Define your generation here. Generation What
ثورة درامية (2-5): الحكي والتمثيل وعلم نفس التحرير
 
 

تحليل مطول لتطورات كبرى في الدراما التليفزيونية المصرية يرصدها م.ف. كَلْفَت، وتطورات متصلة في السينما المصرية المعاصرة، يربطها بالأدب والمسرح والموسيقى والإنترنت والثورة وفنونها.

في الجزء الثاني ينتقل الكاتب إلى المسرح في إيطاليا وألمانيا بعد الحرب العظمى، وإلى تاريخ فن الحكي قبلها وبعدها، وصولًا إلى القاهرة اليوم، محللًا علاقتيهما بالتمثيل في «سابع جار» وبمادته، واضعًا المسلسل في سياق أفلام مصرية وثائقية معاصرة والسياق النفسي-الاجتماعي بعد الثورة.

قبل القراءة: الجزء الأول.

 تحذير: هذا المقال يحتوي على «مفسدات فرجة»[1]، أو، بالبلدي، يحرق قصص الأعمال المتناولة. لكن ذلك وكما سيتضح غير مهم وغير صحيح بل ومطلوب.

شخصيات غير محددة العدد تبحث عن ورشة مؤلفين

يواجه الجمهور خشبة مسرح خالية. تدخل الفرقة المسرحية من الخلفية وتستعد لبروفة المسرحية. يدخل المخرج ويعطي إشارة البدء لتمثيل الفصل الثاني. يتساءل الممثل الأول عما إذا كان لابد أن يرتدي قبعة طباخ. يثور المخرج. يدور نقاش وأخذ ورَدّ. ثم فجأة، ومن وراء كل هذا، تدخل ست شخصيات. من هم؟ لا أحد يعرف. إنهم ليسوا أشخاصًا وإنما شخصيات: الأب، الابنة، الأم، الابن، الصبي، الطفلة. فيم جاؤوا؟ يبحثون عن مؤلف، أي مؤلف. أهذه مزحة؟ كلا. لقد تركهم مؤلفهم بلا حياة ودون تطوير، على الورق وخارج خشبة المسرح، رغم أن قصتهم تستحق.

في افتتاح مسرحية «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» Sei personaggi in cerca d’autore (لويجي بيرانديلو، 1921) غضب الجمهور الإيطالي الحقيقي من كل هذا الجنون وما تلاه، جنون الشكل المسرحي، أكثر ربما من غضبه من شخصية الابنة وحكايتها وعلاقتها بالأب/زوج الأم. ومن خلال المسرحية داخل المسرحية تناقَش علاقة الحقيقة بروايتها وبتمثيلها، بين الشخصيات من جهة، وبينها وبين الممثلين والمخرج من جهة أخرى، بينما تتطور أمامنا فصول حياة الشخصيات الست.[2]

شخصيات مهمَلة، من أعضاء أسرة مفككة، كانت قبل ذلك ستظهر في المعتاد من خلال ميلودراما فيكتورية. لكنها تشير إلى أعداد لا نهائية، تلتها وسبقتها، من كل مكان، أفراد وأسر وعائلات وقبائل، من كل الأشكال والأنواع، المتعارف عليها والاستثنائية، وجماعات وعوالم وحيوات كاملة، خارج الخشبة وليست حتى على الورق. ويمكن تصور بعض ما يحدث الآن في الدراما المصرية باعتباره قدوم المزيد والمزيد من الشخصيات، غير محددة العدد أو ربما بعدد السكان، بما فيهم الموتى، طارقة الأبواب، أبواب الخيال والإنتاج والنقاش، تبحث عن مؤلفين وعن ورش مؤلفين، ضاغطة في سبيل ما يناظر في التنظيم السياسي للمجتمع مرحلة انتقالية من الديموقراطية التمثيلية إلى الديموقراطية المباشرة.

بل دعونا نرجع 7 سنوات تحديدًا إلى الوراء، إلى ميدان ومسرح التحرير في الخمسة عشر يومًا التي هزت السماء وأقامت العالم ولم تقعده. «…من أول الموضوع / وحتى التحام الفرد بالمجموع».[3]

يمكن تصور مشهد ميدان التحرير منذ بزوغه وبمآلاته المتعاقبة حتى اليوم بأنه تجسيد أنثرو-تاريخي ذو أبعاد سِفْر-تكوينية[4] لهذا الانتقال الموصوف في لغة السياسة العقلانية بالطويل والمتأزم والمتعثر، مع فارقين كبيرين في المقارنة: فبشر التحرير كانوا وما زالوا إلى حد بعيد يخلقون أنفسهم بأنفسهم وبالتعاون فيما بينهم تعاونًا عنيفًا مليئًا بالاحتكاكات، كما أن هناك عينًا وُجدت منذ اللحظة الأولى لم تشهدها قصة الخلق الدينية[5]: الميديا، بمعناها الواسع.

فبفضل النظرة الإعلامية، أو التحديقة الميديائية، الملتبسة بالتلاعب الاستخباراتي الشيطاني الفذ، اختُزل الميدان بحشوده الضخمة صورةً وأداءً ومجتمعًا وتعبيرًا سياسيًا إلى حفنة من الشخصيات على رأسها: الشاب الأصيل (الطاهر)، الابن الضال العائد، الحكيم المصري الأسطوري العابر للتاريخ (أبو الثوار مثلا)، الأخّان الفريقان وقد اجتمعا (مسلم ومسيحي، إخواني ويساري، …)، ابن البلد،[6] الفتاة الصالحة المظنون بها سوءًا (ست البنات)، الشهيد البطل النقي، المهرج، الفلاح الفصيح، بل، أو وبالطبع، مصر نفسها، الأم والحبيبة كما كان قد خلقها جيش الشعراء والكتاب والمصورين المصريين عبر عصور نشأة وتطور القومية/الوطنية المصرية.

وشيئًا فشيئًا ضاقت حتى هذه الاختزالات القاتلة في اللحظة الانقلابية إلى مثلث: الشرير والخونة، والبطل المنقذ الأب، والعائلة المصرية الجريحة التي التم شملها في حضن مصر الأم. لكن هذه الصيرورة لم تتوقف، وهي آخذة في الانعتاق من اللحظتين معًا، إذ يأخذ في النشوء والتخلق أفراد أكثر تعقيدًا وتناقضًا وحياوية، ليسوا صورًا، وهي عملية قوامها الإبداع الجَمْعي مع ذلك ويكتنفها عذاب ترانسندنتالي وفوضى.

ففي اللحظة الأولى (الثورية) طمست النظرة الميديائية الفعل التحرري الذي اتخذ شكلًا كرنفاليًا باختينيًا[7] وسرعان ما مسخته باستخدام مراياها المشوِّهة، وربما بمساهمة فعالة من أشد الثوريين جذرية والذين نَفَروا نُفورًا من الجو الاحتفالي «الكرنفالي» (حَرْفيًا) بعد سقوط مبارك، هذه الكلمة التي لم تحمل آنذاك سوى دلالة سلبية غير باختينية أي غير تحررية، وإنما كانت في تصورهم خداعًا إلهائيًا للذات عوضًا عن استكمال الفعل السياسي المحض. وكانت الخدعة في الحقيقة أن الكرنفال قد تشوه وانمسخ لا أن الثورة تحولت إلى كرنفال.

وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم أكثر ظهور وعمل شخصية الحاوي كما لعبها توفيق عكاشة، وفق تشخيص آرمبروست الأنثروبولوجي لدوره الإعلامي الطقسي على عتبة التحول إلى أدوار جديدة مجهولة لكل شخصية، في سياق «التشتيت» أو «التشويش» الذهني والوجداني الجَمْعي للمصريين في المرحلة الانتقالية، المناظرة لما يسمى على مستوى الفرد في الأحوال العادية «أزمة منتصف العمر».[8]

على هذه الخلفية، وعلى خلاف الشخصيات النمطية والنموذجية والرمزية من ناحية، أو الغرائبية من أخرى، والتي تزخر بها المسلسلات المصرية، تتسم الشخصيات الجديدة بأنها من لحم ودم كما يقال، ولكنها فنية، تستمد دماءها وأرواحها من بنية أصوات وتخييلات وموارد جديدة أيضًا، لا تعيد آليًا إنتاج التراث الحكائي، ولا الدرامي، ولا «الصور الذهنية»[9] للواقع.

ولكن ما الذي ستحكيه هذه الشخصيات؟ وهذه القصص؟

أصل الحكاية

ما هي رسالة «هذا المساء»؟ التحذير من مخاطر الاستهتار بالخصوصية. الإجابة سخيفة، فقط بقدر سُخف السؤال. هل كان السخف يقل في حالة أن المسلسل بدعم ورعاية «جمعية الحقوق والتوعية الرقمية»؟ ما هي إذن رسالة «البيت أسود» (فُرُخْزاد)؟ مكافحة الجذام. و«جدران صنعاء» (بازوليني)؟ مناشدة اليونسكو للحفاظ على المدينة القديمة بعد الحرب، أو أهمية التراث. يمكن بالطبع المحاججة بأن أعمالًا قُصِد بها أن تكون توعوية أو دعائية خرجت على يد مخرجين عظام (بدءًا من جريفيث ثم آيزنشتاين وفيرتوف وحتى ريفنستال[10]) إلى آفاق فنية رحبة غير متوقعة لكنها تظل استثنائية. لكن إمكان تلخيص عمل فني، في عالمنا الحديث، أيًا تكن أغراضه المعلنة وسياقه، في درس مستفاد أو في جانبه الهادف، شيء يزداد، ويزداد هضمه، صعوبة منذ زمن طويل. وهذا سبب رئيسي في التفات النقد الأدبي والفني عمومًا، كما سلف، بعيدًا عن المضمون بمعناه المبسط والمباشر والمقصود.[11]

لأن عالمنا الحديث هذا هو صيرورة قضت بضمور الخبرة الفردية المباشرة، مع انتشار وتطور وسائل الاتصالات والتنقل وكذلك الحروب التكتيكية الحديثة وقدرتها الآلية الواسعة على التدمير حيث جسد الإنسان ضعيف وصغير وعاجز ومكشوف في مرمى نيرانها[12]، ابتعدت عنا فيه أكثر وأكثر إمكانية الحكي وأمعنت شخصية الحَكّاء توغلًا في الماضي، وازداد الصمت بتراجع الشفاهة، ليأخذ السرد أشكالًا أخرى مرتبطة بالنص المدوَّن. وقبل ذلك، في عالم مضى رويدًا، كانت القصص قد تراكمت بمعناها الأصيل من طريقين، عند ملتقاهما، على يد الفلاحين والبحارة، أي الخبراء بالتراث المحلي وجامعي خبرات الأماكن البعيدة، أو، لاحقًا، الحرفيين والتجار، والعمال المياومين والرحالين. ظهرت الرواية (المُحْدَثة أو البِدْعة بالترجمة الحرفية للكلمة اللاتينية عن طريق الإيطالية، أو القصة الجديدة أو الأقصوصة) لتعبر عن هذا العالم الجديد وإنسانه، بينما القصة كما في العالم الماضي، وبما تحمله في صميمها من طابع مفيد يتشارك الحكمة ويقدم النصح، تختفي.[13] (ألهذا بدأ بودلير والمتصعلكون المشي في المدن الحديثة والإطلال عليها باحثين عن الشعر والأدب الجديد بالضبط في لحظات افتتاح زمن انقضاء الخبرة والعالم القابل للمشي؟)

هكذا، ومع قيام حدود بنيوية تاريخية أمام خبراتنا وحكاياتنا، فنحن لم نعد نَقُصّ أحسنَ القَصَص وإنما أعقده وأغربه، أي المعبر عن اغتراب صميمي جَدّ على وضعنا وعن خبرة من نوع جديد، متشابك وغير خطي ومتناثر وذهني. ولكن ولدواعي المقاومة الطويلة والالتصاق بعالم قديم حيث بوصلة الحكمة والنصح والهداية المفقودة من ناحية، والبساطة والتجربة المندمجة الانسيابية في العالم والطبيعة، وتناقضات حضارية سياسية أخرى، يظل أناس يبحثون بإصرار عن رسالة العمل.

وهنا في مصر والعالم العربي، وضمن العملية المتناقضة الخاصة باعتناق الحداثة والاستقلال وفك الاستعمار، تمثلت حلقة من تطور الأدب العربي الحديث في محاولات لكتابة روايات وقصائد ومسرحيات حديثة تُلْبَس حُلّة تراثية وشعبية، مصرية أو عربية.[14] كان يحيى الطاهر عبد الله، مثلًا، يصوغ قصصه ذات الرداء الفولكلوري في رأسه ويرويها شفاهة من الذاكرة حتى يدفع بها للنشر فيسجلها كتابةً وهكذا تُثْبَت في طورها الجديد في نص باعتباره الطبعة الوحيدة لقصته (القصيرة، وهو وصف لم يُضَف لغير ما سبب في هذا المصطلح، حيث الطول المحدد في ذاته غير واضح أبدًا على كل حال، فلا يراد بالكلمة التفريق عن قصة طويلة بقدر ما تعني التفريق عن القصة فحسب، أي القصة القديمة). ولكن ما مغزى أي قصة قصيرة للطاهر عبد الله؟ بالمعنى القديم، لا يوجد. هناك فقط دائمًا نص له جماليات، ومغزى سياسي معقد.

يمكنني هنا مراجعة ما قلت عن السينمائية كمعيار جديد للمسلسل: من القصة والملحمة تنتقل الدراما التليفزيونية المصرية إلى منطق الرواية كشكل سردي والسينما كوسيط لغوي. غير أن هذا توصيف شديد النقص بدون اعتبار موارد ومسارات خاصة وحاسمة لإبداع المسلسل المعاصر كسرد روائي سينمائي: جلسات وورش الحكي (لأغراض الدعم النفسي أحيانًا)، ورش الكتابة، الإنترنت والمدونات والشبكات الاجتماعية، وتجارب مسرحية معاصرة.

وسواء كحل لابتعاد فن الحكي والخبرة الحكائية، وبإيقاع مختلف في العالم الثالث، أو لتطورات جيلية وأخرى خاصة باقتصاديات وسياسيات الإذاعة والتلفزة المصرية والعربية (التي يتوسع تعريفها ويتشظى بفضل الإنترنت)، تنهل المسلسلات الآن من قصص وشخصيات حقيقية ومبتدعة وتيمات وميمات يتشاركها مستخدمو الوسائط الاجتماعية، تتفاعل في جهاز معملي متكامل ضمن مختبر لاستكشاف هذه الشخصيات والأصوات والحكايات والمنتجات الثقافية الإنترنتية ومُجاوَرَتِها، مع وسائل وممارسات إبداعية تكمل ما تطور في مواقع أخرى بمصر في العقود الأخيرة.

