Define your generation here. Generation What

ماذا فعلنا لمن طرقوا أبوابنا؟ عن النقّاش والعقيد والجسور المهجورة

ما الذي يربط بين صنايعي النقاشة عفروتو والعقيد أحمد قنصوة؟

أول ما سيخطر ببالك ربما هو أنهما ضحيتان لنظام الحكم، الذي سجن أحدهما وقتل الآخر، لكن الاثنين يشتركان في نقطة هامة أخرى، هي توهان قضيتيهما وسط الأحداث، وغياب التضامن – أو حتى الاهتمام – الكافي معهما، لسبب رئيسي في رأيي، هو أن الاثنين أتيا  من خارج دوائر النشطاء والفاعلين في المجال العام، الذين يحركون التضامن مع أي قضية ذات أبعاد حقوقية أو سياسية، ولا يكتفون بتحريكه بل ربما حتى يواصلونه بنَفَس طويل يضمن استمرارية الضغط لأجل القضية، أو يضمن على الأقل بقاءها في بؤرة الاهتمام.

هؤلاء النشطاء محدودون، وأدواتهم محدودة أكثر، وتزداد محدودية كل يوم بفعل تغوّل النظام في سياسات إغلاق مسارات الفعل السياسي ونوافذ التعبير عن الرأي، والقضايا التي تحتاج الدعم تزيد، آلاف المرات ، على قدرتهم على تقديمه، وهو ما يفرض للأسف نوعًا من الانتقائية في هذا الدعم. وكلما زادت الأهمية الاستراتيجية للقضية، وأحيانًا الأهمية الشخصية والرمزية لصاحبها، كانت لها أولوية الدعم. لكن هل افتقرت القضيتين المذكورتين للأهمية اللازمة؟ لا أظن إطلاقًا، بالعكس ربما، فهما مهمتان بشكل استثنائي.

محمد عبد الحكيم، أو «عفروتو» كما يعرفه أهالي منطقة الونش في حي المقطم، شاب عمره 22 عامًا. يعطينا اسم شهرته واسم المنطقة، بالإضافة لعمله بالنقاشة، فكرة عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها.

في الخامس من يناير الماضي شنّت قوات الداخلية على المنطقة حملة أمنية عشوائية، مثل التي تتكرر يوميًا على امتداد المدن والأحياء المصرية لفرض السيطرة الأمنية وإسكات أي مصدر إزعاج. عفروتو كان واحدًا من هؤلاء المزعجين؛ كلمة منه على كلمة من المباحث وقررت القوات اقتياده لقسم الشرطة، حيث كان من الممكن هناك أن تسير الأحداث وفق سيناريو مألوف؛ بعض الإهانة والضرب ينتهيان بمحضر ملفق حتى يظهر للفتى صاحب، أو يتعلم ألا «يبُقَّ» مع الحكومة مرة أخرى، ويصبح واحدًا من آلاف المساجين الجنائيين الذين لا يسمع بهم أو يهتم لأمرهم أحد، رغم أنهم في الواقع الشريحة الأكبر من ضحايا التعذيب والحبس تعسفيًا والاتهام تلفيقًا. ليس أسهل على ضابط شرطة من تعذيب شخص أو تلفيق محضر له إذا كان بلا ظهر يحميه.

حكى لي مرة أحد أصحاب السوابق أنه قالها لضابط ضربه في القسم: «اضرب يا باشا. ضرب الحاكم مش عيب». كان فخورًا أنه قالها له في وجهه، أهانه على أرضه؛ أنت تضربني فقط لأنك حاكم، وأنا سكتُّ عنك فقط لأني محكوم

التعذيب في مصر يحدث لأسباب طبقية بالأساس، والمعاملة التي قد يعتبرها المواطن، ابن الطبقات المتوسطة والغنية، إهانة أو تعذيبًا استثنائيًا قد تكون طبيعية بين القوات الأمنية والمواطن الفقير. ترى الحكومة أن هؤلاء لا ينفع معهم إلا هذا الأسلوب، ومن ناحيتهم، يتصبّر أبناء تلك الطبقة في مواجهتها بمأثورات من نوعية «ضرب الحاكم مش عيب»، طالما أنه يعتدي عليك في محل سلطته حيث لا تملك القدرة على رد الاعتداء، فضربه لك لا يقلل من كرامتك ورجولتك. في تلك الأوساط القائمة على فرض السيطرة بالقوة والمفاهيم التقليدية للرجولة، قد تكون أكبر إهانة لسلطة الداخلية هي إخراج تأثيرها من المعادلة أصلًا.

