Define your generation here. Generation What
حكايات الإجهاض: شغل ستات
 
 

*الحكاية الثالثة في سلسلة حكايات الإجهاض.

* القصة كما روتها صاحبتها، وفي بعض المناطق تنقل الكاتبة عنها نصًا.

 

طفلة.. اثنتان. عمليتا إجهاض وولادتان. ورم على الرحم واكتئاب ما بعد الولادة، وكيان يعافر نحو استقلاله عن كيانين اعتمدًا عليه كلية منذ وجودهما. أنا أم؛ تلك هي وظيفتي، هذا ما أفعله ولا أحب أن أفعله. هذا ما أنا عليه. أمري الواقع أني أم لطفلتين أكبرهما عامين ونصف. مررت بأربعة تجارب إجهاض، نجح النصف وفشل الآخر.

على الطرف المقابل رجُل مؤمن تمامًا أن من حقه رفض اختياري للإجهاض لأنه لو لم يُنجب فلِمَ تزوج؟ هناك قلب ينتظر خبر الحمل في صمت. حالة من الملل والانتظار قد يقطعها قراري الذي أخبرته به قبل الزواج؛ «مش عاوزة أخلف»، فهز رأسه بالقبول. ولأنه كما نعرف، كل الساذجات تحملنّ المسؤولية فيما تلى هز الرؤوس. يفرح الرجال بخبر الحمل لأنهم لا يخسرون شيئًا. ما أسعد أن تأتي بإنسان إلى العالم دون أن تُستهلكي جسديًا ونفسيًا، دون أن تبقى خطوط الحمل والولادة على جسدك تُذكرك كلما سهوتِ أنك امرأة.
إنهم يخدعوننا يا عزيزتي. يقولون إننا نأتي بالحياة من أرحامنا كي نغفل عن أجسامنا التي تُمزقها تلك الحياة في الخروج. يرسمون لنا صورة الأم منذ أن كنّا نمتص الحياة ذاتها من أثداء أمهاتنا. الأمر أشبه بوردية في مصنع؛ رحم يُسلِّم الآخر، وثديٌ موصول بآخر. وبين الآخر الأول والآخر الأخير نساء لم يُردن الاشتراك في اللعبة. دورة إنتاج لم ولن تتوقف. ملايين الأرحام المُنجبة والخاضعة للعمليات الجراحية والحقن الهرمونية كي تُنجب. لم لا؟ وكيف تُعرف النساء يا حلوة، أليس بقدرتهن على الإنجاب؟ وظيفة راتبها الحب. والحب يقابله الحب. هذا هو الخداع بعينه. أن توظّفي مشاعرك إلى ما لا نهاية. أن تُفني في سبيل الأمومة. أن تُستهلكي جسديًا وعاطفيًا وأنت مقتنعة تمامًا أنها أسمى معاني الحياة، التي مزقتك لتوّها.
ابنتي الحبيبة، أكتب لكِ هذا ولا أعلم إن كنت أملك شجاعة تركه لكِ لقراءته. صعبٌ ألا أستطيع التعبير عن مشاعري الحقيقية إلا على الورق. كل شيء حولي يدفعني للمُضي قدمًا على مشاعري؛ لأنجو. وصعبٌ أن أفصل مشاعري عن جسدي. ما أشعر به هو نقيض ما أمارسه، وما تعلّمت ممارسته من أمي وجدتي، وما أخشى أن تتوارثينه منّا. يقولون إن الأمومة نعمة، ولا أحد يهتم بما نمر به في خضمها كتجربة. الأمومة مرهقة، وأتساءل كل ليلة ما هو أفضل السيئين: إجهاض بويضة مُخصبة، أم إنجاب طفل غير مرغوب في وجوده؟
اكتشفت حملي في نهاية السنة الثانية من زواجي بأبيكِ. هذا ما نجحت في منعه بمراقبة دورة تبويضي بعناية؛ يتحقق الآن. في استقباله للخبر بسعادة، تجاهل أبوكِ رأسه المُشيرة إلي قبول رغبتي بعدم الإنجاب. بحثت على الإنترنت عن دواء محفز للإجهاض، وفي يوم النزيف ذهبنا معًا للطبيب الذي تظاهرت أمامه بالمفاجأة والحزن، ومن داخلي لذة انتصار صغيرة. ما فعلته لم يكتشفه الطبيب ولن يعرفه محمود أبدًا. وتم أول إجهاض.
« الرجالة ما بتسامحش؛ لأنه هيعتبر إن ده حق من حقوقه إن أنا أجيبله بيبي، حتى لو هو مش في دماغه موضوع الأطفال. هو فالأول والآخر قرار مشترك. بس أعتقد أن جسمي ملكي لوحدي. حتى لو أنا متجوزة».
في أقل من نصف عام كان حملي الثاني. في هذه المرة فشلت في الحصول على دواء تحفيز الإجهاض. قضيت أشهرًا بين أدوية تثبيت الحمل تلبية لرغبة أبيكِ في الإنجاب وعلى غير رغبتي. لم يرَ الطبيب جنينًا داخل الكيس. كان فارغًا. كنتُ حامل في لا شيء، وكان طبيبي يصرف لي جرعات مثبتة للحمل، وهو يعلم أن لدي ورم على جدار الرحم، يتضخم بهرمون الحمل.
نصحني طبيب آخر باستئصال الورم، فورًا بعد تنظيف الرحم من كيس الحمل الفارغ. تم الإجهاض الثاني. ويشاء القدر أن أحمل للمرة الثالثة، قبل إتمام جراحة الاستئصال. هذه المرة كانت أنتِ.
تسخر صديقاتي من تكرار مرات حملي، ويصفونني بالجِدة. ممتع أننا لا نذكر الجدّات إلا للتعبير عن البدائية أو الطعام. ونتجاهل أنهن نساء وأن علاقاتهن بأجسامهن لم تكُن بتعقيد علاقاتنا بأجسامنا. هل كان دور الجدات الإنجاب فقط؟ كم جدة أجهضت دون أن تصلنا القصة كما وصلتنا قصص إنجابهن لوالدينا؟ لماذا لم تصل إلينا وصفاتهن لتحديد النسل، كما لو أنهن كنّ آلات إنجاب لعدد كبير من الخالات والأعمام؟ هناك شيء غامض في هذه القصص. هناك من منعها من المرور والتداول حتى أصبحت وصمة إن نحن استخدمناها وسط هوس الطب الحديث. أجسامنا التي يذكرونها بالإنجاب فقط، خير شاهد على قصص لم تصل إلينا عن نساء لم يرغبن على الأقل في طفلٍ تاسع.
بدأ الحمل الثالث بنزيف، كسابقيه. وكان جسدي مُستهلك: إجهاض يلي الآخر. لم يعطني الطبيب مثبتًا للحمل، ولا محفزًا للإجهاض. تركتك داخل رحمي كما لو أنني أستسلم لقدر لم يعُد بإمكاني تغييره. ولم يتغير شيء بداخلي عن رغبتي في عدم الإنجاب.
هاجس. يقولون عنه حلم الأمومة. وما الأحلام والهواجس سوى أفكارنا التي نطورها لتصبح ما هي عليه. بالنسبة ليّ الأمومة كابوس. حاولت بكل جهدي أن أتفاداه، حتى أنني توقفتُ أحيانًا عن النوم. وها هو يصبح واقعًا بلا مخرج آمن، أو غير آمن.
 ما أن تخرجون من أرحامنا حتى تبدأ حياتكم، وتنتهي معها حياتنا. كل شيء يقف على رأسه بإمكاننا رؤيته في وضعه الصحيح. لو أننا وقفنا على رؤوسنا أيضًا.
«مش لطيف إن في أول سنتين تلاتة من عمر الطفل تكون الواحدة ما بتعملش حاجة غير إنها تأكِّل وتغير بامبرز وتنام وتقوم على مزاج حد تاني. نومي ملخبط. أعصابي معظم الوقت مش مظبوطة. علاقتي مع جوزي ما بقتش زي الأول».
أتممت الحمل. تسعة أشهر لا أفكر سوى في هذا الكابوس، وأفقد وزنًا وأصاب بالأنيميا لأني أتناول فقط ما يجعلني حيّة. لِمَ تزوجت؟ أتمنى لو أنه بإمكاني العيش مع رجل أحبه دون أن أرغب في مدّ هذا الحب لآخرين. أن أمنحهم إياه لأن هذا ما يجب أن أكون عليه. هذا هو المسلك الوحيد إن هم أصبحوا موجودين، لذا بذلت كل جهدي كي لا يصبحوا كذلك. وها أنتما الآن، أنتِ وأختك الصغرى، هنا.
عندما رأيتك لأول مرة لم أشعر بشيء، لا خفقان قلب، ولا برودة أصابع. كنتُ غاضبة، ورفضت إرضاعك. لماذا كان يجب عليّ هذا في رأيك؟ لم أخطط لوجودك من البداية، كيف أتحمل إذًن عواقبه؟
لماذا عليّ إرضاعك ويُمكنك النجاة بدون ثديي؟ لقد خرجتِ من رحمي. هل كان بإمكاننا الانفصال وقتها؟ انتهت الحُجة. يقولون إن الإجهاض قتل، وها أنت حيّة، وأنا لا أريدك. هذا يا جميلتي لا يعني أنني أكنُ لكِ أي كراهية. فقط أحاول أن أشاركك مشاعري عن هذا الجانب المظلم من علاقة معقدة بين جسد يُبنى من جسد آخر، حتى بعد الولادة.
الرضاعة يا هانا. إن كنتِ تتغذين من مشيمتي في الحمل دون وعيي، فأنا مُطالبة الآن بالتعامل مع هذا بوعي. أن أحملك، بكل عظامك اللينة التي أخافت أبيكِ، فلم يحملك إلا بعد شهرين من ولادتك. أن أقربك من ثديي الذي هربت حلماته من رهبة الموقف فلم نجد أنا وجدتك ما يُبرزها إلا الهواء البارد. كنت أكشف ثديي لدقائق قبل وضعه في فمك بحرص تحول بعد أيام إلى عادة عفوية. كان عليّ الضغط على حلمة ثديي بين سبابتي وصباعي الأوسط لتبدأ قطرات اللبن في الظهور، وتثبيتها حتى تستطيعين التنفس. كان عليّ النظر إليكِ أثناء الرضاعة، واحتضانك بعدها لأفرغ معدتك من الهواء. تأملتك عشرات المرات وأنتِ تسحبين اللبن برفق، وتؤلمينني. موجع أن أحاول توظيف مشاعري تجاهك. أن أعتاد إحساسًا ما لأن هذا هو المتوقع مني. كان هذا المتوقع والمعيار يا هانا. النساء يُنجبن، ويقُمن برعاية أطفالهن. ليصبح الإنجاب والرعاية أفعالًا متلازمة ومُلزمة.
كانت جدتك تهوّن عليّ من وقت لآخر، وهي تساعدني بعد الولادة. مرة أخرى وبسرعة، هذا ما تفعله النساء. أبوكِ تركني بعد ولادتك بساعات قليلة ليواصل عمله. وفي المنزل أواصل عملي أنا الأخرى، في الأمومة.
كلٌ منا في عمله، وكلٌ منا في مجاله، وكلٌ منا في دوره. نعم، نعم؛ ولأن الأم مدرسة، ولأن الأم رمز العطاء والحب غير المشروط، وغيرها من العبارات التي نُخدع باسمها، بينما نحنُ نُنجب ونرعى أطفالنا، ونُستهلَك جسديًا ونفسيًا.
هانا، هل ترين شيئًا في هذا؟ إن أبيكِ يعمل وله راتب ويُسمى موظف، بينما مشاعري التي أوظفها تجاهك لا تجعل مني امرأة عاملة، ولا تعطني راتبًا، سوى الحب. الحب يا هانا هو ما يعتقدون أن النساء تعطيه وتمارسه لأنها طبيعتهن. فجعلونني، أنا وملايين من النساء، نوظّف مشاعرنا تجاهكم، بمزيد من الأسى وكثير من الذنب.
شعرت بالذنب لأني لم أعطيكِ كل الحب الذي بداخلي، ولهذا السبب بالذات لم أتمنى أن تولدي أبدًا. هذا الذنب جعل مني امرأة غير راضية بما تفعله، لأن ما تفعله أدنى من المتوقع منها كامرأة، وأم.
كان أبوكِ ينفي قدرته على حملك بين يديه. «ما باعرفش أشيلها»، قالها وكأني أنا التي تعرف بالفطرة. اعتمد أبوكِ على أني امرأة، وأنها وظيفتي التي أفعلها فقط لكوني امرأة. أن أحملك وأرضعك وأتولى أمورك، لأني امرأة، ولأنه رجُل.
نسيان أو تجاهل، هو ما أغفله أبوكِ عن دور جدتك آنذاك. ذات يوم قالها لي مُشيرًا إليها: «ده شغل ستات، هي مرت بالتجربة دي قبل كده وعارفة إزاي تتصرف».
وبالفعل، علّمتني جدتك كيف أحملك، وكيف أُبدل حفاضك وأُحيّد مشاعر الاشمئزاز والقرف التي دفعتني للقيء مراتٍ عدة. علمتني أن أغفو ولا أنام لأكون منتبهة لكِ بجانبي. كانت حواسي بأكملها في خدمتك ورهن صراخك المستمر. كان الأمر هيستيري. جهازي العصبي نفسه فشل في موازنة الأمر. فكانت جدتك تعدل ميزان عقلي من آنٍ لآخر. تخيلي معي كم هذا لطيفًا!
«أنا مش عارفة الناس إزاي بتقول اولدي عشر مرات ولا تجهضي مرة، إزاي بقى؟ بأي منطق؟ إزاي جسمك يستهلك في ولادة وتعب ولادة، وأنا جربت ألم الولادة؛ بشع.  الحمل مرهق ممكن في شوية غثيان فـ الأول. بطنك تقيلة. إنما اللي أبشع من كده هو ألم الولادة واللي بعد الولادة».
ما فعلته جدتك معي، فعلته معها أمها. نحنُ نتوارث الأمومة لأننا نمارسها، وليس لأنها غريزة كما ستسمعين لاحقًا. حرفة يدوية، تعملين فيها بجسدك وذهنك ومشاعرك. نحنُ نحترف الأمومة، ولا نولد بها. وأعني بالأمومة هنا الرعاية والتوحُّد مع الأبناء، وكل الأساطير المرتبطة بالتضحية والفناء الذاتي من أجلهم. حتى في اللغة، هناك حالة من التطبيع مع الأمومة. يقولون: اللغة الأم، وأمنا الأرض، للتعبير عن التوحد والتماهي في المصدر. في حين يُمحى الكيان الذاتي للمصدر، ويتحول كيانه إلي كونه مصدرًا لهذا أو ذاك. وأنا لا أُريد أن أُمحى.
في يوم، وبعد عودة جدتك إلى منزلها، كانت مواجهتنا. قُلت له: «لأ، جرب بقى، لأن أنا أوقات بأبقى فعلا هأموت. مش قادرة أشيل البنت حتى أغيرلها. هو ده فعلًا اللي حصل في أول مرة يجربها. أنا كنت فعلًا هلكانة وما نمتش بقالي يومين. فـ مش قادرة أشيلها فعلًا، أعصابي سايبة وخايفة تقع مني».
أشهر مرت يا صغيرة واكتشفت الحمل الرابع، أختك. احتفظت بالمعلومة لنفسي، إن علم أبيكِ لمنعني من الإجهاض، لذلك أبقيت الخبر سرًا، بيني وبين شريط اختبار حمل منزلي، أتممت حرقه قبل وصوله من العمل. هذا النوع من الأسرار ثقيل للغاية، وثقله أن الوقت يكشفه جزءًا جزءًا. أخذت دواءً محفزًا للإجهاض مُتبقٍ من الإجهاض الثاني، أعطاه لي الطبيب بنفسه. وبعد أسبوع نزفت. قلق أبوكِ وأخبرنا الطبيب أني حامل، وأن النزيف لم يؤثر سلبًا على الجنين. كالعادة تظاهرت بالمفاجأة ولكن هذه المرة طلبت إما أن يُجهضني، وإما أن أُجري عملية ربط لمنع الحمل نهائيًا. كان رده أنه لو لم يحدث ضرر جسدي فلن يقوم بإجهاضي.
هل ترين كيف يقرر لنا الأطباء ما هو أصلح لنا كنساء؟ أن يُمنع عني الإجهاض، لأن أسبابي غير كافية في نظر الطبيب والقانون. أن أنفي قدرتي على الرعاية، ليست كافية؛ لأن الطبيب كأبيكِ وكغيره، يعتبرون الإنجاب والرعاية تجاربًا مُلزمة، يجب أن تمر بها كل امرأة. حتى عند طلبي عملية ربط للرحم، اعتبر الطبيب قراري «عاطفي»، وأعطاني فرصة لأختبر الأمومة للمرة الثانية، دون رغبتي، ودون قدرتي على الإصرار لأني كنت مُستنزفة جسديًا بالكامل. تعامل الطبيب مع قراري وكأنه ليس أخيرًا، أو واعيًا، ظنًا منه أني ربما سأرغب في الحمل لاحقًا.
تبرّع بفرصة لم أطلبها، وتدخّل في علاقتي بجسمي بحكم مهنته. هيمنة تُمارس على أجسامنا باسم الطب والمجتمع.
إن كان خطأي أني لا أرتاح في وسائل منع الحمل، فكيف يُمكنني تصليحه دون اقتراف خطأ أكبر؟ دون أن أُعاقب وتُعاقبين أنتِ، وتُعاقب أختك إن ولدت وأنا غير راغبة في الإنجاب؟
«مفيش دكاترة في مصر بيعملوا ربط غير في الدِرا. بيعتبروا إن الربط زي الإجهاض جريمة. مع إن لا القانون بيقول إن الربط جريمة، ولا أعتقد حتى إن الدين بيقول ده حرام».
«لأن هو بالعقل كده: هو حرام إن أنا أمنع حاجة مش عايزاها، ولا الحرام إن أنا أجيب طفل أنا مش عايزاه أساسًا؟»
في لحظة يختفي جسدي عن الاعتبار، إلا رحمي. كيف أفسر أنا وغيري من النساء أن أجسامنا في الحمل والولادة تخرج عن سيطرتنا؟ كأن هذه العلامة لتمدد جلودنا، أو أن نرى أجسامنا غريبة عمّا أعتدنا رؤيته في المرآة، ليست أضرارًا كافيًة لئلا نرغب في الإنجاب. أن يظل جسمي غريبًا عني، ولا أتعرّف عليه، أو أنتمي له. أن أكون آلة إنجاب أنا الأخرى. أن أنجب طفلًا لا أرغب به، وألا أستطيع التعبير عن انفصالي العاطفي عنه إلا على ورقة، أشك أني قادرة على مشاركتها مع أحد.
تم الحمل، وولِدَت أختك، وأمارس أمومتي وأعطيكما ما أقدر عليه. يُساعدني أبوكِ من وقت لآخر في أعمال المنزل، لكنها ما زالت مسؤوليتي أنا.
«حبستي في البيت بالأسبوع مرهقة نفسيًا جدًا. فبقيت أحاول على قد ما أقدر إن أنا أخرج. بس برضه بتبقى خروجات مقيدة. انتي محدودة بإن انتي الولاد معاكي فهتروحي مكان معين. مش هينفع أخرج مع أصحابي لأن معايا اتنين بيبيهات: متعب جدًا. فأنا بقيت من جوه مش مبسوطة. ما بقتش حاسة بأي حاجة كويسة. حتى لما بأحاول أتبسط بيبقي مؤقتًا وخلاص».
ابنتي الحبيبة، ربما لو أننا في بلد آخر، لمّا كتبت إليكِ هذا، وربما لم أعاني انفصالي العاطفي عنكِ بهذه الفجاجة. ربما رغبتُ في الإنجاب، لو أنني أعلم أن ولادتك هنا لن تعني مرورك بما مررتُ به. ربما لو لم نختبر استباحة أجسامنا في الشوارع، أو بالقانون. لقدرت أن أوفر لكِ حياة أكثر مُلائمة من التي نحياها معًا. ربما مُنح أبيكِ إجازة لرعايتك معي، فلم أُستهلك بنفس القدر. ربما وربما.
وسواء قرأتِ هذا بعد عدة سنوات، أو لم أملك شجاعة تركه لكِ، فنحن امرأتين، تسببت إحداهما في وجود الأخرى. ولا يجب أن تمتن الأخيرة لهذا التسبب. كما لا يجب أن ترهن الأولى حياتها عليه. لي حياة، ولكِ حياة. ستتقاطعان، لكن حتمًا لن تلغي واحدة الأخرى. أنتِ هنا، وأنا هنا. جمعتنا صدفة. أرجو أن تكون جميلة.
 
اعلان