فمن فرقة الورشة ومسرحها التجريبي المشتغل على التراث الشعبي من سِيَر وملاحم وموالد وخيال ظل ومَسْرَحة لأغانٍ، ولقصص وتجارب شخصية لأعضاء الفرقة، إلى مشروع كورال حيث يؤلف المغنون والعازفون جماعيًا أغاني تروي مواقف ومشاكل يومية اجتماعية، إلى مشروع بصي الذي يجمع ويُمَسْرِح شهادات وقصصًا حقيقية من أصحابها عبر البلاد في مجال المحظور الجنسي، إلى مسرح ليلى سليمان القائم على البحث في الأرشيف لإنتاج عروض أدائية مادتها تاريخ مصر الحديث في التقاءاته بالثورات وما بعدها، والمتقاطع مع تجربة ورش التاريخ بإشراف الأكاديمية علياء مسلم[15]، تُستخدم أدوات ومناهج متنوعة، بعض أبرزها مستمد من مسرح المقهورين، تعيد اكتشاف واختراع وإعادة تجسيد الحكاية داخل بناء فني وسردي معاصر وإن كان بطبيعة الحال متاحًا لقلة من المتلقين. فبعد بيرانديللو[16] جاء بريخت وبعد بريخت جاء أوجوستو بول. ثم جاءت الفرق المصرية المسرحية المستقلة عن الدولة من ناحية وعن الأنماط التنويرية والتجارية معًا.

الجميع يحبون بريخت

«الأداء التمثيلي هو طريقة لكي يعيش المرء جنونه.»

–إيزابيل أوبير

إذا قيل إن أغنية أضيفت إلى مسرحية لأن ممثلًا رئيسيًا أراد أن يكون دخوله إلى الخشبة مميَّزًا لظن السامع أن هذا حدث في مسرح من نوع الكباريه القاهري التجاري. لكن هذه قصة مولد أشهر أغنيات مسرح بريخت، «ماك ذو السِّكِّين» (الذي عاد إلى المدن المصرية أيضًا).[17]

ورغم الحدود القائمة أمام فنية وتجريبية مسلسل، إلا أن إنتاجه فنيًا، وتحديدًا جماعية تأليفه، يستدعي في حد ذاته مسرح بريخت الملحمي والتعليمي، وهما تسميتان قابلتان بشدة لسوء الفهم. وهناك بدأت الشخصيات من ناحية تبحث عن مؤلفين لا مؤلف، مؤلفين يشملون الممثلين أنفسهم، كما لم تعد هناك شخصيات وقُضِي على كل وَهْم بذلك، فهناك دائمًا ممثل يذكرنا بالتمثيل وهو ينفصل عما يؤديه. وحتى ناقد سينمائي كبير ولكن تعوزه ميزة الشك يمكنه بـ«وقاحة» أن ينكر الحاجة إلى إفهامه أن هذا ممثل يؤدي دور نابليون وليس نابليون نفسه، كما يقول مايكل وود عن جان ميتري في مراجعته لدرة أعماله.

يعترف شيفاني[18] بأن تقنيات الإغراب و«طيفًا كاملًا من أعلى التقنيات الحداثية» لا يُستفاد منها في «الاشترار» رغم قدرة صناعه وتقديمهم «لمحات متفرقة تشير إلى كَمْ كان بإمكانهم أن يذهبوا…بعيدًا»، إذْ يختارون الاعتدال (يخففون أيديهم، بالتعبير المصري). إلا أن هذا، سواء كخضوع للشروط أو كاختيار أو ما بينهما، يعمل لصالحهم، فتقنياتهم «تستوعب الأسلوب السردي الهوليوودي المرجعي بمزيد من الإقناع». وفي رأيي، يحقق هذا، من طريق مختلف، النتيجة البريختية نفسها: استغراب الظروف؛ بدلًا من الانشغال بطيبين وأشرار، يصبح التلقي عملية اكتشاف لمصدر الشر في الظروف – الرأسمالية أيضًا وفق قراءة شيفاني – وقابلية الإفساد لدى البشر، لا الشر بمعناه الميتافيزيقي أو الأخلاقي المغلَق.

وفي «هذا المساء» و«سابع جار» لا يستقل الممثلون الواقعيون عن أدوارهم، إلى حد أن الممثل الأسوأ أو غير المحترف قد يظهر كنشاز أو كلاعب دور تكميلي أو تافه وكخط باهت وغير معتنى به يتطلب إكماله ويترك اللوحة مسودة مفتوحة. ويكاد الممثلون جميعًا يأتون من طبقاتهم في الحياة الحقيقية، كأن الجهد المتمثل في تجسيد من هم قريبون منهم شكلًا وخلفية ليس بالسهل كي نسعى إلى مستوى أصعب هو تبادل الأدوار إلا بالكاد. عندما يسخر سوني من فكرة عملية التجميل مقارنًا إياها بنفخ الشفاه لا تداهمنا فقط ذكوريته وموضعه الطبقي وإنما نتذكر نايلة، أو بالأحرى شفة أروى جودة السفلى. كأننا هنا نمثل حياتنا خارج المسلسل، نعيد تجسيدها في مسرح الجريمة. (هناك نقاش مثير في تحليل آرمبروست لـ«الراية البيضا»[19]عن خلفيات وتاريخ أدوار جميل راتب وسناء جميل وكيف اشتغل هذا في تلقي المسلسل.)[20]

هنا تتبلور الأزمة التي يكشفها «سابع جار» في رأيي، وهو دون مواجهتها حقًا ناهيك عن حلها ينجح في إرباكنا أمامها، بما فيه هو من نقص وارتباك وتضارب. قيل إنه لا يجب توزيع الأدوار على ممثلين يَسْهُل عليهم التماهي مع أدوارهم، ويُضرَب المثل بأحد ألمان المنفى في دور ضابط نازي.[21] كان بنيامين واقعًا بالطبع تحت التأثير الوحشي الرهيب لأجواء ما بين الحربين، لكننا نحن أيضًا في مصر في موقف مماثل، وصفته اللغة المخففة الشائعة نفسها بأنه «استقطاب»، بينما شخّصته تحليلات يسارية بأنه على الأقل درجة من درجات الحرب الأهلية، التي تعقب دائمًا اندلاع الثورات نجحت أم فشلت. وهذه الحالة من الخلاف الحاد العميق تنعكس طوليًا وعرضيًا في المجتمع ومن أصغر وحدة فما فوق، وفي شهادات لا حصر لها على الشبكات الاجتماعية من داخل الأسر المصرية، تصف المرارات والانقسامات البالغة التي أحدثتها الثورة وأعقابها.[22] ومن المستحيل ونحن نتابع «سابع جار» ألا نشعر بعدم راحة مصدره أحد أركان مشروعه وهو ليس حتى نوع من الحياد بل يتجاوز ذلك إلى التعاطف بل والتماهي. إن طاقم العمل وفريقه ليسا قطعًا في مهمة لرأب الصدع لكنهم يعبرون بوضوح عن هذه الحاجة الملحة للتصالح.

إن عملية العلاج الجماعي المنقوصة والمشروطة بشدة هذه تشبه جلسات المصالحة والمصارحة بعد حقبة صراع مشتد ومطوَّل أو اقتتال معمَّم أو اضطهاد، تؤدي وظيفة الخلاص والانتقال إلى مرحلة السلام، ولكنه هنا سلام روماني نوعًا ما فهو في جانب منه اضطراري لعدم وجود بديل العدالة الانتقالية الجادة. وبطريقة أو بأخرى يتجاوز المجتمع بعد حرب أهلية – تبقى شروطها بل ويبقى أمراؤها في سدة الحكم – أسوأ أشكال طائفيته وعنصريته وقبائليته ورغبته في الثأر الموجَّه والعشوائي وشعوره بالتهديد الدائم المباشر. وفي مواجهة سلطة الوضع القائم حاملة مفاتيح السلام، يشارك الفنانون في هذه العملية وبالتالي يعبرون عن ارتباك التمزق بين الحاجة الاجتماعية والنفسية وبين الحدود القائمة أمام آليات اجتماعية حرة وحدود ما يمكن قوله أو فعله، والمفروضة بدعوى منع إيقاظ الفتن أحيانًا. ووفق جهد الفنان وإرادته السياسية أمام هذا التعقيد، تتراوح النتائج بين فرض قبول العالم والأشياء والمضي قدمًا وحسب، أو طلب تغييره، وإن بأشكال قد تكون فانتازية أو تنطوي على خيال يتاخم الدجل والشعوذة (على غرار شغل الحواة العكاشي؟)، والتغفيل، أو تنزلق إلى صمت اختياري تشويهي، مثلما في «هلأ لوين» بتبادل أدواره الختامي.[23]

من سلسلة فوتوغرافية ضمن برنامج عن «رواندا بعد 20 عامًا» حيث تجمع كل صورة بين شخص من الهوتو أو التوتسي وبين غريمه وتحكي قصتيهما بلسانيهما

في تحليلها للدراما التليفزيونية المصرية كمؤسسة قومية بارزة (أو ناتئة)، تفيد ليلى أبو لغد من أطروحة المجتمعات المتخيلة عند بينيدكت أندرسن وإن بشكل نقدي[24] وتعتمد بموازاتها على نظرية صناعة الثقافة عند أدورنو، من دون تعاليه سيء الصيت على المنتجات الفنية الجماهيرية والسائدة ونبذه لها بالجملة، إذ ترى، وهذا ليس كل ما يدعوها إلى الاهتمام بالمسلسلات المصرية، أن مؤلفيها يشكلون قوى غير منسجمة مع الدولة.[25] ويمكننا أن نضيف إلى الدولة الآن كبار رجال الأعمال. وسواء لهذا، وعلى الأخص بعد تراجع سلطة وهيمنة الدولة على التلفزة، أو لما يسميه آرمبروست «تعقيد التلقي»[26]، الذي يحيد بأجندة الصناع عن مسار تحقيقها في حالة «الراية البيضا» مثلًا، فإننا لا نساوي في حوارات الأسر والأصحاب والزملاء والجيران في «سابع جار» بين حكمة الجميع وحقهم وسلامة موقفهم ولا ننحاز للجميع، غير أننا نواجه نسخة ملطفة عمدًا يشار فيها فحسب إلى وجود باطن أشد عنفًا وصخبًا وأقل براءة لهذه العلاقات والشخصيات.

فالعنف المنزلي الصريح في فيلم يسري القصير سالف الذكر غائب هنا لكنه محتمل دائمًا. وتُخطَب هبة إلى ممثل بتشجيع من أهلها دون أي رفض أخلاقي على عكس ما في فيلمها أيضًا. واستهلاكية هبة موجودة فقط في لمحات خاطفة دون الخوض دراميًا في هذا الجانب المَرَضي. والحياة الجنسية عند الجميع مضطربة ولكن غامضة ومموَّهة. وفي إحدى أفضل طبخات المسلسل وفق هذه المعادلة الخاصة، نتابع «الحاج»، آخر الوافدين مع أسرته إلى البناية، في جلابية بيضاء خليجية، يبيع لحمة مذبوحة على الشريعة الإسلامية، بتحكم شديد في النبرة من المسلسل، وصانعاتُه يلقين على مهل وفي ثناياه، وهن يصورن إيماءً ما يحدث مع المسيحيين، نكتة هائلة وموجعة، بطيئة ومضغوطة، تقال بمنتهى الجدية والهدوء، تساهم في إعطاء العمل كله معناه.

***

لقد عولجت واختُبرت مسألة المسافة والتعاطف هذه في الحالة المصرية المعاصرة في أفلام أفادت من مزايا تَحَرُّر للوسيط تفتقدها المسلسلات. وهي أفلام وثائقية بالذات وإن كانت تكتسب قوتها وجِدَّتها من الهُجْنة وعناصر تخييلية وفنية اختفت أو تراجعت في حقبة طويلة من الأفلام التسجيلية المعدة للتليفزيون. ولا تمضي التجربة بسلاسة أو نجاح واضح أو معقول أو كافٍ رغم جودة واختلاف وأهمية وجمال هذه الأفلام، تحديدًا بسبب ارتباك الرؤية الخاصة بالمسافة أو مَوْضَعة صانع الفيلم، بين نظرته (الحتمية) والإغراب. هذا ما يحدث في «أم غايب» (نادين صليب، 2014).

وتصبح هذه المسافة مركبة وأكثر إشكالية في «برة في الشارع» (ياسمينة متولي، فيليب رزق، 2015) إذ تضاف إليها المسافة بين الممثل القائم بإعادة تجسيد حياته الحقيقية وبين موضوع تمثيله، على الأخص عندما يؤدي العامل دور مدير المصنع. تلح على صانعي الفيلم، القادمين من عالم النشطاء والفن المعاصر، الرغبة في عمل فيلم عمالي من صنع عمال، قائم على ورشة مسرحَة، إلى حد إخفاء كل أثر لهما هما إن لم يكن إنكاره. صحيح أن المدير نفسه ليس هنا لإكمال اللعبة وتبادل الأدوار مع العامل، وصحيح أن الأخير لا يتعاطف قط مع الأول، لكنه في المقابل يستحضره بصورة ساخرة تنتقد صورته النمطية (مثلًا، فيما معناه: «أنا لازم أقبض عشان عندي عربية وشاليه. إنتو ممكن تستحملو من غير مرتب.») وسواء كفنانين أو سينمائيين أو ناشطين يساريين جذريين، تعطي متولي ورزق العمال-الممثلين الأداة الأولية مكتفيَيْن بتقديم نظرة عمالية احتجاجية مبسطة، تتفادى كل ما يتعارض مع صورة مثالية للعمال كقوى منسجمة موحدة واعية طبقيًا ومسيسة أمام خصم غائب واضح لا يمكننا أن نكونه أو نستكشف المسافة الكائنة بيننا وبينه، بينما تُخْفَى تمامًا المسافة (الطبقية والمعرفية) بين الصانعين وممثليهما، أي دون تعاون جدِّي من كلِّ حسب قدرته، أي دون استفادة أبعد ليس فقط من تاريخ تجارب علم النفس وإنما من مسرح المقهورين نفسه.

هكذا يصبح «برة في الشارع» برة النفس البشرية والـ(لا)وعي الطبقي، كقطعة فن معاصر – مثيرة للتأمل بصريًا بالفعل، بمساحة المصنع المهجور الممسرَحة بإيحاءاتها وتناظرها مع مساحة عرض الفيلم – معروضة على جمهور يُزعم أيضًا ربما أنه سيتلقى خبرة العمال ووجهة نظرهم، وليس قطعًا هو العمال[27] لكي يفهموا أنفسهم وصراعهم وتجربتهم في المقاومة والاستيلاء على المصنع. ويمكن تبيُّن هذا الفشل أكثر إذا قورن بتجربتين مشابهتين مثل «ملكات سوريا» (ياسمين فضة، 2014)، و«بين الأسوار» Bein gderot (آفي مُغرَبي، 2016). ففي الأخير يعطي المخرج الإسرائيلي لمجموعة لاجئين أفارقة غير شرعيين محتجزين مساحة لتأمل وضعهم معادًا تجسيده وإدخال أصواتهم في حوار مسرحي معقد مع ممثلي المجتمع الإسرائيلي. للأسف، يمكن ليساري إسرائيلي تعلم أن يتجاوز خوفه ويحب آرييل شارون أن يكون أكثر جرأة وخدمة لقضايا إنسانية أو تقدمية من يساري جذري مناهض للصهيونية ولكن منضبط وراغب عن توريط نفسه وعن الجدل وعن التعرض لتهمة الادعاء بأنه يعلّم العمال أو هتك دواخلهم، مكتفيًا بالانحياز للقضية الصحيحة وجانب الحق.

واتِّباع هذا النوع المقيِّد وغير المفيد من الأخلاقيات في «أم غايب» و«برة في الشارع»، والقائم على انضباط ورقابة ذاتية، يقابله اتجاه وثائقيَيْن آخرين هما «ظلال» (ماريان خوري، 2010) و«العذراء والأقباط وأنا» (نمير عبد المسيح، 2011)، وهذا الإمعان في المخاطرة والتحرر النسبي من قيود الأخلاقيات النظرية وغير الجدلية في الأخيرين هو السبب الرئيسي في كونهما فيلمين فاتنين، أقوى وأغنى وأصدق، أيضًا عن السلطة والاضطهاد والمهمشين في مصر.

ففي الأول يراقَب المرضى العقليون أو المحتجزون بهذه الصفة، بكل الإشكاليات التي ينطوي عليها ذلك، وتُنزع عنهم الغرائبية لنعاين فجأة مجتمعًا صغيرًا متحررًا من قواعد المجتمع الأكبر رغم تسلط الأهل والأطباء، ونكتشف المكبوت الديني والجنسي بحيث يصبح غياب العقل تكأة لاختراق قشرة الواقع، ويصبح الجنون مناظرًا للتخييل في وثائقي صارم يكتسب نفسًا روائيًا فقط عن طريق كثافة فنية سردية متدفقة عن حيوات متوازية تجمعها مساحة المصحة.

وفي الثاني، والذي يتأسس بشكل مصوَّب إلى نفْسِه منذ البداية كاشفًا الشروط التمويلية ومناوراتها، يصبح تناول الأقباط من خلال فيلم شخصي لمخرج مهاجر يضع عائلته بتناقضاتها الطبقية والثقافية في مواجهة تشمله، بنبرة ساخرة من الذات، فكاهية وغير تهكمية، على عدة مستويات (المخرج، السينما، الأسرة، العائلة، الأقباط، المصريين)، ومن المسافة كذلك، لنرى المسيحيين الريفيين وبساطتهم الدينية كما لم نرهم من قبل بسبب الطائفية وبسبب نزعة تصويرهم كضحية، في عمل يفسح للأشخاص موضوع التوثيق مجالًا للمشاركة دون إخفاء قيادية المخرج ومزاياه.[28]

غير أن هناك فيلمًا روائيًا حديثًا، وإن بعناصر وثائقية، يقدم تجربة قوية ومبتكرة في اختبار مشكلة المسافة، وهو «فرش وغطا». فصمت السجين الهارب هو صمت غير واقعي، كما لا يشبه مثلًا صمت حنظلة ناجي العلي، المراقب للأحداث، وإنما يؤدي وظيفة أساسية هي الاعتراف بالمسافة (الجريء للغاية فنيًا وسياسيًا، أي بين الثوريين وبعضهم البعض)، بجهلنا بهذا الشخص ومن يكون حقًا وماذا يفعل ومن أين أتى وكيف سيتصرف، هل هو منا نحن، صناع هذا الفيلم، والثوار، والصحفيين المؤيدين للثورة في الجريدة الإلكترونية؟ أم من بقية الشعب الذي لا نعرفه لكننا نتحدث باسمه واسم إرادته، بينما هو يشاهد الثورة دون اهتمام باعتبارها عمود دخان من بعيد في مدينة الموتى؟ تقدَّم لنا شخصية أصيبت بالخرس لسبب مجهول يمكننا تخيله، أو تم إسكاتها بالأحرى من صانع الفيلم لا لكي نملأه من خيالنا وإنما لنواجه المسافة، ولنتذكر ذلك عندما يبدأ المؤلف في تخيله يشبهنا وينحاز بارتباك غير مقنِع إلى زملائه السجناء مرة والأقباط مرة، والثورة عمومًا مجازًا، وتكتسب الجملة الافتتاحية والختامية «أنا صورت الفيديو دا عشان الناس تشوف الحقيقة» مغزاها المركب ومفارقتها وأثرها المستفز للعواطف والتفكير في هذا السياق من جدلية الحقيقة والصور والمسافات.

***

في باب تحريم الصور في الإسلام، يُدان المصوِّرون لأنهم، في آن معًا، يَبلغون حد التشبه بالله ومضاهاة خلقه بدقة ولأنهم عاجزون عن خلق بعوضة وعن نفخ الروح في تصاويرهم. وبمقتضى تفسيرات أقل تشددًا يُمنع تجسيد محمد والأنبياء والشخصيات الأكثر قداسة. ويُروى أن يوسف وهبي عرض مفاوضًا، لإبطال الحجة التي قوبل بها، أن يعتزل بعد أداء دور محمد. فلا يجوز أن يرى الناس سكيرًا مثلًا من صار في ذاكرتهم البصرية والسمعية وفي خيالهم هو النبي. يبدو التحريم الكامل والمعتدل على السواء أكثر بريختية من بريخت، لكنه إقرار ثاقب النظر بقابليتنا وميلنا للإيهام والتوهم والتماهي، وهي خواص لم نتخلص منها في العصور الحديثة إن لم تكن قد تفاقمت بسبب الإعلام الجماهيري والأيديولوجيات الشمولية (أي العقائدية بدورها) وصناعة النجوم، حيث حتى إذا مات عبد الناصر فكلنا عبد الناصر.

وفي تنويعة على فكرة الوقوع في حب تطبيق أنثوي في فيلم «هي» Her (سبايك جونز، 2013)[29] تقدم حلقة «سأعود بسرعة» Be Right Back من مسلسل «المرآة السوداء» Black Mirror (أوين هاريس، 2013) عالمًا غربيًا مستقبليًا يُلغي فيه الموت نفسه تقريبًا بتحايل تكنولوجي، كخطوة تتجاوز الاعتماد على التعامل مع الفقد والألم بالحداد، أو حتى بالمسكنات ومضادات الاكتئاب، فيعاد الميت إلى الحياة كصورة مادية طبق الأصل تُغذَّى بذاكرته حسب سجلاتها الإلكترونية وتحليلها الحاسوبي وتدخلات الزبون لتعليم الحبيب الروبوتي، الذي لا تكفي معرفتنا بأنه، واكتشافنا كم أنه، زائف، للتخلص منه وقبول الحقيقة.

وبالرغم من أن الممثل عند كامو يكاد يكون نقيضًا له عند بريخت، إذ يحلل كامو ماهية هذه المهنة كنموذج لمواجهة العبث الوجودي – ولو بطريقة عبثية أيضًا هي أن تظهر لا أن تكون – بعيش أكبر عدد ممكن من الحيوات كلما زادت ابتعدنا عن كل منها، إلا أنه يخلص إلى فوضاها السحرية وخطورتها على المنظومة وتهديدها للقبول الديني للعالم ومن هنا إدانة الكنيسة (الحتمية) للدراما وللتمثيل.[30]

إحدى صور تعريف هوية وو مينج، وهو اسم لمجموعة مجهّلة من الكتاب، صدر لها بشكل جماعي روايات وفيلم، تنتمي لما تراه المجموعة حركة تسميها «الملحمة الإيطالية الجديدة»

***

في ميدان التحرير إذن بدأت كل شخصية وليدة آخذة في التحرر تنسلخ من قالبها. كما لم يكن الثوري المضاد شخصًا خارج المعتصم تمامًا وحسب. كان المعتصم يريد للثورة أن تستمر وللنظام أن يسقط لكن في داخله كان شخص مرتعب من كل هذا يريد العودة إلى الحياة الطبيعية والأمان والاستقرار، يرغب في الاحتفاظ بعمله ومدخراته التي بدأ ينفق منها وأخذت تنفد إن وُجِدت، يتمنى وقوف الأمر عند نقطة قريبة. وداخل رامي الأحجار على الشرطة والمضروب بغازها وذخيرتها كان هناك متحرش بالزميلات. لكن الكرنفال انفض قبل إتمام الخلاص[31] بل بعد انطلاقه بالكاد. كما كانت اليوتوبية ونزعة النجاة التعبوية قد صادرت مسار الكرنفالية الجروتسكي[32] غير المهذب ولا المنضبط.

وهناك أمر غريب بعينه يحدث على صلة وثيقة بكل هذا في صوتيات ومرئيات ما بعد التحرير، وسيكون اكتشافًا مثيرًا وثيق الصلة لو صح حدوثه. وأبرز حالات هذه الظاهرة شخصيات غير مرتبطة بعمل مفرد هي أخ كبير ومن قبله أستاذ محمد، وأبلة فاهيتا. لكنها تمتد لشخصيات المرة الواحدة السينمائية مثل علي معزة، وروكي، والشيخ جاكسون، أو حتى المتفرجة المزعجة في إسكتش من ساترداي نايت لايف، ويمكن إعادة النظر إلى الدور الانقلابي المزدوج في «أولاد رزق» كتنويعة على الظاهرة.

هذه الشخصيات مسكونة بغيرها، ملبوسة. إنها ليست حتى فصامية. وليست فقط مثل الفلينتستونز إذ يعيشون في ماضٍ متداخل بشكل كوميدي مع زماننا لاكتشاف الفروق والمفارقات. وليست مجرد تأدية للمسافة والإغراب. فالأستاذ محمد ثم أخ كبير مسكونان بصانعهما ومؤديهما، أنديل، المسكون بهما وهو في حوار متداخل ومتطابق الأصوات معهما. وفاهيتا مسكونة بشاب(ة) من جيل صغير لعله(ا) مبدع(ت)ها المسكون(ة) بها. وعلي مسكون مرتين، بندى المعزة المسكونة بندى الحبيبة. والشيخ مسكون مرتين، بنفسه المراهقة المسكونة بمايكل جاكسون. وروكي والكلب مسكونان ببعضهما. وكذلك الأخ والعبيط صديق الأخوة أولاد رزق.

وكما ترى فكلها شخصيات كوميدية إلى هذا الحد أو ذاك، كوميديا مظلمة أغلب الوقت على مزاج هذه السنوات المظلمة التي تحاول الكوميديا إزاحتها وإزاحة الصخور عن صدورنا.[33] لكن الضابط في «حادثة النيل هيلتون» The Nile Hilton Incident (طارق صالح، 2017) – هذا الفيلم المقبض الفاتن الذي يرينا ما يمكن أن تصل إليه فنيًا وسياسيًا معالجة الواقع المصري (نفسيًا، اجتماعيًا، بصريًا) إذا حُيِّدت الرقابة وتخلينا عن أقنعة الكوميديا – هذا الضابط مسكون بالقتيلة، وبالمغنية كتناسخ للقتيلة. ولا يمكن أبدًا فهم دوافعه ومشاعره الغامضة سوى بذلك.

هذا الحلول ذروة مزدوجة وملتبسة بدورها في التماهي وفي الإغراب. وهذه الشخصيات المسكونة بغيرها/بممثلها/بالمؤلف تؤدي طقوسًا غامضة في هذه المرحلة تتطلب فهمها.

هذا اللَّبس كامن وصاخب، مؤنس ومرعب، علاجي وصراعي، صوفي وتدنيسي، كذوبان بودلير في الآخر وسط الحشود وكظل ثقيل ملازم لرقيب وأخ عدو، لا خلاص به ولا خلاص بدونه.

يعبر التطلع الثوري إلى إنهاء الاغتراب والانفصال والمسافة، إنهاء التمييز والطبقية والانقسام، عن شوق عظيم. وفي الفن الثوري المعاصر يحدث اللقاء بمعية الفنانين، بالأداء التمثيلي وقطع المسافات وتحضير الجن وعيش الجنون. و«كل شوق يَسْكُن باللقاء لا يُعَوَّل عليه.»

***

بين ممثل يتلبّس شخصياته وآخر يخرج منها باستمرار، بين مخرجين وكتاب ينفون وجودهم ويضببون الصراع ويبسطونه وآخرين يجتهدون لملأ الفراغات دون تعسف الاتساق والإقناع والانضباط، بين الحاجة إلى تبادل الأدوار والتعاطف والحاجة إلى النقد (من الداخل) وتمثيل الصراع وكسر الألفة والوهم، بين القصص وتوليدها من خبرات مباشرة وبنية سردية بنت زمنها ومشروعها، وبين إبداع فردي يحقق حرية التعبير والفكر المثلى وإعادة إنتاج تفاعلية لأدب الإنترنت الشعبي الجديد، تكمن أزمة وفرصة الدراما التليفزيونية والسينمائية المصرية اليوم، خيالية ووثائقية، وتتميز فيها تلك الأعمال التي تتصدى للأزمة فنيًا، بإرباك أو ارتباك، إذ لا إجابات شافية أو وصفات جاهزة لصناعها في وضعهم المعقد والمتناقض والمرتبط بمسار وصولهم إلى الجماهير. ونحن في لحظة زمنية شديدة التداخل مع أزمنة أخرى. ومن سيعودون من أهوال وحروب اليوم والأمس القريب، لن يكونوا كجنود بنيامين من الحرب الأولى صامتين.[34] وسبب واحد فقط من الأسباب أن لديهم اليوم ليس صحف تستكتبهم[35] وإنما صحيفة كل منهم الخاصة.

***

بعد الثلث الأول المتقن الممتاز من «سابع جار»، والذي يضمن وحده للمسلسل مكانته التجديدية الرفيعة، تتعثر بقيته أمام حدود السيرة الذاتية[36] والخبرة المباشرة. ينمو صمت الشخصيات، أيْ تتراجع مواقفها عن النطق، وكأنها تُركت عالقة في نصف المسافة بين الورق والخشبة بحثًا عن مؤلفين أو مؤلفات يبدو كأنهن تغيبن عن العمل، أو واجهن قَفْلَة كتابة جماعية في بقية جلسات الورشة، أو تعجلن للحاق بجدول التصوير. وهذه ليست في حد ذاتها المشكلة. كان جودار يكتب السيناريو والحوار على دفعات وحسب اليوم وهو في في الطريق إلى التصوير، لكن هذه الطريقة لاءمت مشروعه الخاص جدًا بعناصره الإغرابية والعبثية ملاءمة مثالية. بينما في «سابع جار» لم يُهتدى إلى حل لأن المشكلة والمسافة لم يُعتَرف بهما.

لكن هذا الخلل (ويا للعجب!) يكتسب جمالًا وفائدة ما، أيضًا في إطار منطق ومشروع المسلسل، وعتبته هي هذا: لا توجد من الأصل عقدة. وعادية وقِدَم القصة كشرطين أكسبا مسرح بريخت الملحمي اسمه غير الموفق، يبلغان هنا درجة الانعدام، أو يتمثلان في قصص صغرى لأشخاص يمكنهم تلخيصها في تدوينات مصغرة أو بيانات حالة شديدة الإيجاز على تويتر أو فيسبوك، وهي في الوقت نفسه مبتورة بلا بداية ولا نهاية ومغزاها الوحيد هو أنها تحدث. وبالرغم من أن مفهوم حرق الحبكة قد أصبح متخلفًا بل وسِلَعيًا، يشبه حق المستهلك في لذة فتح العبوة الفيتيشية وشم رائحتها الجديدة المتوقعة، إلا أنه يصبح أقل صلة وقدرة على إفساد الفرجة وفق تعاقد «سابع جار» المبرم معنا.

تقول دلال عبد العزيز، التي فازت مع شيرين بدوري عمريهما، لميا وليلى، إن المسلسل يذكرها بـ«القاهرة والناس» (محمد فاضل، 1972). لا أحد يعرف لماذا وكيف يغيب عنها وعن محاورها الكسول الفارق الجوهري الهائل.[37] هل الممثل مجرد أداة غير واعية مهما أجادت؟ في «القاهرة والناس» حلقة بعنوان «الجميع يحبون بريخت»، لا نجد فيها رائحة بريخت – الرائج آنذاك بفضل مثقفي الستينيات – خصوصًا مع تحريف معنى كلمة «تعليمي» في ربطها بالسياق المدرسي، إلا من خلال إصرار التلامذة على عرض مسرحية «القاعدة والاستثناء»، في تجلٍّ لفتح صَمَّام التنفيس الاحتجاجي قليلًا بعد النكسة.

ويبدو أن الجميع صاروا يحبون بريخت حقًا. تمثل داليدا دور فلاحة مصرية («اليوم السادس»، 1986). أهي مجرد صدفة بعد اعتذار فاتن حمامة كما قيل؟ أم أن شاهين كان سيعمل بهذه أو بتلك أو بأخرى لا تنطق العربية حتى ولو مكسَّرة؟ وهل الصدفة عبثية تمامًا؟ في «جنينة الأسماك» (يسري نصر الله، 2008) تتحدث ممثلة عن شخصيتها التي نراها تتقمصها قبل ذلك وبعده في بقية الفيلم. لماذا؟ تتحدث الشخصيات إلى الكاميرا في «بيت من ورق» House of Cards (بو ويليمون، 2013-2017) وفي دزينة من المسلسلات الجديدة من شتى الأنواع. هل انكسر الإيهام؟ هل بطل مفعول بريخت؟

***

وعلى الشبكات الاجتماعية نغش الزمن والمسافات كما غش اليهود الله عشية السبت. يكبر أصدقاؤنا أمامنا وتمر الحياة دون أن يكبروا ودون أن تمر ودون أن ندع الزمن يمر. نراهم ويروننا في كل لحظة فلم يعد للغياب عنهم ثقله الذي كان. اغتراب بدون غربة أمام صورهم أو صور صورهم. وهنالك أيضا تدوخنا المسافة الملتبسة بين الحقيقة والخيال والكذب في مجاري خطوط زمنية لا تمضي إلى الأمام فقط، عبر زمن غير شاغر وغير متجانس، نمر فيها، مثل ركاب الطريق السريع في «ويك إند» جودار (1967)، بنكتة فجثة فمرعى أخضر فجنس كالاغتصاب فنقطة تفتيش فبيان سياسي فضرب طبول، مثل سكان فوكوشيما حيث سم التلوث الإشعاعي بقع متحركة غير مرئية في الهواء ترسم خارطة عجائبية كابوسية تتطلب عدادات جايجر في الأيدي للانتقال من شجرة إلى بيت إلى درب تفاديًا للمرور بها. نمتلك أصدقاء قد لا نصادقهم وذكريات قد لا نعيشها. نملك كثيرًا ونكون قليلًا ولا يَكُفّ إيريك فروم عن دعوتنا إلى حسم الاختيار.

*

إلى اللقاء في الجزء الثالث.

[1] وفق ترجمة هلال شومان للمصطلح الإنجليزي.

[2] يمكن الاستماع إلى نسخة مصرية إذاعية، وقد استُلهم من المسرحية أيضًا برنامج إذاعي عن مهن وحرف مصرية، أدى معظمها عبد الوارث عسر. وتتناول إحدى الحلقات مهنة الممثل (عمر الحريري في الدور الرئيسي)، والذي يعترض عندما ما يُعرض عليه أن يعمل شاعرًا بربابة يروي السيرة الهلالية، ويدور الحوار والصراع حول المسرح والواقع والفن.

[3] مصطفى إبراهيم، «المانيفستو»، دار الشروق، 2013.

[4] وأنه نوع جديد، تحرري، من أسفل، لما صك فوكو الاصطلاح عليه بالسياسيات الحيوية، وهناك كذلك في أكثر مستوياته بساطة ومباشرة: عمليات التبرع بالدم.

[5] أو وُجدت وفق الرواية الدينية نفسها بالطبع، وبحسبها فنحن نعرف قصتنا من خلالها كوسيط لهذه العين الإلهية الشاهدة والخالقة.

[6] انظر تحليل آرمبروست لهذه الشخصية المصرية في دراسته لمسلسل «الراية البيضا»، سبق ذكره، بدءًا من ص 27.

[7] Shereen Abouelnaga, Women in Revolutionary Egypt: Gender and the New Geographics of Identity, AUC Press, 2016, p. 88

[8] طالع تدوينة قصيرة عن تطبيق آرمبروست للنظرية، والتي عُرِضت من خلال مراجعة وترجمة اجتزائية قام بها عصام زكريا، في العدد 84 من مجلة «عالم الكتاب» (الإصدار الثالث)، 2015. وسوف أعود في الأجزاء التالية من مقالي إلى مفهوم «التشويش» أو «التشتيت» ضمن نقاش لظاهرة الرسائل الخفية في الدعاية، الإعلانية بالذات، والصور المتحركة عمومًا، وعلاقتها بتاريخ المسلسل المصري والتلفزة المصرية قبل الثورة. (يترجم زكريا المصطلح إلى «أزمة شعورية»، ووظيفة عكاشة إلى «بهلوان» الثورة المصرية، هكذا.) ويزعم المدون والأكاديمي، مارك آلن بيترسن، أنه كان قد وصل إلى نتائج مشابهة بالتوازي بخصوص الدور الذي لعبه باسم يوسف.

[9] وهو ما يصف به نائل الطوخي ما تفعله أعمال مريم نعوم في مراوحتها للنمطية وتناولها المختلف للواقع، ظاهريًا. وأنا ممتن للكاتب الذي شاركني مقاله غير المنشور: «مريم نعوم: الواقع كما نعرفه من الدراما»، 2014.

[10] وحتى في الدعاية التجارية يمكننا إضافة أعمال مثل إعلان ماكنتوش لعام 1984 (رايدلي سكوت) أو الإعلان التشويقي الزائف لفيلم «زاي زيف» F for Fake (أورسن ويليس، 1973). ويمكننا أن نضيف كمثال من تراثنا العربي في جماليات الدعاية السياسية أعمال مارون بغدادي.

[11] هل تذكرون الأبيات الشعرية والآيات القرآنية الختامية في أفلام ثلاثية علي عبد الخالق «الأخلاقية»؟: «ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها» («العار»، 1982)؛ «إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ / فإنْ هُمُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا» («الكيف»، 1985)؛ «ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب» («جري الوحوش»، 1987).

[12] قارن ذلك ببشر ما زالوا يعيشون بين ظهرانينا في مراحل مبكرة جدًا من التطور الحضاري، في الأمازون، وعلى الأخص بمشاهد تصديهم لطائرة لا يدركون كُنْهها.

[13] هذه إعادة صياغة ملخصة لملاحظات فالتر بنامين في مقاله عن «الحَكّاء»، وهو عبارة عن خواطر أثارتها قراءته لقصص نيكولاي ليسكوف: Benjamin, Illuminations, «The Storyteller», Pimlico, 1999. وزد على طبيعة الحروب الحديثة قيام حدود الدول الوطنية وعسكرتها وما أخذ ذلك يعنيه بالتدريج لحرية التنقل حتى وقتنا الحالي، في زمن اللاجئين الجدد. انظر تدوينتي عن فيلم «متسللون» (خالد جرار، 2012).

