Define your generation here. Generation What

قصة الاحتكارات في مصر: كيف تهيمن.. كيف تُغيّر أشكالها؟ من الانفتاح إلى الثورة والثورة المضادة

على سوئها الشديد، تبدو الأوضاع المعيشية على الأرض في مصر أقل سوءًا منها «على الورق». وعلى كآبته، يبدو المشهد من الداخل أقل ظلمة منه من الخارج. وليس في ذلك ما يستحق حمد الحكام ولا فيه ما يشير لمؤامرة دولية تستهدف تشويه صورتهم، وإنما يعبّر هذا البون عن قصور في قدرة النظام على فرض أجندته.

هذا البون ناتج عن مقاومة المدافعين عن حياتهم، وقصور أدوات التحليل الاجتماعي، بما تحمله من انحيازات تحجب بعض الرؤية، ويحتاج تفسيره لقراءة المسارات التي أوصلت الوضع للحظة الراهنة، وهي لحظة تظهر فيها بجلاء سيطرة لغة الاحتكارات على الاقتصاد وتضييق دائرة الحقوق، مع بقاء سطوة الحكام على من هم خارجها.

التأسيس: تحولات الانفتاح

كان «التصنيع» شعارًا لسنوات ما قبل الانفتاح، وكان من الطبيعي لنظام تُمثّل قيمة العمل المصدرَ الرئيسي لدخله (سواء عن طريق مشاركته في أرباح صناعات القطاع العام، أو فرض الضرائب على أرباح صناعات القطاع الخاص، وكلاهما يزيد بزيادة قيمة العمالة والعمل) أن يسعى لرفع هذه القيمة عن طريق انحيازات إنتاجية (بتقييد القدرة على التربح بوسائل أخرى كإيجارات الأراضي والعقارات) وكذا الاستثمار الواسع في التعليم والصحة.

بالتالي كانت «ديمقراطية رغيف الخبز» التي قام على أساسها النظام الناصري وتجلَّت في شعارات الاشتراكية العربية والعزة والكرامة والمساواة في مواجهة «الإقطاع وبقايا الاستعمار» من نخب كانت تحتكر سابقًا هذه الخدمات كما تحتكر الإنتاج الزراعي.

ولكن في سنوات الانفتاح، اكتُشفت سبل جديدة لصناعة الثروة، لا تحتاج لمثل هذه الاستثمارات الضخمة في التعليم والصحة، ولا لتحمل مشاكل العمالة في الصناعات الثقيلة، أهمها إيرادات قناة السويس (التي أعيد تشغيلها بعد حرب ١٩٧٣) والصناعات النفطية (التي اتسع نطاقها في التسعينيات أيضًا، والتي تمثل قيمة العمل نسبةً ضئيلةً في أرباحها)، والاستيراد والتصدير (اللذين فتحا أبوابهما للقطاع الخاص بتراخيص حصل عليها المحاسيب، كما فتحا باب دخل يقوم على الجمارك).

كما أضيف لذلك، في التسعينيات، السوقُ العقاريُ (الذي توسع بشكل كبير في النصف الثاني من العقد) والسياحة (التي لم تعد تعتمد على المزارات التاريخية فحسب، وإنما توسعت لتشمل السياحة الترفيهية والاستجمامية في سواحل البحر الأحمر، وتشابَك خطا السياحة والسوق العقاري في الساحل الشمالي الذي تمدد بسرعة فائقة بطول المسافة بين مدينتي الإسكندرية ومرسى مطروح).

تشابَك خطا السياحة والسوق العقاري في الساحل الشمالي الذي تمدد بسرعة فائقة بطول المسافة بين مدينتي الإسكندرية ومرسى مطروح.. بورتو مارينا

ومع تنامي نسبة هذه السبل من إجمالي الدخل القومي، تضاءل الاعتماد على الصناعات، فبالتوازي مع توقيع اتفاق صندوق النقد، وصعود تصورات ولغة اقتصادية جديدة، اتجهت الدولة منذ بداية التسعينيات إلى تفكيك الصناعات الثقيلة[1]، التي شكّلت صداعًا لما توفره للعاملين من فرص لتنسيق الأعمال الاحتجاجية والمطالبة بحقوقهم، ولما تتطلبه من استمرار الإنفاق لتمويل العمل ثم انتظار الأرباح، في الوقت الذي بدت فيه فرص الاستثمار في غير الصناعة أكثر ربحية.

مع ذلك، لم تكن معركة تفكيك الصناعات الثقيلة سهلة، بل امتدت لبضع سنين وسقط خلالها عشرات القتلى ومئات المصابين في الاحتجاجات العمالية التي وصلت لحوالي ثمانين احتجاجًا في العام[2]، وانتهت في منتصف التسعينيات إلى إغلاق عدد من المصانع الكبرى، وخصخصة البعض الآخر مع تسريح عدد كبير من العمال وظهور نموذج مختلف للصناعة يقوم على الورش الصغيرة (في منتصف التسعينيات وصل عدد الأعمال التي توظّف أقل من تسعة موظفين وعمال إلى قرابة النصف مليون، أكثر من ثلثيها يوظف من واحد إلى أربعة موظفين)[3]. وكانت «مدينة الحرفيين»[4] على سبيل المثال أحد تجليات هذا النموذج التصنيعي.

بحلول الألفية الثانية، كانت السبل الجديدة لصناعة الثروة تحتل الصدارة. وامتازت هذه السبل بعدة خصائص، أهمها، بالإضافة لمحدودية اعتمادها على العمل والعمال، كان استنادها لاحتكارات قانونية تحميها القوة

في هذه الورش والوظائف الجديدة غابت النقابات الحامية لحقوق العمال، التي صار ما بقي منها محميًا، لا بالقانون وجهات تنفيذه، وإنما بالشبكات الممتدة بين العامل وصاحب العمل. وبالتوازي مع الانتهاء من تفكيك الصناعات الثقيلة، كان التوسع العمراني الذي بدأ سنة 1994، وكانت المدن الجديدة صناعية سكنية (فلم تكن مدينة الحرفيين مجرد استثناء)، وبدأت وزارة الإسكان في التوسع العمراني في الأراضي المتاخمة للقاهرة والمملوكة للقوات المسلحة.

نال هذا التوسع العمراني قسطًا من دعم الدولة بالإسراع بشق الطرق وبناء الكباري والمحاور المرورية التي يحتاجها، وبدا ذلك تحولًا هامًا في سبل صناعة الثروة من الصناعة للأراضي[5]، وتحول ما تبقى من الصناعات من داخل المدن لخارجها، وتغير التوزيع المكاني للصناعات، بحيث لم تعد وحدة القطاع أو النشاط هي ما تربط بين مصانع المنطقة الواحدة، ومن ثم تضاءلت إمكانيات التنظيم المتجاوز للمصنع الواحد،[6] وضعفت قدرة العمال على التنظيم، فصارت اليد العليا لأصحاب ما تبقى من مصانع، ما أتاح إعادة توجيه رأس المال المستثمر في الصناعة إلى أنشطة أخرى.

وبحلول الألفية الثانية، كانت السبل الجديدة لصناعة الثروة تحتل الصدارة. وامتازت هذه السبل بعدة خصائص، أهمها، بالإضافة لمحدودية اعتمادها على العمل والعمال، كان استنادها لاحتكارات قانونية تحميها القوة، فالأرض لكي تُستخدم في مشروعات التنمية العقارية أو في السوق السياحي تحتاج لمالك يتمتع بسائر الحقوق بموجب هذه الملكية حتى لا ينازعه أحد في أي من منافع الأرض. بينما يفتقر فرْضُ الجمارك على الواردات والرسوم على مرور سفن القناة لاحتكار هذا الحق ولوجود القوة المادية الحامية لهذا الاحتكار، كما أن التربح مما في باطن الأرض من المواد النفطية يحتاج أولًا لقطع السبيل أمام كل الآخرين ممن يدعون الحق في هذه المخزونات.

يفتقر فرْضُ الجمارك على الواردات والرسوم على مرور سفن القناة لوجود القوة المادية الحامية لهذا الاحتكار

وما تبقى من الصناعات الرابحة (وهي بالأساس صناعات كثيفة استعمال الطاقة، كالأسمنت والسيراميك والحديد، وغيرها من الصناعات الخادمة لتوسع السوق العقاري، ولا تحتاج لعمالة كثيفة) قام على «تراخيص احتكارية» يحصل عليها «المحاسيب»، ويحصلون بها على طاقة مدعمة، حيث وصل «الدعم السخي» لهذه المصانع في 2007 لحصول أربعين مصنعًا على حوالي 65% من إجمالي الدعم الموجه للصناعة، رغم أن إسهامها في الناتج الصناعي لم يتجاوز الـ20٪، ورغم كونها لم تشغّل غير 7٪ من العاملين، ما يعني أن الدعم تحول أرباحًا في أرصدة الملاك البنكية، وبالتالي فلم تتوفر هذه المزية الاحتكارية لغير المحاسيب.

هذا التحول في سبل صناعة الثروة عكسته التغيرات في السياسات الضريبية والمالية، حيث انتقل الحمل الضريبي من ضرائب الدخل (التي تحتاج زيادتها لاستثمار في «الموارد البشرية» يزيد من قيمة العمل) إلى ضريبة المبيعات (وهي ضريبة على حركة السلع لا تستلزم أي استثمار في البشر) التي فُرضت في السنة المالية 1991/1992.

انتهى «التمييز الإيجابي» للتصنيع (الذي كانت ضريبته 32٪، في مقابل 40٪ ضريبة على الأرباح التجارية وأرباح المهنيين) بخفض الضريبة وتوحيدها بنسبة 20٪ للكافة، كما استغلت الدولة احتكاراتها لأموال التأمينات والمعاشات (بحكم القوانين المنظمة لها) لفرض «ضريبة احتكارية» عن طريق الاقتراض من هذه الصناديق بفوائد كانت أقل من نسبة التضخم، حيث كان متوسط سعر الفائدة 6٪، بينما متوسط نسبة التضخم 20٪، أي أن الموازنة كان تُموَّل عن طريق فرض هذه الضريبة الإضافية على الفقراء[7].

لم يكن الهدف في البدء استثماريًا وإنما كان توفير الخدمة، فظهرت المدارس الخاصة والتعاونية والمستشفيات الخاصة التي تقدّم خدمة بمستوى أعلى قليلًا، وقتها، من القطاع العام المتراجع، فتآكلت مساحة «المساواة»

وبسبب صعود «المحاسيب»، بفعل هذه السبل الجديدة للكسب، فقد توازى مع ذلك تمكين عدد صغير من هؤلاء المحاسيب من الموارد المالية بالبنوك، والتي ساهمت في زيادتها تحويلات العاملين المصريين في الخليج، وكذلك التضييق على شركات توظيف الأموال التي كانت منتشرة إلى ذلك الحين ـ أي من بداية التسعينيات إلى منتصفها، على نحو أخل بعدالة الفرص، إذ حصل 0.19٪ من المقترضين في 2006 على 51٪ من إجمالي القروض البنكية[8]، واستحوذت ثلاثون شركة مملوكة لكبار المحاسيب في 2010 على نحو 40٪ من الأموال المتوفرة للاقتراض البنكي[9].

هكذا تمكن المحاسيب ـ ممن استفادوا من قبل من علاقاتهم بأصحاب القرار في الحصول على امتيازات احتكارية في مجال الاستيراد والتصديرـ من تأمين قنوات احتكارية أخرى مكّنتهم من أموال المودعين، فوجّهوها بعيدًا عن الصناعة إلى حيث السبل الجديدة لصناعة الثروة من استثمار عقاري وسياحي بالأساس.

أثمرت هذه التحولات عن أمرين مترابطين، أولهما إعادة توجيه الموارد للاستثمار في مجالات لا تصنّع فرص عمل، ومن ثم تنامي البطالة وتدهور أحوال العمال (حيث انخفض متوسط الأجر الحقيقي للعامل بنسبة 8٪ بين عامي 1990 و1995[10])، وثانيهما أنه مع التخلي عن التصنيع وتضاؤل أهمية توفير التعليم والصحة لفئات واسعة، لجأ «المحاسيب»، والشرائح الأكثر قدرة، لتوفير هذه الخدمات بعيدًا عن القطاع العام.

لم يكن الهدف في البدء استثماريًا وإنما كان توفير الخدمة، فظهرت المدارس الخاصة والتعاونية والمستشفيات الخاصة التي تقدّم خدمة بمستوى أعلى قليلًا، وقتها، من القطاع العام المتراجع، فتآكلت مساحة «المساواة»، وإن بقيت مع ذلك أساسًا، في التشارك بين الجميع في الجامعات (حيث لم تظهر الجامعات الخاصة بكثافة إلا في العقد الأخير من حكم مبارك) وفي الفضاء العام المديني ووسائل الترفيه (حيث ظلت الشواطئ الخاصة مثلًا استثناء طوال هذه المدة) رغم تركها بعض المجال لمساحات «متميزة» لا يحصل عليها الكافة، كالمدارس والمستشفيات والتجمعات السكنية والأندية الرياضية والاجتماعية «المسوَّرة» (حقيقة ومجازًا)، بمعنى أن تلك المجتمعات المسورة بقيت ـ حتى نهاية التسعينيات على الأقل ـ استثناءً من أصل عام، هو المساواة.

دوائر الاستثناء والمساواة المنقوصة: تشكلات النيوليبرالية في التسعينيات:

لم يكن انتصار الطرق الجديدة لصناعة الثروة حاسمًا، ولا كان انتصار «اللامساواة» على المساواة حاسمًا، إذ ظل جهاز الدولة (والمتشكل من خلال طفرات التعليم) منحازًا، بسبب استبعاد معظمه من السبل الجديدة لصناعة الثروة، إلى مفردات عالم المساواة (والمقصود هنا ليس المساواة المطلقة، فبنية هذا الجهاز ترى في «المدنيين» عيالًا يفتقرون لدولة تقوم على أمرهم وترعاهم، وإنما كان المقصود التساوي في تلقي الخدمات، ولدى التقاضي، أي المساواة بين الأفراد مع خضوعهم لمؤسسات غير ديمقراطية، ملتزمة ـ بحكم تكوينها ـ بخدمتهم، جزئيًا على الأقل). وكان انحياز معظم جهاز الدولة لمفردات المساواة حاسمًا إلى حد بعيد، لافتقار الاحتكارات التي تقوم عليها سبل صناعة الثروة للغطاء القانوني وللحماية بالقوة، وكلاهما لا يقدر على توفيره غير هذا الجهاز.

ولكن خلال التسعينيات ضعف تأثير هذا الانحياز، بسبل مختلفة، أولها حزمة القوانين التي صدرت لإخضاع جهاز الدولة بالكامل لإرادة قيادته العليا، فيما أسماه المستشار طارق البشري في حينه بـ«علم الاستبداد والطغيان»، كالقانون 203 لسنة 1991 الذي أخضع شركات القطاع العام لوزير واحد صار يعيّن جمعياتها العمومية ويرأسها، وتعديلات القانون 232 لسنة 1959 التي أخضعت ضابط القوات المسلحة ـ من بلوغه منتصف عمره الوظيفي تقريبًا ـ لنظام التجدد السنوي الذي يحال دونه للتقاعد، فصار «البقاء في العمل بدلًا من أن يعتمد على الضمانات الموضوعية والحقوق وما نسميه بالمراكز القانونية والثابتة، صار يعتمد على أن الأصل هو الخروج من الخدمة وأن البقاء يعتمد على المشيئة الفردية»، والقانون 20 لسنة 1998 الذي فعّل الأمر ذاته في جهاز الشرطة، والقانون 142 لسنة 1994 الذي أخضع الجامعات، بجعل اختيار العمداء بالتعيين «وزاد من فاعلية القرارات التي تصدر من أعلى وجعل من حق المستوى الرئاسي الأعلى أن يرأس اجتماعات المجالس الأدنى وغير ذلك»[11].

تآكل تأثير المقاومة من خلال إشراك الطرف الأقوى المقاوم، الجيش، في التحولات بوسائل عدة، أولها تمكينه من الاستفادة من القنوات الجديدة لصناعة الثروة من خلال «بنك الأراضي» العملاق الذي يملكه، والذي يحف بالمدن الكبرى، وأهمها القاهرة، من كل الجهات تقريبًا

توازى ذلك مع فتح الباب واسعًا في القطاعات المدنية للجهاز أمام «الحلول الفردية» المرتبطة برضا القيادات العليا، والتي تمثلت في فرص للإعارات للخليج، والندب في جهات توفر عوائد مادية أفضل.

كما تآكل تأثير هذه المقاومة من خلال إشراك الطرف الأقوى المقاوم، الجيش، في التحولات بوسائل عدة، أولها تمكينه من الاستفادة من القنوات الجديدة لصناعة الثروة من خلال «بنك الأراضي» العملاق الذي يملكه، والذي يحف بالمدن الكبرى، وأهمها القاهرة، من كل الجهات تقريبًا، بحيث يحقق أي توسع عمراني مصالحه.

وثانيها منحه «استثناء مزدوجًا» سمح له، من جهة، بالمنافسة ضد القطاع الخاص في المشروعات المختلفة، ومن جهة أخرى، بالإبقاء على صناعاته (التي تشكلت في أعقاب اتفاقية السلام مع إسرائيل، ومثّلت منذ ذلك الحين مصدر دخل رئيسيًا للجيش في ظل تضاؤل الإنفاق العسكري وتآكل حصته من الموازنة العامة للدولة) ومصالحه (كدور الأفرع المختلفة للقوات المسلحة، ومساكن الضباط ومصايفهم ومتنزهاتهم وامتيازاتهم، والحق في فرض التجنيد على الكافة وتشغيلهم في صناعاتهم بأجور زهيدة)، بعيدًا عن التهديدات المختلفة (كالخصخصة التي أتت على الأخضر واليابس في القطاع العام، وكاستثناء هذه الصناعات من الضرائب والجمارك، واحتكارها لحق الحصول على المشروعات الكبرى بالأمر المباشر، واستمرار أحقيتها في تشغيل المجندين)[12].

عوّضت تلك الأرباح قصور الإنفاق الحكومي عن الإنفاق العسكري المطلوب للتسليح والمرتبات، كما ساهم جهاز مشروعات الخدمة الوطنية في تخفيف وطأة التحولات الاقتصادية عن «محدودي الدخل».

هكذا، خدم «الاستثناء العسكري» التحولات الاقتصادية، بتخفيف حدة مقاومتها، وبإعادة تعريف دور الجيش في الحياة المدنية ليكون «رعاية محدودي الدخل»، بعدما أن أصبح الأمن وظيفة الشرطة (التي نجحت خلال التسعينيات في تقويض نشاط جماعات العنف، ومن ثم السماح بالتوسع في النشاط السياحي، كما نجحت في تأمين عمليات تفكيك الصناعات الثقيلة وضرب الحركات العمالية المقاوِمة، فصارت الشرطة بالتالي هي الأقرب لتمثيل النخب الجديدة، ما انعكس على تمويلها وتسليحها والمكانة التي حازتها، إذ تضاعفت ميزانيتها سبعة أضعاف بين العقد السابق على سنة 2002، وسنة 2008، لتصل إلى 3.3 مليار دولار، بينما لم تتضاعف ميزانية القوات المسلحة سوى مرة واحدة في الفترة ذاتها[13]).

بهذا تحول خطاب النظام من المسؤولية عن ضمان «المساواة» إلى رعاية محدودي الدخل، حيث ظل الرئيس مبارك يكرّر مقولته الشهيرة بأنه «لا مساس بمحدودي الدخل»، الذين بقيت مؤسساتهم، من تعليم وصحة، حية، وبقي الدعم الموجه إليهم (ولرغيف الخبز بالأخص) قائمًا، يحمي الجيش وجوده ويتدخل لتوفيره إذا لزم الأمر، بالاستناد لخطاب «رعاية محدودي الدخل» في الحفاظ على امتيازاته وتحجيم دور رجال الأعمال الذين تحكموا في سبل صناعة الثروة، وشاركهم فيها الجيش بهذه الدعاوى، دون أن يحل محلهم.

ومع حلول «رعاية محدودي الدخل» «محل المساواة»، اتسعت فجوات الدخل بشكل كبير (بلغ نصيب العُشر الأعلى دخلًا حوالي 61٪ من إجمالي الثروة في مطلع الألفية، وزادت النسبة إلى 65.3٪ و 73.3٪ في عامي 2007 و2014 على التوالي)[14].

كما اتسع المجال لـ«دوائر الاستثناء» التي صارت أيضًا «دوائر استثمار» بعيدة عن عمليات الإنتاج؛ تعطي لمن بداخلها امتيازات أوسع بكثير مما يحصل عليه العامة في الخارج، فاتسع التعليم الخاص ووصل للمرحلة الجامعية وصار استثماريًا (بل واتجهت الجامعات الحكومية إلى إنشاء الأقسام «المميزة» التي يدخلها الطلاب بمقابل مادي كبير، مع بقاء «التعليم المجاني» وتدهور مستواه. كان مبرر فتح هذه الأقسام المميزة توفيرها موارد مالية يمكن توجيهها لضمان استمرار التعليم المجاني خارجها. أي أنه نتيجة لحلول «رعاية محدودي الدخل» محل «المساواة»، صار بالإمكان التذرع بالحاجة لتوفير الأموال لتلك الرعاية في تعميق الفروق وتضييق مساحات المساواة).

كما اتسعت المستشفيات الاستثمارية، وتوسعت التجمعات السكانية المميزة الجديدة في شرق القاهرة وغربها (وعلى نطاق أضيق كثيرًا في الإسكندرية، غير أن هذه الظاهرة لم تمتد بشكل ملحوظ لبقية المحافظات)، وظهرت الأندية الخاصة، وحل الاستثمار تدريجيًا محل الممارسة في التعامل مع الأنشطة الرياضية، وتآكل الفضاء العام (في الساحل الشمالي والإسكندرية على سبيل المثال، لم تعد هناك عمليًا شواطئ عامة، ولم يعد ثمة سبيل للسكان ـ في الإسكندرية، وكذا في مدن كالحمام والعلمين ـ لرؤية ماء البحر، فضلًا عن السباحة فيه، وفي مدن كالقاهرة ضاقت مساحة المتنزهات العامة، ولم يعد استعمال المتاح منها مجانيًا، بل صارت رسوم الدخول تمثل تكلفة ثقيلة لا تتحملها ميزانيات الأسر المتوسطة إلى المحدودة الدخل).

مع الوقت، صار التشكيل الحكومي يجري من خلال هذه الدوائر الاستثنائية، فجاءت الوزارة الثانية للدكتور أحمد نظيف بوزراء للصحة والنقل والإسكان، على سبيل المثال، منتمين لهذه الدوائر الاستثنائية.

مع الوقت، صار التشكيل الحكومي يجري من خلال الدوائر الاستثنائية

افتقر تأمين وتوسيع الاحتكارات وحسم انتصارها لركنين: الغطاء الشرعي الذي يبرر توسيعها، والقوة المادية التي تسمح بالتمدد.

أما عن القوة المادية، فقد تمثلت في قوات تنفيذ القانون والتي وُكلت إليها حماية تلك الاحتكارات الجديدة، وأما عن الغطاء، فقد تمثل في خطاب اقتصادي لا ينظر لغير الأرقام الاقتصادية كمعدلات النمو ونسب التضخم، ويسمح بالتالي بتهميش تكلفة هذه الاحتكارات على البشر وآثارها على البيئة وحقوق الأجيال القادمة، ويسعى بشكل متزايد لتحويل كافة المواقف الأخلاقية والسياسية والبيئية لمؤشرات رقمية تدخل الحسابات الاقتصادية.

هذا الخطاب صدر في النصف الأول من التسعينيات عن مؤسسات سيّدت لغة اقتصادية نيوليبرالية ترى في المؤشرات السوقية المصدر الأوحد للحقيقة المعيارية، على غرار الإصدارات الاقتصادية المتصلة بالمعونة الأمريكية، والمركز المصري للدراسات الاقتصادية، الذي كان طوال التسعينيات «حضّانة» جمعت النخبة الاقتصادية الجديدة. وذلك كله بالتوازي مع الإغلاق العنيف للمجال أمام أي تصورات اقتصادية أخرى، على نحو أدى لاحتكار المجال الخطابي من قبل التصورات النيوليبرالية بتفريعاتها[15].

وضيّق هذا بدوره بشدة من مساحات المطالبة بالمساواة أو إعادة التوزيع في الاقتصاد، حيث صارت غاية ما تمكن المطالبة به هي «حماية محدودي الدخل» وفق المنطق الاقتصادي ذاته، وهي الحماية التي ساهمت في ترك بعض المساحات (كبعض الأراضي، والخدمات كالماء والكهرباء التي يحصل عليها الفقراء) خارج إطار التسليع، وخارج سياسات «العرض والطلب» باعتبارها مسؤوليات وخدمات ينبغي على الدولة توفيرها للكافة، بل ربما كان توفيرها للأضعف منهم أولى.

ثم، ومع مطلع القرن اتخذ الخطاب منحى جديدًا بظهور مشروع هرناندو دي سوتو المدعوم من صندوق النقد والمؤسسات الدولية، والترويج له، وهو المشروع الذي رأى في تقنين الملكية الخاصة وتقوية حقوق الملكية (ومن ثم توسيع الاقتصاد الرسمي والتضييق على «الاقتصاد الموازي») سبيلًا للخروج من دائرة الفقر في دول العالم الثالث[16].

وبالتالي فتح المشروع الباب لتسليع ما كان سابقًا خارج السوق، كما فتح الباب أمام انتزاع أراض ومساكن كان يحوزها الفقراء سابقًا، (وبلغت، بحسب دي سوتو، ٩٢٪ من إجمالي المساكن المأهولة في مصر)[17]، وكذا لإعادة النظر في تدابير كانت متخذة سابقًا لضمان قدرٍ من إعادة التوزيع، ومنها القيود التي كانت مفروضة على إيجارات المساكن والأراضي الزراعية، ما ألغى انحيازات سابقة ضد التربح عن طريق تلك الاحتكارات القانونية (المتمثلة في حقوق الملكية، والتي كانت ـ بفعل تلك التدابير الموروثة من الناصرية ـ منقوصة) التي كانت تمثل حافزًا للاستثمار في التصنيع، لا في التملك.

وغني عن البيان أن كلا من الركنين؛ القوة والغطاء الخطابي، لتوسيع الاحتكارات، واجها مقاومة شرسة في العقد السابق على الثورة، أبقت قدرًا يسيرًا من «الموارد» خارج إطار التسليع كما سبق.

وبين الرغبة في التمدد الاحتكاري ومحاولة مقاومته، دارت الصراعات حول الأرض الزراعية والسكنية في السنوات السابقة على الثورة.

بخصوص الأراضي الزراعية، فقد شهدت التسعينيات صراعات مكثفة من أجل فرض احتكار «الملاك» ونزع أي يد «أخرى» لمستأجر وغيره، بتقوية «حقوق الملكية»، فصدر القانون 96 لسنة 1992 الخاص بتحرير أسعار إيجارات الأراضي الزراعية. ومع بدء تطبيق القانون في 1997 ارتفعت أسعار الإيجارات حتى بلغت نسبة الارتفاع 400٪ بحلول عام 2002،[18] ما أدى لطرد نحو 900 ألف مزارع من الأرض في الفترة ذاتها [19].

وبينما كان الخطاب في الإعلام والبرلمان يشير لهؤلاء المطرودين باعتبارهم «كسالى، وأغنياء، يتغذون على مزايا حصلوا عليها من الثورة الناصرية ولم يعد لها محل في مصر الحديثة»[20]، فقد  حالت مقاومة هؤلاء دون تمدد هذه الصور الاحتكارية للملكية، إذ سقط 49 قتيلًا في صراعات على الأرض في السنة التالية لدخول القانون حيز التنفيذ، ولم توفر الحكومة أراضي بديلة إلا لـ1.5٪ من المتضررين من القانون،[21] ما أدى لهجرة أعداد كبيرة سكنت حواف المدن وبالأخص القاهرة الكبرى، التي صار ثلاثة أرباع سكانها يسكنون في مناطق ومنازل غير مخططة للسكنى[22] وشكل وجودهم وتناميهم تهديدًا اضطر السلطة لإبطاء وتيرة التغييرات الاحتكارية.

صارت ثلاثة أرباع السكان تسكن أماكن غير مؤهلة لذلك

أما عن أراضي المباني، فقد كان «غزو الصحراء» وبناء المدن الجديدة، بمعنى ما، إعلانًا عن فشل محاولات الاستيلاء على الأملاك غير المقنَّنة للفقراء في داخل العاصمة، إذ أعلن محافظ القاهرة في سنة 1997 عن خطة لـ«خصخصة المناطق العشوائية»، تسمح للمستثمرين بالحصول على الأرض التي يقطنها الفقراء، مقابل دفع تعويضات ضئيلة لهم، بعد وصف هذه المناطق، ووصف سكانها أحيانًا، بـ«العشوائية»، وتصويرها، وإياهم، كمصدر للخطر، والالتجاء للغة قانونية ـ سمح بها الخطاب الاقتصادي، ثم عضّدها مشروع دي سوتو ـ صوّرتهم كـ«معتدين على حق الدولة في الملكية».

وقتها، اعتبر محافظ القاهرة هذه الإجراءات ضرورية للاستخدام الرشيد لأراضي المحافظة وفق خطة اقتصادية، والتي رأى إمكانيتها منعدمة في ظل «الاستخدام العشوائي» للأرض من قبل الفقراء.[23]

في القاهرة، ثم الإسكندرية بالأخص، اتسعت محاولات الحصول على أراض قيمة يقطنها الفقراء، مع الاستناد لجهاز الشرطة في طردهم، كما جرى قبل الثورة في حي طوسون في الاسكندرية، وبعدها في رملة بولاق والوراق في القاهرة على سبيل المثال، وهي محاولات لاقت مقاومة شرسة من السكان، مقاومة حالت دون البسط الكامل للاحتكارات، واضطرت المستثمرين للجوء للصحراء (ودعمهم الحكام بتوجيه الموارد لشق الطرق وبناء شبكات المياه والكهرباء).

كما أبقت المقاومة، والتي امتدت خلال سنوات ما قبل الثورة، على بعض الموارد، من أراض وكهرباء ومياه، خارج إطار الاستغلال والتسليع، أبقتها كخدمات ينبغي على الدولة توفيرها.

كان هذا الأمر مُتفَّهمًا قبل الثورة، رغم سيادة اللغة الاقتصادية النيوليبرالية التي لا ترى بغير عين السوق ومؤشراته، في ظل الالتزام الخطابي برعاية محدودي الدخل، أو على الأقل بعدم المساس بهم.

إجابات متباينة: سؤال المساواة في لحظة الثورة:

وصل التناقض لغايته عشية الثورة، بين خطاب ومشروع يقوم على التنافس وتسييد لغة السوق، ومن ثم انعدام المساواة واتساع مجال التسليع، وبقايا خطاب آخر يستند للغة حقوق المواطنة التي تسعى لتعزيز المساواة، أو على الأقل تفترض المساواة بين الأفراد من حيث كونهم ذواتًا قانونية متساوية الحقوق والواجبات.

كان المشروع الأول يخص الأطراف الصانعة للثروات الجديدة، من المحاسيب وحلفائهم الذين صعدت أسهمهم في العقد السابق على الثورة، بالإضافة لصعود جهاز أمن الدولة باعتباره «السيد الجديد»، في ما سُمي وقتها بصعود «الدولة البوليسية» كبديل لـ«الدولة العسكرية».

ازداد نفوذ هذه النخبة الجديدة في البرلمان (حيث ارتفعت نسبة رجال الأعمال في البرلمان من 12٪ في مجلس 1995 إلى 22٪ في مجلس 2005)[24] والحزب الحاكم (حيث سيطر رجال الأعمال، عن طريق جمال مبارك، على «لجنة السياسات» في الحزب الحاكم، والتي صاغت البرنامج الاقتصادي)، والحكومة (حيث ارتفع عدد رجال الأعمال في الوزارة من اثنين في حكومة نظيف الأولى سنة 2004 إلى ستة بعدها بسنتين)، كما سيطرت هذه النخبة الجديدة بشكل شبه كامل على القطاع المالي (سواء في الوزارة أو البنك المركزي أو مجالس إدارات البنوك)، وظهر بعض رجالاتها في مواقع كانت من قبل مقتصرة على «نخب الدولة» (المتبنية لخطابات المساواة تحت القانون) على غرار وزارات الخارجية والتموين والإعلام وغيرها.

سيطر رجال الأعمال، عن طريق جمال مبارك، على «لجنة السياسات» في الحزب الحاكم، والتي صاغت البرنامج الاقتصادي

كل هذا، فيما تمترس أصحاب المشروع الثاني (أو من اصطُلح في حينها على تسميتهم بـ«الحرس القديم») في المؤسسة العسكرية، ويليها القضاء، واحتفظوا ببعض التواجد في دوائر الرئيس، وبعض دوائر البيروقراطية، بالإضافة لاستمرار وجودهم (وإن كانوا كطرف أضعف) في داخل الحزب الحاكم.

ركّزت لغة المعسكر الأول على «النجاحات الاقتصادية» التي جعلت الاقتصاد المصري من الاقتصاديات الأسرع نموًا في العالم، حتى استحق الإشادة في التقارير المتتالية لصندوق النقد الدولي، بينما ركزت لغة المعسكر الثاني على مؤشرات (اقتصادية رقمية أيضًا) كزيادة معدلات الفقر من 16.7٪ سنة 2000 إلى 19.6٪ في 2005،[25] وتعمُقِ اللامساواة بين الريف والحضر بوصول معدلات الفقر في الريف لنسبة 43.7٪[26]. واستند المعسكر الثاني للمؤسسة القانونية في كسر بعض دوائر الاحتكار (كالحكم الناقض لاحتكارات الغاز وتصديره) والمدافعة عن بعض معانى «المساواة» و«رعاية محدودي الدخل» (كالحكم بإلزام الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور).

كانت الثورة في أحد أبعادها إذن لحظة صدام بين مشروعين؛ مشروع ينطلق من فرضية المساواة باعتبارها الأصل، ومشروع آخر يرى الأصل هو التنافس لا التساوي والتكافل

غير أن تسيد احتكار اللغة النيو ليبرالية للاقتصاد (بسبب الإغلاق العنيف للمجال العام كما سبق) منع من تطوير هذا البديل المطالب بالمساواة إلى مشروع يقوم على تصورات جدية لإدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحد من التسليع.

كانت الثورة في أحد أبعادها إذن لحظة صدام بين مشروعين؛ مشروع ينطلق من فرضية المساواة باعتبارها الأصل (وإن كان بعضه يقبل أحيانًا ببعض دوائر الاستثناء)، ومشروع آخر (بعضه في أروقة الحكم وشبكاتها، وبعضه في الميادين) يرى الأصل هو التنافس لا التساوي والتكافل، يريد بعضه (في الميادين) تحسين شروط التنافس، بالقضاء على «الفساد والمحسوبية» من غير تغيير الأسس التي تقوم عليها معادلة الحكم.

في لحظة المواجهة الأولى انهارت عصا الشرطة الحامية للاحتكارات (التي مثلت الأساس المادي لتحالف الحكم)، فانهارت بعض الاحتكارات، أحيانًا بفعل الثورة نفسه (كما حدث لدى شلِّ القطاع السياحي بسبب «الانفلات الأمني»، وكذا شل بعض قنوات الاحتكار كتصدير الغاز بفعل «التخريب» الثوري المتمثل في قطع خطوط التصدير)، وأحيانًا بأفعال فردية استفادت من غياب العصا الحامية للاحتكارات (كما حدث في «سرقة» المحلات التجارية لرموز النظام وبعض المراكز التجارية الكبرى، واحتلال المساكن الخاوية كما حدث في مساكن النهضة، والتوسع في «تهريب» السلاح والسلع بدون مرورها بالجمارك وغير ذلك).

غير أن السيادة الخطابية المتشكلة عبر سنوات منعت من توسع كسر الاحتكارات، إذ سرعان ما هيمن على الثورة خطاب «أخلاقي» يدين «العنف» و«السرقة» الصادرين عن الثوار، حتى قبل أن يحل الجيش محل الشرطة في الحماية المادية للاحتكارات.

هكذا ساهمت هذه السيادة الخطابية في خفض سقف الممكن، ولم تسمح اللغة المتاحة بتجاوز ثنائية «العام» و«الخاص» في الملكية، ولا بفك الارتباط بين «العام» و«الحكومي»، ولا لمناقشة حدود «حقوق الملكية» وإعادة النظر في حدود المطروح للتمليك والتسلع، ما حال دون تحول خطاب المساواة إلى مشروع جاد يمثل بديلًا لمشروع الاحتكارات.

ومع ذلك ظلت الجماهير قادرة على الفعل، إذ مكّن ضعف عصا الأمن، من جهة، وشرعية الفعل الجماهيري، من جهة أخرى، من وجود حركة تعطّل قنوات صناعة الثروة، أو تهدد بكسرها على الأقل.

أمام هذا التهديد والعضِّ على الأصابع في غياب المشروع، تحول الموقف التفاوضي للمتحكمين في قنوات صناعة الثروة من الضعف إلى القوة وحسم الأمر (بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات تقريبًا، كان الوسيط فيها الجيش ثم الإخوان ثم التحالف المتشكل في الأسابيع والأشهر القليلة اللاحقة لتدخل الجيش في 3 يوليو 2013) بهزيمة نهائية لمشروع المساواة.

لم يكن النظام الذي تشكل عبر النصف الثاني من ٢٠١٣ إذن «بونابارتيًا» ولا كان «مباركيًا بغياب مبارك»، وإنما كان نظامًا جديدًا، تشكل على أساس الاحتكارات الاقتصادية، واختلف عن الأنظمة السابقة على الثورة، بعدم وجود أي شرعية حقيقية لأي خطاب يفترض المساواة أو يدعو لها، ويشتبك مع هذه الاحتكارات فينتج درجة مؤثرة من إعادة التوزيع. كما اختلف مع سابقه من حيث تدخل الجيش بنفسه، بوصفه اللاعب الرئيسي في صناعة الثروة، مع كونه الحامي للاحتكارات القانونية، بحيث اتحدت صناعة الثروة مع حماية سبلها في مؤسسة واحدة.

اختلف الوضع أخيرًا بتغير الوضع الإقليمي، بسبب ردة فعل ممالك الخليج على الثورات العربية وانحيازها الحاسم لصالح سلطة 3 يوليو التي دعموها بأشكال متعددة، منها التمويل المباشر وقطع التمويل عن قوى المعارضة

كما اختلف النظام عما سبقه من حيث شعور حلفاء الحكم الأصغر، من رجال أعمال وقضاة ومؤسسات دينية في الأزهر والكنيسة، بتهديد وجودي في لحظة التأسيس، إما بسبب الثورة، أو بسبب وجود الإسلاميين، ممثلين في الإخوان المسلمين، في الحكم، ما سمح بتنازلهم عن الكثير من مصالحهم ومطالباتهم التقليدية مقابل الحفاظ على وجودهم.

كما اختلف الوضع أخيرًا بتغير الوضع الإقليمي، بسبب ردة فعل ممالك الخليج على الثورات العربية وانحيازها الحاسم لصالح سلطة 3 يوليو التي دعموها بأشكال متعددة، منها التمويل المباشر وقطع التمويل عن قوى المعارضة، وتغير الوضع الدولي بسبب آثار الأزمة المالية (الممتدة من 2008، والتي كانت أحد أسباب الثورات في المقام الأول)، وتزايد المخاوف الأوروبية من انفجار الأوضاع على نحو يؤدي لتنامي وتيرة العنف وتهديد المصالح الاقتصادية وتفجر أزمة اللاجئين.

كل هذه  العوامل فتحت مجالًا للحكام للاستناد إلى دعم دولي وتحجيم أي نقد موجه لهم وأي دعم موجه لخصومهم السياسيين أو القوى المجتمعية الراغبة في أي قدر من التغيير.

في ظل هذه الصيغة الجديدة، أمكن للحكام توسيع الاحتكارات على نحو غير مسبوق، إذ لم يعد ثمة دافع حتى للإبقاء على مشروع دي سوتو بتقنين وضع اليد، بل أدين ذلك باعتباره اعتداءً على أراضي الدولة، وسرقة تستحق المواجهة. كما وجّه الرئيس لضرورة حماية هذه الاحتكارات من الفقراء القاطنين في هذه الأراضي. فاتسعت احتكارات الأراضي، بدءًا بتدخل مباشر لحيازة جزيرة القرصاية رغم حصول أهلها على حكم قضائي بأحقيتهم في البقاء فيها في ٢٠١٢، ثم تمدد مع انهيار صيغة الحكم الانتقالية وصعود الرئيس السيسي لسدة الحكم كما حصل في جزيرة الوراق.

وإضافة لاحتكارات الأراضي، اتسعت احتكارات أخرى، فصدر القرار الجمهوري 233 لسنة 2016 بمنح المؤسسة العسكرية امتيازات الأراضي المحيطة بالطرق السريعة الجديدة، وتوسعات واحتكارات الطرق الممكنة من فرض الرسوم على الحركة والإعلانات، وفرض الرسوم الجمركية على حركة البضائع واستغلال التحكم في الحدود في التربح من هذه الحركة، واحتكارات مشروعات البنية التحتية بالأمر المباشر (حيث حصل الجيش، والمؤسسات الاقتصادية التابعة له، في الأشهر العشر اللاحقة لعزل مرسي، على مشروعات بقيمة 770 مليون جنيه[27]. ولا شك أن الأمر استفحل مع اكتمال هزيمة خطاب الثورة) مع إعادة توزيعها على المقاولين المختلفين من الباطن، والحصول في مقابل ذلك على نسبة من أموال المشروعات، في ما تمكن مجددًا تسميته بـ«الضرائب الاحتكارية»، وأخيرًا نقل الحمل الضريبي من الضرائب على الدخل (التي تتطلب زيادة حصيلتها، كما سبق، زيادة قيمة العمل ومن ثم الاستثمار في التعليم والصحة وغير ذلك) إلى ضرائب تُفرض على الخدمات وحركة البضائع (كضريبة المبيعات المفروضة منذ التسعينيات، والتي أضيفت إليها ضريبة القيمة المضافة)، واحتكار التصرف في موارد الدولة بعيدًا عن الرقابة القضائية وحق المساءلة الشعبي (بالقانون 32 لسنة 2014، والذي منع المحاكم الإدارية من النظر في العقود التي تعقدها مؤسسات الدولة مع رجال الأعمال، والخاصة ببيع الأراضي والتوريدات وغير ذلك، إلا إن كانت الشكوى من أحد طرفي العقد، رغم تناول هذا العقد حقًا عامًا).

أمام هذا التوسع الاحتكاري، انتقل «التنافس»، ومعه رجال الأعمال (في غير الأنشطة والصناعات الاحتكارية المشار إليها)، للهامش، بالتوازي مع احتكار المجال العام من خلال التضييق على الصحف وحجب المواقع الإلكترونية والتدخل في محتوى الفضائيات من جهة، ثم الإدارة المباشرة للإعلام، وإدارة عملية الانتخابات البرلمانية لضمان تشكيل برلماني «أليف» من جهة، والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني بالقانون المنظم لها من جهة ثالثة، بحيث لم تعد ثمة بدائل سياسية واقتصادية (من حيث الأشخاص والأفكار) مطروحة، ولم تعد ثمة جهات مؤثرة تدافع عن المتضررين من السياسات المنتهجة.

سقوط المساواة: الاحتكارات في زمن الثورة المضادة:

لم تكن هزيمة الثورة إذن مساوية لعودة النظام السابق عليها، بل أنشأت نظامًا جديدًا من حيث التصورات والالتزامات، فمع تآكل خطاب الحقوق اتسعت مجالات الاستغلال والتسليع، فشملت ما كان من قبل حقوقًا عامة لا ينبغي نزعها عن الفقراء، كالمتبقي من المجال العام، ودعم الكهرباء والماء، واستبقاء التعليم والصحة العموميين.

وفي انتقاصهم من هذه الحقوق، استند الحكام لمنطق اقتصادي، بدأ بالجملة المشهورة للرئيس السيسي وقتما كان مرشحًا رئاسيًا: «أنا مش قادر أديك» (أي أن موارد الدولة قاصرة عن توفير هذه الاحتياجات الأساسية)، ووصل لخطابه الذي فضّل فيه ادخار المليارات في البنوك للاستفادة بعوائدها على صرفها لتطوير المرافق العامة كخطوط السكك الحديد التي تهالكت وتكررت حوادثها التي تودي بحياة العشرات في كل مرة.

وعلى الجانب الآخر، جاء السيسي، وقتما كان مرشحًا رئاسيًا، بالتزام رئيسي هو «إعادة بناء الدولة». والدولة، كما لا يخفى، لفظ غامض تصعب معرفة محتواه من غير تفصيل. ويبدو في هذه الحالة أن المقصود به قنوات صناعة الثروة الجديدة، بما تحتاج إليه من عنف وقانون لتأمينها.

هكذا، بمحاولة الحاكمين الحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال من السكان، من غير أن يقابَل ذلك بإعادة توزيع لهذه الأموال، أو باستثمار جاد في التعليم والصحة، تحولت علاقة الحاكمين بالمحكومين لعلاقة «جباية» بالأساس، وإن غُلّفت بخطاب وطني تآكل تأثيره تدريجيًا.

وعززت من إمكانية المضي قدمًا في هذا المسار التصوراتُ الاقتصادية الموروثة من دي سوتو (المشار إليه وإلى مشروعه في الفقرات السابقة)، والتي نفت صفة «الفقر» عن الفقراء، وادعت امتلاكهم لموارد غير محصورة (قدّرها دي سوتو بـ55 ضعف كافة الاستثمارات الأجنبية في تاريخ مصر الحديث، بما فيها المتصلة بقناة السويس والسد العالي)،[28] ومن ثم انشغل الحكام بكيفية التنقيب عنها واكتشافها ثم تحصيلها منهم، من خلال الضرائب على الحركة وضريبة القيمة المضافة المشار إليها.

في هذه الصيغة الجديدة، لم تعد «حماية محدودي الدخل»، بمعنى الإبقاء على أملهم في مستقبل أفضل، مسؤولية الحكام، إذ لا حافز للاستثمار في البشر طالما إن عملهم ليس هو ما ينتج الثروة.

وتحول «سؤال الجماهير» بالتالي لسؤال أمني محض، يبحث في كيفية الحيلولة دون قيامهم مرة أخرى بشلِّ أو كسرِ قنوات صناعة الثروة كما حدث في ٢٠١١.

تحول «سؤال الجماهير» بالتالي لسؤال أمني محض، يبحث في كيفية الحيلولة دون قيامهم مرة أخرى بشلِّ أو كسرِ قنوات صناعة الثروة

وصار شرط مشاركة رجال الأعمال، كشريك أصغر في الحكم، هو تحملهم كلفة بعض الإنفاق على هذه الجماهير، وهو إنفاق كان لا بد أن يجري مع ذلك من خلال قنوات الحكام، من خلال صندوق «تحيا مصر»، بحيث يتحقق من خلال هذا الاحتكار عائدٌ إضافيٌ للحكام.

وتكررت دعوة الجماهير للمشاركة في هذه الرعاية لمحدودي الدخل عن طريق مشروعات خيرية متعددة، تخضع للحكام أيضًا، بتمرير قانون الجمعيات الأهلية الذي منع أي إمكانية لقيام حركة للمجتمع المدني، بأي قدر من الاستقلال عن أجهزة الدولة، ثم السماح لعدد من الجمعيات، التي تشرف عليها أطراف رئيسية في معادلة الحكم، بجمع الأموال من المواطنين عن طريق حملات إعلانية ضخمة، وصرف هذه الإعانات القادمة من القطاع الخاص في المحال التي كانت الدولة تنفق فيها من قبل.

كما وُظّفت المؤسسة الدينية في التشجيع على هذا «الخير»، ومن ثم تحويل أزمة الإفقار من أزمة سياسات تتعلق بتوزيع الموارد، التي هي مسؤولية الدولة، إلى أزمة «أخلاق»، بالمعنى الضيق المحصور في عدم إنفاق الناس بشكل كاف.

كانت هذه إذن هي صيغة الحكم الجديدة: قنوات صناعة الثروة، المستندة إلى احتكارات قانونية وقوة مادية تدعمها، والتي تحتاج لجهد القلة، وتسيّد (بل ربما تحتكر) خطابًا لا مساحة فيه لفرضية المساواة، كونه يقوم على التنافس (مع ترك مساحات هامشية للعمل الخيري)، وتوزيع جغرافي فصل بشكل متزايد بين «نوعين» من السكان: أحدهما يسكن في المجتمعات المسورة وبعض الجيوب المتبقية في المدن، ويتحرك ـ في العاصمة ـ في محيط المدن الجديدة بمدارسها ومستشفياتها. والآخر يسكن ما صار، بحكم وجود الأول، «عشوائية كبيرة» ويستعمل مواردها المتآكلة من تعليم وصحة ومواصلات.

في هذا الوضع الجديد، تحول «المواطنون»، باستثناء الأقلية ذات الحقوق، إلى «فائض بشري» يقع تحت سيطرة السلطة (بمعنى أنها تحتكر الحديث باسمه و«التصرف» فيه)

وبالتوازي مع ذلك، انتقلت إدارة الأمن من قلب مدينة القاهرة إلى القاهرة الجديدة، وبدأ البناء في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، وتعاضدت هذه الاعتبارات الاقتصادية والأمنية، لتنتج تمييزًا جليًا بين فئتين من الناس على مستويات الحقوق كافة.

في هذا الوضع الجديد، تحول «المواطنون»، باستثناء الأقلية ذات الحقوق، إلى «فائض بشري» يقع تحت سيطرة السلطة (بمعنى أنها تحتكر الحديث باسمه و«التصرف» فيه)، التي لا تمد إليه من الحقوق، كالتعليم والصحة والمرافق العامة والأمن، ما يؤمن له حياة كريمة، كما أنها لا تبدو في سياساتها مكترثة بذلك.

في الأشهر الأولى للتأسيس، كان الهاجس الأمني هو المعيار الرئيسي لعلاقة الحكام بهذه الجموع، فكان الغلق العنيف للمجال العام (بدعوى إعادة الاستقرار وإجبار الإسلاميين، من أنصار الرئيس المعزول، على القبول بعزله وبالترتيبات الجديدة)، عن طريق التحكم في الإعلام، وفرض الحظر على الحركة أحيانًا، وعودة جهاز أمن الدولة (تحت مسمى جديد)، وفوق هذا كله مذابح صيف 2013 التي أكدت أحقية الدولة في نزع الحياة عمن تشاء، ثم سلسلة القوانين والأحكام القضائية في العامين التاليين، وما سبقت الإشارة إليه من احتكار المجال العام.

وبهذا كله اتسع المجال أمام استعمال السكان، «غير المحميين»، استعمالًا يتجاوز الهاجس الأمني، أي استغلال السلطة لوضعها إزاءهم (كمتمكنة منهم ومتحررة من أي التزام تجاههم) في صناعة الثروة، وهو ما تجلى في أمور عدة.

أول استعمالات السكان لصناعة الثروة في الوضع الجديد كان استعمالهم كعمالة في قطاع الإنشاء، وهو القطاع الذي شهد نموًا في حجم العمالة في نفس الوقت الذي تآكلت فيه الصناعات في سنوات الثورة،[29] والذي اعتبر تقرير للبنك الدولي نموَه في العقد الأخير الظاهرة الأهم في مجال التشغيل في مصر (ويليه نمو العمالة في قطاع المواصلات)، كون عدد العمال فيه قد تضاعف في الفترة بين 1998 و2012[30].

وفي ظل خروج هؤلاء العمال عن دائرة الامتياز الحقوقي، صار بالإمكان التمادي في استغلالهم كقوة عاملة، إذ هم أقرب للـ«فواعلية» مسلوبي الحقوق، منهم للعمال المنظمين نقابيًا؛ يُستخدمون بأسعار زهيدة دون توفير أي حماية أو تأمين ضد إصابات العمل المتكررة، بل أمكن اعتبار أي عامل قطعةً قابلة للاستبدال بقطعة غيار أخرى في حالة الإصابة، من دون كثير انشغال بالتالف.

لم يكن هذا الشكل الوحيد للتعامل مع الجماهير كـ«قطع غيار»، إذ يبدو من اتساع سوق «تجارة الأعضاء البشرية» أن هذا الفائض البشري، ممن لم تشمله دائرة الحقوق، قد تحول لقطع غيار، لا في إطار دوائر «المعارف» (التي تمنع التسليع الكامل، حتى وإن تلقى المتبرع أموالًا نظير تبرعه، بسبب نشأة العلاقة بين طرفي التبرع واستمرارها) كما كان الحال من قبل[31]، بل في إطار تجارة منظمة يمنع فيها الوسيط وجود أي علاقة بين البائع والمشتري، الذي يتواجد في الأغلب خارج البلاد أصلًا (كما يظهر من بعض القضايا المعروضة على المحاكم حاليًا)، فتتحول العلاقة لعلاقة استغلال كاملة قائمة على نزع أي حرمة عن الجسد، وإدخاله بالكامل، وبقرار سياسي، في علاقات السوق.

استمرارية قنوات صناعة الثروة، القائمة على الممارسات الاحتكارية من جهة، وانهيار خطاب المساواة بهزيمة الثورة من جهة أخرى، أنتجا ظرفًا يُفصَل فيه بوضوح بين أقلية تتمتع بحقوق «شبه» كاملة ومزايا اقتصادية تمكّنها من التمادي في الإثراء، وأغلبية تخضع لسلطان الحكام السيادي من غير أن تمتد إليها حمايته

بالجملة، فإن استمرارية قنوات صناعة الثروة، القائمة على الممارسات الاحتكارية من جهة، وانهيار خطاب المساواة بهزيمة الثورة من جهة أخرى، أنتجا ظرفًا يُفصَل فيه بوضوح بين أقلية تتمتع بحقوق «شبه» كاملة ومزايا اقتصادية تمكّنها من التمادي في الإثراء، وأغلبية تخضع لسلطان الحكام السيادي من غير أن تمتد إليها حمايته، وهي صيغة حولتهم ـ مع عدم الحاجة إليهم كقوة عاملة ذات مهارة ـ لفائض بشري يُستغل بطرق شتى.

 وبعيدًا عن الحتميات التاريخية، فثمة ما يدعو للتشكك في استمرارية هذه الصيغة الاحتكارية بتجلياتها الحالية.

أول ذلك أن قنوات صناعة الثروة مهدَّدة من داخلها تهديدًا ينذر بشروخ في جدرانها، بمعنى أنه ثمة تململ في تحالفات الحكم القائمة منذ يوليو 2013، ذلك أن الغالبية العظمى من هذه الأطراف قد دخلت إلى هذا التحالف ـ كما سبق ـ مدفوعة بشعورها بتهديد وجودي، ودفعها هذا الشعور، وبغض النظر عن حقيقة التهديد، إلى تقديم تنازلات مهمة عن مصالحها مقابل ضمان استمرارها. ولكن مع انتفاء التهديد بالضربات الأمنية المتتالية للإخوان (والتي أضعفت التنظيم بحيث لم يعد قادرًا على الفعل)، واستمرار تهديد مصالح هذه الأطراف بشكل مباشر، ولا سيما القضاء ورجال الأعمال، يبدو أن ثمة تململًا من استمرار الوضع الحالي.

 لم يرق بعد هذا التململ إلى درجة المقاومة، لأسباب تتصل بالاعتماد الكبير على القوة المادية للحكام في ضمان استمرار مصالح هذه الأطراف، ومن هنا تبدو عبثية الكلام النظري عن البرجوازية و«نضالها» لإيجاد مساحات من الحرية والاستقلال عن الدولة، من خلال تعميم تجربة أوروبا وقت «الثورة الصناعية» ومدِّها إلى آفاق جغرافية وتاريخية تُبايِنها في أمور شتي يُغَضُّ عنها الطرف.

ملاحظات في الختام:

بدأت هذه الورقة بتقرير أن الأوضاع «على الأرض» في مصر أفضل منها على الورق، وهي ملاحظة آن أوان تفسيرها في ضوء التحليل الذي ذهبت إليه الورقة، فالنمط العام للحكم في مصر الآن يقوم على «الاحتكارات القانونية». وفي ضوئها، أي من خلال قراءة القوانين والمؤشرات الاقتصادية المعتادة، تبدو الصورة حالكة السواد، بيد أن السلطة تبدو عاجزة أحيانًا (لأسباب تتصل بضعف كفاءتها بعد سنوات من التفكك، ولأسباب أخرى أهم تتصل بمقاومة المتمسكين في الحياة) عن فرض هذه الاحتكارات بشكل كامل. ويظهر تحدي هذه الاحتكارات في صور مختلفة يصفها الحكام بـ«السرقة» و«الاعتداء» و«الخروج عن القانون».

أما «السرقة» فثمة توسع فيها يستوجب إعادة تعريفها (وهو موضوع دراسة مستقلة قادمة)، بمعنى أن ما يعرّفه الطرف الأقوى بوصفه «سرقة»، اتسع مجاله بشدة وكثرت الشكوى منه بحيث لم يعد بالإمكان اعتباره استثناء. والملفت أن هذه «السرقات» في الأغلب لا تتحدى فكرة الملكية نفسها، وإنما يقتصر تحديها على بعض الحقوق المترتبة عليها، ما يوجب النقاش حول الحدود المقبولة اجتماعيًا للملكية والحقوق المترتبة عليها بدلًا من اعتبار تلك الملفات محسومة.

يبدو استمرار أهالي جزيرة الدهب والوراق وغيرها من «العشوائيات»، في تحدي منطق الحكام الذين يدَّعون «امتلاكهم» لهذه الأرض، واستمرار الأهالي في العيش عليها، وفي استغلال موارد كـ«سرقة» الكهرباء العمومية، معضِّدًا لفكرة عدم نفاذ الاحتكارات إلى حيث يريد لها الحكام أن تنفذ

أما «الاعتداء»، فيبدو استمرار أهالي جزيرة الدهب والوراق وغيرها من «العشوائيات»، في تحدي منطق الحكام الذين يدَّعون «امتلاكهم» لهذه الأرض، واستمرار الأهالي في العيش عليها، وفي استغلال موارد كـ«سرقة» الكهرباء العمومية، كل هذا يبدو معضِّدًا لفكرة عدم نفاذ الاحتكارات إلى حيث يريد لها الحكام أن تنفذ.

وأما «الخروج عن القانون» فيتمثل أساسًا في عمليات البيع والشراء خارج إطار القانون (بدءًا من «التهريب الجمركي»، ووصولًا للبيع في المقاهي بدون «فواتير» تسمح بإضافة ضريبة القيمة المضافة التي يحصّلها الحكام)، وكذا في «الاحتكارات المقابلة» التي يفرضها البعض (كالسيّاس، الذين يتبنون منطق الحكام في الاحتكار، ويستفيدون من «خصخصة» الأجهزة الأمنية، ومن ثم «تفكيكها»، بمشاركة بعض صغار الضباط العوائد، مقابل السماح لهم بفرض احتكارات وتحصيل رسوم مقابل انتظار السيارات، في مثال منتشر وأكثر تعبيرًا عن الظاهرة من غيره، على ضآلة حجمه الاقتصادي).

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن تحدي الاحتكارات يبدو بعيدًا عن اللغة السياسية السائدة وانشغالاتها، وهي التي تتحدث، على سبيل المثال، وفي أكثر صورها صدامية ربما، عن «عسكرة الاقتصاد». ومن ثم فإنها تبقى مقاومة فردية للاحتكارات، غير مُبلوَرة في مشروع سياسي، ولا قادرة على المساهمة في تشكيل أي حركة سياسية.

الاقتتال الأهلي لم يحدث، لا لـ«استثنائية» مصر، إنما لوجود شبكات تضامن اجتماعي ضمنت ـ من خلال بنائها التكافل الاقتصادي ـ كلًا من السِلْم الاجتماعي وإمكانية الحياة رغم قسوة الظرف الاقتصادي

وعلى كل، لا تبدو هذه المقاومة للاحتكارات كافية لتفسير استمرار الحياة؛ إذ التحليل أعلاه يشير إلى أن «الدولة» قد انسحبت من مساحات واسعة من المجتمع، وأن الظرف الاقتصادي الذي تواجهه الأغلبية هو ظرف شديد القسوة. والنتيجة المباشرة لاجتماع هذين الأمرين، كما تشير جل الأدبيات التي تُعتبر أصولًا في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، هي الاقتتال الأهلي.

هذا الاقتتال لم يحدث، لا لـ«استثنائية» مصر كما يحلو لمنظري الوطنية الترويج، إنما لوجود شبكات تضامن اجتماعي ضمنت ـ من خلال بنائها التكافلي الاقتصادي ـ كلًا من السِلْم الاجتماعي وإمكانية الحياة رغم قسوة الظرف الاقتصادي.

ومن أهم هذه الشبكات (وهي كذلك موضوع دراسة مستقلة مقبلة) «الجمعيات» القائمة على الائتمان الخالي من الفوائد، «البقشيش» و«النقطة» التي يتبادلها الناس في الأفراح، وتدوير الأصول بين الجيران والأقارب، وغير ذلك من الشبكات التي لم تزل تحتاج لكشف تفصيلي عن المنطق الحاكم لها وآليات إدارتها، والتي تقدم صورة تكافلية أكثر مرونة في كثير من الأحيان.

هوامش:

[1] A. Alexander and M. Bassiouny, Bread, Freedom, Social Justice: Workers and the Egyptian Revolution, (London: Zed Books, 2014), 72

[2] J. Beinin, »Workers’ Protest in Egypt: Neoliberalism and Class Struggle in 21st Century« Social Movement Studies, 8 (2009), 449-454

[3] A. Alexander and M. Bassiouny, Bread, Freedom, Social Justice, 72

[4] J. Elyachar, Markets of Dispossession

[5] T. Mitchell, Dreamland, 28

[6] A. Alexander and M. Bassiouny, Bread, Freedom, Social Justice, 78

[7] S. Soliman, The Autumn of Dictatorship, 106

[8] S. Nasr et al., Access to Finance and Economic Growth in Egypt (Washington DC, The World Bank, 2008), 26 (http://siteresources.worldbank.org/INTEGYPT/Resources/Access_to_Finance.pdf)

[9] T. Osman, Egypt on the Brink: From Nasser to Mubarak, (New Haven, Yale University Press, 2010), 115-6

[10] T. Mitchell, Dreamland, 32

[11] المستشار طارق البشري، مصر بين العصيان والتفكك، دار الشروق 71-73

[12] Y. Sayigh, Above the State: The Officers’ Republic in Egypt, Carnegie Papers, August 2012 (http://carnegieendowment.org/files/officers_republic1.pdf)

[13] H. Frisch, “The Egyptian Army and Egypt’s Spring” The Journal of Strategic Studies, 36 (2013) 180-204

[14] Credit Suisse. (2014). Global Wealth Report 2014. Available: https://publications.credit-suisse.com/tasks/render/file/?fileID=60931FDE- .3 .A2D2-F568-B041B58C5EA591A4.

[15] R. Roccu, The Political Economy of the Egyptian Revolution, 79

[16] H. De Soto, The Mystery of Capital: Why Capitalism Triumphs in the West and Fails Elsewhere? 34

[17] H. De Soto, The Mystery of Capital, 33

[18] R. Bush, Land Reform and Counter-Revolution, in R. Bush (ed.) Counter-Revolution in Egypt’s Countryside: Land and Farmers in the Era of Economic Reform, (London: Zed Books, 2002), 3

[19] T. Mitchell, Rule of Experts, 265

[20] R. Bush, The Land and the People, in R. El-Mahdi and P. Marfleet (eds.), Egypt: The Moment of Change, (London: Zed Books, 2009), 59

[21] T. Mitchell, Rule of Experts, 265

[22] T. Mitchell, Rule of Experts, 287

[23] E. Denis, Cairo as Neoliberal City: From Walled City to Gated Communities, in D. Singerman and P. Amar (eds) Cairo Cosmopolitan: Politics, Culture, and Urban Space in the New Globalized Middle-East, (Cairo: The American University in Cairo Press, 2006), 50-59

[24] S. Soliman, The Autumn of Dictatorship, 146

[25] R. Roccu, The Political Economy of the Egyptian Revolution: Mubarak, Economic Reforms, an Failed Hegemony, (New York: Palgrave, 2013), 72

[26] R. Zuryak and A. Gough, Broad and Olive Oil: The Agrarian Roots of the Arab Uprisings, in F. A. Gerges (ed) The New Middle East: Protest and Revolution in the Arab World (New York, Cambridge University Press, 2014), 112

[27] A. Adly, The Future of Big Business in New Egypt, Carnegie Papers, Carnegie Middle East Center, 2014, 7 (http://carnegieendowment.org/files/big_business_egypt.pdf)

[28] H. De Soto, The Mystery of Capital, 5

[29] G. Amin, Egypt Country Report for the 2014 Ministerial Conference on Youth Employment: Policies and Mechanisms for Integration Into the Workforce and Job Creation, March 2014, p 12 (http://www.adeanet.org/min_conf_youth_skills_employment/sites/default/files/u24/Egypt%20Country%20Report_0.pdf)

[30] Egypt: More Jobs, Better Jobs: A Priority for Egypt, June 2014, Poverty Reduction and Economic Management Department, Middle East and North Africa Region, Report No. 88447-EG, World Bank, 42 (http://documents.worldbank.org/curated/en/926831468247461895/pdf/884470EG0repla00Box385343B00PUBLIC0.pdf)

[31] S. Hamdy, Our Bodies Belong to God, 210-235

[32] سلمى حسين، عين على الدين: التقرير الأول عن متابعة برنامج قرض الصندوق، أبريل ٢٠١٧، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ٧ـ٩

اعلان
 
 
إبراهيم الهضيبي