Define your generation here. Generation What

الحالمون بالعدالة: صور للعمال في انتصاراتهم وانكساراتهم

«اللي حصل للعمال والنقابيين مش ممكن يحصل لأي حد في الدنيا. رئيس النقابة خيري محمد مرزوق، ونائبه المهندس ضياء مرسي، ومجدي ميشيل فهيم، اتفصلوا واتمسح بيهم الأرض من المستثمر، وخدوا أحكام بالعودة للعمل ولم تنفذ، علشان يرهبوا العمال. لما الكبير بتاعي بيتعمل فيه كده، أنا هيتعمل فيّ إيه؟ مش بيقولوا إننا في دولة قانون؟ فين القانون؟»

هكذا تحدث بالنيابة عن زملائه رضا ضرغام، من شركة النيل لحليج الأقطان بالمنيا، في فيلم «قطاع عام سابقًا» الذي أعده المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

حلمَ عمال مصر طول الوقت بالعدالة وبنيل حقوقهم، وأتت الثورة لتؤجج هذا الحلم في نفوسهم؛ حلم بعضهم بعودة شركته التي خُصخصت بالفساد إلى القطاع العام، وبعودتها للإنتاج، وعودة العامل لماكينته التي كان يعمل عليها ويتقاضى راتبًا يعيش منه وأسرته. ولم يكتفوا بالحلم، وإنما اعتصموا وأضربوا وتظاهروا للمطالبة بحقوقهم، وبعودة شركاتهم للقطاع العام، كما أخذوا على عاتقهم، مع اشتداد قوة الثورة والتوق لإصلاح ما أفسده نظام مبارك، التوجه للقضاء للمطالبة بالحكم باستعادة شركاتهم.

وكان لمحكمة القضاء الإداري، وقتها، دور هام في إنصافهم بشكل سريع، حيث حكمت بعودة كل الشركات التي عُرضت عليها وقتها للقطاع العام، وذلك لثبوت الفساد في البيع فيها، حتى أنه جاء في منطوق بعض أحكام المحكمة أنها تعتبر حكمها بمثابة بلاغ لكل الجهات الرقابية ضد من باعوا هذه الشركات، ما حدا بالحكومة لاستشعار الخطر من انتشار ظاهرة لجوء العمال للقضاء لاسترداد شركاتهم، فأصدرت قانونًا في عهد عدلي منصور لقصر التقاضي على طرفي البيع فقط.

لم يكن العمال الذين خُصخصت شركاتهم وحدهم من أحيت الثورة في نفوسهم الأمل، بل أن عمال الشركات التي أغلقها أصحابها، وتركوا عمالها بدون عمل أو أجور، سلكوا أيضًا طريق إدارة هذه الشركات ذاتيًا، بل ونجح بعضهم لبعض الوقت في الإدارة الذاتية.

قبل عودة الشركات لأصحابها بعد ذلك، كانت تجربة العمال قد حالت دون الإغلاق على الأقل، حيث أثبتوا للجميع أن بمقدورهم إدارة الشركات رغم المصاعب العديدة التي واجهتهم من قبل البنوك وأصحاب الأعمال والأجهزة الحكومية، حتى وإن لم يمهل الوقتُ بعضَهم لتحقيق الحلم. كما سلكَ العمال، قبل الثورة وبعدها، طريق الاحتجاج لنيل حقوقهم المسلوبة منهم، بعد أن كانوا سلكوا كل طرق تقديم الطلبات والتفاوض دون جدوى.

في كل هذه المعارك كانت هناك ضحايا من العمال، وخصوصًا القيادات منهم، بدءًا من الحرمان من الأجور للنقل للفصل من العمل لسنوات طوال. وتأرجح هؤلاء العمال بين الأمل والحلم أحيانًا، واليأس والاحباط في أحيان أخرى.

فيما يلي نقدم بعضًا من قصص صمود بعضهم وانكساراته.

النيل لحليج الأقطان: الانتقام من العمال

زاد عدد عمال شركة النيل لحليج الأقطان في المنيا، التي كانت بها سبعة مصانع، بخلاف شونة تخزين القطن، على الستة آلاف عامل. اشترى الشركةَ عددٌ من المستثمرين كأسهُم في البورصة، ضمنهم ياسين عجلان وأنسي ساويرس وعدد آخر يعمل معظمه في مجال العقارات، وأوقفوا التصنيع بعد الشراء، وفكّوا المصانع السبعة. «واللي فاضل دلوقتي في الشركة من العمال في المنيا 105 عامل فقط، ضمنهم عاملة واحدة»، بحد وصف أحد العمال.

