Define your generation here. Generation What

عن الأخضر اليابس ومركزية القضيب: ما الذي يعنيه أن يكون الفيلم «جيدًا»؟

كلما وأينما عرضت فيلمي «اللي بيحب ربنا يرفع إيده لفوق» عن نجوم موسيقى المهرجانات، وزة وأوكا وأورتيجا، يطرح أحد الحاضرين، الذكور في أغلب الأحيان، نفس السؤال: «كصانعة أفلام امرأة، لماذا اخترت موضوع أبطال الفيلم من الرجال بدلًا من صنع فيلم يناقش قضايا المرأة؟»

عادة ما يُطرح السؤال بنبرة لوم واستنكار، أو دهشة في أحسن تقدير. قد يكون هذا من صنع خيالي، ولكنني أكاد أجزم أنني في كل مرة أجد طارح السؤال ينظر في عيني مباشرة بنظرة تحد، وعلى شفتيه شبح ابتسامة انتصار. أتخيل أن طارح السؤال أخذ يخطّط لطرحه منذ الدقائق الأولى من مشاهدة الفيلم واكتشافه لغياب «العنصر النسائي»، وأخذ يعد الدقائق حتى انتهاء الفيلم ليفحمني بسؤاله الذي سيضعني في مأزق أكيد!

في البداية، كان هذا السؤال يربكني، فأقع ضحية لفخ المزايدة على نسويتي وإخلاصي لقضايا المرأة والتعبير عنها (أيًا كان ما يعنيه ذلك) وأجد نفسي في موقع دفاعي، فأبدأ بصبر مهزوز في شرح كيف أن كوني مخرجة امرأة لا يعني أن أُحصر في صنع أفلام عن قضايا المرأة، بمفهومها التقليدي السائد، وأنه يمكن تناول أي موضوع من زاوية نسوية، حتى وإن لم يتعلق الأمر بالاغتصاب والتحرش والختان والصحة الإنجابية.

الأبوية تقوم على كون الذكر القاعدة العامة، بينما الأنثى (وكل المنتمين لهويات جندرية غير معيارية) هي الاستثناء، المرأة هي الآخر، وبالتالي تتمركز النظرة لهذه المرأة، هذا الآخر، حول اختلافها عن القاعدة العامة

بعد أربع سنوات من الإجابة على نفس السؤال في كل عرض، لم أعد أحاول إخفاء ضجري وحنقي. ولأشرح أسبابي:

لنجرِ مراجعة بسيطة لتاريخ صناعة السينما التي يسيطر عليها الذكور حتى يومنا هذا، كم من المخرجين الذكور صنعوا أفلامًا عن «المرأة»؟ وهل كان يُطرح عليهم ذات السؤال بذات الصيغة مصحوبًا بنظرة التحدي وابتسامة الانتصار؟ الإجابة ببساطة هي: لا! فحتى وإن طُرح السؤال عليهم، فإن ذلك يجري  بنبرة احتفاء وتهنئة، وحتى وإن طرح السؤال، فعادة ما تكون صيغته: «ما الذي أثار شغفك لتناول موضوع نسائي؟»

ولا أظن أحدهم سأل مخرجًا ذكرًا سؤالًا صيغته: «لماذا لم تختر موضوعًا يخص «قضايا الرجال؟»» والسبب بسيط، فلا شيء محدد اسمه «قضايا للرجال»، لأن الأبوية تقوم على كون الذكر القاعدة العامة، بينما الأنثى (وكل المنتمين لهويات جندرية غير معيارية) هي الاستثناء، المرأة هي الآخر، وبالتالي تتمركز النظرة لهذه المرأة، هذا الآخر، حول اختلافها عن القاعدة العامة، اختلافها عن الذكر وعلاقتها به. بمعنى آخر، وحسب المصطلح الفرويدي البغيض «غياب القضيب»، فإن القضيب هو المعيار الأساسي الذي يُصنَّف البشر بناء على وجوده أو غيابه.

من هنا نستطيع فهم نبرة الدهشة والاستنكار المصاحبة للسؤال الذي يُطرح عليّ، فكيف للآخر، «الناقص»، الشاذ عن القاعدة العامة،  أن يتحدث عن القاعدة العامة أو الأساس، من منظور لا يضع القضيب (أو غيابه) في المركز؟ يمكننا أيضًا فهم نبرة الاحتفاء والتهنئة التي تصاحب نفس السؤال عندما يُطرح على صانع أفلام ذكر، فها هو الأساس المهيمن «الكامل» يتكرم بالالتفات لهذا الآخر «الناقص»، بل ويتعاطف مع «نقصه».

