Define your generation here. Generation What
ثورة درامية في مصر (1-5): السينما والصراع وعالم الصور
 
 

تحليل مطول لتطورات كبرى في الدراما التليفزيونية المصرية يرصدها م.ف. كَلْفَت، وتطورات متصلة في السينما المصرية المعاصرة، يربطها بالأدب والمسرح والموسيقى والإنترنت والثورة وفنونها.

في الجزء الأول يقترب الكاتب من البناء الفني الخالص واللغة السينمائية الرائدة في «هذا المساء» وكيف تصوِّر الصراع والجنس والطبقة، بينما تجري حوارًا ذاتيًا مع جدلية الصور والخطاب، ممهدًا لتناول «سابع جار» ورصد التشابهات العميقة في المشروعين وراء اختلافهما الكبير ظاهريًا.

تحذير: هذا المقال يحتوي على «مفسدات فرجة»[1]، أو، بالبلدي، يحرق قصص الأعمال المتناولة. لكن ذلك وكما سيتضح غير مهم وغير صحيح بل ومطلوب.

 ما «هذا المساء»؟

عندما انتهيت من مشاهدة «هذا المساء» (تامر محسن، 2017) اجتاحتني مشاعر عديدة فياضة، ليست غريبة على من عرف لحظة الخروج من تلقي عمل فني قوي، والتي تكتسب طزاجة جديدة وتصبح غامرة في كل مرة بشكل مختلف، إذ إن القوة مختلفة والمفاجأة هي كذلك. أحد هذه المشاعر نادر في حالتي لأسباب متنوعة، ومربك بالنسبة لي، وهو إحساس الفخر، الفخر بأن الجماعة المصرية التي تنتمي إليها وتورطتَ معها عمرًا تمكن نَفَر منها أخيرًا من إنجاز قطعة فنية مصرية وعالمية متفردة، لا يبررها أي تطور سبقها في الدراما التليفزيونية المصرية، وإن عكست شيئًا أكبر منها ولم تكن مجرد استثناء فربما لن يمكن وصف هذا الشيء إلا كطفرة. ولعل هذا هو الحال، إذ أبى عام 2017 أن يمضي دون ظهور عمل آخر بالغ الاستثنائية هو «سابع جار» (هبة يسري، آيتن أمين، نادين خان، 2017)، ليرجح الاعتقاد بأن هناك ربما نقلة كبرى في الدراما المصرية وليس مجرد معجزة عابرة.

إذا طُلب مني ترشيح منتَج أو مصنَّف ما لأجنبي أو مواطن كوسيلة مساعدة على فهم مصر الآن، مصر الثورة المجهضة والثورة الحية الجاري الشروع في وأدها، فمن الصعب للغاية أن يقع اختياري على شيء غير «هذا المساء» و«سابع جار». وسأشرح في رحلة مطولة معهما وحولهما لماذا.

في الحلقات الثلاثين من «هذا المساء» ينجح مبدعو المسلسل في تقطير ما يمكن تسميته بالمسألة المصرية في القرن الـ21، في قالب فني مقيد من ناحية بشروط السوق والإنتاج ومن أخرى بتراث وتقاليد مشاهدة وصناعة الدراما التليفزيونية المصرية، لكنه يحظى بأفضل ما في الأولى ويدفع حدودها إلى أبعد مدى بينما يُحْدِث انقلابًا ناعمًا كبيرًا من داخل الثانية، وفي المحصلة فإنه يصبح أحد أفضل المسلسلات المصرية على الإطلاق، إن لم يكن الأفضل، وتكمن عبقريته تحديدًا في الوصول إلى هذا المستوى المتطور – في إطار ما صار يعرف بالعصر الذهبي الثاني للتليفزيون في الغرب والعالم كله – دون أي تنازل عن الصبغة المصرية من الألف إلى الياء بل باعتناقها اعتناقًا فنيًا ثوريًا.

هناك ربما نقلة كبرى في الدراما المصرية وليس مجرد معجزة عابرة. استفادة هائلة في الشغل الإبداعي على المسلسل من تطورات الصورة المتحركة يمكن تلخيصها في قدرة مبدعيه العالية على دفن ما هو كبير وعميق بعناية وحساسية في ثنايا منتج تجاري. المسلسل نموذج لمفهوم ستانلي كوبريك عن السينما: «إن الفيلم – أو ينبغي له أن يكون – أقرب إلى الموسيقى منه إلى القَصَص الخيالي. ينبغي أن يكون متوالية من الأمزجة والمشاعر. أما الفكرة، وما يكمن وراء العاطفة، والمعنى، كل هذا يأتي لاحقًا.»

وسرعان ما أتى «سابع جار» ليرسخ ما فعله «هذا المساء» وينازعه على مكانته الرفيعة، وإن كان هذا غير واضح وغير مقبول عند كبار المعجبين بالثاني، ولعلهم يعطون أنفسهم فرصة لإعادة نظر هادئة وكريمة وجادة، تفسح المجال لجنون الفن وعبقريته واستشعار زلازله، وأزعم أنها ستسمح أيضًا بتقدير أكبر وأعمق لمسلسلهم الرمضاني المفضل.

على خلاف أسلافه، ينتهج «هذا المساء» نهجًا لا يصب تركيزه في رسم شخصيات نمطية أو غريبة وحبك عقدة تدور حولها الأحداث سواء لتكوّن سردية كبرى أخرى قوامها الحكمة المصرية العتيدة ومأساوية العالم والحياة، أو لتعالج ببساطة وخفة ترفيهية ما تراه مشاكل اجتماعية معاصرة ناتجة عن تغير الزمن والقيم وصراع الأجيال. فبتكثيف شديد، ونزعة تقليلية شديدة الندرة في بلد المسلسل، يمضي هذا بشخصيات تاريخية (أي ممثِّلة لزمنها) من ذكور وإناث يغلب عليهم الشباب بين شرائح طبقتين أساسيتين يدور عبرهما وفيهما الصراع؛ صراع محوره المركَّب هو الجنوسة والثروة والسلطة، لكنه في باطنه صراع حول القصة نفسها، أو قصة كل فرد ووضعها في القصة الكبيرة ودوره في صياغة وخلق القصص الأخرى، أو، بكلمات أخرى، ممارسته جهدًا يوميًا للتعاطي مع المتغيرات والتعقيدات بالتأثير فيها والاستمرار في ترتيب علاقة المرء معها، باستخدام موقعه من السلطة والفاعلية على أسس النوع والموقع الاجتماعي وسبيل الوصول إلى المعرفة، وصياغتها.

إن جوهر قوة «هذا المساء» باختصار أنه مسلسل مصري شديد التطور فنيًا لأنه تحديدًا يضعنا أمام بناء فني سينمائي صرف، بلا قصة بالمعنى المضبوط أو مضمون محدد، ناطقًا بكل ما فيه من خلال البناء ذاته وبما يصمت عنه وما لا يصمت عنه سواء بسواء، وكل هذه الحركة الدائبة في المسلسل، كل ذوبان ما هو صلب في الهواء، بؤرته الطردية-الجذبية هي فراغ ساحق وصمت مدوٍّ يكادان يكونان هما موضوع «هذا المساء».

السينما في التليفزيون

هناك استفادة هائلة في الشغل الإبداعي على المسلسل من تطورات الصورة المتحركة التجارية بشقيها السينمائي والتليفزيوني (ويمكننا أن نضمن فيهما أو نضيف إليهما الفيديوي)، ويمكن تلخيصها في قدرة مبدعيه العالية على صنع عمل فني جماهيري تكمن وراء أحداثه أو وقائعه العادية أو البسيطة أو المألوفة على السطح، في معانيها وعلاقاتها الداخلية وظهورها على الشاشة كصور، مستويات متعددة؛ عمليات فكرية وتعبيرية وهدمية وثيقة الصلة بزمان ومكان عرض المسلسل وأحداثه. وبتلخيص أشد: في تضفير عناصر من الثقافة الشعبية القاهرية داخل نسيج حكائي بصري بلغة جماهيرية كوكبية، يتخلص إلى حد بعيد من الخطية والمباشرة المتحكمتين في توليف الشريط المرئي في مصر والتصاقهما بالمونتاج (التوليف التفسيري)، بالرغم من احتفاظه أو التزامه التام بتعاقدات المشاهدة الأساسية المسبَّقة من تقنيات التشويق والكليشيهات السيميوطقية (العلاماتية).[2] وبمزيد ومزيد من التلخيص: دفن ما هو كبير وعميق بعناية وحساسية في ثنايا منتج تجاري.