[14] هناك تناول تفصيلي لهذا ضمن تحليل ريشار جاكمون الاجتماعي والتاريخي للحقل الأدبي المصري وعلاقة المثقف بالسلطة في «بين كتبة وكتاب: الحقل الأدبي في مصر المعاصرة»، ترجمة: بشير السباعي، دار المستقبل العربي، 2004. انظر مراجعتي القصيرة (بالعربية) للطبعة الإنجليزية.

[15] انظر ورقة بحثية لها عن التجربة.

[16] للمزيد عنه وعن أعماله انظر «لويجي بيرانديللو وإسهاماته في المسرح الحديث»، دينا نبيل، مجلة فصول، ص 395-402، المجلد 25/ 1، العدد 97، خريف 2016.

[17] من اللافت أنه من بين الأعمال الكلاسيكية التي تصور نقديًا مسارات القانون والمحاكمات السياسية واحتكام قوى المجتمع إلى القضاء، كانت «عدو الشعب» لإبسن هي التي أعيد إنتاجها في الحقبة الثورية، بعد تمصيرها (نورا أمين، 2013). ويمكن مقارنة مشهد المناظرة في المسرحية (وفي النسخة السينمائية الهندية مثلا) بمشهد مناظرة الدكتور مفيد في «الراية البيضا». طالع مراجعتي القصيرة لمعالجة آرثر ميللر (بالإنجليزية).

[18] في مراجعته لـ«الاشترار»، سبق ذكره.

[19] سبق ذكره.

[20] استأنست كذلك بتحليل «فاتن حمامة: عن السينما والطبقة والسياسة»، شادي لويس، غير منشور. وشكرًا جزيلًا للكاتب.

[21]Benjamin, Illuminations, «What is epic theatre?», Pimlico, 1999

[22] في إضافة أخرى إلى قاموس البلاغة النسائية المصرية، روت صحيفة أن سيدة في المنيا أصرت على التصويت لمرسي (ضمن ما عرف باختيار «عصر الليمون»)، بينما هددها زوجها المؤيد لشفيق بالطلاق. وفي اللجنة الانتخابية ورغم سرية التصويت، خرجت الزوجة لتريه أنها صوتت بالفعل لمرسي، فطلقها، فأطلقت وابلًا من الإهانات أبرزها «يا راجل يا ناقص يا عدو الثورة!»

[23] في مارس 2016، قدم الكاتب برنامج أفلام باسم «السينما العربية تدخل الحرب الأهلية» في المعهد الفرنسي بالقاهرة، تضمَّن عرضًا تقديميًا بعنوان «كيف نصور حربا أهلية؟»، وسيكون أساسًا لدراسة قادمة عن الموضوع. شاهد أيضًا لقاء مع المبرمج على هامش البرنامج.

[24] فبالرغم من صلاحية تطبيق نظرية أندرسن عن نشأة الوعي الوطني من خلال تكوين طبقة عارفة بالقراءة والكتابة اطلعت على الجريدة والرواية البازغتين باللغات المحلية (الوطنية) المكتوبة لأول مرة، إلا أن التلفزة والإذاعة والإعلام الجماهيري عمومًا قائمة أيضًا على تعليم التابعين في مجتمع غير متساوٍ وفي ظل هيمنة سلطة مركزية.

[25]  Lila Abu-Lughod, Dramas of Nationhood: The Politics of Television in Egypt, University of Chicago Press, 2005

[26] سبق ذكره.

[27] في عروض موجهة لمجتمع العمال المحلي المحدد في الفيلم لم يلقَ أي إقبال أو نجاح يذكر خلال أسبوع بسينما ماجدة ومروة بحلوان (أبريل، 2017) بالرغم من حضور أبطال الفيلم. ومفارقة مثل هذه هي التي نتجت عنها المرحلة الثانية في حركة السينما نوفو لمراجعة موقفها الفعلي من الجماهير، المنصرفة عن أفلام المرحلة الأولى الموجهة إليها، وعبر السوق التجارية.

[28] من أفضل الأمثلة الفنية غير المصرية التي شاهدها جمهور القاهرة في السنوات الأخيرة «فعل القتل» The Act of Killing (جوشوا أوبنهايمر، 2012)، و«إمبراطور النمسا» The Little Father Obsession (سليم مراد، 2016)، وسيُفرَد للأول مساحة في دراسة قادمة عن سينما الصراع الأهلي، والثاني هو الفيلم الرئيسي في مقال قادم عن موجة أفلام الميم اللبنانية الجديدة.

[29] قارن بخط كوميدي مظلم، من تراث الكوميديا المظلمة بعد الثورة، عن علاقة شخصية بندر الثبيتي في «راضيو كفر الشيخ الحبيبة» بالمساعِدة الشخصية الذكية ذكاءً اصطناعيًا «سِيْرِيْ» على هواتف آيفون.

[30]Albert Camus, The Myth of Sisyphus, Penguin, 2005

[31] مصطفى إبراهيم عن التحرير مرة أخرى (وبالمعنى اليوتوبي نفسه): «فطبيعي تحس انك عايش باتنين جواك». «المانيفستو»، سبق ذكره.

[32] يمكن ترجمة «جروتسكي» إلى «تبشيعي». وفي استخدام لافت لكلمة «كرنفال» مرتبطة بجانبها التبشيعي هذا، وإن في سياق مفاجئ أبعد ما يكون عن المرح، وصف أحد مقتحمي مقر أمن الدولة بالإسكندرية مشهد المقتحمين وهم يتناوبون على حكي قصص تعذيبهم على الملأ ويستعرضون آثار التعذيب على أجسامهم بأنه كان «كرنفال المضطهدين». (شهادة غير منشورة)

[33] ربما نجد للظاهرة سابقة قبل الثورة في شخصية اللنبي والضابط في «اللي بالي بالك» (وائل إحسان، 2003).

[34] The Storyteller، سبق ذكره.

[35] The author as producer، سبق ذكره.

[36] لاستعراض تاريخي مضيء عن الحدود الأخرى، الرقابية بالذات، القائمة أمام السيرة الذاتية العربية، طالع مقدمة محمد شعير «الكتابة بدون مكياج»، في «كتابات نوبة الحراسة: رسائل عبد الحكيم قاسم»، ميريت، 2010. ومرة أخرى فإن المَشْكَلة الفنية سبب رئيسي في تفوق فيلم مثل الوثائقي الشخصي «سلطة بلدي» (نادية كامل، 2007) على فيلمي أمير رمسيس «عن يهود مصر» (2012، 2014)، وسأتناولهما ضمن مقال قادم عن تصوير الصراع الأهلي، في سياق الجزء الخاص بإسرائيل وجماليات التوثيق والدعاية، ويركز بشكل أساسي على فيلم كريس ماركر، الإشكالي جدًا والرائع جدًا، «وصف كفاح» Description of a Struggle, 1960.

[37] سأحاول لاحقًا أن أفسر لماذا – ولماذا يقارن الكثيرون المسلسل، إيجابًا في ظنهم، بـ«عائلة شلش» (محمد نبيه، 1990) و«ساكن قصادي» (إبراهيم الشقنقيري، 1995) – وذلك ضمن نقاشي لمسألة الحنين التي يخطئ الممثلون أنفسهم بل والنقاد، خطأ كاشفًا مع ذلك، عند ادعائهم وجودها وبقوة في المسلسل.

 

اعلان