وأحيانًا لأسابيع. حفرة كالحة مليئة بالسواد. قد تبقى يومًا كاملًا متمددة فوق كنبتها دون القدرة على النهوض.

لا ترد على المكالمات الهاتفية. تعاود الاتصال، وقتما ترغب في التفاعل مع البشر. فقد جاءها النبأ عبر التليفون.

إلا أنها تنهض كل جمعة تقريبًا، مهما كانت حالتها النفسية، في الصباح الباكر، لمقابلة ملك وعبدالحميد، صديقتها وصديقها المولعَيْن بالفوتوغرافيا مثلها.

يلتقون في وسط المدينة. ثم يتنقلون داخل القاهرة أو خارجها، حاملين كاميراتهم ذات العدسات السميكة، ليصوروا في الخلوة أي مظهر جدير بالحفظ في خزينتهم الإلكترونية. سواء كانت حيطة مائلة. بائع خردة. كلب في خلفية حارة ضيقة. بيت قديم. يطلقون في الدقيقة العشرات من الصور. فيما يتجمع الرجال الناعسون المتجهمين حول عربة فول، يراقبونهم في استغراب.

«بيعملوا إيه دول؟ بيصوروا. شكلهم أجانب. يا عم دول مصريين. بيصوروا إيه؟» يسأل رجل في غيظ.

يجردهم عبدالحميد على الفور من عدائهم بإلقاء السلام ورفع ذراعه لأعلى. فتتبدد الشكوك في الحال، وينصرف الرجال إلى شؤونهم الصغيرة. مرة واحدة فقط اعترضت الشرطة على تواجدهم في وسط البلد، وأمرتهم بالابتعاد. عدا ذلك يدعهم معظم السكان في حالهم.

«إلا مرة كنا بنصور في حارة»، يقول عبدالحميد. شاب ضخم، يميل إلى السمنة، ذقنه كثيفة، وملامح وجهه المكتنز تشبه لاعبي البوكر، الذي لا يدرك المرء أبدًا ما يدور بخلدهم. يبلغ من العمر أربعة وعشرين عامًا، كسيف.

«لقينا ست قاعدة مرة قدام بيتها، رأسها وميت يمين أننا ستة أبريل (تقصد حركة شباب 6 أبريل).. يا ستي إحنا ناس عاديين بيحبوا التصوير. علي النعمة، أنتو ستة أبريل. وأنا على فكرة بحب السيسي». يحكي كيف توقفت نهى عن التصوير لوهلة، ثم بادلتها ببرودها المعتاد، وتمتمت قولًا أثار سخط المرأة، التي ما لبثت أن أطلقت خلفهم وابلًا من الشتائم، بعد ما جذب عبدالحميد نهى ليغادروا الحارة على عجل.

عندما يمرون ببائع كشك عجوز يتاخم مسجد إسلامي أثري مهمل، يسأله عبدالحميد إذ كان باستطاعته أن يصوره. يبادله الرجل في استغراب: «تصورني أنا؟ ليه؟». «عشان شكلك حلو»، يرد عبدالحميد. فينفتح ثغر العجوز الذي يكشف عن أسنان نصف مكسرة ومسوسة، فيردد غير مصدق: «حلو إيه بس؟ والله أنت اللي حلو يا بيه».

يصوره، ثم يعرض عبدالحميد الصورة عليه في الكاميرا، فينشرح قلب الرجل. فيما تتابع نهى المشهد في صمت، وبعد ما ترتوي من شفشق مياه بلاستيك مربوط بحنفية سبيل، تركز عدستها على الرجل وهو يتملى صورته، مواصلة سعيها في لمس واقع مبهم فائض بانطباعات مختلطة، لتجمده وتمسك به، هكذا تنتقل من لحظة إلى أخرى.