سبقت «هذا المساء» وضمته موجة من مسلسلات مصرية مثلت نقلة بارزة عما قبلها على مستويات الإنتاج والحِرَفية والجدية، انعكست عليها جدة واضطرابات الموقف التاريخي الضخم في البلد ومحيطه الإقليمي، وكان يمكن في كل مرة إبراز جوانب التميز في هذا العمل أو ذاك، من الجرأة السياسية (المحسوبة جدًا بل والاسمية) والتطرق إلى مناطق مستبعدة سابقًا، اجتماعية ونفسية وتاريخية، إلى الإبهار المشهدي، إلى مقاربة أنواع فنية غير معتادة محليًا، الفانتازيا أو الغموض مثلًا، بخلاف الكوميديا التي تعيش عصر ازدهار كبير بفضل السياسة والإنترنت، مرورًا بتجارب مختلفة نوعًا ما في السرد أو المادة قام بعض أبرزها على اقتباس من أصول أدبية («موجة حارة»، «ذات»، «سجن النسا»، «أفراح القبة»، «واحة الغروب»، …)، كما اتسمت هذه الموجة في كثير من نماذجها باعتماد ورش الكتابة والتوسع فيها.

يمكنك إن أردت أن تجد آثارًا لتعاونات محسن السابقة وتشابهات معها: فمشاهد القبر واللقاء بأهل الميت في ميلودراما «تحت السيطرة» (2015) تستعاد، ناهيك عن الانشغال بالموتى (الشهداء؟) عمومًا وإحساس الأحياء بالذنب والمسؤولية عن موتهم، وهم الموتى جراء التحكم في كل مرة، تحكم الآخرين وتحكم الأشياء، أو تحديدًا إدمانهم ورغباتهم وإدمان ورغبات غيرهم، ومعركة سيطرة المادة المتعاطاة والسيطرة عليها، والتي تتخذ شكل المخدرات بالحَّقن في الأول والرغبة الجنسية من خلال المواد المرئية والمسموعة في الثاني. بل إن المخدرات البيضاء نفسها حاضرة من جديد.

ولكن في «هذا المساء» لا يمكن تمييز أمثولة مركزية ولا التزام حِرَفي بنوع فني وأبجدياته ولا أي شكلانية مفرطة أو زائدة، ولا أبطال نموذجيين يتماهى معهم أو ضدهم صوت المؤلف ورؤيته. والكثير من اللمسات المرهفة في «هذا المساء» والخاصة بالتاريخ الاجتماعي للبلد كانت ستستدعي سواء عند جيل أسامة أنور عكاشة أو من تلوه خطبًا مطولة وهوامش وشروحًا مثقفة واسترجاعات وشخصيات أكثر وأكثر لتجسيد هذا التاريخ وجعله يتكلم ويخطب ويستخلص، بينما تطل في «هذا المساء» أحيانًا في خلفية الصورة أو في تفصيلة عامة.

لنأخذ مثلًا مَشاهد النيل النهارية حيث تظهر مداخن المصانع القديمة البعيدة الباقية وحقيقة أن كل من في المسلسل بطبقاتهم وخلفياتهم الاجتماعية يعملون في اقتصاد خدمي بحت، أي في اقتصاد غير حقيقي، متطاير، من مجموعة مالية في القمة (عصب النيوليبرالية واقتصاد الحيل النقودية) إلى السِّواقة وإدارة مطعم ومحل هواتف محمولة ووظائف «هرائية»، بتعبير ديفيد جريبر، مثل عرض دعائي لمنتجات في سوبرماركت، وصولًا إلى أقصى تلامس مع عالم صناعي منهار ما يتمثل في ضاحي، أكثر ذكور المسلسل نموذجية من الطبقات الشعبية، العنيف الغاضب المقموع والمصدود و«غير المنتِج»، بينما المراكبي الصعيدي قادم (ليس هروبًا من ثأر كالعادة) لالتقاط فتات السياحة من ريف تدهورت علاقته بالأرض ولم يعد يربطه هو به سوى النيل نفسه والأغاني الصوفية المسجلة، ذِكْرًا وذكرى، بينما يتمثل الإنبات في مشتل للعطور الفاخرة المصدَّرة، كظل أنيق ورمزي للزراعة، تشرف عليه امرأة من طبقة عليا، كانتقام ساخر وملتوٍ للتاريخ الذكوري من نفسه[3].

هذه المستويات المتراكبة تُحضِر الوعي الدائم بالحيوات المتوازية والصيرورة التاريخية وتعقيد المشهد، الإنساني والسياسي والحياتي، في عمل مُؤَسْلَب بصريًا وبنائيًا وإن بشكل محكوم بسبب التزامه الأساسي بالواقعية، واقعية تبتعد عما اصطُلح عليه بالأدب التليفزيوني، المثل الأعلى (سابقًا؟) للمسلسل المصري، وتتجه بقوة إلى الطابع واللغة السينمائيين (المثال الجديد؟)

مثال آخر: تتمفصل إحدى الحلقات حول تمشيتين حالمتين لأكرم خارج المدينة: التمشية 1 بين القبور والأضرحة مع عبلة، والتمشية 2 مع نايلة في المشتل، وتتشكل معهما ثنائيات العطر والعطر، الحيوان والنبات، وثنائيات أخرى كبرى وصغرى متداخلة تقسم عالم أكرم إلى عدة أنصاف، مقسومة بدورها، بسلاسة فعل المشي نفسه. تتناظر هاتان التمشيتان برفقة امرأة مع تمشية سابقة لأكرم بمفرده، مجبرًا، في لندن عاصمة بلد الثورة الصناعية، ليلة رأس سنة. وسواء للسبب الأخير أو بسبب خوف أكرم من الانفراد بنفسه حتى وسط المارة (كما في الفنادق، بيوت عالم المال والأعمال الحقيقية) فإنه يهرب إلى مشرب حيث يتحدث إلى غرباء (بالعربية، حريصًا على أسراره حتى هنا وهو القادم من عالم الأسرار الثمينة). في القاهرة كذلك لا يتمشى أكرم وإنما يتفرج برفقة سائقه (داخل مركب ثم مترو)، من باب التسلية العابرة كما سيلاحظ الأخير، هذا السائق الذي سيجبره أكرم في النهاية على المشي عائدًا إلى بيته.

اكتسب المشي في المدن الحديثة فلسفته وشاعريته على أيدي كتاب في طليعتهم بودلير المتسكع[4] وفي أعقابه ناقده بنيامين، هذان الذائبان في الجموع، المتحممان في الحشود–وعندنا أيضًا على هذا الجانب من المتوسط وفي طليعتهم كفافيس، في الطريق من وإلى العمل، ومن وإلى البيت. لكن الحلقة، وعلى خلفيتها علاقة أكرم المرتبكة والسياحية مع المشي، والدلالات التي تكشفها والمصائر التي تقوده إليها، تستدعي علاقة سينمائية وثيقة وغنية بالمشي[5]. فَلِنَمَط الانتقال الأبطأ هذا، أو الرحلة اليومية، وظائف من أبرزها طاقة تحررية للسائر وتكثيف بصري خبراتي حسي لمتابعه بعين الكاميرا، كرحلة داخلية وتأملية في آن (تتخذ أبعادًا حَرْفية لمعنى الاكتشاف كما تفعل تيمة التجوال في «دوار» هيتشكوك Vertigo, 1958). يسير أكرم ولا يسير، متوسلًا برفقة مختلة ليس قوامها التشارك والبوح وإنما الفرجة والاستغلال الناعم ودراسة الخيارات في عالم منقسم بعنف.