ولكن في مارس 2017، قال محافظ المنيا اللواء عصام البديوي: «المستثمرين خدوها موّتوها علشان تتباع أراضي. الأرض عادت بحكم المحكمة مطهَّرة من كل الديون للدولة. لو الدولة استثمرت هذه الأرض استثمار جيد وطرحتها للبيع – وهي 84 فدان في أكثر مناطق المنيا تميزًا، أكثر من 4 آلاف متر مربع، والمتر في المنطقة دي بخمسين أو ستين آلف جنيه، يعني بنتكلم في سبعين تمانين مليار جنيه – تقدر الدولة ساعتها ترد للمستثمرين اللي اشتروا السهم بـ 38 جنيه، وجزء من الفلوس نستثمرها في المنطقة الصناعية النسيجية التي تم إنشائها بالمنيا، والباقي يروح خزانة الدولة.»

لم يذكر سيادة اللواء المحافظ بالطبع ضحايا الخصخصة، وغالبًا لم يردوا على ذهنه أصلًا؛ أكثر من خمسة آلاف أسرة شُرّد عوائلها، وأصبحوا بلا عمل، حتى أنه لم يذكر في حديثه أن هؤلاء العمال هم من رفعوا القضية التي ردت الشركة للدولة، ودفعوا التكلفة من جيوبهم، وكذلك من فقدانهم لعملهم. لم يرد في حساباته إلا المليارات التي قد تعود على الدولة نتيجة تنفيذ الحكم.

ما حدث هو أن بعض تجار الأراضي، بعد الخصخصة، بدأوا في  بيع أراضي الشركة لجزء في الوجه البحري، مع إجبار العمال على المعاش المبكر، بقرض من وزارة القوى العاملة أعطته للشركة (قبل الثورة). ومن ظل متمسكًا بالعمل في الشركة خُفّضت مرتباته، ونُقل عدد منهم من المنيا لوجه بحري لتعجيزهم وإخضاعم حتى يتركوا الشركة بلا مَكَن ولا عمال، حتى يأخذ عجلان وإخوانه الأرض ويبيعوها.

تصدى العمال لقرار المعاش المبكر ولمحاولة إدارة الشركة بيع جزءًا من أراضيها، ما جعل محافظ المنيا يوقف بيع الأراضي في المنيا، ويكتب لوزارة الاستثمار بشأن إيقاف نشاط الشركة وبيع الأراضي.

ردّت عليه وزارة الاستثمار مؤيدة مطلبه بمكاتبة بتاريخ 25 مايو 2011 بعد العرض على رئيس مجلس الوزراء ومجلس المحافظين، جاء فيها «ومن جانبنا نؤكد على أنه لا يحق لمشتري شركة النيل لحليج الأقطان التصرف في أراضي الشركة، ولا يحق له أصلًا وقف النشاط بصرف النظر عن الطريق التي اشترى بها الشركة، والوزارة على استعداد لمساندة المحافظة في اتخاذ ما يلزم قانونًا للحفاظ على حقوق الدولة.»

تصوير: كريم البحيري. من مدونته «عمال مصر»

عندما رفع العمال القضية وكسبوها في عام 2011، كان أملهم أن تعود الشركة للدولة مجددًا، وأن تعود للإنتاج، تنفيذًا لحكم المحكمة، ليعمل فيها العمال، كما كانوا يعملون قبل البيع. ولكن الحكومة لم تتسلم الشركة حتي الآن، ولم يُنفَّذ الحكم، رغم صدور حكم بحبس هشام قنديل رئيس الوزراء وقت حكم محمد مرسي بعد 30 يونيو 2013، بسبب عدم تنفيذه لحكم عودة الشركة للدولة، بل أن الحكومة قامت بالعديد من الاستئنافات على الحكم.

وبعدما جرى تأييد الحكم، وفي 29 أكتوبر 2013، رفعت الشركة القومية للتشييد والتعمير الدعوى رقم 5896 لسنة 68 قضائية، والتي تطلب فيها تفسير الحكم الصادر بعودة الشركة في القضية رقم 37542 لسنة 65 قضائية.

وجاء في تقرير المفوضين الذي أخذت به المحكمة «الحكم محل طالب التفسير كان واضحًا في عباراته ومقصده، ولم يكن محلًا للغموض، ولم يعتره إبهام ينال من وضوح منطوقه وسلامة أسبابه على نحو يغدو معه طلب تفسير في غير محله حريًا بالرفض، الذي يتعين معه التقرير برفض الدعوي.»

كان الأمر واضحًا بالطبع من البداية بالنسبة للشركة القومية، ومن قبلها وزارة الاستثمار، ولكن طلب تفسير الحكم لم يكن يهدف إلا لكسب الوقت لتعطيل التنفيذ.

أما رئيس مجلس إدارة شركة النيل لحليج الاقطان، السيد عبد العليم الصيفي، فلم ينس أن العمال هم من وقفوا وحدهم ضده، وأنهم هم من أوقفوا بيع الأراضي، لذا فقد شرع في الانتقام منهم بالعديد من الطرق، ضمنها حرمان كل عمال مصانع المنيا من أجورهم لمدة عشرة شهور متتالية، رغم عدم تسليمه الشركة للحكومة، وبالتالي فقد كانت الشركة هي المسؤولة عن سداد أجورهم، وكل ذلك تحت مرأى ومسمع كل أجهزة الدولة.

«رئيس مجلس الإدارة قال لي أنا عارف إنك هتكسب القضية. سألته طيب ليه فصلتني أصلًا؟ قال لي في الآخر هتطلب تعويض، هديهولك على الجزمة.»

يضيف رضا ضرغام: «في أيام الجنزوري رحنا وقفنا قدام مجلس الوزراء، علشان نطالب بتنفيذ الحكم، وعلشان كنا ما قبضناش بقالنا عشر شهور. وأضربنا عن الطعام، 500 عامل، ولكن أجبروا الناس على الإفطار، وعلقنا الإضراب والاعتصام على أساس إننا هنروح نتفاوض في وزارة القوى العاملة. المرة اللي بعديها قلعنا ملط في الشارع علشان نقول لهم إن ولادنا جعانين وعريانين.»

ثم أتت الطريقة الثانية للانتقام، وهي النقل من المنيا إلى وجه بحري، وكان رضا ضرغام وقتها هو نائب رئيس اللجنة النقابية:

«لما اتنقلت من المنيا لكفر الشيخ في 5-4-2016، وأنا عندي أربع أولاد ومش عارف أصرف عليهم، رفضت تنفيذ النقل لأني نقابي، ففصلوني، رفعت قضية ضدهم علشان ارجع الشغل. رئيس مجلس الإدارة قال لي أنا عارف إنك هتكسب القضية. سألته طيب ليه فصلتني أصلًا؟ قال لي في الآخر هتطلب تعويض، هديهولك على الجزمة. أنا دلوقتي بشتغل من الساعة اتنين الظهر للساعة اتنين بالليل علشان أكفّي بيتي، بناكل فطار وغدا وعشا فول وطعمية، واللي مش مصدق ييجي يشوف العامل اللي ما حيلتهوش حاجة عايش إزاي.»

مطالب عمال النيل لحليج الأقطان. تصوير: كريم البحيري. من مدونته «عمال مصر»

ويكمل: «اتعرض عليّ زي ما اتعرض على اللي قبلي إني أقعد في البيت وماليش دعوة بالعمال، وهيخلوني عضو مجلس إدارة، بس أنا اتعلمت على إيد زملائي اللي اتفصلوا قبلي إن العمل النقابي تضحية وعطاء، مش أبيع زمايلي، وهو دا العمل النقابي الحر. طلع لي قرار نقل، القوى العاملة قالوا لي ما تنفذشي النقل، لأنك نقابي ومش من حق حد ينقلك، وآديني ما نفذتش النقل، وأنا برا الشركة دلوقتي بشتغل في سوبر ماركت، بعد ما كنت رئيس وردية، وعضو مجلس إدارة صندوق الزمالة، وعضو مجلس إدارة صندوق اتحاد المساهمين. بشتغل شغلتين ومش مكفّي.»

المهندس ضياء: لم يعد أحد يسمعنا

ضمن المكافحين الصامدين المهندس ضياء، أحد رافعي دعوى عودة شركة النيل لحليج الأقطان للقطاع العام (ضمن 46 عامل آخرين)، ونائب رئيس اللجنة النقابية وقتها، والذي صدر له قرار نقل إلى الإسكندرية في عام 2010، وحصل على حكم في أبريل 2013 بإلغاء القرار وما ترتب عليه من آثار، ثم فصلته الشركة في عام 2011، وحصل على حكم ببطلان قرار الفصل في أبريل 2012، واعتبار القرار كأن لم يكن، وصرف راتبه وكافة مستحقاته منذ إصدار قرار الفصل. ومن وقتها لم ينفّذ الحكم، رغم إعلان رئيس مجلس الإدارة بالحكم على عنوان منزله في مايو 2013.

استطاع هؤلاء العمال الوقوف أمام قطار الخصخصة ومواجهته بأجسادهم، وأتت الثورة لتُحيي فيهم الأمل في مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، ولكن مع الثورة المضادة لم يعد بإمكان هؤلاء العمال التحرك كما كانوا يفعلون من قبل، ولم يعد أحد يستمع لصراخهم وأنّاتهم. يقول ضياء: «قبل الثورة مباشرة كنا على شفا اليأس من أننا ناخد حقوقنا بعد الشركة ما اتباعت. جات الثورة وأحيت فينا الأمل من جديد، ورفعنا القضية وكسبناها، ودلوقتي لا عارفين ننفذ حكم عودة الشركة للدولة، ولا عارفين ننفذ الأحكام بعودتنا للعمل، ولا حد عاد بيسمعنا أصلًا. طيب نروح فين، ونعمل إيه علشان الناس دي تسمعنا؟»

ثماني سنوات من الفصل وانقطاع الراتب الذي كان يعيش منه وأسرته في محافظة تندر فيها فرص العمل للشباب، فما بالنا بمن تخطى الخمسين من عمره، ولا يزال متمسكًا بالأمل، ويحلم باليوم الذي تعود فيه الشركة للعمل، وهو بداخلها مهندسًا ورئيس وردية بمصنع عصر الزيوت، يشرف على الإنتاج ويتأكد من مطابقة الزيت الناتج مع عملية العصر للمواصفات، كما كان.

إلى عمال طنطا للكتان: شركتكم مثل ريال ضاع منا

طال الفصل والإجبار على المعاش المبكر العمالَ كل الشركات التي خُصخصت في عهد مبارك، فعمال طنطا للكتان، ممن كانت لهم معارك مبكرة مع المستثمر السعودي عبد الإله الكعكي بعد الخصخصة مباشرة، والذي أرسل للعمال رسالة مفادها «إنتم فاكرين إنكم هتلووا دراعي!؟ دا أنا اقفلها واعتبره ريال ووقع من جيبي!»، ظلوا منذ عام 2007 وحتى 2011 يخوضون صراعًا مع المستثمر ومديره في مصر، استطاعوا خلاله إصدار حكم بحبسه، مع مديريه، كونه منعهم من العمل، مستخدمين لأول مرة مادة في قانون العقوبات كانت قد وُضعت، للمفارقة، لمعاقبة العمال، وليس أصحاب الأعمال، ما جعل المستثمر يطلب التفاوض، ولكن ليس مع العمال، وإنما مع وزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي، لإسقاط حكم الحبس عنه.

وعندما رفع العمال، بمساعدة المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعدد من المحامين المستقلين، قضية لإبطال عقد بيع الشركة، لما شابه من فساد، وانتصرت المحكمة لإرادتهم حاكمة بعودة الشركة للدولة، وعودة العمال لسابق وضعهم قبل الخصخصة، لم يرُق الحكم لأجهزة الدولة، التي رفعت أكثر من 31 استشكالًا أمام القضاء لتعطيل تنفيذ الحكم، طبقًا لما ذكره جمال عثمان، أحد القيادات البارزة في قيادة الحركة، واستمر العمال لهم بالمرصاد حتى أصبح الحكم نهائيًا وباتًا وواجب النفاذ.