واحدة من الليالي

وهناك الصور المعششة ذاكرتها، وباتت لا تفارقها؛ صورة لشاشة تظهر نبضات قلب في شكل تخطيطات كهربائية، منحنيات ومنعطفات كالمتاهة، تقل تدريجيًا حتى تصل إلى الصفر. صورة لقطة سارحة في طرقة العناية المركزة، تتمطّط وتموء منذرة بالشؤم. صورة لعاملين يصدرون الضجة أثناء إصلاحهم تكييف في العناية نفسها.

الصور الفوتوغرافية التي تحتفظ بها أكثر ليونة. بإمكان المرء أن يتحكم في تسلسلها، ومحتوى الذاكرة المرتبطة بها. تقضي نهى الساعات في تفقد ألبوماتها المختلفة. صور ليبيا. صور رحلاتها في الصحراء. صور لبشر في مختلف أنحاء مصر. وصور الليالي المفضلة إليها، والتي اشتهرت بتحميلها على موقع «انستجرام»، حيث لديها مئات من المتابعين. عرضت دار نشر أجنبية عليها أن تنشر كتابًا لصورها.

ليالي التعافي

أول مرة سمعت عن «الليالي» كان بعد حوالي تسع شهور إثر فض رابعة. كانت حينها في حالة اكتئاب مروعة. في رحلة قامت بها مع زوجها إلى سانت كاترين تعرفت على نور، مثل كل المقابلات العفوية التي قد تغير مجرى حياة الإنسان للأبد. نور أستاذة جامعة سابقة، أم في الخمسينات، لها ابنة مراهقة، تكرّس لها كل وقتها. حكت لنهى أنها منذ سنوات كانت تتجول في جميع أرجاء مصر، ملاحقة لـ«الشيخ» الذي يرفرف بخفة الفراشة من «ليلة» إلى أخرى، وأن تلك كانت من أسعد أوقاتها.

كانت نهى تستمع لأغاني «الشيخ» المحملة على يوتيوب من حين لآخر، تنغمس في أغوار معانيها المحتملة والمبهمة. ولكنها لم تحضر واحدة من قبل. «الليالي عبارة عن احتفالات ذكر»، شرحت نور. قد تعقد لسبوع أو حفل زفاف أو حتى افتتاح معرض سيارات أو بعد مولد. «والله نفسي حد يشجعني أسافر وييجي معايا». لذلك لما هاتفتها بعدها بأيام، وأخبرتها عن «ليلة» قادمة في أسوان، لم تتردد نهى كثيرًا، وقد كانت مستعدة لأن تتشبث بأي قشة تعيدها إلى الحياة.

في «ليلتها» الأولى وجدت نهى نفسها في عالم غريب اختلف تمامًا عن كل توقعاتها. كانت محاطة بأشخاص، لم تكن تتخيل أبدًا أنها ستصادقهم في يوم؛ صوفيين، وفلاحين، ونجارين، وتجار هائمين على وجه الله. (هائمون بمعنى الكلمة، يسرحون بعيدًا عن ديارهم، ويعيشون على ما يعطفه الغرباء عليهم.)

تنطلق السيدتان، نهى ونور، في سيارة الأولى بعد صلاة المغرب، سواء إلى الدلتا أو الصعيد، ولا ترجعان إلا مع بزوغ الفجر. قبل استعداد أبناءهما للذهاب إلى المدرسة.  في بعض الأحيان لا يرجعان إلا بعد عدة أيام. السفر جزء لا يتجزأ من «الليلة»، كما تقول نهى، ثم تسرح مع كلمات أغنية تصدح من سماعات الموسيقى في الصالون. أغنية صوفية عن رجل يشبه نفسه بطائر قلص الحب جناحيه وقدميه، فلم يعد قادرًا، لا على المشي، ولا على الطيران لأعلى.

منذ ذلك الحين، حضرت مئات «الليالي» في جميع أنحاء مصر. أحبهم إليها «الليالي» الصغيرة التي تقام في قرى مجهولة، مثل قرية سندبسط التابع لمركز زفتى بمحافظة الغربية. هناك يقيم تاجر «ليلة» ذكر على والده كل عام عقب مولد السيد بدوي. يعد مسرحًا في ساحة تتسع لاحتواء ربما مائتين أو ثلاثمئة من أهل القرية، فيما تستريح الفرقة المنهكة من المولد في بيته.

ليلة أخرى

تلقي كل من نهى ونور السلام عليهم بألفة، كأنهما مشجعان مولعان بفرقة روك، رغم أن هؤلاء الرجال البسطاء ليسوا نجومًا. هم بجلاليبهم ولكناتهم الريفية وملامح وجوههم المُشَوبة بالقلق يشبهون الفلاحون الذين لا تفيض أراضيهم الصغيرة بقدر الحماس والجهد المبذول من جانبهم في تعمّيرها.

في ركن بالغرفة ألمح رجلًا متمددًا فوق فرشة، منغمس في النوم، رغم الضجة الذي تحيطه. فيما يصلي في الركن المقابل رجال بأوجه غليظة وورع صلاة العشاء.

بعد الصلاة، يتناهى على أطراف حديث عازف «الكامنجا» والإيقاع عن مصاريف أولادهما ومرضهم وما يلاقونه في المستوصفات. تحدث الرجلان بصوت خافت، وكأنهما يتهامسان.

منذ بضع سنوات، توفت ابنة عازف الإيقاع في حادث، دهستها سيارة. عندما هاتف نهى في بيتها بالقاهرة ليخبرها، استغربت لمكالمته. ولم تعِ معنى الكلمات، إلا بعد ما أغلقت الخط. ظل الرجل يطبل لشهور، على أنغام «الشيخ» المبهجة، وهو يذرف الدموع خفية.

«كان مشهد صعب»، تتمتم وهي تسحق علبة سجائرها الفارغة. فكيف يقدر للحزن الجارف أن يجد ملاذًا في مكان مفعم بالفرحة والحياة كهذا.

ثم في يوم، أبلغها الرجل أن زوجته حبلى من جديد. وإثر ولادتها هاتف نهى وأبلغها بأن الله رزقه بتوأم. «ربنا عوضني»، قال لها فرحًا.

فيما بعد اكتشفت أن الشيخ من مؤيدي النظام، وأنه أعلن عن مساندته له في أكثر من مناسبة.

«لو كنت عرفت المعلومة دي من الأول، غالبًا ما كنتش رحت. بس ساعات الواحد لازم يوزن الأمور بينه وبين نفسه، ويشوف لو المزايا أكتر من مساوئها»، تتمتم وهي تتابع الدخان يتخذ أشكالًا ثنائية الأبعاد في الغرفة. ثم تضيف أن «الليالي» ساعدتها في التصالح، ليس مع نفسها، وإنما مع البشر. ساعدتها أن تتقبلهم.

أحيانًا تشاهد رجالًا يصرخون أثناء «الليالي» أو يصطدمون بالراقصين الصوفيين بجوارهم بشكل فظ. ولكن الناس تدعهم ولا يضايقونهم. «هما كده، بيقولوا. كأنهم أطفال. في جو حب غريب في المكان كله».

بقدرة العين أن تميز نوعية أو دوافع الحاضرين المنحشرين داخل الحضرة الضيقة، وهي المساحة المقابلة للمسرح، المسموح فيها بـ «الرقص». هناك يختلط هؤلاء الذين أتوا من أجل النشوة البحتة، لينفذوا، بهز رءوسهم بقوة يمينًا فيسارًا، إلى عالم بلا جاذبية، والدراويش التقية التي ينتاب هزاتهم المنظمة، والمنتظمة نوعًا من الورع. هناك أيضًا الفلاحون المحبون للشعر الصوفي عن الفناء والتجرد من حمل النَفس الضغينة. هم يلوحون بأذرعهم، ووجوههم تغلبها الفرحة البسيطة. والمتفرجون العاديون الذين يحضرون الذكر وكأنه حفل موسيقى. بعض المنتفعين الذين يأملون بإعدادهم الشيشة التي لا تطفأ بأن يقتنصوا بعض الجنيهات تكفيهم للرجوع إلى ديارهم.

ومتفرجون مثل نهى، دوافعهم مجهولة للآخرين، يجلسون بلا حركة، وكأنهم ملتصقين بكراس خشبية غير مريحة فوق المسرح، على يسار الفرقة. تستمع بملامحها الهادئة للحفل، وتومئ برأسها بخفوت كل حين، ثم تجوب عيناها الحضرة في فضول، وتغض بصرها لما تصادف رجالًا يتفقدونها هم الآخرون، وكأنها كائن حلَّ عليهم من الفضاء.

مرة واحدة فقط تجرأت ونزلت إلى صفوف الدراويش الحالمين. فالحضرة في العادة مقتصرة على الرجال.

ولكن شاب مشوش ذهنيًا، اعترض على وجودها، وظل يصرخ فيها حتى برحت الساحة في استسلام.

منذ هذه المرة، تكتفي بالمشاهدة من فوق المسرح، حتى لا تشوش وتلهي الرجال في الحضرة.

صورة اُلتقطت من فوق المسرح

ونحن جالسان في حديقتها، يقطع حديثنا زوجها. رجل أصلع عريض، في منتصف الأربعينيات. يناقش مع نهى أمورًا منزلية، ثم يتناول بضع سجائر من علبتها، لأن مخزونه نفذ.

له فيديو انتشر على شبكة الوسائط الاجتماعية أيام محمد محمود 2011. حينها كان هو ونهى يتظاهران، يوميًا، لأنهما أحسا أنهما سيشكلا فرقًا، أنهما سيرسلا رسالة، أنهما سيحافظا على مكاسب الثورة. وهو داخل شارع محمد محمود أطلق أحد المتظاهرين صيحة تحذير، وأمر الجموع بالتراجع لهجوم الشرطة الوشيك.

إنذار كاذب، فكر هو وصاح كما يصيح دائمًا: «اثبت».

لكن تلك المرة لم يكن إنذارًا كاذبًا. هجمت الشرطة بالفعل. تلعثم ووقع، فهوى فوقه اثنان، ثم ثلاثة، ثم عدد لا يحصى من المتظاهرين. كتل من الأجساد الخانقة جعلت أي محاولة للنهوض شبه منعدمة. أحس بروحه تنفذ، ثم ركز كما تعلم في اليوجا، على نقطة مبهمة بين عينيه، قبل أن يفقد الوعي.

صوره أحد المتفرجين في العمارات المجاورة من شرفته، والعساكر تجره وتضعه بجانب جثة هامدة.

يتخيّل أنهم حين تفقدوا بطاقته وكروت بنوكه أصابهم الارتباك، ثم الاستغراب لما يتظاهر شخص مثله. مرتاح ماديًا. ليس في حاجة لبنزين أو سلع مدعمة. ولا ينتفع بأي من التسهيلات التي توفرها الحكومة.

رجعت له الحياة بعدها في مستشفى ميدانية بجوار «هارديز»، عند تقاطع شارع محمد محمود. فهاتفَ نهى، التي أتت مع صديقة ليوصلاه إلى المستشفى، لأن ضلعه كسر، ولم يسعه التنفس بسهولة. حينها أتت للمستشفيات التعليمات بعدم استقبال ضحايا أو ربما خافوا من معالجتهم.

«أكانت تتظاهر مع كريم أو سيف؟»، أسألها. «في محمد محمود أو في مجلس الوزراء أو في العباسية واحد واثنان؟»

«كانوا بينزلوا مع بعض»، تتمتم. «أو كل واحد لوحده».

أعاود سؤالي عنهما هذه المرة، بعد خامس مقابلة، وعشرات الساعات من الحديث. أريد أن أعرف أين كانا يعيشان، وما كانت عليه مواقفهما السياسية. وماذا كانا يعملان ويحبان في الحياة. تفكر قليلًا، ثم تتمتم أن كريم كان يعمل في مجال الطيران بشرم الشيخ، أما سيف فكان مهندس تخرج للتو.

كانا يعشقان السفر إلى الصحراء وسيناء، وأن كريم كان يحب الصيد. وتضيف أنهما لم يكُنا أبدًا مرتبطان بأي فصيل سياسي. كانا قلبًا وقالبًا مع الثورة. وقد صوّتا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة لمرشح الإخوان محمد مرسي، كي يمنعا أحمد شفيق من الوصول إلى السلطة.

بعدها تصمت. وتنحدر دموعها في صمت. فأغير الموضوع.

ذكرى ومراجعة

أسألها إذا كانت تدع نفسها تنغمس في ذكرياتها السعيدة معهما. فمن الطبيعي أنه بعدما يتغلب المرء على فراق ذويه، أن يعود بذاكرته إلى الصورة الجليلة التي يود الاحتفاظ بها لهم. ولكنها ترد أنها كلما تصادف صورة لهما، تقلبها على عجل.

في المقابلة قبل الأخيرة، تدع دموعها تنسال بهدوء. توقف سردها فقط كلما يفيضوا بها، فتزفر لتلتقط أنفاسها.

وقت الفض كانت في الهند مع عائلتها. وقد قضوا اليوم بأكمله في قرية بعيدة لم تتوفر فيها خدمة الإنترنت.

ولما فتحت موقع فيسبوك، أخيرًا، علمت أنه قد جرى مكروهًا لسيف.

«كلمت ماما. أكدت أنه مات. وأن كريم وداه المستشفى».

تهاتف كريم مع سيف في ذلك الصباح الأخير لهما. المكالمة مسجلة. لأن كريم اعتاد تسجيل كل مكالماته في تلك الفترة، لأنه كان يزرع أرضًا تابعة لوالده، فكان يتحدث مع فلاحين يجد الصعوبة في فهمهم، فيسجل كل المكالمات للتأكّد من محتواها.

بطبيعتهما لم يتبادلا، كريم وسيف، إلا بعض الكلمات. سأله كريم إذ كان يريد النزول.

أسألها هل ذكرا دوافعهما، إذا كانا ينويان التظاهر ضد الفضّ أم مساعدة المصابين كما تعودا أيام محمد محمود ومجلس الوزراء؟

«في الغالب الاتنين»، تجيب نهى. «هما كانوا ضد الانقلاب».

بجوار شارع الطيران؛ لا تعرف نهى أين تحديدًا، وسط الفوضى العارمة، وسط مئات من الرصاصات الطائشة والقاتلة، كان سيف يصور الأمن، عندما أردته قتيلًا رصاصة جاءت من ناحيتهم.

موت سيف أيضًا كان موثقًا مثل تسجيل مكالمته الأخيرة مع كريم. وقد شاهدت نهى فيديو موته قبل أن تخترقه الرصاصة بعينيها.

بعد ما حمل كريم ابن خالته إلى مستشفى قريبة، صوره في المشرحة، بدافع التوثيق غالبًا. ثم هاتف أفراد عائلتهما وانتظرهما حتى وصلا.

لا يعلم أحد لما قرر كريم الرجوع للمكان نفسه الذي قتل فيه سيف. بقدر نهى التخمين فقط.

هناك اخترقت الرصاصة معدته، ثم نُقل للمستشفى نفسها.

«بكره المستشفى دي»، تتمتم في مرارة. «نُص قرايبنا ماتوا فيها».

فور وصولها لمصر، طمأنها الأطباء بداية أن حالته مستقرة. قالوا أنه سينجو، ثم في اليوم الثالث بعد إصابته أجمعوا على ضرورة خضوعه لعملية عاجلة.

«ما تقلقيش»، قال الجراح لها، قبل أن يسحبوه على نقالة إلى غرفة العمليات.

تصف رحلة استخراج شهادة الوفاة بأنها رحلة من الذل. ذهبت بمفردها إلى مصلحة حكومية في العباسية. كان يصدح من سماعات أغنية «تسلم الأيادي» مرارًا وتكرارًا، فيما يتزاحم الأهالي لاستخراج الشهادات لذويهم المقتولين. تذكر رفض الموظفين كتابة سبب الوفاة في الشهادة. ونظرة الموظف إليها في استغراب، ثم قوله: «أنتِ مش شكلك زي التانيين.. هو أخوكي راح هناك بالغلط؟».

تتوقف لتجمع المناديل المليئة بالدموع، وتتوجه لصندوق القمامة بالمطبخ المجاور، ثم تطل من النافذة، وتتمتم: «الجو حلو النهار ده. ممكن نتمشى».

لكنها تستعيد مجلسها فوق الكنبة وتشعل سيجارة أُخرى، ثم تحكي عن ليلة العزاء المشؤومة. عن أقاربها السائلين بلا حرج: «هو إيه اللي وداهم هناك؟ لا حول الله. هم مش كانوا في مدارس أجنبي».

عن موبايلاتهم التي كانت ترن بعبث داخل صالة العزاء بأغنية «تسلم الأيادي».

«مشكلتي أني ما بعرفش اتعصب. اني ما انفجرتش ولا زعقت مرة. أعتقد كنت هارتاح أكتر».

«ساعات كتيرة كنت بحاول أتخيل وش اللي قتلهم. الإحساس إن أنت مش عارف مين الشخص، إحساس بشع. أكتر حاجة كانت بتجنني إني كنت خايفة أقابله في الحياة وأعامله بطريقة كويسة من غير ما أعرف. دلوقتي ما بقيتش أفكر في الموضوع ده زي الأول.»

في المقابلة الأخيرة نتحدث عن الثورة. عن حال البلد. عن الناشطين السياسيين في السجون أو في الخارج.

أبحث في عينيها عن أي علامة ندم. عن رغبة في أن تعكس كل ما حدث لتمحوه وترجع الحياة المألوفة لها. ولكنها تقول بلا أي تزعزع إنها كانت مؤمنة بالثورة قلبًا وقالبًا. أن الثورة مبدأ، لا يشوبه شائبة.

تشعل سيجارتها الأخيرة في هذه المقابلة، وتتمتم، أنها بعد حديثنا عن كريم وسيف، عادت لها ذكريات كثيرة كانت حجبتها عن وعيها. التقت بكريم آخر مرة في منزل والدتها، وقتها انتابتها رؤية أو إحساس مروع أنه سيصيبه مكروه، ثم مكالمته الهاتفية لها وهي في الهند، ليخبرها أن سيف مات، وإغلاقه الخط، قبل أن تلحق بقول أي شيء له.

عند باب الفيلا، أخبرها أن تلك أول مرة تذكر فيها كريم وسيف أمامي، ولا تبكي. تتمالك نفسها بصعوبة، ثم تحبس دموعها في جحري عينيها هذه المرة. فأودع جلجامش في حرج، فيما يبادلني بعينيه الحزينتين اللاتي رأيا في رحلتهما كل ما يحتاج كلب لرؤيته في حياته القصيرة والحافلة.

تخبرني نهى أنها تستعد لقضاء رحلة طويلة مع أسرتها. «وأنا أيضًا أستعد لرحلة طويلة»، أقول.

نتبادل خطي سيرنا باختصار، ثم نتفق على التواصل بعد العودة.

«ترجع بالسلامة»، تقول، ثم تغلق الباب ورائها.

وأنا أستقل سيارتي للعودة إلى المدينة، يمرق بجواري سليم وعلي، كلا منهما مستقلًا لدراجته، يحمل كل منهما فوق ظهره شنطة صغيرة، وكأنهما على وشك القيام برحلة ليلية، مثل والدتهما.

يصيح علي بحماس لأخيه الأكبر الذي يسبقه ببعض الأمتار أن ينتظره، قبل أن يختفيا في جوف الليل.

أفكر فيهما وأنا أقود سيارتي فوق طريق خال، تنيره ومضات قمر واعدة مفعمة بالأمل، رغم ما يشوبه من ظلام.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد