في «سانت كاترين».. الرهبان اليونانيون «مصريون» والحرس البدو من «شرق أوروبا»
 
 
صورة: كارولين كامل
 

«سلامي سلامي، لكم واحترامي، ومع أمنياتي لكم بالسلام»، في الزي البدوي التقليدي ظهر عشرات الأطفال من بدو قبيلة «الجبالية»، يغنون في حفل استقبال الوفود الرسمية المشاركة في افتتاح مكتبة دير سانت كاثرين، وهي الفعالية الأولى لهم والتي يغنون فيها علنًا خارج مدرستهم «وادي الراحة» الابتدائية، كما يقول سليمان رفاعي أبوزيد، مدير عام إدارة سانت كاترين التعليمية لـ«مدى مصر».

من بعيد، يبدو الدير جزءًا من الجبل، تحتضنه الصخور من كل الجهات. ورغم انعزاله عن التجمعات السكنية، إلا أن نتائج الاعتداء الإرهابي على الكمين الأمني بالقرب منه في إبريل الماضي، الذي أسفر عن مقتل شرطي وإصابة أربعة آخرين، بدت واضحة في تشديد الحراسة الأمنية عليه، خاصة مع استقبال الدير لحدث إعادة افتتاح المكتبة التابعة له، بعد ترميمها وترميم أيقونة التجلي المصنوعة من الفسيفساء.

بُني دير سانت كاثرين في نهاية القرن الخامس الميلادي في عهد الإمبراطور جنستيان، بعد سنوات من أمر الإمبراطورة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، تكريمًا لذكرى وجسد القديسة كاترين التي كانت تعيش في الإسكندرية، ويوجد باقي رفات من جسدها في الدير، وهو دير للرهبان الذكور ويتبع طائفة الروم الأرثوذكس، وتتولى قبيلة «الجبالية» حراسته.

 عند مدخل الدير يجلس أكبر حراس دير سانت كاثرين سنًا، عم جبلي (66 عام) بدوي من أبناء قبيلة الجبالية التي تتولى حراسة الدير منذ بنائه، لا يعرف الكتابة وإن كان تعلم القراءة، فكان يقضي ساعات في رحاب الجبل يقرأ: «أنا بحب نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، والقراية والثقافة هما اللي بيبنوا الإنسان»، يقول لـ«مدى مصر».

«أنا زي المدخن لما يكون هيتجنن على سيجارة، مشتاق لكتاب أقراه، والدكتور قال لي ممنوع القراية كام شهر بعد العملية»، يتحدث عم جبلي، وهو يجلس أمام باب الدير الذي يفضي إلى الكنيسة الأثرية ومساكن الرهبان، مرتديًا نظارة سوداء ألزمه بها الطبيب بعد جراحة لإزالة المياه البيضاء عن عينيه.

 قبيلة الجبالية

يجلس عم جبلي أمام الغرفة المخصصة للحراس من البدو الذين يتولون حراسة الدير على مدار اليوم في نوبتجيات مختلفة؛ غرفة صغيرة غائرة في السور الصخري الضخم، بها مدفأة كهربائية من أجل ليالي الشتاء. ويسمح عم جبلي لعشرات القطط، التي تعيش هناك ويطعمها الرهبان، بأن تتكور ليلًا أمام غرفته لالتماس الدفء المنبعث منها.

«الإسلام حكى لنا عن الست اللي دخلت النار بسبب حبسها لقطة، ما بالك بروح بني آدم؟! وقتل الناس في بيوت ربنا دي جريمة ما يتخيّلهاش العقل. الأديان بريئة من كل الجرايم دي»، يتحدث عم جبلي عن الحوادث الإرهابية التي يتعرض لها المصريون، خاصة في دور العبادة.

يسميها عم جبلي «بيوت ربنا»، لإيمانه بأن أي مكان يقصده الناس للتعبد، أيًا كانت ديانتهم، هو مكان يوجد به الله، ويصلح لأن يصلي فيه أي إنسان، لذلك فحراسته، كمسلم، للدير، لا تحول دون أدائه لفرائض الصلاة في مواقيتها على سجادته التي يفردها في أي مكان بحضن الدير. وطوال فترة عمله لـ11 عامًا في حراسة الدير، لم يحدث أن اعترض الرهبان على أدائه، هو أو غيره، لفريضة الصلاة هناك.

صورة: كارولين كامل

علاقة خاصة تجمع رهبان دير سانت كاثرين بأبناء قبيلة الجبالية، وهي ليست من القبائل العربية، وإنما تعود جذورها لمنطقة تراقيا غرب القسطنطينية، جنوب البلقان، حيث أحضر الإمبراطور جنستيان 100 جنديًا من هذه المنطقة بعائلاتهم، كما أمر بإحضار 100 آخرين من الإسكندرية بعائلاتهم، وأسكنهم منطقة سانت كاترين للعمل في حراسة الدير ورعاية شؤون رهبانه، كما يحكي الراهب جاستن المسؤول عن مكتبة دير سانت كاثرين لـ«مدى مصر».

عاشت عائلات هؤلاء الجنود في هذه المنطقة، وتطبّعوا بطباع حياة سكان الجبل، إلا إنهم لم يعتمدوا الترحال كوسيلة للحياة، بل استقر أغلب أبنائهم ليعملوا في الزراعة ويبرعوا في طب الأعشاب، كما بدأوا العمل مؤخرًا في السياحة والمشغولات اليدوية.

«التدخين ممنوع هنا، وأنت عارف إن الرهبان بيتضايقوا»، بحزم يقول عم جبلي ﻷحد العمال في الدير، قبل أن يخرج الأخير مسرعًا من السور للتدخين بعيدًا. هذه الملحوظة كرّرها البدو على مسامع رجال الأمن الذين تواجدوا بكثافة قبيل افتتاح مكتبة الدير؛ أن يدخّنوا في الأماكن المسموح بها بعيدًا عن مساكن الرهبان.

في الافتتاح، تواجد العشرات من رجال الأمن من إدارات أمنية مختلفة، كما تواجد العشرات من قبيلة الجبالية أيضًا كجزء من عملهم في تأمين الدير، مكثفّين وجودهم بالقرب من مداخل سكن الرهبان، ومتبادلين مع الرهبان بعض الأحاديث باليونانية التي أتقنها بعضهم نتيجة لعملهم في الدير وحياتهم بالقرب من الرهبان، مثلما أتقن آخرون لغات أخرى لعملهم في السياحة.

ورغم صرامة الرهبان في التعامل مع الزوار، ورفض غالبيتهم للحديث تمامًا وادعائهم أحيانًا عدم فهمهم للغة العربية، نظرًا لأن غالبيتهم يونانيون، إلا إنهم يتعاملون مع البدو بتلقائية مفرطة، كما يبدون أكثر مرحًا في تعاملهم مع أطفالهم.

«وجود رجال الأمن مهم طبعًا، لكن الرهبان هنا بيحسّوا بالأمان لما نكون إحنا موجودين. الناس دي بتحبنا وإحنا بنحبهم، الدير كان بيوفّر لنا الأكل في وقت ما كنش عندنا مصدر دخل، حتى الأكفان بتاعة الميتين عندنا، كان الرهبان هما من يبعتوها لنا»، يتحدث عم جبلي عن «العلاقة الأسرية»، بحد وصفه، والتي تجمع بين أبناء قبيلته وبين رهبان الدير.

العمل داخل الدير مقسم لنوعين، الأول خاص بالحراسة والتعامل مع الأفواج السياحية، وهو العمل الذي يتولاه البدو، أما أعمال النظافة والمطبخ وكافة الخدمات المقدّمة داخل الدير والمضْيَفة التابعة له، فيقوم به عمال أتى أغلبهم من محافظات صعيد مصر، يعملون لخمسة وأربعين يومًا متواصلًا، ويحصلون بعدها على إجازة لأسبوعين.

 المخطوطة السينيائية

بعيدًا عن الصخب وعقب رحيل كافة الزوار، جلس عم جبلي ممسكًا بسبحته يحرك حباتها في هدوء أمام باب الدير الذي يحمل مفتاحه بفخر، مثلما حمله كل من تولى حراسة الدير؛ مفتاح معدني ضخم يُعدُّ حمله شرفًا كبيرًا ﻷبناء قبيلة الجبالية التي يثق فيها الرهبان، وبدوره يُشعِر المفتاحُ البدوَ بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم.

«على قد سنيني الطويلة هنا، لكن أنا ما دخلتش المكتبة دي ولا مرة، وما كنتش أعرف إن عندنا كتب كتير ومهمة كدا. لازم أزورها في يوم»، ببهجة يتحدث عم جبلي عن إعادة افتتاح مكتبة الدير التي أوضح الراهب جاستن، المسؤول عنها، لـ«مدى مصر»، أنها غير متاحة سوى للباحثين والدارسين، وبموجب طلب تصريح مسبق للإطلاع على الكتب فيها.

صورة: كارولين كامل

الراهب جاستن هو مسؤول مكتبة الدير؛ أمريكي الجنسية زار الدير ﻷول مرة في رحلة عام 1972 لمدة يومين فقط، ثم قرر أن يعيش حياة الرهبنة منذ عام 1996، فانضم لرهبان دير سانت كاثرين. يحكي بابتسامة عن عمله في المكتبة: «لا أسمى نفسي مديرًا للمكتبة بل مسؤولًا عنها، أجلس بالساعات فيها لحراستها، فنحن لا نترك الباحث بمفرده مع الكتب، بسبب حادث استعارة الباحث الألماني قسطنطين تشيندروف للمخطوطة السينيائية عام 1844 وعدم عودتها للدير مرة أخرى».

يضحك الراهب ويتابع حديثه: «أعشق الكتب، وفي كل مرة أسافر أعود بكتب جديدة، وأخشى ألا أجد متسعًا من المكان لي في حجرتي بسبب الكتب المتراصة بها».

«المخطوطة السينيائية..Codex Sinaiticus»، هي أقدم نسخة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد عرفها التاريخ، وسُمّيت بالـ«سينيائية» نسبة إلى سيناء، مكتوبة بخط اليد على رُقع جلدية رفيعة السُمك باللغة اليونانية عام 350 ميلادية.

تعود قصة الباحث الألماني قسطنطين إلى عام 1844، حيث زار لأول مرة مكتبة دير سانت كاثرين وبعد اطّلاعه على هذه المخطوطة طلب من الرهبان اصطحابها معه إلى روسيا لدراستها ونسخها، على وعد بإعادتها للدير مرة أخرى، وتوالت زياراته للدير، وفي كل مرة يصطحب فيها صفحات جديدة معه.

الجزء الأكبر من المخطوطة والذي نُقل على مراحل لروسيا، موجود الآن في المتحف البريطاني، بعد ما قرر جوزف ستالين بيعه لزيادة العملة الأجنبية. عرض ستالين على رئيس الوزراء البريطاني حينها رامزي ماكدونالدز شرائها، الذي خاطب بدوره مدير المتحف لتوفير المبلغ المطلوب، وعندما تعذّر على المتحف البريطاني توفير المبلغ كاملًا، أطلق نداء عامًا لجمع الأموال لشراء أقدم نسخة من الكتاب المقدس لوضعها في المكتبة الوطنية، وتم الشراء لتُعرض المخطوطة عام 1933.

واقعة «المخطوطة السينيائية»، التي يحكيها الراهب جاستن بحزن واضح، جعلت المكتبة تتشدّد في إجراءاتها بخصوص الاطلاع على مخطوطاتها، كما كانت الواقعة في الوقت ذاته هي ما شجّعتهم على الموافقة على تبني مشروع The Sinai Palimpsests Project، والذي يقضي بتحويل المكتبة بأكلمها لمكتبة رقمية، بعد نسخ وتصوير كافة محتوياتها بجودة عالية، بالتعاون مع مؤسسة Early Manuscripts Electronic Library، والممولة بالكامل من مؤسسة Arcadia المعنية بتمويل المشاريع الخاصة بإتاحة المعرفة للجميع دون مقابل.

صورة: كارولين كامل

«نريد أن نشارك العالم كنوزنا بالتأكيد، ونفكر في المشاركة في بعض المعارض العالمية مثلما تفعل بعض المتاحف، إلا إننا لم نقرر بعد، ويهمنا أن يعرف العالم أن الشرق مهد المسيحية ومكانها، خاصة بعد هجرة أعداد كبيرة من المسيحيين من المنطقة بسبب الأحداث، كما يهمنا أيضًا التأكيد على هويتنا المصرية، فنحن كرهبان، رغم جنسياتنا الأجنبية، إلا إننا لا تقل مصريتنا عن أي مصري آخر»، يقول الراهب جاستن.

وكان في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، صدرت تصريحات من أحد القيادات الأمنية ضد لرهبان الدير، وهو ما رد عليه حينها أحد رهبان الدير.

في دير سانت كاترين يمكن تمييز أخفت الأصوات مثل شدو الطيور المختلفة التي تسكن الأشجار بأصوات لا يمكن سماعها في المدينة. تأقلم سكان الدير والعاملون فيه مع الحديث بأصوات منخفضة، حتى أن الصلاة داخل الكنيسة تجري بدون مكبرات صوت إطلاقًا. نتيجة لحياتهم هناك منذ سنوات، تدربت حواس الرهبان على هذا الهدوء، صوتهم أصبح أكثر انخفاضًا وسمعهم أكثر رهافة.

تعتمد كنيسة الدير بالكامل في إضاءتها على الشموع، وهو التقليد الذي احتفظ به الدير طول الوقت. فرغم وجود الكهرباء، إلا أنها لا تُستخدم إلا لتشغيل المدافئ الكهربائية في القداسات خلال فترة الشتاء، بينما تضاء الشموع والقناديل تدريجيًا وفق طقس يمارسه الرهبان خلال الصلوات، أما عشرات القناديل الفضية المدلّاة من السقف فلا تضاء بصورة كاملة إلا في مناسبات محددة كرأس السنة وعيد استشهاد القديسة كاثرين وعيد الميلاد.

 مسجد الدير

الدير مقسم لجزأين؛ الأول يضم فندق الدير، وهو عبارة عن غرف بسيطة التأثيث، حيث يمكن للزائر تأجير غرفة لقضاء عدة أيام، ومكتبة بيع تذكارات من الدير وأخيرًا المطعم. وعلى بعد حوالي 200 متر يصعد فيها الطريق يوجد الجزء الثاني؛ كنيسة الدير وسكن الرهبان والمتحف والمكتبة الأثرية ومسجد الدير، يحيط بها كلها سور حجري ضخم، جرى تغيير مدخله عقب تكرار الهجمات على الدير في مرحلة تاريخية سابقة، فجرى سد الباب بصخرة ضخمة يظهر اختلافها مع باقي تصميم السور، وفُتح باب آخر يحتاج لممر ضيق للدخول منه ليحول دون استخدام جذوع الأشجار التي اعتاد الغزاة استخدامها لاقتحام بوابة الدير، هكذا يروي عم جبلي ما توارثه عبر أجداده من تاريخ طويل للدير وسكانه.

وللكنيسة الأثرية داخل الدير مدخلان، الأول خاص بالرهبان وهو متصل بمكان سكناهم، والثاني خاص بالزوار، ويفضى للكنيسة الأثرية مباشرة ولا يمكن من خلاله الوصول لسكن الرهبان، ويشرف أحد البدو على هذه المداخل طوال الوقت، خاصة في وجود زوار للمكان.

مباني الدير كلها متصلة سويًا بمدرجات ودهاليز، ويمكن دخول المكان الواحد من أكثر من مدخل، كذلك هناك منارة الكنيسة تعلو فوق جميع المباني وتشاركها في الارتفاع ذاته مئذنة مسجد ملاصقة لها تمامًا، وإن اختلفت عنها في الشكل الخارجي للبناء.

لدى عم جبلي ذكريات خاصة بهذا الجامع، حيث صلى فيه أكثر من مرة، وكانت آخر مرة عام 1975: «في الوقت دا حصلت مضايقات للرهبان من الناس اللي بيجوا يصلوا فقرروا يقفلوه، وبيسمحوا بالصلاة فيه لو فيه وزير أو مسؤول كبير موجود».

لا يعرف الراهب جاستن لهذا المسجد اسمًا محددًا، ولكنه يوصف بين أوساط الرهبان بـ«مسجد الدير»، وعن سبب بناء هذا المسجد يقول: «في أوائل القرن الحادي عشر، وقت الحاكم بأمر الله، جرى تحويل مبنى قائم إلى مسجد كوسيلة لحماية الدير، وهو باق منذ ذلك الحين كرمز للتعايش السلمي».

قصة المسجد رواها عم جبلي،وهو يضحك،بشكل أكثر تشويقًا:«كان في وقت حاكم مسلم بيهد الكنايس. رهبان الدير عرفوا أنه هيبعت حملة تهد الدير، فراهب ذكي قال لهم إحنا نبني جامع، ونربط البنا كويس بالكنيسة، عشان لو فكّروا يهدوا الكنيسة يعرفوا أن الجامع هيقع، وفعلًا لما وصل الجنود المسلمين وعرفوا كدا سابوا الدير في حاله.»

اعلان
 
 
كارولين كامل