علاوة على المثالين، فعلى مدار المسلسل، تتوالى مقاطع من تتابعات بالحركة البطيئة على خلفية موسيقية، غنائية في الأغلب كما يطغى عليها الأسود لارتباطها الأساسي بقدوم الليل حول أضواء ومساحات دافئة وقوية الألوان، لمشاهد من المدينة تتخذ طابعًا وثائقيًا، وأحيانًا من عالم المسلسل نفسه. هذه المقاطع، التي تذكّر بفيلم «في مزاج الحب» In the Mood for Love (وونج كار-واي، 2000)، تؤدي، بتكراريتها وتراكمها، وظائف متنوعة وحاذقة. فكما في الفيلم البارز في تاريخ السينما المعاصرة الآسيوية والعالمية، بصفائه اللغوي البصري، تتأمل مرور الزمن، وتفسح المجال وسط الأحداث والسرد للأمزجة والأجواء، للراحة أو الطرب أو الأنس، أو الترقب أو الانتظار، وتحشد العواطف، إذ أنها نقلات ليس بين عالمي النهار والليل فقط وإنما بين ما كان وما سيكون. لأسباب من بينها تلك المقاطع، فإن فيلم وونج، كما يعتبره أحد المراجعين، عن حق، نموذج لمفهوم ستانلي كوبريك عن السينما: «إن الفيلم – أو ينبغي له أن يكون – أقرب إلى الموسيقى منه إلى القَصَص الخيالي. ينبغي أن يكون متوالية من الأمزجة والمشاعر. أما الفكرة، وما يكمن وراء العاطفة، والمعنى، كل هذا يأتي لاحقًا.» ولأسباب أخرى من بينها هذه المقاطع هنا، يقترب «هذا المساء» كثيرًا من السينما، أي من الموسيقى.

وإلى جانب ما يفعله أيضًا تنويع وتداخل العناصر والفنون والوسائط من قَطْع، وكسر للألفة، على الأخص مع هذه الأسْلَبة، يكاد العالم الغنائي لـ«هذا المساء» يكتسب حياة جديدة خاصة به، كتنسيق فني بحد ذاته، يخدم الأغراض السابقة، ويؤكد الطابع الحُلمي، بباقة متواشجة من كلمات الحب الرومانسي والإلهي والجنسي تجسد عوالم الليل، الروحانية والمحرمة في آن، بقاموس متنوع من الفصحى الكلاسيكية إلى العامية الشبابية المعاصرة، وتستحضر أشباحه الهائمة من حلقات الذكر إلى الكباريهات، وكلاهما محاط بالإدانة والتقديس: دروشات الصوفيين، النجوم والديفات وفضائحهم وهالاتهم الأيقونية، عبر طائفة منتقاة أو أرشيف مصغر من الغناء الشعبي المديني بأنواعه الفرعية، مركب دائمًا على شريط الصوت حتى عندما يكون بالإمكان خروجه نابعًا من المشهد أثناء التصوير. وبفضل ذلك تحديدًا هناك لقطات ممتازة ولا تُنسى: في لحظة واحدة تكبر تقى، تنضج، تعتد بنفسها، تتحرر، تنتقل، وهي تنظر إلى سمير في التاكسي بجرأة وأمل على صوت وردة كأكثر ما يكون شموخًا وجدية وهي تواجه العالم ببيان «حبك مفرحني فرح الطير بطيرانه»، وردة بطلة شريط البورنو الشهير في الأساطير الشعبية من تراث النكسة والذي لم يره أحد قط، وردة وهي تؤكد أنها هي، وليست أم كلثوم، عذراء فاضلة أخرى.

لقطة ثانية: أكرم تنفضح كذبته الرجولية البهواتية البريئة وتبدأ أولى تساقطات عالمه الذي سينهار. تتراجع الكاميرا بسرعة وتتوقف على منظره المذهول، وتنطلق التيمة الموسيقية لأغنية شريفة فاضل «الليل موال العشاق»، بعد المطلع مباشرة (موالها المنفعل شديد الإيجاز، «الليل» بدون عين). إنها إحدى حلقات نهاية العالم الختامية تلك في المسلسل، والقاسية بشدة على أبطاله وعلى المشاهدين، حيث تنفرط الأواصر وتنزاح الواجهات ويحل الظلام: انهيار الصداقة والعِشرة والأمان والثقة والنوايا الحسنة والسلام الواهي. كل ذلك يتكثف في سَحْبة الكاميرا وانهمار العزف، ولكن ليس دون رحمة. تُوظَّف بعبقرية تيمة الأغنية – في المقتطف المنتقى بحساسية لا تصدَّق – بإيحاءاتها الساخرة المفعمة بالنشاط؛ فأكرم يسقط من عليائه – زاحفًا إلى أعلى، ناظرًا إلى أسفل – وتنفلت منه الخيوط، وهو يُزَفّ أمامنا زفة التجريس في الحارة، ويفتح على نفسه فاصلًا من التنكيت والردح المحتمل، بينما هو يلطم خلف وقاره الواثق الحبُّوب، المهزوز أخيرًا، أو نلطم نحن بالنيابة عنه في ضحك كالبكاء، ثم ننتقل في ثوان من أجواء السيرك والمفاجآت والتحولات البهلوانية إلى آهات لأخذ الأنفاس وأشجان الليل. (وربما نستكمل في أذهاننا بقية الأغنية التي توحي أيضًا بالارتجال والتدبُّر والجهد وشراء الوقت، على طريقة «بس انت تغني واحنا معاك».)

إن الفنية المتزايدة للمسلسلات في العالم ليست هي وحدها ما يقربها من السينما، إذ يقطع المزيد والمزيد من الأفلام الطويلة والطويلة جدًا (جدًا، جدًا) مع تاريخ طويل لمعيار مدة الساعتين، لأسباب على رأسها انهيار نظام العمل الفوردي، كما بفضل تراكم محاولات سينمائيين متمردين في الإبطاء وفي أخذ وقتهم دون مراعاة لشروط السوق، ولكن باستغلال الترحيب القادم من المهرجانات وصالات السينما الفنية وساحات عرض جديدة مثل المعارض والمتاحف، وهي موجة طويلة تشهد اليوم، للمفارقة، ذروة، في عالم متسارع أكثر فأكثر،[6] يبدو أنه يدفع البعض للسبب نفسه في اعتناق إيقاع أهدأ، إلى درجات قد تبدو متطرفة وعلى نحو آخذ ربما في تشكيل نوع من حركة أو اتجاه، في العمل والحياة والاتصال والفن.

فراغ ساحق وصمت مدوٍّ يكادان يكونان هما موضوع «هذا المساء». نحن في قاهرة 2015-2016، دون أن نسمع كلمة واحدة أو نشاهد لقطة واحدة عن مجريات السياسة لكننا في قلب الصراع مع ذلك. هذا النوع من الجرأة السياسية الصميمة ذات الطابع الفني العالي غير مسبوق لدينا، إنه درس في الفن الثوري لا في كيف نهزم الرقابة وحسب.

 ومع تمييع المسافة بين الفيلم والمسلسل، وهي مسافة تظهر فيها أشكال وألوان وأطوال مثل الأفلام المسلسلة (وليس سلاسل الأفلام)، الوثائقية أو الروائية، وفي العصر الذهبي الثاني للتليفزيون، أمكن لعمل فذ مثل «الاشترار»[7] Breaking Bad أن يظهر. وبالرغم من الاحتفاء النقدي البالغ وجماهيريته الكاسحة، يعاود أنيس شيفاني زيارته بعد 4 سنوات على انتهائه، بدعوى أن «أكثر الاهتمام النقدي الموجه» إليه لا يوفيه حقه أبدًا، إذ يظل مركّزًا على «البعدين الضحلين المتمثلين في رسم الشخصيات والعقدة»، محددًا عظمته في كونه «الإنجاز الأطول نفَسًا في تاريخ الوسيط السينمائي» إذ إن «المسلسل يحافظ وبلا كلل على أعلى معايير سينماتوغرافية – على مستوى فيلم لبونيويل أو جودار أو أنطونيوني – ليس لساعتين وحسب وإنما لأكثر من 60 ساعة.» ثم يشرح هذه السينمائية باستفاضة.

وسواء في «هذا المساء» أو «سابع جار»، وبرغم الشروط الثلاثينية الرمضانية للأول وتحدي اعتناق وتناول العادية واللادرامية بل والملل والابتذال اليومي في الثاني، فمن الصعب وعلى غير المعتاد رصد شيء زائد، أو اضطراب في النبرة أو الجو، وهو ما قد يطل أحيانًا في الثاني بالذات إما بسبب إفلات الكوميديا (المتحفظة) أو الواقعية (المفرطة) أو بسبب المراوحة بينهما. يمكن بالطبع دائمًا تصور شيء ناقص (وسنناقش مسألة النقص الفني أدناه)، لكن الاقتصاد الفني مدهش في تاريخ المسلسل المصري، وهو جزئيًا تاريخ من «المط والحشو» وفق العبارة المتداولة بين النقاد والمشاهدين، وهي على صدقها تقال بشكل جاهز وغير مفنَّد يكشفه «سابع جار»، كما سأبين لاحقًا.

وإذن، يأخذنا «هذا المساء»، ومن بعده «سابع جار»، إلى السينما بقدراتها الفنية المتطورة ولغتها الهدمية التحريضية، ويزرعانها داخل منظومة الترفيه والتعليم والتلهية التليفزيونية. وتُعرَّى الدراما من زوائدها ليستعاد جوهرها كما لخصه جورج برنارد شو: «بلا صراع، لا دراما.» وهو ليس مجرد صراع هنا وإنما هو الصراع بألف لام التعريف. وهكذا تعبر الأحداث عن حركة أعمق وأكبر، وبالتالي أكثر واقعية.

مستويات الصراع: الطبقة والجنوسة

نحن في قاهرة 2015-2016، بين حي شعبي للطبقة المستورة المعروفة عمومًا أيضًا بالمتوسطة، وعالم المال والأعمال في القاهرة ومجمعات قصوره الجديدة المسورة وامتداداته الراقية المعولمة عبر البحار، دون أن نسمع كلمة واحدة أو نشاهد لقطة واحدة عن مجريات السياسة أو الحالة الاقتصادية للبلاد أو أي شكوى أو تذمر أو مجرد تعليق على مشيئة السلطات أو صراعات الحكم أو «الحرب» الدائرة «على الإرهاب».

لكننا في قلب الصراع مع ذلك. فما يدور بين ناس «هذا المساء» هو من بدايته إلى نهايته حرب، أهلية، يومية، مفتوحة، ميادينها هي المنزل ومحل العمل وفضاء الاتصالات الذكية. تدور الدراما العائلية المعتادة، أو الحياة الأسرية بوصفها دراما، لتتخذ شكل حرب مستعرّة بين الجنسين، حيث الحب والحرب صنوان، بكل المرادفات المحتملة للكلمة الأولى والتجليات غير العسكرية للثانية، وبتنويعات العطاء والحرمان. تؤجج هذه الحرب القديمة معطياتٌ جديدة، مع خروج أكبر وأفدح للمرأة إلى السوق والمجال العام الذي تغير معناه جذريًا بعد صعود الشبكة الاجتماعية. وتتقاطع معها تناقضات جيلية ومشاكل أبوية جاثمة برغم الطغيان الشبابي عددًا وعُدّة، وتغذيها تنويعة من الرغبات والأحقاد والمصالح الفردية والعُصْبوية، وتسير بموازاتها في كل لحظة حرب طبقية باردة معظم الوقت هدفها استيعاب الآخر وامتلاكه بكل الأشكال الممكنة ومقاومته، مع صيانة أواصر السلام المتفق عليها مسبقًا في صمت، ومراعاة الاحتياجات الإنسانية الضرورية والملطِّفة لقسوة الصراع اليومي.

هذا النوع من الجرأة السياسية الصميمة ذات الطابع الفني العالي غير مسبوق لدينا، يجرد الصراع فقط من كل الأدبيات والرطانة والتحليلات الخارجية ليواجهنا بتفاعلاته اليومية على المستوى الشخصي، ويعري أساسه الذي لا خلاص لنا جميعًا كأفراد بدون التصدي له بعيدًا عن التلطيفات والحلول العملية والسحرية والحظوظ. إنه درس في الفن الثوري لا في كيف نهزم الرقابة وحسب.

من السهل أكثر من اللازم أن نرى الطبقة الوسطى أو بقاياها في «هذا المساء» امتدادًا لتراث درامي تليفزيوني مصري، يضعها على خط المواجهة للزود عن الأصالة في مواجهة الحداثة، شريطة أخذ الغنائم المنتقاة والمناسبة من الثانية، وعن الأخلاق التي يهددها التطور المرغوب والمكروه. لكن الوضوح الطبقي يطل كشمس ساطعة فوق «هذا المساء»، حيث لا يخوض أهل سمير وأصدقاؤه صراعًا بالنيابة لله والوطن وإنما بالأصالة عن أنفسهم، بعد أن هدأت العواصف الكبرى ولم يعد الحراك على كل حال ممكنًا، على الأقل ليس بالطرق العادية.

وبينما في «الراية البيضا» (محمد فاضل، 1988) يسمح «التباس العلاقات الطبقية»، بتعبير والتر آرمبروست[8]، بأن يصطف المشاهدون على تنوعهم وفق نسق قيمي عابر للتاريخ، بل ومتراكب مع الحروب العالمية، في جانب «فريق» الدكتور مفيد ضد «فريق» المعلمة فضة في «معركة خطط لها» أسامة أنور عكاشة، فإن المعركة في «هذا المساء» طبقية وجنوسية خالصة، دون أن تلغي لوهلة إنسانية أطرافها، ودون حاجة إلى رَبْكة الإعجاب بفضة وفهم لغتها وإدانتها على أسس الخير والشر، بينما نحن مجبرون على تصويت فاتر وعبثي ومهزوم (وانهزامي) للدكتور مفيد، الذي لا نفهم حقًا فيما تخصنا قضيته، أو بالأحرى كيف تحولت القضية إلى الاختيار بين السمك وفيللا أثرية.

تضج المسلسلات الجديدة في الغرب بالعري والمَشاهد والموضوعات الجنسية في تطور لافت ودال على تحولات اقتصادية وتكنولوجية لم يعد المسلسل هناك معها صديقًا تلقائيًا للعائلة، وعلى نحو يعكس أيضًا تغيرات اجتماعية كبرى تخص أنماط الحياة الجنسية والإقبال المتزايد على التجريب وأشكال جديدة بديلة للأسرة والموقف من الزواج والإنجاب.

وفي الوقت نفسه، يضج «هذا المساء» بالجحيم الـ(لا)جنسي، جحيم غياب اللذة أو تَسَمُّمها مع الانفتاح أكثر وأكثر على منظرها المرغِّب العنيف، وهي ديناميكية بلغت مداها اليوم وتعود بجذورها المباشرة إلى النكسة وموجة «أفلام الإثارة» الجنسية المحلية التي واكبت موجة ما يسمى أفلام استغلال الجنس في الغرب والعالم.[9] فالجنس المحظور في مصر وراء حواجز الدين والطبقة والقانون والأخطار المتنوعة، مباح أكثر من أي وقت كأخيلة تغذيها من ناحية هذه الحواجز نفسها، ومن أخرى إمكانات التلصص المتفجرة والواعدة، على بنات البلد هذه المرة، لا بطلات أفلام الإثارة والبورنو. ومع الأخيلة والترغيبات ومع التناقضات التي تتكشف، تحدث حالة التململ التي تفاجئ شخصيات «هذا المساء» بتوسع خياراتها.

وهذا الصراع الجنوسي-الطبقي يدور في المسلسل حول قضيتين كبريَيْن، أولاهما من ميراث الحداثة في أطوارها الجديدة والثانية هي إحدى ذُرى عالم ما بعد هذه الحداثة والعائدة بسبب أصيل إلى الأطوار المبكرة: الصورة وأخلاقياتها أولًا، والسلطة المعرفية في زمن البيانات العظمى ثانيًا.