حكى لي مرة أحد أصحاب السوابق أنه قالها لضابط ضربه في القسم: «اضرب يا باشا. ضرب الحاكم مش عيب». كان فخورًا أنه قالها له في وجهه، أهانه على أرضه؛ أنت تضربني فقط لأنك حاكم، وأنا سكتُّ عنك فقط لأني محكوم: «يُعتبر كدا إني علّمت عليه، بس بالطريقة يعني»، ورغم أن الجملة تعبّر عن إدراك انعدام شرف «الحاكم» باستغلاله لسلطته في تعذيبهم، إلا أنها تعبر أيضًا عن عدم إدراك المحكوم لقدرته على وقف ذلك الوضع، وإجبار الحكومة على احترامه أو حتى «رد الضربة» للحاكم.

يتعرض المعتقلون السياسيون للتعذيب في مصر في سياق انتزاع اعترافاتهم، ويزداد التعذيب عنفًا كلما زادت الأهمية المتوقعة للاعترافات، حيث يجري بأساليب متخصصة أحيانًا وأقسى غالبًا، لكن بعد انتهاء مرحلة الأمن الوطني والتحقيقات، غالبًا ما يُعامَل المعتقلون السياسيون من قبل المباحث في حجز الأقسام والسجون وفقًا لطبقتهم الاجتماعية، التي هي في الأغلب متوسطة. ورغم أن خروج أحدهم من السجن يعد أصعب بكثير من خروج مسجون جنائي مظلوم، لكنك كثيرًا ما تجد الجنائيين يحسدون السياسيين على المعاملة التي يتلقونها في السجون، فالسياسيون يلقون احترامًا نسبيًا بالمقارنة بهم، ولا يتعرضون لنفس الإهانات والمشاكل التي يتعرض لها الجنائيون.

لكن قصة عفروتو لم تنته وفق السيناريو المعتاد، وإنما انتهت بعد ساعة من التعذيب على يد ضباط وأفراد قسم شرطة المقطم بموته، حيث كتبت قدم أمين شرطة النهايةَ بركلة وجّهها إلى صدر الفتى بعد ساعة واحدة – الله وحده يعلم كيف مرت – من تعذيبه. ومن حسن حظ عفروتو أن أهالي منطقته كانوا «جدعانًا» بما يكفي للخروج في احتجاج تلقائي وفوري أمام القسم للمطالبة بحقه من الداخلية، لدرجة أن قواتها – وأمام المفاجأة من رد الفعل – قررت إطلاق الأعيرة النارية بشكل هستيري في الهواء لتفرقة الأهالي، فضلًا عن اعتقال أكثر من أربعين واحدًا منهم.

حتى هنا، تصبح لدينا قضية تتوفر فيها عدة معطيات، أولًا هي تمثّل الظلم الاجتماعي والسياسي الجاري في مصر في أقبح صوره، ثانيًا وقعت في العاصمة وغير بعيد عن أدوات النشطاء وقدرتهم على تقديم الدعم، وثالثًا هي مدعومة بالفعل بقاعدة شعبية بادرت على الفور بالمطالبة بحق الشهيد، وأظهرت في سبيل ذلك شجاعة وتضحية جديرين ببث أمل ما.

رغم ذلك لم تحصل القضية على الاهتمام الكافي ولا الدعم المطلوب.

أما العقيد أحمد قنصوة فهو لاعبٌ غريبٌ زار ساحة السياسة المصرية فجأة واختفى عنها سريعًا بحكم بالسجن لست سنوات.

خرج العقيد في نهاية نوفمبر الماضي ليعلن، في فيديو أذاعه عبر قناته الشخصية على يوتيوب، نيته للترشح لرئاسة الجمهورية، شارحًا محاولاته للاستقالة من الجيش، والمستمرة منذ ما يقرب من أربع سنوات، تحديدًا بعد ثلاثة أيام من استقالة المشير السيسي قبل ترشحه لانتخابات الرئاسة 2014.

الانطباع الأول على الخبر – قبل السجن، حينما كان مجرد خبر عن الترشح – أوحى إما بصراع داخلي بين أجهزة الدولة يدفعها للتنافس بمرشحين مختلفين، أو على الأقل بضابط متهور خرج عن الخط الرسمي، ولكنه يظل امتدادًا لعسكرة السياسة، ما يعني خروجه من حسابات التيار الديمقراطي، لكن متن الخبر حمل محتوى غير متوقع، سواء من ناحية الشكل، متمثلًا في لغة فصحى سليمة وأدبية الطابع أعلن بها ترشحه ، أو من ناحية المضمون الذي شمل عدة ملامح أهمها – بالإضافة لادعائه أن هناك أملًا – تأكيده عدة مرات بأشكال مختلفة على انتمائه لثورة 25 يناير ومطالبها وأهدافها، وتأكيده كذلك على احترامه وفخره بانتمائه للقوات المسلحة، وتبرؤه من تفسير ترشحه باعتباره دعوة للتمرد أو لـ«هدم الجيش»، وكذلك ثقة الرجل بنفسه وبقدرته على التغيير، وإيمانه بواقعيته وبكونه بديلًا مناسبًا.

المثير للتأمل في الخطاب هو الاستفاضة التي تحدث بها، سواء في عرض المعلومات، مثل تعريفه بنفسه وبموقفه العسكري والقانوني، أو في تحليله للوضع الحالي وفي تعبيره عن انطباعاته الشخصية وآماله ومخاوفه. تلك الاستفاضة، بالإضافة لرزانة الرجل وثقته في الحديث، منحتا انطباعًا بحالة مدهشة وغير معهودة من الشفافية، والحق أنه كان أحوج ما يكون لهذا الانطباع، كونه اسمًا مجهول التاريخ والتوجهات تمامًا.

كما تأكد الانطباع مرة من خلال اتساق خطاب قنصوة مع صفحته الشخصية على فيسبوك طوال ثماني سنوات، من قبل قيام الثورة حتى، وأخرى من خلال استبعاد السيناريوهات التآمرية حول الدفع به في الانتخابات بعد الحكم عليه بالسجن لست سنوات.

في استفاضته يرسم قنصوة ملامح خطابه الانتخابي، فيؤكد على استناده للشعب كمرجعية وكمصدر للشرعية، ويحيل إلى الشعب حتى نزاعه القضائي مع المؤسسة العسكرية، ولدولة القانون والمواطنة كأسلوب للحكم.

لم يستند قنصوة لخلفيته العسكرية أو يدّعي بها أهلية عن غيره، ولم يشر لها عمومًا إلا في معرض تعريفه بنفسه وتأكيده على احترامه لها، لكنه عبّر عن إيمان مطلق بالشعب الذي طلب الاستقواء به، فرجاه الاتحاد وعدم الاستكانة للهزيمة والبؤس «مرة وستكون هي المرة»، موقنًا بقدرته على التغيير: «فوالله إني لشاهد عيان على أن أرباب التسلط والإفساد يرتعدون منكم أضعاف أضعاف ما تخشونهم».

يحكي قنصوة عن خوفه على أسرته لإدراكه كيف يهدّد استقرارها ويضع سلامتها على الحافة، ويخاطب النظام منتقدًا، ألا «ترهبونا بما لاقت هذه الدولة وتلك، وتدفعونا في عجلة إلى مصائرهم»، ويستنكر شيوع انتهاكات التصفية الجسدية والاختفاء القسري والحبس الاحتياطي وانتهاك الخصوصية في وسائل الإعلام، ويحرّض على رفض أن نبقى «أسرى لا دية لهم يتم التلاعب بأرزاقهم ومعيشتهم»، مؤكدًا في النهاية على أن خطابه لو لم يلق صدىً لدى الشعب، ولو لاقى جدلًا واختلافًا وسخرية، حتى وإن أدى ذلك للاستفراد والتنكيل به من قبل من وصفهم بـ«الزبانية»، فلن يكون إلا «هانئ البال مرتاح الضمير مسامح الجميع راضيًا بأن يكون خطوة منسية على طريق الشعب نحو العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، ومصرحًا في النهاية أنه كتب وصيته لأسرته وحاول أن يترك لهم ميراثًا من العزة يفتخرون ويقتدون به، مودعًا إياهم بروح استشهادية.

والحقيقة أن الرجل ألقى خطابًا حمل جرعة سينمائية من الدراما السياسية والإنسانية بلغت ذروتها وهو يختم الخطاب بيمين ولاء ضباط الجيش المصري على إيقاع متسارع ومرتفع لموسيقى توتّر الأعصاب، لينفعل قبل النهاية ويوشك على البكاء منهيًا الفيديو بقطع الصورة واستكمال اليمين مكتوبًا.

الحقيقة أن القضيتين استحقتا الدعم، والحقيقة أنهما حملتا أهمية استراتيجية واتسمتا باستثنائية نوعية ومؤشرات مبشرة باكتساب أرضية جديدة للتيار الثوري والديمقراطي في مصر.

منذ إعلانه، فرض الخطاب حالة من الجدل الأخلاقي لدى أنصار التيار الديمقراطي، حول استحقاق «العقيد» لخوض السباق الرئاسي. ورغم أن الجدل كان متوقعًا، ورغم عدم حسمه حتى مع سجنه، إلا أن العقيد انشغل عنه – أو ربما راوغ هربًا من الرد على أخلاقية ترشحه كـ«عسكري» – بالرد على الاتهامات المتوقعة بخرق القواعد والقوانين العسكرية، مستندًا، في مشروعية فعلته التي أقدم عليها، بما فعله السيسي نفسه قبل انتخابات 2014.

وعلى هامش حالة الجدل واستنكار بعض الديمقراطيين لدعم حق «عقيد» في الترشح لانتخابات الرئاسة، انتشرت انتقادات ساخرة من إعجاب الناس بفصاحة خطابه، وكأن الخطاب خلا من أي مضمون إلا الفصاحة، أو كأن ركاكة اللغة أصبحت شرطًا ضروريًا للمرشحين، فضلًا عن سخرية بعض أصحاب الأذواق النخبوية في الأدب من عتاقة لغته وكلاسيكية تعبيراته، وكأنما الرجل مرشح لنيل البوكر الأدبية العربية.

لا يدّعي أحد أن قنصوة أولى بالدعم في سباق الانتخابات نفسه، خاصة مع وجود مرشح مدني ذي خلفية ديمقراطية وتاريخ سياسي وحقوقي من النضال من أجل قضايا عادلة، مثل خالد علي، الذي يبدو، رغم صعوبة ترشحه، أقرب للمنافسة وأكثر حظًا بوضعه الأخلاقي والقانوني، إذا ما قورن – حتى الآن على الأقل – بوضع المنافس المحتمل سابقًا والسجين حاليًا.

لكن المكاسب المتوقعة من زيادة وتنوع الأصوات المنادية بمبادئ وأهداف 25 يناير في بيئة سياسية معادية لكل ما يتعلق بها، جديرة بأن تلفت نظرنا لقضية العقيد المسجون، فمجرد وجوده في الانتخابات مع خلفيته العسكرية وخطابه الانتخابي أو حتى التضامن معه ونشر قضيته التي أودت به خلف القضبان بحكم مشدد سيثير جدلًا بنيويًا هامًا في عقول المواطنين الشرفاء – من يخاطبهم أنديل كـ«أخ كبير» – ويربك قوالبهم التي اعتادوا تصنيف البشر فيها.

التضامن مع قضية قنصوة ليس أهم من التركيز على دعم المرشح الديمقراطي الوحيد، في السباق المضغوط زمنيًا بطريقة تعبّر عن رغبة النظام في سَلْق الانتخابات الرئاسية، لكن حتى وقبل انطلاق خطوات السباق بدا أن أنصار التيارات الديمقراطية ارتاحوا بدعم مرشحهم من عناء التضامن مع القضية، ربما لما تحمله من جدل لم يحسم بعد، فحُرمت – مثلها مثل قضية عفروتو – من الدعم والاهتمام الكافيين.

الحقيقة أن القضيتين استحقتا الدعم، والحقيقة أنهما حملتا أهمية استراتيجية واتسمتا باستثنائية نوعية ومؤشرات مبشرة باكتساب أرضية جديدة للتيار الثوري والديمقراطي في مصر. كما يخبرنا الواقع أن الضحية في الحالتين لم يكن لها ظهر يدفع عنها من يواجهها، فلا عفروتو كان له ظهر أمام المباحث، ولا قنصوة كان له ظهر أمام النظام، وإنما مصدر القوة الوحيد الممكن لنصرتهما كان أفراد الشعب، أهالي منطقة الونش الذين يقبع أكثر من أربعين منهم خلف القضبان الآن، وعموم المصريين الذين استنجد بهم قنصوة القابع أيضًا خلف القضبان.

ستستمر الحياة في منطقة الونش رغم كل شيء، ستحاول الحكومة تخدير الأهالي بالتحقيق مع ضابط وأمين شرطة من القسم، في تحقيقات لن يختلف غالبًا مسارها ومصيرها عن عشرات التحقيقات الشبيهة منذ ثورة 25 يناير، وسترهب الأهالي باعتقال المزيد منهم كلما انتفضوا لحقهم، وسيحتاج الناس للعودة لحياتهم الطبيعية ومواصلة صراعهم اليومي للبقاء، رغم موت عفروتو ورغم بقائهم «أحياء» تحت سلطة أسهل ما لديها هو نزع تلك الصفة عنهم، وسيطوي النسيان ملف اللاعب الغريب مفاجئ الظهور وسريع الاختفاء من الساحة السياسية المصرية، العقيد أحمد قنصوة، ما لم يُستدرك الأمر ويُقدّم الدعم اللازم للقضيتين.

ما الذي يربط بين عفروتو وأحمد قنصوة؟ جاء كل منهما بجسر محتمل لأنصار الديمقراطية في مصر، من شأنه أن يمد التواصل بينهم وبين فئات لا يصل إليها خطابهم عادةً، ويبشّر باكتساب أرضية جديدة وضم جهودهم مع جهود أخرى ترفع نفس المطالب حتى ولو بشكل جزئي، ولكن للأسف لاقى كل منهما إعراضًا يرقى لمرتبة الخذلان.

اعلان
 
 
أحمد نور الدين