Define your generation here. Generation What
«غذاء للقبطي» .. الشهد والدموع
 
 
«غذاء للقبطي» من إصدار «الكتب خان» (2017)، سلسلة «بلا ضفاف».
 

في مصر أقل تزمتًا من التي أتيحت لجيلي منذ ميلادنا في أواخر السبعينيات، وأقل انقيادًا في الدين لأخوف أبنائها من التفكير، وفي السياسة والاقتصاد وشتى شؤونها لأضيق أبنائها عقولًا وأحرصهم على مصالحهم الدنيئة المباشرة. في مصر أخرى كنا لنعرف عن بيوتنا القبطية، بيوت الناس والعبادة، مثل ما نعرف عن بيوتنا المسلمة. وحتى في مصر الخيالية هذه ما كنا لنقرأ كتاب «غذاء للقبطي» لشارل عقل الصادر، مؤخرًا، عن دار الكتب خان إلا لنجد فيه إضافة من المعرفة والمتعة.

فالكتاب أكبر كثيرًا من «منيو» للمطبخ القبطي، بل هو بعيد كثيرًا عن ذلك. صحيح أنه يحجز لنا مقعدًا على المائدة القبطية ويرينا منها ما لم يره أكثرنا، ويذيقنا ما كان يجب أن نكون ذُقناه، وزهدناه زهدنا في طعام أمهاتنا وزوجاتنا لولا أن «النسيج الواحد» يوشك أن يكون مزعومًا ومكذوبًا، وأصدق منه الكفن الواحد الذي يوشك أن يلفنا جميعًا مسلمين وأقباطًا مريحًا إيانا من عناء الوجود في الحضارة الإنسانية عبئًا ثقيلًا عليها.

قبل شهور، ومع انفجار من الانفجارات في كنيسة من الكنائس، سمعت من سائق تاكسي حديثًا لا بد أن كثيرًا منا سمعه فأنكره، ولا بد أن كثيرًا منا سمعه فأقره وطرب له وزاد عليه. حدثني، وقد خدعته لحيتي على الأرجح، عما يجري داخل الكنيسة من موبقات وما يقترف فيها من أوزار.فسألته هل يتصور أن تضيق الخرائب على أفسق المسلمين فيصحب امرأة إلى مسجد؟ وسألته كيف يتصور مسيحيًا عاديًا من ملايين المسيحيين الذين يذهبون إلى الكنيسة، مؤمنًا أنه على الدين الحق، مثلما يؤمن المسلم الفاسق أنه على الدين الحق، أن يعصى ربه في بيت هذا الرب بالذات؟ قلت له إنني زرت كنائس كثيرًا، وهذا غير صحيح، وحضرات أكاليل وعزاءات، وهذا أيضًا غير صحيح، ولم أر في الكنائس موبقات قط. (وأنا بالمناسبة أيضًا، لا أحسب أني دخلت المسجد في عزاء أو زفاف إلا قليلًا جدًا، جدًا). ولا أحسب أن كلامي خلخل لدى سائق التاكسي ما ثبته في نفسه ركام من الوعظ السلفي الجاهل مثلما لم يزحزحه ركام الدعاية الرسمية المطنطنة بأكذوبة «النسيج الواحد».

لا يقدم شارل عقل (ويعرِّف نفسه بأنه: سكندري، يكره مهنة الكتابة أقل مما يكره باقي المهن، ويهوى الجلوس) كتابًا دعائيًا أو دفاعيًا. لا يقدم كتابًا «منتميًا» إلى غير كاتبه. لا يرمي من كتابه إلى تقديم ثقافة «قومه» المطبخية والتعريف بها لدى الآخرقريبًا كان أم بعيدًا. بل إنه وإن أدخلنا هذا المطبخ، فما أدخلنا إليه ـ في تقديري ـ إلا لندرك أنه ليس فيه، ولم يكتب كتابه من داخله. فالرجل «سكندري»، لا يقول إنه «مصري» أو«مسيحي» أو«قبطي»، بل «سكندري»، فلعله يقصد أنه «كوزموبوليتاني» باعتبار ما كان في ماضي المدينة السحيق، ما لم يكن قوله هذا بعضًا من الشوفينية الطفولية الظريفة المعهودة لدى بعض من أحبائنا السكندريين.