عمال طنطا للكتاب في إضرابهم. تصوير: كريم البحيري. من مدونته «عمال مصر»

وأمام الإصرار على الاكتفاء بالتنفيذ الشكلي عبر استلام الشركة، ولكن دون ضخ أموال لتشغيلها، ودون عودة العمال للعمل بها، أصبح العمال أكثر إصرارًا، حيث ظلوا يحتجون في ظل التضييق الأمني ومحاصرة هامش الاحتجاج، حتى الشهر الماضي، إلى أن تبينت لهم عدم نية الدولة في تنفيذ الحكم، ما اضطرهم للتفاوض، فيما يخص عودتهم للشركة مقابل تعويض 65 ألف جنيه لكل عامل. ورغم عدم قدرة العمال وحدهم على تنفيذ الحكم أمام جهاز الدولة، إلا أنهم انتزعوا جزءًا من حقوقهم، وهو تعويض قد يعينهم على العيش.

وفي حديثي مع أحد القيادات ممن أُحبطوا مع انكسار الثورة بعد صرف التعويض، قال إنه سيضع المبلغ المتبقي بعد سداد الديون في البنك لكي يتمكن من الإنفاق على ابنه الوحيد في الجامعة، خصوصًا وأن معاشه لا يتعدى مئات قليلة من الجنيهات شهريًا، وأنه أصبح بلا عمل بعد أن ضعف نظره، ولم يعد يستطيع ممارسة عمله في مجال التركيبات الكهربائية.

محمد سلطان: ليست قصة مال، ولكن القيم التي نورثها لأولادنا

الكثيرون حلموا بالعمل وإدارة المصانع التي أغلقها أصحابها، ومنهم محمد سلطان الذي تصدى لتحمل مسؤولية تفويضه بقرار من النائب العام لتشغيل مصنع «إنكوباب»، بعد أن تركه صاحبه فريد طوبيا، وترك العمال بدون أجور، ليبدأ العمال طريقهم في المطالبة بحقوقهم خصوصًا بعد الثورة، لينجحوا عبر المطالبة والاحتجاج في انتزاع قرار التفويض في عام 2013، حتى وإن لم يستطيعوا تنفيذه بسبب عدم قدرتهم على الضغط بعد 30 يونيو.

في الجمعية التأسيسية للنقابة المستقلة في مارس 2011، تحدث محمد سلطان إلى زملائه لتحميسهم على مسألة الإدارة الذاتية للمصنع من أجل إعادة تشغيله، فقال: «الموضوع مش موضوع فلوس. الموضوع إن ابنك لما يكبر يكفي أنه يعرف أنك كنت بتشتغل في مصنع صاحبه قفله وأنت وقفت مع زمايلك وشغلته. إنت كدا مش محتاج تقعد تعلّمه حاجة، هو اتعلم من مواقفك».

أما الآن، فقد تحول سلطان من قائد متحمس لعملية التشغيل، يرى فيها مستقبلًا له ولزملائه وأبنائهم، إلى قيادي محبط يمتنع حتى عن الرد على التليفون.

كيف يرى الآن الأبناء وأبناء الزملاء تجربة آباءهم وحلمهم بتشغيل مصانعهم؟ هل تعلموا الدرس الذي كان يرغب في تعليمه لهم، أم أن الرسالة التي وصلت للأبناء هي «ما فيش فايدة»؟

أبو رواش: نمسح السلالم من أجل أولادنا

عانى العمال وقياداتهم الذين احتجوا للمطالبة بحقوقهم، قبل الثورة وبعدها، من بطش أصحاب الأعمال في غياب أي دور للدولة في إنصافهم، وهم كثر ممن نعرفهم ومن لا نعرفهم أو نسمع بهم.

في عام 2011 التقيت بأحد ممن كانوا يقودون زملاءهم للمطالبة بحقوقهم في أحد شركات منطقة أبو رواش، والذين سمعوا مدير منطقة القوى العاملة التابعة لها الشركة يتفق مع صاحب العمل على فصلهم من العمل، قابلت القيادي بالصدفة في ميدان لبنان وهو يحمل في يده جردلًا وخيشة، وعندما استوقفته وسألته عما يفعل هنا، رد: «بمسح سلالم علشان أكل ولادي».

هناك حالة في منتهى الصمود والصلابة، وهي أم العمال عائشة أبو صمادة، العاملة الفلاحة الأربعينية التي لم تتزوج ولم تنجب، ولكن زملاءها وزميلاتها لقّبوها بـ«أم العمال»، كونها ترعاهم جميعًا كأبنائها

وكأن هذا ليس كافيًا، فقد أصيب أحد أبنائه بحالة من الصرع والتي تحتاج لعلاج بما يزيد على 2500 جنيه شهريًا، وبعد أن لجأ لكل الجهات لعلاج ابنه على نفقة الدولة، لم يستطع الحصول على حق ابنه في العلاج، فبدأ ينتظر المساعدة في توفير جزء من العلاج له؛ حقن لا تعالج، وإنما تكتفي بتهدئة الطفل، وتتكلف حوالي الـ 600 جنيهًا شهريًا.

أم العمال.. عائشة أبو صمادة

بالإضافة لهذا، فهناك حالة في منتهى الصمود والصلابة، وهي أم العمال عائشة أبو صمادة، العاملة الفلاحة الأربعينية التي لم تتزوج ولم تنجب، ولكن زملاءها وزميلاتها (والنساء بالتحديد هن الأكثرية في مصنع المعسل في دمنهور) لقّبوها بـ«أم العمال»، كونها ترعاهم جميعًا كأبنائها، وتتحرك معهم منذ ما قبل الثورة لنيل حقوقهم التي ضيّعتها النقابة العامة للصناعات الغذائية، ليكون جزاءها في النهاية تجميد عضويتها في النقابة، بعد أشهر قليلة من انتخابها من قبل زملائها عام 2006 كعضو مجلس إدارة نقابة عمال الشركة، تمهيدًا لفصلها من العمل، ومعها أكثر من ثلاثين عاملة.

وقتها، كانت حركة العمال قوية، وبمساعدة عدد من المحامين الحقوقيين، استطعن العودة للعمل، لتفُصل عائشة مرة أخرى من العمل، وتتوجه للمحكمة التي حكمت بعودتها للعمل، وهو ما لم ينفذه صاحب العمل، لتظل عائشة مفصولة، مريضة ومحرومة من حق العلاج بالتأمين الصحي لأنه يشترط لكي تعالَج أن يكون معها خطاب من صاحب العمل.

هذا جزء من حلم العمال بدولة القانون، بالعدالة في حقهم في العمل وبأجور تكفيهم للعيش بكرامة، وفي طريقهم ابتكروا أشكالًا جديدة، مثل التشغيل الذاتي للمصانع والشركات المغلقة، واستخدموا التقاضي لإعادة شركاتهم للدولة أملًا في عودتهم للعمل بها

رغم هذا لم تفقد عزيمتها، ولا اهتمامها بالعمال وشؤونهم، فكثيرًا ما تتصل للسؤال عن محام لأحد زملائها، أو عن معارف لتمكين زميلتها الشابة الصغيرة في العمل من العلاج بعد إصابتها بالسرطان، وهي وزوجها فقيران لا يستطيعان تحمل تكلفة العلاج.

هذا جزء من حلم العمال بدولة القانون، بالعدالة في حقهم في العمل وبأجور تكفيهم للعيش بكرامة، وفي طريقهم ابتكروا أشكالًا جديدة، مثل التشغيل الذاتي للمصانع والشركات المغلقة، واستخدموا التقاضي لإعادة شركاتهم للدولة أملًا في عودتهم للعمل بها. ولكنهم كانوا وحدهم في مواجهة الدولة وأصحاب الأعمال، خصوصًا بعد زيادة نفوذهم في معارك تخص المجتمع كله. لذا، فرغم صمودهم وتحقيقهم الكثير، كما رأينا، فإن مصير الكثيرين منهم كان قطع أرزاقهم، لكي يكونوا عبرة لبقية العمال ليرضخوا بما هو مفروض عليهم من ظلم دون مقاومة.

حلم العمال لن ينتهي، كما أن مقاومتهم لن تنتهي، خصوصًا مع استمرار نفس السياسات، وحتى لو كان هؤلاء، أو غيرهم، قد أحبطوا وكفوا عن النضال، فسيأتي بعدهم الكثيرون ليسيروا في طريق استعادة الحقوق والحلم بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

المهم أن لا نتركم وحدهم يخوضون معارك غير متكافئة تخصنا جميعًا.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان