Define your generation here. Generation What
ميدان مجدي
في عالمه الذي تضاءل لحدود منزله، تبقى ذكريات نشاطه السياسي من السبعينيات وحتى 2011.. أنيسه ومعذبه
 
 
 
المصدر: روجيه أنيس
 

يُقال إن المصريين، في كل مناسبة، يصنعون الأغاني ويفرحون، يرقصون، ثم يعود كل شيء لما كان عليه. لكن هذه المرة، قبل سبع سنوات، تغيّر كل شيء ولا يزال.
في كل ذكرى ، يُعاد الكلام عن الثورة بصيغة الجمع، رغم أن الحراك كان فرديًا بالأساس. أفراد صنعوا جماعات؛ امتدت بطول الشوارع والميادين.
خلال سبع سنوات، تفرقت كل الجماعات، في مسارات مختلفة، منها التشريعي، والقانوني؛ عبر محاكمات الرئيس وأعوانه، وأُخرى لمَن ثاروا ضده. فضلًا عن مسارات حالمة، أفضت إلي حزن وموت، وصناديق انتخابات، وصراعات على السلطة، وغيرها.

وسط سنوات الدراما الكبيرة، بذرواتها وانكساراتها، لا ننسى أن الأفراد هم مَن صنعوا كل هذا.

هنا نركز على حكايات الناس؛ ما هو شخصي من داخل بطولات الجماهير المُجهَّلة. ملامح الأشخاص، الذين حصلوا على رصيد من الخسائر والأحلام. مَن أنضجتهم التجارب الجماعية، في 25 يناير، لكنهم الآن يحملون هذه الخبرات فرادى.

***

يبدو منزل مجدي حسني، المرشد السياحي المتقاعد، وكأن الزمن توقف به عند عام 2011؛ ملصقات من أيام الثورة تستقبلك على باب المنزل، الذي تعبره لتدخل إلى صالة تملؤها الكتب وبعض لافتات احتفظ بها من مظاهرات مختلفة على مر السنوات السبع الماضية. أما غرفة المعيشة فأهم ما فيها شاشة يوصلها أحيانًا بالكمبيوتر ليكتب آرائه ويتفاعل مع آخرين على موقع فيسبوك لساعات طويلة يوميًا أو يستخدمها كتليفزيون ليتابع اﻷخبار بشغف. مع قلة خروجه من المنزل أصبحت هذه الغرفة هي عالم مجدي الضيق، تحوي جدرانها تذكارات من أهم محطات حياته؛ رسومات لابنته شروق في طفولتها، صورة له، مرتديًا جلباب، مع فوج سياحي على مركب في أسوان، وأقربها لقلبه هو بوستر أنتجته مؤسسة «المرأة والذاكرة» احتفاءً بأمه؛ جين بقطر، الناشطة الشيوعية الرائدة في الخمسينيات والستينيات، والتي اعتقلت لمدة أربع سنوات في عهد جمال عبد الناصر، وكان مجدي وقتها عمره أربع سنوات.

في الغرفة أيضًا كرسي أحمر، كان يستخدمه في المظاهرات ضد الرئيس السابق محمد مرسي للإشارة لكرسي العرش، يستخدمه اﻵن لرفع قدميه عن الأرض تنفيذًا لنصيحة الطبيب بعد تعرضه لخمس جلطات نتيجة طلقات خرطوش استقرت في ساقيه يوم 25 يناير 2011، وأثرت في سيولة الدم.

برغم تقلباته النفسية يحتفظ مجدي، الستيني، بروح صبيانية مرحة، يستدعيها عند تعامله مع الآخرين. يستقبلني على باب المنزل في زياراتي المتكررة بمصافحة طفولية كان يستخدمها مع السائحين، يقبض كفه ويفرده، ثم يخبطه بكفي أكثر من مرة بترتيب معين، يرد على أسئلتي كثيرًا بإفيهات من أفلام مصرية قديمة. وبالرغم من مزاحه، وابتسامته، يفضح صوته الخافت والمرهق مشاعره. في بعض الأحيان يبدو عليه بعض الوخم في بداية الزيارة، يخبرني أنه في خضم موجة اكتئاب لازمته لأيام، قبل أن تعود له حيويته، وكأنه صغر 10 سنوات، وتلمع عيناه مع استرساله في الحكايات عن أيامه المفعمة بالنشاط، خاصة عن عمله في الإرشاد السياحي، ونشاطه السياسي الذي بدأ في السبعينيات وتجدد مع ثورة يناير 2011.

من هزيمة مصر في 1967، التي صرخ في أبيه رافضًا التصديق عندما أخبره بها، مرورًا بزيارة أنور السادات للقدس في 1977، والتي صدمت جيله من النشطاء الذين آمنوا، حتى ذلك الوقت، بقدرتهم على تحريك الأحداث، وصولًا للتدهور السياسي والحقوقي الذي تلا تغيير النظام في 30 يونيو 2013. لازمت مجدي طوال حياته الرغبة الملحة في التأثير، في حمل رسالة؛ وهو ما لا يجد له منفذًا الآن سوى عبر الكتابة على فيسبوك. كانت ثورة 2011 موجة من عدة موجات من الأمل عاشها مجدي، وكانت إحباطاتها هي الأخيرة والكاسرة في سلسلة خيبات أمل عاصرها جيله. لم يتعاف مجدي من جروح الثورة النفسية، قبل الجسدية، والتي حبسته في قفص نوستالجيا حدوده حوائط منزله.

دموع مجدي قريبة ومفاجئة. في البداية، اعتقدت أن بكاءه المباغت أحيانًا هو إحدى ظواهر نفسيته الهشة فقط، إلا أني لاحظت أن انفجاراته العاطفية ليست عشوائية، ولكن تحركها جروح عميقة، تركها فيه كل إحباط وخيبة أمل مرّ بهما في حياته، والكثير من أسبابهما يكون سياسيًا، إلا أن الوقع دائمًا ما يكون شخصيًا للغاية.

في زيارتي اﻷولى، شرحت له سبب اهتمامي بالكتابة عنه. فبينما انصرفت الغالبية العظمى من الناس عن الثورة للعودة لحيواتهم، وتراجعت الثورة لتبقى كذكرى يحنون إليها أو هاجس يسكن عقلهم الباطن، أراها حية تمامًا في عقله، تشغل الحيز الرئيسي من تفكيره، وكأنه لا يزال معتصمًا في ميدان التحرير. انهمرت دموع مجدي واكتفى بهز رأسه موافقًا.

يناير كل عام

بالنسبة لمجدي وغيره ممَن عاصروا النشاط السياسي منذ السبعينيات، لم تكن ثورة 2011 أول عهدهم بالميادين المملوءة عن آخرها، وبانتصارات الشعب القصيرة، بل تراكمت لديهم لحظات أمل وانتصار وتكاتف عبر السنوات لتضاعف من مرارة الإحباط السياسي الحالي.

يحكي مجدي عن حياته مع رفاق الحركة الطلابية اليسارية في السبعينيات كيوتوبيا؛ نسخة مطولة من الأيام الـ 18 لاعتصام ثورة 2011.

بدأ دراسته في كلية الهندسة بجامعة عين شمس عام 1971، في الوقت المناسب لينضم للطلاب في حركة تعد الأقوى في تاريخ النضال الطلابي في مصر، حركتها هزيمة 1967، وكان مطلبها الأساسي هو خوض الحرب مع إسرائيل لاسترجاع الأراضي المسلوبة.

دخل الجامعة كشاب منطوٍ قليل الكلام والنشاط، وفي أحد أيام ديسمبر 1971 ذهب لمقابلة في جامعة القاهرة، المركز الرئيسي للحركة الطلابية وقتها، ورأى مجلات الحائط في كل مكان: «ابتديت ألاقي نفسي، أقول ده اللي جوايا، ده اللي أنا عايزه، ده أنا».

كان النشاط السياسي هو شغله الشاغل وبسببه أهمل دراسته في أول سنواته بالكلية ولذلك أنهى دراسته في ثماني سنوات.

يتذكر هذه الأيام بعينين لامعتين: «كنت متفرغ خالص، سايب الدنيا. نشاطي أروح الكلية عشان أحط مجلة الحائط وأقعد أتناقش مع الناس، والعميد ييجي يقطعلنا المجلة أو هربان من الكلية أو في مركز ثقافي بنشوف فيلم أو خارجين مع بعض كـ شِلة. كانت حياة تانية خالص ما لهاش دعوة بالحياة العادية. ناس من نفس التفكير والمشاعر والقيم متجمعين على بعض عايشين في يوتوبيا بتاعتهم، فقاعة».

«كل ما تهل البشاير من يناير كل عام»، غنى الشيخ إمام من كلمات أحمد فؤاد نجم في مديح يناير الذي شهد موجات ثورية في السبعينيات، قبل أكثر من 30 سنة على اندلاع ثورة في الشهر نفسه.

كان مجدي ضمن وفد من هندسة عين شمس لجامعة القاهرة يوم 19 يناير 1972 حين اقتحم الطلبة «قاعة عبد الناصر» وأعلنوا الاعتصام بجامعة القاهرة، والذي امتد لجامعات أُخرى، ثم امتد للشارع. يتذكر المشهد اليوم بالانبهار نفسه، وخاصة قدرة قادة الحركة، مثل أحمد رزة، على التحكم في جموع الطلبة وتنظيم الحركة قبل أن تتحول لفوضى.

كانت موجة ثانية من الحراك الطلابي اندلعت -بعد موجة أولى في 68-69- بسبب خطاب للسادات برر فيه عدم الوفاء بوعده بجعل 1971 عام الحسم مع إسرائيل بـ «ضبابية» المشهد بسبب حرب الهند وباكستان. أخذ الطلاب من «الضباب الهندي الباكستاني» شعارًا ساخرًا. ودعوا لاعتصام مفتوح في الجامعات بدأ صباح 17 يناير حتى دخلت قوات اﻷمن جامعة القاهرة على عربات مجنزرة فجر 24 يناير، واعتقلت الطلبة المعتصمين.

كانت كل حملة اعتقال للطلبة في هذه السنوات تولد حركة أوسع منها. فانتقل المتظاهرون إلى ميدان التحرير ليبدأ الاعتصام الذي عرف بـ «اعتصام الكعكة الحجرية» حتى 26 يناير.

يوم 25 حضر مجدي اجتماعًا مع أسر المعتقلين، انتهى إلى خروج مظاهرة تطالب بالإفراج عنهم، فور خروجها هاجمتها قوات اﻷمن، ألقي القبض على مجدي وأخلي سبيله في اليوم التالي بعدما قضى ليلته في قسم اﻷزبكية، استمر الاعتصام بميدان التحرير لمدة ثلاثة أيام حتى الإفراج عن معظم الطلبة المعتقلين وخفتت الحركة مع صدور قرار بإغلاق الجامعات لمدة شهر.

انتفض مجدي حين سألته: كيف استطاع الطلاب تنفيذ فعالياتهم المعارضة في الجامعة، هل كان اﻷمن يسمح لهم بذلك؟ هل كانوا يتحايلون على النظام؟ «نحايل مين؟ مفيش حاجة اسمها يتسمح لنا، إحنا السلطة. كنا ملوك الدنيا. كان فيه صراع بس كان صراع حلو.. واضح.. أفكارنا واضحة وأعداءنا شايفنهم بوضوح. ما كانتش الدنيا مايعة زي دلوقتي».

كان مجدي في قلب الحركة الطلابية حين انفجر نشاطها  مجددًا في يناير 1973. فجّرت حملة اعتقالات واسعة استهدفت قادة الحركة الطلابية يوم 29 ديسمبر حركة عارمة داخل الجامعات، وقررت كليات عدة في جامعات مختلفة الاعتصام بالجامعات في أول يناير. وفي 3 يناير، قرر الطلبة الخروج بالمظاهرات إلى الشارع بأعداد مهولة. يتلذذ مجدي بتذكر سهولة تحريك الجماهير في تلك الفترة.

«الطلبة كانت معانا، ندخل الكلية الساعة 10 الصبح نقرر هنعمل مؤتمر، بعد ساعة ونص مدرج فلسطين، أكبر مدرج في جامعة عين شمس، يكون فيه ألفين طالب، بعد ساعتين الألفين دول يلفوا الكلية بمظاهرة ويطلعوا الشارع 5000- 6000 واحد. كنا مسيطرين سيطرة كاملة».

لم يقصر الطلبة مطالبهم على الإفراج عن زملائهم، بل رفعوا مطالب اجتماعية مثل وضع حد أدنى للأجور، وانضم للمظاهرات فئات أخرى من الشعب، مثلما جرى في مظاهرة 11 فبراير 1973 التي خرجت من الحرم الجامعي ونجحت في حشد الجماهير والتوجه لميدان الجيزة والحواري المجاورة له في حماية أهالي المناطق الشعبية الذين كانوا يلقون الحجارة على قوات الأمن عند اقترابها من المتظاهرين. استمر الهتاف في الحواري والميدان حتى الساعة العاشرة مساءً.

لم يحضر مجدي هذه المظاهرة بعدما اضطر للهروب، مثل عشرات من الطلبة الناشطين الواردة أسمائهم في قائمة المطلوب القبض عليهم، ولكنه عوضًا عن ذلك قضى شهرين، يتنقل بين بيوت مختلفة لا يعرف أصحابها في محافظات مصر، بتنسيق مع قادة الحركة السياسية في ذلك الوقت.

«يوم نِبات عند حد في ميت عقبة، البيت عبارة عن باب وسرير عشان يكفي في وسط عيلة جميلة جدًا جدًا، وجنبك ظابط في الجيش هو اللي جايبك تستخبى، يوم ألاقي نفسي ترانزيت في بيت سيد حجاب».

في تنقلاته العديدة، وصل مجدي إلى منزل الناشطة شاهندة مقلد بالإسكندرية، ومنه انتقل هو، وزميل آخر، لبيت عامل بسيط في المكس، ومنه لمنزل قريب لشاهندة في وادي النطرون، والذي أمدهم ببيجامات قديمة يرتدوها، ويخرجوا للعمل في الغيط يوميًا حتى لا يثيروا الريبة.

كانت حرب أكتوبر فترة هدنة في الخصومة بين النظام والطلبة الناشطين مع تحقق مطلبهم الأكبر؛ دخول الحرب مع إسرائيل. انضم مجدي مثل الكثير من الطلبة للمقاومة الشعبية. كان ضابط جيش يدرب الطلبة في ملاعب الكلية على الكاراتيه، وفي موقع في الصحراء على فَكّ السلاح وضرب النار.

في 24 أكتوبر، وقبل أيام من توقف القتال بشكل نهائي يوم 28 بعد عدة قرارات وقف إطلاق نار فاشلة، تحقق أمل الطلبة حين قال لهم الضابط المسؤول عنهم: «بكرة تودعوا أهلكم وتيجوا بشنطتكم». سبق وقف القتال ذهاب الطلبة للجبهة، ولكن مجدي ما زال يبكي حين يتذكر استعدادهم للتضحية.

«السنين دي من أحلى سنين حياتي، بس الجرح لما أفتكر كنا بنعمل إيه وكان أيه اللي بيتعمل فينا. الحكومة دي بتعمل إيه في الناس وليه؟ الواحد يكون مخلص والناس شايفينه وعارفين كده ومع ذلك ما عندوش مانع يعذبك ويضربك ويقتلك. فيه وحوش.. فيه ناس وحوش..».

عاد اسم مجدي إلى قائمة الطلاب المطلوب القبض عليهم بعد عامين من الحرب، وتحديدًا في يناير 1975، مع حركة الطلاب التي تزامنت مع إضراب عمالي مناهض لسياسات الانفتاح الاقتصادي. كان تحقق مطلب الحرب قد حول تركيز الحركة اليسارية لمناهضة التقارب المصري اﻷمريكي، وسياسات الانفتاح الاقتصادي بتأثيرها السلبي على الصناعة المحلية.

يحكي مجدي بحماس شديد عن المظاهرات التي كانت تخرج من أسوار الجامعة لتجوب حواري منطقة منشية الصدر الشعبية المجاورة، مرددة الهتافات الثورية.

مجددًا، ألقت السلطات القبض على الطلبة الناشطين من منازلهم، وأصدرت مذكرات اعتقال للباقين. ولكن هذا لم يمنع المطلوب القبض عليهم من المشاركة في الحراك. كانوا يذهبون إلى الجامعة محميين في جموع الطلبة الذين يلتفون حولهم لحمايتهم أثناء دخولهم وخروجهم. أحيانًا كان ابن عميد الكلية يخرج بمجدي راكبًا موتوسيكل.

في أحد الأيام، أراد مجدي الخروج من الجامعة، في وقت متأخر، ولم يجد مَن يساعده على الهرب فقرر أن يخرج جريًا، إلا أن أحد الضباط تعقبه داخل حواري العباسية وهو يصرخ «حرامي» حتى أمسكه أحد المارة. يتذكر مجدي ضاحكًا محاولته الملتبسة لشرح حقيقة اﻷمر لمَن تطوع بإمساكه: «قعدت أقول له: ده مباحث، على أساس في الكلية عندنا ده معناه إنه إنسان سيء. لكن بالنسبة له لما واحد حرامي بيقول على واحد مباحث طبيعي إنه يمسكه».

ولكنه يتوقف عن الضحك، وهو يتذكر المشهد التالي. لف الضابط ذراع مجدي وراء ظهره وأخذ منه نظارته ودفعه ليمشي مطأطئ الرأس حتى قسم الوايلي. قبل نقله، ضمن مجموعة من الطلاب نجح الأمن في القبض عليهم، إلى زنزانة واحدة بسجن القناطر. يتذكر مجدي أيامه في الزنزانة مع قادة الحركة الطلابية وكأنها كانت رحلة، «كانت حياة جميلة جدًا، نقعد نتناقش ونلعب كورة». لم تكن كل تجارب السجن في تلك الفترة مثيلة لتحربة مجدي، فكثيرون عانوا من التعذيب والبعض اختفى ولم يعد أبدًا. لا يحتفظ مجدي حاليًا بالنظرة الرومانسية نفسها للسجن، فهو عاقد العزم بشكل حاسم على حل واحد في حال القبض عليه الآن: «لو جولي أنا يا قاتل يا مقتول، بس مش هاسيبهم يمسكوني، مش هابقى تحت إيديهم».

خرج مجدي ورفاقه بعد شهر، مع هدوء الحركة الطلابية.

يوم 18 يناير 1977 نزل مجدي من منزله متجهًا إلى الجامعة، وما أن ركب الأوتوبيس حتى علم أن السادات رفع كل الأسعار بين ليلة وضحاها، وصل إلى الكلية ليجد الشوارع تموج بالناس، بحسب وصفه. ذهب لمنزل والدته مع اثنين من زملائه لكتابة بيان، ولكن هذا لم يكن سهلًا، كانوا في وضع مألوف بالنسبة لسياسيي يناير 2011 أيضًا.

«كنا زي يوم 25 يناير كده. الناس نزلت وإحنا مش عارفين نعمل إيه»، يتذكر ضاحكًا، «الناس سبقونا بكتير في مصر كلها، لا إحنا رتبنا ولا عملنا ولا حاجة. كان ده اللي إحنا عايزين نعمله، إن الناس تثور. والناس ثارت. طب وبعدين؟».

في النهاية، كتبوا بيانًا يدعم مطالب الشعب، وبعدها بدأت رحلة هروب ثانية للطلبة الذين كانت قرارات اعتقالهم بمثابة رد فعل فوري لأي تحرك معارض. انتهت رحلة مجدي بالقبض عليه في طريقه للجامعة. امتلأت الساعات التي قضاها قبل الإفراج عنه بعبث ذي دلالات.

تعطلت العربة التي كان يستقلها الضابط بعد القبض عليه، فما كان منه إلا أن نزل ومجدي «مكلبش» في يده ومشى لميدان التحرير، حيث ركب أوتوبيس للاظوغلي، متجهًا إلى مقر أمن الدولة الذي كان مجدي مطلوبًا فيه. ولكنه وصل هناك بعدما صدر بالفعل أمر الإحالة في القضية التي كان الطلاب متهمين فيها بعدة تهم منها التآمر مع كوريا الشمالية، فصدر أمر بإطلاق سراحه.

تأخّر إطلاق السراح حتى وصول ضابط أمن الدولة المسؤول عن وحدة مكافحة النشاط الشيوعي، بعد مرور 40 عامًا على الموقف، لا يزال مجدي يتذكر انتظار الضباط حضور رئيسهم: «ضباط أمن دولة كبار قاعدين على مكاتبهم في منتهى الملل اللي في الدنيا، قاعدين مش لاقيين حاجة يعملوها زي أي موظف عادي، مش ديناميكية أمن دولة وكده، مجرد موظف رسمي زهقان ومستني المدير بتاعه لما ييجي».

بين حراكين

بعد تخرجه في 1979 وخفوت الحركة السياسية إلى حد ما، عمل مجدي لبعض الوقت في مجاله، وهو ميكانيكا السيارات، واستطاع أن يحصل على وظائف في شركات عالمية. انتقل بعدها لكبرى شركات البترول حتى وصل بعد أقل من سنتين إلى أن يكون المهندس المسئول عن موقع في «أبو رديس». كانت هذه هي المرحلة القصيرة التي قضاها في المسيرة المهنية التي تضمن له الرخاء المادي، إلا أن الملل أصابه بعد فترة بسبب طبيعة العمل وسيطرة  المديرين الأجانب وتعنتهم الذي عانى منه أحيانًا.

المصدر: روجيه أنيس

بدأ شغف مجدي الجديد تجاه التاريخ الفرعوني والإرشاد السياحي في التطور شيئًا فشيء. لينتقل إلى مهنة الإرشاد التي ورثها عن أمه. اجتاز اختبار الإرشاد عام  1984، ولكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة له. فانطلق في رحلة مع أحد زملائه جاب فيها المعالم السياحية في الصعيد، من المنيا للأقصر، يقضي ساعات عند كل معلم سياحي ومعه المراجع الخاصة به ليتأكد من ثبات المعلومات.

وعندما قلت السياحة الأمريكية بعد قتل أفراد من جبهة التحرير الفلسطينية مواطن أمريكي يهودي في عام 1985 على متن سفينة «أكيلي لاورو» السياحية بعد انطلاقها من ميناء الإسكندرية في جولة تنتهي في إسرائيل، تعلم مجدي اللغة الفرنسية ليوسع أُفق عمله. بعد كورسات مبدئية، اتبع طريقة مبتكرة في تطوير لغته الفرنسية التي يتحدثها اليوم بطلاقة؛ حمل حقيبته وتوجه لفندق رخيص في الأقصر، واستقر هناك فترة يقدم عرضًا للسياح الفرنسيين المتجولين. يقدم لهم خدمة الإرشاد مجانًا بفرنسية المبتدئين، في مقابل أن يساعدوه على التدريب على اللغة.

يدرك مجدي بمرارة، يبدو وكأنه تصالح معها، أن قراراته التي دومًا ما انحازت للمبدأ والشغف على حساب المصالح، حتى الواقعية منها، دفع أولاده ثمنها أيضًا.

يفسر مجدي اتجاه ابنه ذي الـ 28 عامًا للعمل في المقاولات، وتركيزه على تحسين وضعه المالي بتأثره بقرارات اﻷب التي وضعت الأسرة في ضوائق مادية كثيرة، وزادت من الخلافات، التي أدت لانفصاله عن زوجته السابقة: «هو شاف أبوه ساب البترول، والولاد هما اللي بيدفعوا التمن. لما السياحة وقفت ما قدرتش أكمل له في الشهادة الكندية اللي كان ممكن تديه مستقبل أحسن. لما سبت البيت شال مسؤولية مش بتاعته. دلوقتي عايز الأمان المادي». يبدو تصالح مجدي مع تأثر أولاده بتبعات قراراته نابعًا من اقتناعه أن طرق الغنى التي حاد عنها، لم تكن ستسعده أو كما يقول: «ما كنتش هـ ألاقي نفسي».

تزوج مجدي بعد تخرجه بفترة قصيرة، كان زواجًا عن حب، ولكن شابته الخلافات من البداية بسبب اختلاف الشخصيات والأفكار ليننتهى بالانفصال في 2003. حضور أولاد مجدي في حياته ضئيل إلى حد ما. كان التباعد الفكري بينه وبين ابنه الأكبر من أسباب عدم وجود صلة وثيقة بينهم، أما ابنته، رفيقته في الثورة، فبالرغم من تشاركهم الأفكار، إلا أنها لم تعد متواجدة في حياته بقدر ما يحب في السنوات الأخيرة، ربما بحكم وصولها إلى منتصف العشرينات وبحثها عن الاستقلال.

ندوب الثورة

عندما رأى مجدي شبابًا يشبكون أياديهم في وقفات على الكورنيش في 2010، مطالبين بحق خالد سعيد، تجدد اهتمامه بالسياسة، بعد توقف طويل منذ أيامه في الجامعة، فبدأ في النزول لتصوير المسيرات ونشرها على الفيسبوك. يوم 25 يناير 2011 تابع الموقف من منزله، في وسط البلد، ليتبيّن ما اذا كانت دعوات التظاهر ستتحقق فعلًا، وهرع من منزله إلى ميدان التحرير عندما وصلته أخبار نجاح المسيرات القادمة من شارع رمسيس في دخول الميدان. قضى مجدي باقي اليوم مذهولًا وفرحًا بينما يمتلئ الميدان شيئًا فشيء، وقابل بعضًا من رفاق الحركة الذين تفرقت بهم السبل منذ سنوات.

المصدر: روجيه أنيس

بعد منتصف الليل، وأثناء هروبه بصحبة ابنته من ضرب الغاز الكثيف الذي انهال على الميدان اتجها إلى شارع البستان، وهناك استدارت مدرعة شرطة لتواجه المتظاهرين، وقبل أن يجدوا فرصة للهرب أطلقت المدرعة رصاصات خرطوش أصاب مجدي وابنته في ساقيهما. حمل بعض الشباب مجدي واختبأوا في شارع متفرع من طلعت حرب، هاجمهم فيه عساكر بعد ذلك وضربوهم بالعصي. لم تكن إصابة شروق بالغة. لكن مجدي وجد بنطاله ملطخًا بالدماء، فربط كوفيته على ساقيه محاولًا إخفاء الإصابة خوفًا من الاعتقال. ظل يتنقل في شوارع جانبية حتى وصل إلى منزله، أخيرًا، منهكًا.

لم يعلم مجدي ماهية إصابته حتى يوم 29 يناير عندما اصطحبه أبناؤه للمستشفى بعد تورم ساقيه، وعندها أوضحت الأشعات استقرار عشرات البلي فيهما من الفخذ للقدم. نصح الطبيب بعدم استخراج البلي تجنبًا لخطر إصابة الأوردة أو الأعصاب.

في يوم 3 فبراير، اليوم التالي لموقعة الجمل، التي تابعها مجدي من التليفزيون، ومن شباك منزله الكاشف للمنطقة، أصابته الجلطة الأولى. التزم مجدي بعلاج قوامه الحقن، وبرغم الجلطة لم تفته أيام الثورة كليةً. كان أبناؤه يعودون من الميدان إلى منزله، ومعهم رفاقهم. كما نجح مجدي في زيارة الميدان عدة مرات بعد ذلك مستخدمًا عكازين.

يرجع مجدي متاعبه النفسية لصدمات نفسية أصابته على مرّ حياته، ولا ينكر أن «ترومات» الثورة المتتابعة كانت نقطة بداية لتدهور صحته النفسية.

«كان فيه ترومات بتحصل لي نتيجة الغاز والعنف والناس اللي بتتقتل والإصابات، بس فيه نشاط وحاجة بتتحقق فيه إشباع. لما جه بعديها بقى الهدوء ابتدى تأثير ده يبان».

التزم مجدي بعد ذلك بدواء لسيولة الدم، ولكن الجلطات استمرت. جاءت الثانية في مايو 2011 وازدادت بعدها الأعراض المزمنة التي يعاني منها من إجهاد وفترات وخم، ثم أتت جلطة ثالثة في 2012، ورابعة في 2013، وخامسة في 2016.

كانت ندوب الثورة في حياة مجدي متعددة الجوانب، بجانب الإحباط الذي يجد صعوبة في تجاوزه، والإصابة الجسدية، تصادف أن يكون عمله في القطاع الذي عانى الضربة الأقسى من الكساد الاقتصادي الذي تلا الثورة. كان مجدي قبل الثورة في وضع مثالي مهنيًا. بعدما أصبح مطلوباً أكثر لإجادته لغتَين.

يحكي مجدي حكايات الإرشاد، من رحلات القاهرة-أسوان النيلية، لصداقاته مع السياح والمواقف الطريفة التي مرّ بها، ويعلق بنصف ضحكة: «بعد كل ده دلوقتي قاعد في البيت».

بعد الثورة، توقف العمل تقريبًا في الشركات التي كان مجدي متعاقدًا معها، ولم يسفر لجوئه لدائرته الإجتماعية سوى عن أيام عمل قليلة متفرقة. ابتكر مجدي جولة لمواقع أحداث الثورة الأهم، وبدأ في إرسال رسائل إلكترونية دورية لقائمة من 5000 اسم، يعرض خدماته لأي مجاميع -سواء مدارس، أو جامعات، أو نقابات. ولكن حالته الصحية وجلطات ساقه المتكررة حالت دون استمراره في الجولات السياحية وتوقف عن العمل بشكل شبه كلي في عام 2013، إلا أنه لا يزال محتفظًا بحبه للمهنة التي استقر فيها منذ منتصف الثمانينيات، يقول دومًا: «مهنتنا مفيش زيها».

في خضم موجات اكتئابه الحادة، لا يبدو أيًا من مقترحاتي له مجديًا. «نروح السينما. العنف يزيد من توتري، تنزل تقعد في النادي، باشوف ناس غريبة وبارجع متضايق. نتمشى في الشارع، الدوشة هتوترني». عيناه تلمعان عندما يفكر في الإرشاد السياحي: «ياه لو جاتلي مثلاً كروزة (جولة) في النيل، هتطلعني من الاكتئاب فورًا».

لا يزال مجدي يرتدي الـ «تي شيرتات» التي صنعها خصيصًا أثناء عمله بالإرشاد. أحدها مكتوب عليه اسمه بالإنجليزية والهيروغليفية، كان يرتديه في اليوم اﻷول له مع الفوج السياحي لتعريف نفسه. لديه أيضًا «تي شيرت يوم الأهرامات» وعليه صورة الأهرامات وشرح لمكوناتها، فضلًا عن «تي شيرت» الأبجدية الهيروغليفية التي يستعين بها لفك طلاسم المعالم السياحية.

رغم كل هذا، لا يحمل مجدي ضغينة للثورة مثل كثير من العاملين في قطاع السياحة، فهو ما زال يعتبر أيامها والسنتين اللاحقين لها «جنة»، حين كان الأمل في التغيير موجودًا، والصوت الإصلاحي الثوري هو المسيطر في الإعلام وفي الشارع.

شغف وغياب

المصدر: روجيه أنيس

علاقة مجدي بالنوستالجيا معقدة؛ يقول إنه يهرب منها لأنها تتعبه، إلا أن منزله مليء بما يستدعي الحنين.

في بداية تعارفي به كانت غرفة المعيشة في منزله مليئة بأكياس كبيرة بها كتب والدته، والتي نقلت إليه بعد وفاتها في 2016، اتخذ مجدي من فرز الكتب مهمة ظل ينجزها بدأب لأسابيع؛ بهدف التبرع بها للمكان المناسب. مكتبة مجدي الموروثة ضخمة وبها كم هائل من الكتب الأدب والتعليمية، بالإضافة لمجموعة مهولة عن المصريات والتاريخ الفرعوني وهي، بجانب السياسة، الشغف المشترك بينه وبين والدته.

ورث مجدي عن والدته أيضًا رغبته في التأثير. فبجانب دورها القيادي في النشاط الشيوعي في الستينيات وعملها في الإرشاد السياحي، عملت جين -التي يعرفها البعض باسم جنفياف سيدراوس- في الصحافة، وكتبت رواية عن تجربتها في السجن بعد القبض عليها في حملة اعتقالات عبد الناصر التي استهدفت الشيوعيين، كما درست السينما وهي في الـ 70 من عمرها لتنتج عدة أفلام عن الحضارة المصرية.

يتذكر مجدي : «كانت تقول: اليوم اللي يعدي من غير ما أنتج فيه كإني ما عشتوش». كانت لاختيارات جين غير التقليدية صداها في حياة مجدي. إذ تزوجت، وهي المنتمية لعائلة قبطية محافظة، من مسلم وأخفت هويته الدينية عن معظم عائلتها، فتعلم مجدي مبكرًا أن يقول «الحمد لله» عند زيارة عائلة والده و«نشكر الرب» عند زيارة عائلة أمه. يقول مجدي إن هويته الدينية المطموسة قصدًا باسم محايد جعلته يختبر التفرقة من الجانبين.

في أثناء فرز الكتب تظهر كراسات قديمة تخص اﻷم، فيها مقتطفات من مجالات شغفها المتنوعة. وجد مجدي كراسة فيها ترجمة كلمات من الهيروغليفية للهيراطيقية، وهو المشروع الذي شغلت به نفسها حين أصيبت في ظهرها في سنواتها الأخيرة وظلت غير قادرة على الحركة لفترة. وجد أيضًا مذكرات لها تحكي فيها عن تجربة السجن.

يتذكر مجدي لمحات من زياراته القليلة لأمه في حبسها بمستشفى القصر العيني، بعد عدة إضرابات عن الطعام، تحايلًا على النظام الذي منع الزيارات عن السجناء السياسيين وقتها، مثل المرة التي استطاعت التوصل فيها لاتفاق يسمح لها باستخدام حمام سباحة كلية طب القصر العيني، ودعت الأولاد للمجيء بملابس السباحة ليقضوا معًا ساعتين من حياة طبيعية.

في إحدى المذكرات تحكي جين بخط يدها عن استقبال مجدي لها في سن الـ 8 سنوات في اللحظة التي عادت فيها للمنزل بعد أربع سنين من الاعتقال، وهو اليوم الذي يذكره مجدي أيضًا.

كان في المصيف بالإسكندرية مع أقاربه وبصحبته مربية، وحين سمع أن أمه خرجت من السجن وأنها موجودة في الإسكندرية جرى لاستقبالها، بأقدام حافية وبالمايوه. ولكنه لا يتذكر لحظة لقائهما، وهو ما يفسره بصدمة رؤيتها بعد أربع سنوات من الغياب. حتى اليوم يجهش مجدي بالبكاء أمام أي مشهد لم شمل بعد غياب في فيلم يشاهده. إلا أن وجود أم مجدي في حياته هو وأخيه ظل غير مستقر بسبب انفصالها عن أبيهما، ما كان سببًا في تنقل مجدي ما بين منزليهما ومنزل جده لأبيه، الذي تربى فيه مع أولاد عمومته أثناء حبس والدته.

احتار مجدي فيما يفعل بأشياء أخرى من مجموعة اﻷم، مثل مقتطفات بالية من مجلة «نص الدنيا» تحوي وصفات جمال ووصفات أكل، ولكن اقتراحي بإلقائها كان مرفوضًا برد سريع: «بتاعتها!».

لم يكن فرز الكتب مجرد عبء على مجدي، بل كان أيضًا طوق نجاة، فهو يجد تحسنًا شديدًا في حالته النفسية والصحية عندما ينشغل بشيء، ويقع مجددًا في بؤرة الإكتئاب حين ينتهي.

في أحد الأيام، قضى مجدي 36 ساعة متواصلة في ترتيب الكتب. في أوقات أخرى يقضي 10 أيام بين نوبات نوم تصل إلى 18 ساعة، يفصلها بضعة ساعات من صحو يشبه النوم.

عرضت عليه مرة أن يرافقني لحضور مسرحية في مسرح الفلكي المجاور له، وفوجئت بموافقته؛ لأني حتى هذا الوقت لم أكن قابلته خارج المنزل أبدًا. وصل وهو في مزاج جيد، ولكن نمّ مزاحه المفرط عن توتر مكبوت. بعد بداية المسرحية بفترة قصيرة وبسبب صراخ إحدى الشخصيات انسحب مجدي من المسرح وانتظر بالخارج باقي المسرحية. كان متعكر المزاج بعد ذلك، يقول إنه لم يفهم الكلام، وأن الشباب يفهمونه، ولكنه لا يستطيع فهمهم، بكى وهو يناقش أفكارًا سلبية طرحتها المسرحية.

عانى مجدي طوال حياته من آثار حالة توتر مزمن. عضلات بطنه منقبضة بشكل مستمر، وجهازه العصبي يستجيب بشكل زائد الحساسية للمدخلات من حوله خاصة الأصوات العالية. كانت مهمة معالجة متاعبه النفسية دومًا مهمة موازية رافقته طوال حياته وطرق فيها كل الأبواب. طبيب نفسي هو من حلّل له أن عقله الباطن أصبح يستشعر الخطر في كل الأوقات، لذلك يجعله دائم التوتر وغير قادر على الاسترخاء، ذهنيًا أو عضليًا.

تبحر مجدي في علوم الطب البديل، من العلاج الإيحائي السلوكي (الهيبنوثيرابي)، وفن الحياة، وهي فلسفة وأسلوب حياة هندية الأصل، والتدليك الياباني المعروف بالشياتسو، ونظام غذاء المايكروبايوتك الذي يمنع الأطعمة المضرة للجسم، إلى الطب التجانسي (الهوميوبوسي) والذي قضى سنوات يدرسه، ولا يزال حتى الآن مقتنعًا بها كليًا بشكل نظري، ولا يفهم كيف لا يرى له نتيجة على نفسه.

ظل العلاج المؤقت والوحيد لمجدي هو الانشغال، يقول: «وأنا بـ أشتغل بابقى جبار، الشغل يروح ويقع مرة واحدة تلاقيني وقعت أنا كمان. ممكن أرجع من رحلة كنت فيها في منتهى النشاط أقعد 10 أيام أصحى وأنام إذا مفيش حاجة قاهرة».

يستخدم فيسبوك بشكل محموم، هستيري في بعض الأحيان. يكتب أكثر من منشور عدة مرات في اليوم، بين تعليق على حدث سياسي، أو معلومة متعلقة بشغفه الأول، وهو التاريخ والآثار، أو خواطر شخصية واجتماعية. أحيانًا يعيد نشر كتاباته عدة مرات على صفحات آخرين لهم متابعين أكثر، وغالبًا ما يتبع منشوره بعدة تعليقات تتضمن كتابات سابقة له متصلة أو أخبار متعلقة بالحدث. من أقسى دواعي إحباطه اليومي محدودية التفاعل مع منشوراته.

النشر على فيسبوك هو طقس مقدس بالنسبة لمجدي، أحيانًا يكون الشيء الوحيد الذي لا يتخلى عن فعله في الأيام التي يسيطر عليه فيها الاكتئاب فلا يترك سريره.

بعد زوال قدرته على العمل في 2013 سيطرت الأفكار الانتحارية على مجدي. لمدة سنة ونصف السنة كان مستقرًا على قراره بالانتحار، وظل يفكر جديًا في طريقة تنفيذه. أراد طريقة ليست شديدة العنف، ولكنها أكيدة المفعول لرعبه من أن يعيش بإعاقة تسببها محاولة فاشلة. كان يفكر أيضًا في أن تكون الطريقة الأقل صدمة لأولاده ووالدته.

لم ينفذ قراره لخوفه من عدم نجاح محاولته أحيانًا، ولاقتراب مناسبة أو عيد ميلاد أحد أبنائه في أحيان أخرى. وربما لتمسك جزء منه بالحياة يدفعه ليجد دومًا سببًا للتأجيل.

ولكن الأفكار الانتحارية دومًا ما تعود له، خاصة حين تخلو حياته من المشاغل.

اعترف لي بعد عدة مقابلات، أن جلساتنا تساعده في التغلب على الاكتئاب. قد يكون وجد في إنصاتي، الجمهور الذي لا يستطيع الوصول إليه عبر فيسبوك، قد يكون تذكر أيامه الأكثر نشاطًا وتحقيقًا للذات، أو قد تكون الصحبة هي فقط ما كان يحتاجه ليتكئ عليه. بعد فترة من توقف جلساتنا، زرت مجدي لأجده واقعًا في اكتئاب أعمق من أي وقت رأيته فيه من قبل. أخبرني أن حياته اقتربت من نهايتها وكان الإحباط مسيطرًا عليه بسبب مَن تطوعوا للمساعدة في توزيع الكتب، ثم اختفوا دون توزيعها. ومَن وعدوا بمساهمات مالية لعائلات يساعدها، ثم أصبحوا يتفادون مكالماته. فضلًا عما يكتبه على فيسبوك وأحيانًا لا يقرؤه أحد. اقترحت عليه أن يترك كل هذا مؤقتًا، ويجد ما يفعله ليرفه عن نفسه فسألني: «زي إيه؟»، طلبت منه أن يتمسك بأي شيء. فكان رده: «ليه؟».

«أنا دلوقتى عايش لحد ما ربنا يسهل. الواحد بيعيش عشان حاجة مش مجرد إنه يعيش.. إيه الهدف من العيشة النهار ده؟ مش عارفين نعمل حاجة. أنت موجود ومش موجود.. ما عندكش دور».

اعلان
 
 
هبة عفيفي