مؤلف هذا الكتاب غاضب، من بني «دينه»، وبني وطنه، وغضبه هذا تجاوز الرغبة في الصراخ، وركن إلى السخرية الهادئة المريرة الدائمة الحاضرة في كل سطر من كتابه تقريبًا. ومثلما يمعن في السخرية، يجنح أحيانًا إلى الاستفزاز، فتراه في فصوله عن الخمر يوشك أن ينهي كل فقرة بإعلانه أنه شارب كأسًا مما يتكلم عنه، تحية لنمط من المصريين كان له وجود ولم نعد نصادفه أو نرى له بيننا مثيلًا، أو تحية لشراب محلي كان يجب أن يكون جزءًا معترفًا به من تراثنا الوطني فهوينا به إلى حضيض أن يصير جزءًا من عورتنا الجمعية.ربما يكون من قبيل الاستفزاز ـ لأغلبية المصريين الآن ـ أن يجاهر مؤلف الكتاب بإعلانه هذه الأنخاب الكثيرة، لكن هذا ما أحب شارل عقل أن يفعله.

كان «س. عبد الملاك» أكبر مني بسنة، وكان لي أصدقاء معينون لطريق الرجوع من المدرسة، نمشي معًا، وكلما صادف أحدنا بيته انفصل عن الركب، حتى أصل أخيرًا إلى بيتي في أول القرية. كان أصدقاء عودتي من المدرسة أولئك أكبر مني جميعًا بسنة، فكنتُ حين ينتهي يومي الدراسي قبل حصة من انتهاء يومهم الدراسي، أستأذن من مدرسهم لأحضر تلك الحصة الأخيرة معهم فنخرج كلنا معًا. وكان يصعب على أغلب المدرسين أن يرفضوا لي طلبًا، لأسباب تتعلق بكون أبي أستاذًا لهم وزميلًا لبعضهم، ولكوني «نجمًا» في سماء المدرسة الصغيرة يعرفه جميع المدرسين ويسمعونه وقوفًا كلَّ صباح وهو يقدم الإذاعة المدرسية بآيات من الذكر الحكيم. غير أن السماح لي بدخول الفصل لم يكن ينفي أنني لست جزءًا من الفصل، فكان المدرس يطلب مني أن أجلس في آخر المقاعد، وكان في آخر المقاعد تلك ولد وحيد هو «س.عبد الملاك»، يجلس حيث يجلس مَن ليسوا جزءًا من نسيج الفصل الواحد.

بتكرار مرات حضوري تلك الحصة الأخيرة، لا، لم تنشأ علاقة بيني وبين «س.عبد الملاك»ولا أي حاجة. لم نصبح صديقين يمكن أن يموت أحدنا فداءً للآخر في حرب (كما قد يحدث في المسلسلات). كل ما حدث أن أصدقائي المسلمين في الفصل نبهوني ألا آكل من سندوتشاته. لم يكن واردًا في الحقيقة أن يخرِج «س.عبد الملاك» طعامًا في أثناء الحصة ويدعوني وأقبل، وتقع الكارثة. لكن رأى أصدقائي أولئك، وهم أكبر مني بسنة كاملة من استيعاب الحكمة المصرية العنصرية المسكوت عنها، أنه لا بد من تحذيري. وفي حقيقة الأمر لم يكن «س.عبد الملاك»مثيرًا للاهتمام. كان بليدًا، ومن النوع الذي ترى بلادته على وجهه، والحقيقة أنه لو كان مسلمًا لما عثر لنفسه في مدرسة حكومية في الثمانينيات إلا على المقعد الأخير.

بعد بضع سنوات، وقد صرت في الثانوي، ومع أنني لم أعد «نجم» المدرسة، بل أحد نجومها على أحسن تقدير، حتمت ظروف ما عليَّ، وعلى زميل في النجومية، أن نزور مدرسًا مسيحيًا في بيته. وبين ندائنا عليه وفتحه للباب، قال لي زميلي بحسم، إذا قدَّم لنا شايًا فاشربه. أوضح أن عليَّ أن أتغلب على «قرفي» وأشرب، لأن المسيحيين حساسون بعض الشيء. كان «قرفي» من شاي المسيحيين أمرًا مسلَّمًا به. ولم يقدم لنا المدرس شايًا، بل فاكهة. وبعد خروجنا أثنى زميلي على ذكاء المدرس الذي أدرك ما لا بد أننا نشعر به فأعطانا من ثمار الأرض مباشرة، الأرض التي لا نجتمع فيها حقًا، حتى بعد موتنا.

يمكن القول إنني عبر هذا الكتاب، سمعتُ للمرة الأولى صوت «س.عبد الملاك» الذي لم أسمعه من قبل. والحقيقة أنه أبعد ما يكون عن البلادة. يمكن القول إن شارل عقل قدم لي كوب الشاي الذي أكلت الجوافة بدلًا منه قبل ربع قرن.

ومن ألذ [بمعنى أطعم] ما في شارل عقل أن هويته في هذا الكتاب كذواقة ومحب للطعام الجيد والخمر الجيد أوضح من هويته كمسيحي سابق أو «غير متدين» بحسب تعبيره. فليس احتفاؤه بطعام الأقباط في صيامهم وإفطارهم وأعيادهم وفقرهم وثرائهم صليبًا يشمه على ساعده، بل مجرد ميل إنساني عفوي، وتقدير للصنعة والنفس [بفتح الفاء] وإحساس مرهف بالطعوم والروائح، ودراية عميقة وشخصية بالتوابل والأعشاب.

وهو فيما يقدم لنا من وصفات الطعام، وما أكثرها في كتابه، حريص طيلة الوقت على مكون لا يكف عن تنبيهنا إليه: الأنا. أنا الطاهي نفسه، بوصفه المرجعية النهائية، والحكم الوحيد، بوصفه القادر على تحديد زمن الطبخة، وتكثير عناصرها أو تقليلها، وضبط توابلها وملحها. فما من وصفة ثابتة عنده، وما من قانون لا بد من اتباعه، وما من عزيز لديه.

في نصف الكتاب تقريبًا، يستخلص الكاتب من أطعمة الأقباط، لا سيما في صيامهم، ملامح لـ «شخصية القبطي»، الساعي إلى المثالية، الأمين، الخائف من الأغلبية لدرجة إسلام نفسه لإسلامها، وامتناعه عن الخمر في أكثر الحالات، وعن أكل لحم الخنزير (ما لم يتخف من أجل ذلك). يرينا كيف يتجسد تراث المسيحية كله في طبق الفول المتقشف الذي تعده أمه أو يعده الدير. يتأمل الصيام ومفارقة أنه بدلًا من تنحية الطعام إلى هامش مهمل يجعل منه مركزًا يدور في فلكه المؤمن. يرينا المسيح نفسه، لا على الصليب، بل على المائدة، محبا للشراب والشواء واللمة الحلوة، فتعجب كيف أن أتباعه ربما صاروا أكثر مطالعة لمكونات كيس الشيبسي (لحسم صلاحيته طعامًا صياميًا) من مطالعتهم الإنجيل.

ونصف الكتاب خمر. ومرة أخرى يتأمل الكاتب المجتمع المصري، بأقباطه وبمسلميه، بمشروباته «الوطنية» من زبيب أو بيرة، يتأمل عورته الاقتصادية متمثلة في محتكري تصنيع خموره، وراسمي خرائط حاناته، يتأمل باراته الغابرة والباقية، كاشفًا مرة أخرى عما انحسر إليه الإنسان المصري في العقود الأخيرة. وملتفتًا أيضًا، ولافتًا النظر، إلى «الشرِّيب المصري»:

«الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة جعلت الشريب المصري أبو كرش (مهما بلغ صغر سنه) شريبًا صبورًا، غير متعاط للخمور الثقيلة في الظروف العادية، ولا ينتظر من البيرة أي تأثير سريع على دوران رأسه … مما يجعل طقس الشرب في مصر طقسًا اجتماعيًا .. قليلًا ما يحتوي على فعاليات صاخبة كالرقص والاحتفال، إنما هو رحلة طويلة يحاول أن يستمتع بها أصحابها بغض النظر عن غايتهم الأخيرة وما قد يصلون إليه من انتشاء أو عدم انتشاء، ويمارسون فيها النشاط الرسمي المفضل لدول حوض البحر المتوسط، وهو الجلوس».

واتباعًا لتراث عربي قديم، يقدِّم شارل عقل دليله إلى جلسة الشرب المُثلى، فلا يهمل اختيار الندمان، والأشربة والأطعمة والموسيقى، ولكنه يزيد على ذلك كله بأن يجعل طقس الشراب صورة مرآوية من القداس الكنسي.

خطوة بعد خطوة، دونما أدنى تعجل، يبيّن شارل عقل كيف تكون سهرة الشرب قداسًا كاملًا، فيها كل طقوس القداس من مناولة وشراب ومحبة وترنيم. ليكون فصله هذا أطول نكتة في كتابه، يقيمها عبر نحو عشرين صفحة بدون أن يفقد صبره أو نبرته أو قدرته على ضبط مقادير غضبه وسخريته ورفضه لخنوع مجتمعه الصغير وقسوة مجتمعه الكبير، مقدمًا من ذلك كله في النهاية لقمة تبدو، مثلما يبدو الكتاب كله، في بهاء سفرة رمضانية مبهرة، ومرارة سفرة مسيحية صيامية، فلا تملك وأنت تأكلها، إلا أن تجد في فمك مرةً حلاوة الشهد، وأخرى مرارة الدموع.

«غذاء للقبطي» من إصدار «الكتب خان» (2017)، سلسلة «بلا ضفاف»، المعنية بنشر التجارب الأدبية الخارجة عن التصنيفات المتعارف عليها من قصة ورواية وشعر ومقال.

اعلان
 
 
أحمد شافعي