فيلم «أخضر يابس» للمخرج محمد حماد هو نموذج لفيلم «نسائي» يصنعه ذكرٌ ويُحتفى به باعتباره فيلمًا يجسد معاناة المرأة في مجتمع ذكوري، بمعنى أنه فيلم بطلته امرأة، ويتناول موضوعات «نسائية» عامة كالعنوسة والزواج والطمث وانقطاعه. وبينما يعتبر موضوع الفيلم متوقعًا في حال كان من صنع امرأة، إلا أن كون صانعه ذكرًا كان عاملًا إضافيًا لهذا الاحتفاء، دون اشتباك جاد مع إشكاليات خطابه، فها هو صانع أفلام ذكر يصنع فيلمًا متعاطفًا مع المرأة في مجتمع ذكوري يهمّش المرأة على طول الخط.

مشهد من فيلم «أخضر يابس»

لست معنية في هذا المقال بتقييم جودة فيلم «أخضر يابس» الفنية، بل ما يعنيني هنا هو طرح بعض الأسئلة والملاحظات حول الخطاب الذي يطرحه، وحول معايير الاحتفاء بالعمل الفني بشكل أعم في ظل تغلغل المفاهيم الذكورية التي تحدد هذه المعايير، حتى بداخل الأوساط التي تطرح نفسها بوصفها الأكثر تقدمية، وأقوم بذلك أولًا كأمرأة يؤثر هذا الخطاب على حياتها بشكل مباشر، وثانيًا كصانعة أفلام معنية بسؤال موقع صانع العمل من موازين القوى، لدى تمثيل فئات مضطهدة أو مهمشة.

تدور أحداث الفيلم حول إيمان العانس اليتيمة، التي يتزامن انقطاع الطمث المبكر لديها مع اضطرارها لزيارة أعمامها لتطلب حضور أحدهم عندما يأتي عريس أختها الصغرى لطلب يدها، بينما يتنصل الأعمام من المسؤولية، لنعيش معها خلال مدة الفيلم رحلتها المهينة والبائسة بين عيادات الأطباء وبين بيوت أعمامها، لتسول السند تحت إلحاح الأخت الصغرى الأنانية المتطلبة، بالاضافة للضغوط الاقتصادية.

فيلم «أخضر يابس» ليس فيلمًا عن المرأة، وإنما عن غياب الرجل، غياب القضيب، فبينما إيمان/المرأة هي ما نراه على الشاشة طوال مدة الفيلم، إلا أن الرجل/القضيب هو ما يقعد دائمًا في المركز، من خلال غيابه

يبدأ الفيلم بلقطة لنباتات الصبار يتبعها مشهد لإيمان في عيادة طبيب لأمراض النساء بسبب انقطاع الدورة الشهرية لسبب غامض، وبينما تتوالى الأحداث يتكشّف لنا التوازي بين أزمة غياب الرجل/الأب ومعاناة إيمان من العنوسة، أى غياب الرجل/الزوج من ناحية، وأزمة انقطاع الطمث من ناحية أخرى.

عندما تذهب إيمان لتسلم نتائج التحاليل يصدمها الطبيب بخبر أن انقطاع الطمث ليس سببه ورم بالرحم، وإنما هو حالة انقطاع طمث مبكر نادرة الحدوث، أو بالمصطلح المتداول «سن اليأس المبكر»، ولا تنتهي المأساة هنا، فعندما تذهب في اليوم المحدد لزيارة العريس لاصطحاب العم الوحيد الذي وافق، رغم مرضه، على الحضور، تجده قد أصيب بانتكاسة حادة ونُقل إلى العناية المركزة. ليس هذا فحسب، بل وتعرف أيضًا أن ابن عمها الذي أحبته سرًا قد طّلق زوجته منذ فترة وأن والده يضغط عليه لرد زوجته أو الزواج بغيرها كي تنجب له الأحفاد، ليقضي ذلك على أي أمل لدى إيمان في أن تصبح زوجة له الآن، وقد أصبحت غير صالحة للإنجاب، لتنتهي القصة بأن تفض إيمان بكارتها بنفسها في الحمام، في مشهد مؤلم وشديد العنف، وفيما قد يكون إعلانًا للاستسلام أو للتمرد.

 في رأيي الشخصي، فإن فيلم «أخضر يابس» ليس فيلمًا عن المرأة، وإنما عن غياب الرجل، غياب القضيب، فبينما إيمان/المرأة هي ما نراه على الشاشة طوال مدة الفيلم، إلا أن الرجل/القضيب هو ما يقعد دائمًا في المركز، من خلال غيابه، بحيث يصبح انتهاء صلاحية إيمان أمرًا مسلمًا به نتيجة لهذا الغياب.

فحسب طرح الفيلم، لو كان للرجل، سواء الأب أو الزوج، وجود في حياة إيمان، لم تكن لتعاني هذه المعاناة، بل لم تكن هناك قصة لتُحكى، فحتى مشهد فض البكارة الذي قد يرمز للتمرد على أبوية المجتمع، والذي يعتبر المشهد الرئيسي للفيلم، لم يكن ليحدث، فإيمان لم تقدم على هذه الخطوة إلا عندما أصبحت «غير صالحة للاستخدام»، بمعايير المجتمع الأبوي الذكوري، فماذا لو كانت صالحة؟

هنا بالضبط تكمن إشكالية خطاب الفيلم، «مركزية القضيب»، بل أن حتى انقطاع الطمث المفاجئ، الذي يصل بإيمان إلى ذروة اليأس، مطروح في الفيلم كاستعارة لذبول أنوثتها نتيجة لغياب الرجل، فبينما قد يكون تزامن انقطاع الطمث مع غياب الرجل محض مصادفة تعيسة في حياة إيمان، إلا أن حياتها هي نفسها مجموعة من القرارات الواعية التي يتخذها صانع الفيلم لبناء قصتها.

فباختياره لأن تعاني إيمان من إنقطاع الطمث المبكر رغم صغر سنها، وهو الأمر نادر الحدوث، بالتزامن مع الأزمات التي تمر بها نتيجة لغياب الرجل/القضيب، لا يعود هناك مفر من أن يستنتج المشاهد أن انقطاع الطمس سببه غياب القضيب، وهو  ما لا يكتفي باختزال مفهوم الأنوثة في الخصوبة فحسب، بل إنه يجعل من غياب القضيب سببًا لفقدان هذه الأنوثة التي لا وجود لها بحد ذاتها، دون قضيب يعطيها معنى وسببًا للوجود، أي أن تنتهي صلاحيتها، تمامًا كالثلاجة المعطوبة في محل الحلويات، حيث تعمل إيمان، والتي يخبرها زميلها أنه لا أمل من إصلاحها لأن «عمرها الافتراضي انتهى».

قوبل فيلم «أخضر يابس» باحتفاء بالغ من قبل النقاد، ومن أغلب جمهور السينما «المستقلة»، أو السينما التي تحاول تقديم شكل ومحتوى مختلف عن السائد في السينما التجارية، كما حصد عددًا من الجوائز في أكثر من مهرجان دولي، وهو ليس بأمر مدهش في حد ذاته، فهو «فيلم جيد» (وسأشرح سبب علامات التنصيص بعد قليل)، من سيناريو متماسك مليء بالاستعارات الشاعرية، لحوار مقتصد لا يزيد عن الحاجة، وإيقاع بطيء يتيح فرصة للتأمل بدون موسيقى تصويرية تبتز المشاهدين عاطفيًا، وتمثيل هادىء لا يعتمد على المبالغات، مع ألوان باهتة تخلق جوًا موحدًا للفيلم يتماشى مع حالة شخصياته، وتكوينات جمالية مدروسة بعناية تصلح كل لقطة فيها لأن تكون لوحة تشكيلية.

لا أنتظر من السينما التجارية خطابًا نسويًا أو تقدميًا، ولا أنتظر من السينما التجارية مراجعة للمفاهيم الإشكالية السائدة، بل هي بالأساس تقوم على خطاب شعبوي يغازل هذه المفاهيم لضمان تدفق الإيرادات. إلا أنني أنتظر الكثير من فيلم كـ«أخضر يابس»، يتمرد على السينما التجارية ويقدم جماليات بديلة

إذن، ففيلم «أخضر يابس» تتوفر فيه مكونات «الفيلم الجيد» بالمعايير السائدة للسينما، الجادة أو غير التجارية، أو بمعنى آخر «البديلة»، وهذا تحديدًا سبب اختياري لمساءلة مفهوم مركزية القضيب في هذا الفيلم الذي يتعاطف مع المرأة، والذي يعتبر أقل الأفلام ذكورية مقارنة بعشرات النماذج من الأفلام الذكورية في السينما التجارية التي تتجلى فيها مركزية القضيب بشكل أكثر فجاجة، فأنا لا أنتظر من السينما التجارية خطابًا نسويًا أو تقدميًا، ولا أنتظر من السينما التجارية مراجعة للمفاهيم الإشكالية السائدة، بل هي بالأساس تقوم على خطاب شعبوي يغازل هذه المفاهيم لضمان تدفق الإيرادات. إلا أنني أنتظر الكثير من فيلم كـ«أخضر يابس»، يتمرد على السينما التجارية ويقدم جماليات بديلة.

ماذا يعني إذن أن يكون الفيلم «جيدًا»؟ ماذا يعني أن يكون جميلًا أو شاعريًا؟ ماذا يعني أن يكون “بديلًا”؟ وهل يقتصر التجديد أو التمرد على القوالب الشكلية بينما يعاد إنتاج نفس الخطاب الإشكالي والمفاهيم النمطية السائدة؟ وهل يكفي الاحتفاء بـ«الجودة» دون الاشتباك مع الخطاب الإشكالي؟

لا شك فى أن الرؤية المتضمنة في الفيلم هي رؤية المجتمع الذكوري للمرأة، حيث هذه هي معاناة الكثير من النساء في ظل غياب الرجل والمفاهيم الذكورية المغروسة التي قد تجعل المرأة تشعر بـ«انتهاء صلاحيتها»، كما تشعر إذا غاب الأب وبلغت سن العنوسة وانقطع الطمث.

إلا أن الفيلم باكتفائه بتصوير هذه المعاناة دون أي اشتباك حقيقي مع المجتمع المهيمن الذي يفرض هذه المفاهيم الذكورية، وبتصديره نموذج المرأة الضحية وفرضه ثنائية «غياب الرجل» و«انقطاع الطمث»، يعيد إنتاج المفاهيم الذكورية التي هي سبب المعاناة التي هي بدورها موضع تعاطف المخرج، بحيث نجد أنفسنا في النهاية أمام قراءتين إشكاليتين؛

القراءة الأولى هي أن المعاناة الناتجة عن غياب الرجل/القضيب هي أمر مسلم به، وفي ذلك تأكيد على كل المفاهيم الذكورية للمجتمع الأبوي الذكوري.ولست هنا بصدد المساواة بين وجهة نظر المخرج ووجهة نظر بطلته، فبينما أفعال وأقوال إيمان هي انعكاس لرؤيتها للحياة، إلا أن الاستعارات التي يختار المخرج استخدامها لوصف حالة إيمان هي انعكاس لرؤيته هو، فهذه الاستعارات هي شفرة تواصل بين المخرج والمشاهد الذي يتلصص على حياة إيمان، وهي الزاوية التي يختار المخرج كشف الستار عنها.

من فيلم أخضر يابس

ليست الثلاجة التي انتهى عمرها الافتراضي هي الاستعارة الوحيدة التي ترسخ لثنائية غياب القضيب/ ذبول الأنوثة، فهناك ثيمة نباتات الصبار المتكررة، الأخضر اليابس الذي يحوي بداخله الحياة حبيسة البيئة الجرداء، وكذلك النقاش الذي يدور بين إيمان وأختها حول ضرورة تركيب الستائر على الشبابيك، ليظهر المنزل بمظهر مشرّف أمام أهل العريس، لتعلن إيمان أن الحوائط بائشة ولن تحتمل بلتكانات الستائر، وأن الحل هو تثبيت الستائر في الحائط مباشرة بالمسامير، لنشاهدها، من خلال عدة لقطات قريبة، وهي تحاول دق المسامير في الحائط البائش دون جدوى، ثم لنجد أنفسنا أمام مجموعة من الرموز القضيبية، متمثلة في البلتكانة والمسامير التي بدونها لا يمكن تركيب الستائر/الستر، بينما الحوائط البائشة التي يشار إليها أكثر من مرة تستدعي المقولة الشعبية «ضل راجل ولا ضل حيطة»، فبدون الرجل، لا يصلح الحائط لحمل الستائر، تاركًا إيمان وأختها بلا ستر.

القراءة الثانية أن المرأة مسؤولة عن معاناتها والتغلب عليها، فالجدير بالذكر أن كلًا من الشخصيتين النسائيتين الأخريين في الفيلم، ساهمت في قمع إيمان، سواء أختها الأنانية المتطلبة، أو زوجة عمها التي حرّضت زوجها على التخلي عنها، حيث العم النذل الذي تخلى عن ابنة أخيه ليس سوى رجل «ضعيف» راضخ لتسلط زوجته القاسية، لنجد أنفسنا أمام تبسيط مخل للغاية، فبينما وارد أن تساهم المرأة في قمع النساء، إلا أن عدم اشتباك الفيلم مع المصدر الأساسي لهذه المفاهيم، وهو المجتمع الأبوي الذكوري، يتجاهل القمع الذي تتعرض إليه تلك المرأة نفسها قبل أن تعيد إنتاجه، فتتحول هذه المفاهيم الذكورية القمعية إلى كائن هلامي لا مصدر له تُمكن مواجهته أو محاسبته، ولنجد أنفسنا تاليًا أمام ظاهرة «لوم الضحية» وتحميلها مسؤولية تحرير نفسها، في خطاب لا يقل إشكالية عن خطاب القراءة الأولى.

أعتقد أن المخرج محمد حماد صادق حقًا في تعاطفه مع المرأة، وفي رغبته تقديم فيلم يظهر معاناتها، إلا أن التعاطف وحده ليس كافيًا، فالتعاطف وحده هو ما ينتج الخطاب الذكوري ذاته الذي يدافع عن المرأة لأنها «أمك وأختك وبنتك ومراتك»، في خطاب لا يري المرأة إلا من خلال علاقتها بالرجل.

التعاطف وحده ليس كافيًا، دون مساءلة لمدى تجذر المفاهيم الذكورية التي يجري التعامل معها كمسلّمات، ومن أهمها «نظرة الذكر»، وهو المصطلح الذي استخدمته الناقدة السينمائية النسوية لورا مولفي لوصف تمثيل المرأة في الفن من خلال وجهة النظر المعيارية لذكر مغاير، والتي تعتمد على ثلاثة محاور، نظرة صانع العمل، نظرة البطل، ونظرة المشاهد الذكر، بدءًا من العاريات المستلقيات بوداعة في لوحات عصر النهضة، من أجل إمتاع المتفرج الذكر بالـ«جمال الأنثوي» الذي يتساوى مع الخنوع والسكون أو وضع «الضحية الفريسة»، وحتى يومنا هذا.

تصوير العنف كأمر مسلم به، دون اشتباك مع أسبابه، هو إعادة انتاج له، والأخطر من ذلك هو إعادة إنتاج صورة العنف من خلال «فيلم جميل»

إنها باختصار النظرة التي تتمركز حول الذكر/ القضيب كطارح للرؤية أو متلق لها، بينما ينحصر دور المرأة في كونها «الموضوع»، وهي النظرة التي استبطنّاها فأصبحنا نعيد إنتاجها بدون وعي، رجالاً ونساء أيضًا في الكثير من الأحيان.

رأى النقاد في فيلم «أخضر يابس» حساسية وشاعرية، ولكني رأيت فيه عنفًا شديدًا، عنفًا مركبًا؛ رأيت العنف الذي يمارسه المجتمع تجاه إيمان في الفيلم، كما رأيت عنف المخرج تجاه إيمان المرأة/الموضوع، وبالتالي تجاهي كامرأة/موضوع تشاهد الفيلم.

تصوير العنف كأمر مسلم به، دون اشتباك مع أسبابه، هو إعادة انتاج له، والأخطر من ذلك هو إعادة إنتاج صورة العنف من خلال «فيلم جميل»، فلا جمال في المعاناة ولا شاعرية في العنف. وحدهم من لا يمسهم هذا العنف قادرون على تذوق هذا الجمال وهذه الشاعرية، وتجميل العنف وإضفاء صبغة رومانسية عليه، فيما يشبه تقديم ضحايا هذا العنف كقرابين بشرية لصالح المتعة شبه السادية لمن ترجح كفتهم في موازين القوى.

لذا دعوني أعيد السؤال مرة أخرى؛ ماذا الذي يعنيه أن يكون الفيلم «جيدًا»؟ ما الذي يعنيه أن يكون جميلًا أو شاعريًا؟ وهل يشفع الجمال أو «الجودة» لما يصدره الفيلم من خطاب يعيد إنتاج تصورات ومفاهيم إشكالية؟ هل يشفع الجمال لإعادة إنتاج العنف؟ وهل هو قيمة مطلقة؟ من يمكنه تذوق الجمال؟ وهل يمكن الاحتفاء بالجمال و«الجودة» دون الاشتباك مع إشكاليات الخطاب؟ وهل يعني ذلك عدم الوعي بإشكاليات هذا الخطاب أم قبوله؟

أظن أنه آن الآوان، لا فقط لطرح أسئلة جادة على أي مخرج ذكر يصنع فيلمًا عن المرأة، أسئلة تتجاوز الاحتفاء وتفتح باب النقاش حول سؤال التمثيل ومركزية القضيب ونظرة الذكر، بل أن نطرح على أنفسنا، كصنّاع أفلام، أسئلة حول مواقعنا من موازين القوى ومدى تغلغل المفاهيم السائدة في نظرتنا للفئات المهمشة، حتى لا نجد أنفسنا في النهاية نعيد إنتاج هذا العنف.

اعلان
 
 
سلمى الطرزي