الصور تحيي وتميت

في البداية: سوني وتريكة (لاحظ الأسماء في المسلسل عمومًا، ولدينا هنا مثلًا علامة تجارية لصناعة تكنولوجية عريقة من زمن ما بعد الحرب العالمية، ونجم كرة محلي، ذو شعبية جارفة ومغضوب عليه) يذهبان إلى السينما. السينما صالة مهجورة كالمئات القائمة أشباح مبانيها وذكرياتها بطول القاهرة والإسكندرية والدلتا والوادي. في ما كان غرفة العارض الضوئي (المَكَنْجِي) يصنع الشابان المحبَطان سينماهما من غنائم معرفتهما السرية بالبشر، على الأخص النساء، من جيران ومعارف وعابرين وأغراب (الكل في المتناول وإنْ بدرجات)، وينقبان في هذه «التسريبات» التي لا تميز بين قوي وضعيف على أسباب للتحكم والابتزاز وكسب نقاط قوة تحت لافتات أخلاقية وتبريرية (ممارسة دشنتها مخابرات شمس بدران).

في أحد هذه المشاهد المبكرة يخرج سوني من مزيج الكحول والمخدرات والوعي بالخفايا ليردد جملة إحدى السيدات بطلات التسجيلات «كله يا سعيد!» في التسريب الحقيقي الأصلي الكامل الذي تشير إليه نسخة المسلسل تقول السيدة للمصور وشريك اللعبة الجنسية «أنا عايزة أت*اك يا وليد، مش عايزة أتصور!» وأنا لم أفلح في تذكر اقتباس عربي واحد وحيد يمكنه أن يقترب ولو من بعيد من بلاغة هذه السيدة الحاضرة في المسلسل وتلخيصها المدهش لطائفة من أفكار المنظرين الحداثيين وما بعد الحداثيين لإشكالية العيش في العالم بوصفه صورة،[10] من هايدجر إلى بودريار، ومن بارت إلى ديبور، ومن فانون إلى سعيد، مرورًا بسونتاج وبيرجر والموجة الفرنسية الجديدة.

لكن السينما المهجورة، بكل دلالاتها الاجتماعية والثقافية، تلوح في الخلفية دائمة الحضور فوق عالم جديد متفجر بالصور وصور الصور: كاميرات الهواتف الخلفية والأمامية؛ المرايا والأسطح العاكسة المصقولة في حضورها وغيابها (مستشفى الحروق)؛ الشبكات الاجتماعية وتطبيقات التواصل؛ «صورة ماما» الزائفة ثم الحقيقية؛ صورة الأب في الإطار كأيقونة؛ مكالمات واجتماعات الفيديو؛ العناية الفائقة بالمظهر والجمال والصورة الشخصية (من العفة المحتجبة لفنانة المكياج المعشوقة سرًا إلى الانضباط الحليق لأكرم)؛ تطبيقات الصور ومرشِّحاتها وتلفيقاتها؛ اللحظات الملتقطة بعلم ودون علم؛ كاميرات المراقبة التي لا يمارس أكرم سلطته المباشرة الموصولة مع الشرطة في قمع خصم لأول مرة إلا بعد استشارتها كالعرافات والبلورات السحرية في الأزمنة القديمة؛ البرنامج التليفزيوني الساخن بتقديم المذيع عشيق السر؛ صور صور في كل موضع وكل لحظة، في أشكال مادية وكأفكار في الهواء، كذخيرة فائضة لسلطة معرفية وأدوات ضغط وتلاعب، ومفاتيح نجاح وسعادة واختراق للعالم والأشخاص والمعاني. والتتويج: مشهد سوني وسمير والأول يواجهه بنفسه، إذ اختار دائمًا أن يتفرج بدلًا من أن يشارك.

وبوعيه الفائق بالصور، ينمو «هذا المساء» من الصور وفي حضرتها وفي مواجهتها، عملًا واقعيًا يسائل ويشرّح ماهية الواقع القائم على الصور والذي يكاد يَكون صورة. وفي حضور الصور واحتدام الصراع، يذوب كل شيء حقيقي في الهواء، بينما يبقى أساس الحقيقة المادية التي تقوم عليها كل هذه العلاقات راسخًا من تحتنا كالأرض وجاذبيتها، ملتبسًا مع الطبيعة. وفي نهاية اليوم نعود إلى أحضان مختلفة، حقيقية أو متخيلة، شرعية أو سرية، حسية أو مؤسسية، كل حسب قدرته، وحاجته التي تخلقها قدرته–وعالم الصور وترغيباتها وتوتيراتها من حوله.

قبل «هذا المساء» كنا، نحن المصريين، نتشدق بعبارات كليشيهية، ملتبسة بين الإكبار والامتعاض، من قبيل «الصورة بألف كلمة» و«عصر الصورة». وبعد كل ما كان من تاريخنا السياسي القريب والذي يمكن وصفه كسلسلة من الأفعال التي تدور حول الصور، باستردادها مرة واستغلالها والتلاعب بها مرات، بإشهارها كسلاح ثوري تارة وابتذال المشهدية إلى أقصى حد تارات، أعطى «هذا المساء» حديث الصورة تعبيرها الفني المصري الأبلغ.

لكن للقصة جزءًا أبكر وأكبر. في روايته لـ«استعمار مصر» Colonising Egypt، يطرح تيموثي ميتشل غزو مصر (والعالم) كعملية تمثيل واختزال وإنتاج لصور. يصف كيف تصبح «مصر في المعرض»، ويصف المعرض العالمي كإحدى الظواهر والمؤسسات المركزية المبكرة للكولونيالية والحداثة الملتبسة معها والمسخَّرة في سبيلها، في استعراض لامتلاك أدوات العلم والمعرفة والاستمتاع بالعوالم الجديدة والسيطرة عليها. يجد باشا مصر ثم الخديوي نفسيهما موضوعًا للفرجة مثلهما مثل رعاياهما وأحياء عاصمة حكمهما المنقولة بالكامل في نماذج محاكاة دقيقة دقة مدهشة ومستفزة، ضمن معروضات أخرى آلت إلى عالم الغرب الحديث من حلقات حضارية سابقة شهدت اندماجًا بين الإنسان والعالم والطبيعة، حل محله هذا الاغتراب الذي يحسه فلوبير ويعبر عنه إذ يزور القاهرة لأول مرة وتدوخه هذه المسافة بين الصور في رأسه وما يطالعه أمامه بعينيه في الواقع. واليوم، هل يمكن العثور على إنسان مصري خالٍ من هذه النظرة المقلوبة والمستعارة إلى الذات والمسماة بالاستشراق؟

يمكن قراءة «هذا المساء» كجزء ثانٍ من فيلم «البوسطجي» (حسين كمال، 1968)–وكلاهما عظيم. في طليعة عالم الحداثة المتأخرة الذي يخترق الريف يقضي الموظف العارف بالقراءة والكتابة، الممرور من بُعده عن العاصمة والناقم على جهلاء وسخفاء الريف، أوقاته الميتة في التلصص على رسائلهم، حتى يؤدي ذلك إلى التدخل في قصة حب فتاة ومقتلها على يد أبيها، ليمزق هو من يأسه، في لحظة مواجهة جثتها، الرسائل/الكلمات إرْبًا إرْبًا. (يبتهج الريفيون في أحد المشاهد باعتزاز ساخر وهم يطالعون مجلة أجنبية حافلة بصور عارضات مثيرات). جواب «البوسطجي» الورقي هو أصل واحد وحيد يَتلف بشكل مصيري، موضوعًا الآن مقابل النسخ اللانهائية الافتراضية من الصور والتسجيلات والنصوص، المسربة أو المسحوبة، التي لا تموت. (شاهد بعد «الحذف».)

لم تعد «حيوات الآخرين»[11] Das Leben der Anderen (فلوريان هنكل فون دونرسمارك، 2006) حكرًا على مؤسسات العسس الرسمية. يصبح القتل باستخدام الصور ومعمَّمًا في الطور الكبير الجديد من الحداثة. اللعنة المصاب بها المراقِبون والمراقَبون في «هذا المساء» ليست إلا قمة جبل لا تتكون بقيته من شطار التقانة وإنما منا جميعًا، نحن مستهلكي ومنتجي هذا الفيض من الصور والحيوات الخاصة المهتوكة بإرادتنا وبدونها، إذ نتخذ مواضعنا على الشبكة كمتابعين ومتتبِّعين، كصانعين للمشهد، من زاوية إيجابية ترى الديموقراطية والتمكين، وكصنيعة له من زاوية ترى استيعاب واستغلال وتشويه الرأسمالية لكل تطور وكل إمكانية وكل شيء، ضمن حرب معلومات جديدة تفسح مكانًا كبيرًا للأفراد.

في زيارة الجانب المظلم من الشبكة حيث الشبان الثلاثة، تتجدد نظرتنا إلى الجانب المضيء حيث يمارَس العسس بالفعل بنا ورغمًا عنا في العلن ودون مخالفة للقواعد، أو نكتشف أن القاعدة هي أن نتفرج ونتموضع ونؤدي أدوارنا كجزء من الفرجة، حيث تتخلص فتاة من «موتها في جلدها» كل يوم بسبب شريطها المسرب بأن تفضح نفسها وفاضحيها معًا وتفسد الفرجة، وتظل الفضيحة مع ذلك غير محددة من فرط الإمعان في المظاهر والصورة الاجتماعية، لكنها خطوة في رحلة تحرر ليست فردية تمامًا بفضل تناقضات الشبكة نفسها. في الانشغال بتسريبات ويكيليكس ننتبه إلى ما يحدث في العلن دون حاجة إلى تسريبات يتدخل فيها أعداء أعدائنا وتخضع بيتابايتاتها ويوتابايتاتها وزيتابايتاتها للانتقاء ويعوز بقيتها الفرز والتحليل (مشاهد سباق الزمن لإيجاد مقتل لفياض)، وفي الهوس بنظرية المؤامرة والمعلومات السرية نكتشف المؤامرة الحقيقية.

أما من شارك بطلنا في قتلها بذكاء منحرف ونبل ذكوري في ماضي «هذا المساء»، فتكرر نفسها كل يوم فيمن نقتلهن بسلبية وراحة وغفلة الفرجة على سيل التسريبات بأنواعها من عالم الضعفاء، حيث السيل الصغير الآخر، من عالم «الباشوات»، ضمن تلاطم القوى غير النقي أو المستقيم، لا يكفي لهدم عالمهم وحكمهم الثقيل، فهم أصحاب السيارة الفخمة والبوكس والطائرة. لكننا نستطيع أن نفيق ونثور ونستقل سيارة أجرة وندمر سورًا برلينيًا وهميًا معكوسًا بحرق السينما المهجورة موطن الشر، بتفسيراته المتعددة، الشعبية والنخبوية، ومن اليمين ومن اليسار.

في نص مطول بالإنجليزية صدر في العام الماضي في شكل كتاب إلكتروني، يتناول يوسف رخا، على مدار عشرات الصفحات، ظاهرة البورنو العربي (المنزلي)، بل يتأمل محتوى هذا البورنو نفسه، والذي يحظى لأول مرة بهذه الجدية والعمق. يشير رخا، وإن بشكل عابر، إلى الإشكالية الأخلاقية المحيطة بإتاحة هذه المواد للعلن أيًا تكن جودة تصويرها ووعي من تُظهرهن بحدوث التصوير.[12] لكن هذه الإشكالية تشمل أيضًا أدوارًا تبدو بريئة على السطح وغير متورطة في فضحهن وتداولهن ونشرهن على نطاق أوسع وتعريضهن للخطر، فكل مشاهدة جديدة أو ضغط على زر إعجاب أو إضافة إلى قائمة مفضلات هي خطوة في هذه العملية الرهيبة.

تقول الممثلة الأمريكية جينيفر لورنس إنها لا تزال، بعد مرور سنوات، تحتفظ بندبة متخلفة عن إحساسها الفادح بالاستباحة عندما سُرِّبت صورها العارية، وكانت قد نجحت آنذاك، ببلاغة وقوة نادرين، في مواجهة ليس المقرصنين والمسربين، وإنما مشاهدي الصور، أي الملايين اللانهائية من متلقيها الأبرياء أولئك، الآن وفي المستقبل، كأصحاب أدوار فاعلة لا أخلاقية مساهمة في الاستباحة، في مشاهدتها دون حق. ودعك من الفارق الهائل بينها بمزاياها وموقعها وبين الأخريات، المستضعفات، فهي كلها فروق ربما تؤكد عنف الفعل وكيف يمكنه إيذاء حتى من قد تظهر عارية في سياق مختلف، برضاها ودون مشاكل، بحكم مهنتها.

لكل هذا فإن هذه السينما المهجورة فالمحروقة أخصب، وبما لا يقارن، فيما تقوله عن الصور والسرديات معًا، من مسرح «أفراح القبة» (محمد ياسين، 2016) العامر في عزِّه، حيث الشكلانية الزاعقة لأحد أكثر الأعمال حيازة للقبول من الناحية الفنية في ذروة الموجة السابقة على «هذا المساء»، والذي يتهاوى في اعتقادي ليس لأنه حرَّف أو شوه رواية محفوظ القائمة على الرؤى المتعددة كما ترصد ياسمين زهدي بإصرار، وإنما لأنه وللمفارقة يقع، كشريط، ضحية هذا التمرغ النرجسي في بهرجة الصور، لصالح الحنين ومظهرية وكمية الصناعة، ليصبح، وحسب الوصف الدقيق في عنوان مقال الكاتبة نفسه، استعراضا باذخًا محبِطًا ومحبَطًا. وليس في هذا وحده تكمن استثنائية «هذا المساء» وتفوقه الكبير على كل ما قبله.

القصة في بنائها

الصور ليست وحدها في موضع المساءلة. فالمسلسل الواقعي هو أيضا صراع حول القصة، إذ تَبيَّن منذ زمن أن الصور لا تعمل وحدها وإنما من خلال خطاب وسردية وحروب معرفية وعلاقات قوى.[13] في «ألف ليلة وليلة» تولد قصة داخل قصة. في «هذا المساء» نبدأ القصة من نقطة ما ولا تتوقف هي عن التشكل مع كل منعطف وفي كل فم وحسب الظروف. لكن «هذا المساء» محاولة لجمع أشلائها والاعتراف بجوانبها في طبعاتها المختلفة، للوصول، من شتى القصص، إلى قصة كبرى واحدة، وليس أبدًا على طريقة الروايات أو السيناريوهات المتعددة ومتاهاتها وعنف الاختيار بينها.

من المشروع أن نعتقد أن تقنية سردية في حد ذاتها ذات قيمة وأثر دائمين حتى وإن اتُّبعت المرة تلو الأخرى. فتقديم وجهات نظر وسرديات مختلفة للقصة نفسها من أطراف شهدتها وشاركت فيها، اعتمادًا على ذاكراتهم وباعتبار مواقعهم ومصالحهم وقدراتهم على التعبير، تدريب وتذكير مفيد دائمًا في عالمنا هذا. وشخصيًا فإن إحدى أهم اللحظات في علاقتي بالسينما كانت عندما صفق الجمهور في الصالة بحماس عندما تبين أن الراوي في «أولاد رزق» (طارق العريان، 2015) ليس هو من كنا نظن أو يراد لنا، كأننا نحن الشرطي، أن نظن. وبذلك تتغير أشياء مهمة خاصة مرة بلعبة أولاد رزق، ومرة بمتابعتنا نحن للفيلم كله.

صفق الجمهور ببساطة لإحكام الخدعة داخل عالم الفيلم وإحكام استخدامها، وترجمتها سينمائيًا، على يد صناعه، لكن في أثناء ذلك، وفي فيلم تجاري بوليسي مقلوب مثير (ومثير للاهتمام الجمالي السياسي أيضًا)، تم تهريب هذا الاكتشاف المتجدد الخطير وبقوة بالغة التأثير: يتغير الكثير عندما يقول الشيء نفسه فلان وليس علان، أو: لا يهم ما هي القصة ولكن كيف تُروى ومن صاحبها وما علاقته بها، أو: من المهم أن ننقد رواية مهما أعجبتنا وأقنعتنا، نتشكك فيها، نُمَشْكلِها. لكن ألا يمكن أيضًا لاستخدام التقنية نفسها، أي الانعطافة المفاجئة أو الانقلاب في الحبكة، أن يدفعا الجمهور نفسه للتصفيق إعجابًا باشتغالة؟ أي باستعراض قدرات على مشاهد غرّ عن طريق استخدام تقني بحت وفارغ لحيلة تعقد الأمور في سبيل تعقيدها وحسب، أو بالأحرى لأغراض أخرى قد لا تكون في مصلحته؟

فمثل كل أداة تقريبًا، يمكن لتقنية أيًّا تكن أن تُستهلك وتفرَّغ من معناها، أيْ كأداة، بل وأسوأ من ذلك. أما توظيف هذه الأداة وشحذها وإكسابها طابع الوسيط والعمل الجديدين فهو الذي يجعل ما يسمى «تأثير راشومون» يُنسب لفيلم كيروساوا (Rashomon, 1950) وليس لرواية فوكنر الأبكر كثيرًا «الصخب والعنف» (The Sound and the Fury, 1929). فنحن هنا القضاة ومطلوب منا أن نفعل أي نَحْكُم ونَفصِل، وليس بناءً على روايات شتى ليوم ما من ضمن تواريخ متباعدة ومتقاربة، وإنما للواقعة نفسها، وبكلمات قليلة تفسح المجال للعين. وبالرغم أن القضية لا تُتْرَك مغلقة تمامًا أمام أي خيط، إلا أن التقنية كما قدمها الفيلم أثبتت أنها قابلة لإساءة استخدام واسعة وإلى حد الهوس، كتجربة علمية تقدم دليلًا دامغًا على نسبية الحقيقة، وهي ممارسة لم تبلغ ذروتها في هذا العمل أو ذاك من أدب وأشرطة مرئية وإنما غدت هي روح فلسفة ما بعد الحداثة.

ومع ذلك، فإن فيلمًا مثل «أن تقتل الطير المحاكي» To Kill a Mockingbird (روبرت ماليجان، 1962) يمكن رؤيته كمحاولة مبكرة لتقديم ترياق لمعضلة «راشومون»: ضع نفسك في مكان الآخر، تأمل الأشياء من وجهة نظره، بذلك فقط يمكنك أن تفهمه وتتعاطف معه، يقول أتيكوس. لكنه باتباع ذلك، ومستدلًا بسياقات نفسية واجتماعية تخص العرق والنوع والطبقة، يصل إلى حل قضية اغتصاب مزعومة أخرى، ولا تنتهي القضية بهذا الحل. لا لغز هناك لكي يُغلَق ويتطلب مجرد ذكاء أو قدرات خاصة أو عدالة ناجزة وإنما قضية تتطلب إرادات جماعية. وعلى غراره يقول «هذا المساء» إننا نعرف الآن ونتفق على ماذا حدث والمشكلة مع ذلك في تفسيره والحكم عليه، أو فلسفته وتنظيره، أو تفكيكه، ثم أخذ موقف.

هناك نوعان أساسيان من الفراغات في سرد فني، أو أي سرد، أحدهما يترجم الفجوات الكائنة في الحياة، في الذاكرة، أو كحلقات مفقودة حتى بين روايتين سليمتين ولكن متضاربتين (حتى في الفيزياء، لا يزال نيوتن وآينشتاين بحاجة إلى مصالحة). ومهما بلغ علم الراوي العليم كلي الوجود، ومهما استطال المشهد في فيلم بطريقة الزمن الفعلي، تظل هناك، بداهة، فجوات، قبل وبعد بل وداخل ما نراه ونسمعه ونعرفه ونحسه. أما الثاني فهو ما يمكن وصفه بالنقص الفني أو الفراغ غير الطبيعي أو الصمت المتعمد.

وعلى خلاف السكتات أو مواضع الصمت الواعي البارزة في «فرش وغطا» (أحمد عبد الله، 2014)، فإن أصوات «هذا المساء» تنمو حول مواضع الصمت، تبرزها بالحفر، وتكشف ترددات صداها عمق الفراغ الكبير في حياة الشخصيات، الفراغ المرصود، أو الناتج عن مسافات مشابهة من بعيد لفيلم عبد الله، وسأعود إليه وإلى صمته البليغ لاحقًا. (والفراغ والصمت هنا تشغلهما أيضًا، وجزئيًا فقط، الأغاني المسجلة والتتابعات الصامتة البطيئة المتلاحقة في أنحاء المدينة.)

قبل «هذا المساء» كنا نحن المصريين نتشدق بعبارات كليشيهية من قبيل «الصورة بألف كلمة». وبعد كل ما كان من تاريخنا القريب أعطى «هذا المساء» حديث الصورة تعبيرها الفني المصري الأبلغ تحت عنوان «لا شيء يحدث» يمكننا إدراج فصائل كاملة بعينها من مخرجي سينما المؤلف حيث يُمد شعار «ليس المهم ما يحدث» على استقامته إلى نقاط تلاشٍ متطرفة، ليخلو الجو للسينما، ولتظل حالة اللافعل واللاحدث تنطق بالمزيد عن عالمنا المعاصر.

يقال «الأدب التليفزيوني» في مصر و«الرواية التليفزيونية» في أمريكا اللاتينية لأوهى أسباب ارتباط المجالين في اعتقادي. وبالرغم من أن نضج السينما مرتبط بانطلاقها من عقال الأدب والمسرح في منتصف القرن العشرين، لتكتسب لغتها الخاصة (بالكامل؟) أخيرًا، إلا أنها لم تترك وراءها «الكاميرا القلم» إلا ليصبح المخرج «مؤلفًا». ولم تنقطع أبدًا الأسباب التي تصل الأدب بالسينما، وربما لا ينبغي لها أن تنقطع إذا أخذنا ببعض ما يدفع به فالتر بنيامين في تحليله الشهير عن مسرح بريخت «المؤلف كمنتِج»[14]: الأغراض الفنية الثورية التي تؤديها استعارة وتبادل الأدوات بين صانعي الفنون والأشكال الإنتاجية الفكرية المختلفة، من الفوتوغرافيا إلى الصحافة إلى الفن التشكيلي إلى النص الأدبي، لتخرج من الحدود المصطنعة والرجعية لاختصاصاتها الدقيقة وأدوارها المرسومة وسماتها الشكلية والعُرفية المقيِّدة لأثرها ووظيفتها بعد حين.

يبدو لي «هذا المساء» أقرب إلى أسلوب خالص، أو على الأقل جدًا أقرب ما يكون حتى الآن في سياق الدراما التليفزيونية العربية. أراد فلوبير أن يكتب رواية بلا شخصيات وبلا عقدة حيث الموضوع غير مرئي إن أمكن، وقال في غمار بحثه المحموم هذا إنه لا توجد موضوعات جيدة وأخرى سيئة، بل وأنه من وجهة نظر الفن الخالص فالموضوع غير مهم، فالأسلوب نفسه هو الطريقة المطلقة لرؤية الأشياء. ورأى أرقى الأعمال تلك التي تحتوي أقل مادة. هل حقق فلوبير أو الأدب نفسه ذلك؟ أم أن تحقيقه أقرب إلى السينما؟[15]

إن نهج «هذا المساء» التقليلي في البناء وتوزيع الأدوار لا يهدف إلى خلق عمل كلي هيجلي يختزل التناقضات والاضطرابات نحو غاية تقدمية تتمثل روح التاريخ نفسه، كما يرغب لوكاتش، ولا هو بالضرورة، كما في نسخة تلميذه، لوسيان جولدمان، بنية عمل تفصح عن بنية فكر (أو خيال، أو «رؤية عالم» بمصطلحاته هو) تُعزى لا لمؤلف فرد، وإنما للجماعة أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها. ففيما قد يُرى كنسخة أخرى من فكرة موت المؤلف، يرى جولدمان «البنية الذهنية العابرة للفرد»، أيْ الأفكار والقيم والتطلعات الخاصة بجماعته. ومن ناحية يُعنى نهجه الذي أسماه «البنيوية الجينية» ببنية المقولات المتضمَّنة في رؤية العالم هذه وليس محتواها، ومن أخرى بكيف تُنتَج تاريخيا، أي عبر الظروف التاريخية التي أنشأتها.

ويرى بيير ماشيري، على عكس النقاد الماركسيين الهيجليين، أن النقص أو عدم الاكتمال أو الصمت سمات حتمية وطبيعية في العمل، على الأخص الجيد، وينطلق في نقده لهذا العمل من تضاربه وسكتاته وما تفصح عنه. وهذا التضارب والتناقض والصراع في الشكل والمضمون هو ما نقله بنيامين وبريخت إلى مستوى صارت فيه جوهر قيمة العمل وثوريته.

لكن «هذا المساء»، على واقعيته، وعلى عيوب الكلية الهيجلية، وبما هو بنية وشكل وأسلوب خالص أو يكاد، وبما هو عمل جماعي من الأصل، ربما هو أولى بدراسة بنية فكره وخياله من دراما جان راسين، ومن قراءة العلاقة الثلاثية بين التاريخ والعمل ورؤية العالم بأثر رجعي. فبماذا يا ترى يفصح عن أفكار وقيم وتطلعات تامر محسن وورشته وفريقه والفئات التي ينتمون إليها في مصر اليوم؟ وماذا تقول أيضًا تناقضاته وسكتاته؟[16] إذا كان راسين وديكنز، على الترتيب، يعبران، دون قول ذلك، عن الاحتجاج على العالم ورفض إصلاحه في الوقت نفسه، ثم الترحيب بالحداثة والجزع منها في آن،[17] فعم يعبر «هذا المساء»؟ و«سابع جار»؟

وإلى «سابع جار»

ينتقل العمل الجماعي والبناء إلى أبعاد جديدة في «سابع جار». بلغة السبق والتجديد، الظاهري على الأقل، يضرب المسلسل عدة أرقام قياسية: ثلاث مخرجات، إحداهن المؤلفة (يسري)، قَدِمن من السينما (مع مدير التصوير، محمود لطفي) وليست لأي منهن سابق تجربة إخراج أو كتابة للتليفزيون (باستثناء يسري في أحد مواسم كوميديا المواقف «تامر وشوقية»)؛ ورشة كتابة تهيمن عليها النساء (مع يسري وأمين: منة إكرام، سما أحمد، منة فوزي)؛ ستون حلقة مدة الواحدة منها تقترب من أربعين دقيقة (تُوْقَف بعد 47 حلقة ولكن بعد فوات الأوان، إذ كان التهريب قد تم، واكتمل المشروع، ومعلش للرقابيين)، خارج رمضان؛ ظهور تليفزيوني أول لعدد من الممثلين، بعضهم قادم أيضًا من السينما، بعضهم نادر الظهور تليفزيونيًا، بعضهم مخرجون (ميسون المصري، عمرو سلامة)، بعضهم قادم أو عائد من عوالم أو وسائط أخرى (أبرزهم سارة عبد الرحمن).

ومع نزول العناوين والأسماء، يقدم مبدعو العمل مشروعهم كأبلغ ما يكون، وليضرب من جديد حيث فعل «هذا المساء» من قبله ولكن بطريقته الخاصة وفي مواضع مختلفة أيضًا: نزعة تقليلية، وعدًا غامضًا بواقعية مغايرة (نابعة من مشاهد لبيوت خلت من سكانها)، اهتمامًا فائقًا بالحيز، تأطيرًا سينمائيًا، لمسة حنين متحفظة، وعنوانا عريضًا غير مكتوب هو «لا شيء يحدث.»

وتحت عنوان «لا شيء يحدث» يمكننا إدراج ليس فقط بعض روائع السينما، أو موتيفاتها، كالمشي آنفًا، وإنما فصائل كاملة بعينها من مخرجي سينما المؤلف. إذا اكتفينا بثلاثة كبار سبق ذكرهم، بونيويل وجودار وأنطونيوني، فما الذي يحدث في أفلامهم؟ بكلمات الأول، تدور أفلامه حول «استحالة تحقيق رغبة بسيطة استحالةً غير قابلة للتفسير»[18]، حيث حتى عندما يبدو لنا أن شيئًا يحدث فإنه يتوقف أو يتقوض مساره في اللاشيء (حتى مجرد الخروج من الباب يصبح حدثا مستحيلا، في «الملاك الهالك» El ángel exterminador, 1962)، وإذا كان هذا يتخذ عنده طابعًا سورياليًا فقد أخذه الأخير إلى مستوى غير قابل للتصنيف ليهدم تقاليد النوع والحرفة السينمائية والمشاهدة من داخلها: اختفاء غامض لحبيبة البطل في رحلة مع أصدقاء يذوب بعد محاولات بحث أولية إلى جولة بلا هدف تشهد أشياء غير ذات صلة («المغامرة» L’Avventura, 1960)، جريمة قتل تُتْرَك بلا أي حل وبلا اهتمام جدِّي في غمار البحث عن موضوعات للتصوير الفوتوغرافي («صورة مكبَّرة» Blowup, 1960)، وهكذا، وعلى مهل.

يضج «هذا المساء» بالجحيم الـ(لا)جنسي، جحيم غياب اللذة أو تَسَمُّمها مع الانفتاح أكثر وأكثر على منظرها المرغِّب العنيف، وهي ديناميكية بلغت مداها اليوم وتعود بجذورها المباشرة إلى النكسة. أصوات «هذا المساء» تنمو حول مواضع الصمت، تبرزها بالحفر، وتكشف ترددات صداها عمق الفراغ الكبير في حياة الشخصيات، الفراغ المرصود، أو الناتج عن مسافات.

وبعد أن كان من غير المقبول أن يختم هيتشكوك فيلمه «المضطرب عقليًا» (Psycho, 1960) دون دقائق يفسر فيها خبير الدوافع النفسية للقاتل[19] (بداية نهاية فرويد)، أمكن له فيما بعد أن يصنع فيلمًا عن توحش «الطيور» الرومانسية بلا أي شرح (The Birds, 1963–نذير بيئي من زمن «الربيع الصامت»؟)، ثم تتحول فتاة المغامرة الضائعة لاحقًا إلى فتيات بالجملة، تلميذات يختفين أثناء رحلة مدرسية، أيضًا دون أي تفسير أو حل أو حتى محاولة («نزهة خلوية عند الصخرة المعلقة»، بيتر وير Picnic at Hanging Rock, 1975)–في فيلم آخر لبونيويل («شبح الحرية» Le Phantôme de la liberté, 1974) تختفي طفلة ثم تظهر بكل بساطة، ويهمَل تمامًا كل ما حدث بين المدرسة وقسم الشرطة كأن شيئًا لم يحدث.[20] في هذه الأفلام وغيرها، يُمد شعار «ليس المهم ما يحدث» على استقامته إلى نقاط تلاشٍ متطرفة، ليخلو الجو للسينما، ولتظل حالة اللافعل واللاحدث تنطق بالمزيد عن عالمنا المعاصر. وعلى الصعيد المصري، ما الذي يحدث مثلًا في بعض أفضل أفلام محمد خان؟ لا شيء.

تَبرز في سِيَر المخرجات الثلاث خبرات مهمة ستتبلور وتنصهر في «سابع جار»: أفلام قصيرة (ملعب التجريب السينمائي)، ووثائقية (اثنان طويلان، واحد ليسري عن جدتها المغنية شهرزاد يفتش في أرشيف العائلة التي تضم أباها «التائب» عن الموسيقى والذي يظهر في فيلمها الأول الروائي الذي يتناول السينما والتدين في قصة عن بلوغ سن الشباب، وآخر لأمين عن الثورة المصرية)؛ شغل على موضوعات جنوسية؛ تعاونات في الإخراج والكتابة (ويسري تمثل أيضًا)؛ شغل على الواقع المصري المعاصر في فيلمين فنيين روائيين طويلين («هرج ومرج»، 2012، خان، و«فيلّا 69»، 2013، أمين)، تولد فيهما الأحداث، في طبقتين مختلفتين، من نقطة جمود وعزلة، ويدوران عمومًا، كلٌ بِطَريق، حول نمط الحياة عندما يكون مُضيّها ذاته على المحك. (وطريقة ظهور الحشيش في الثاني إرهاص به في «سابع جار» كما سيتبين.)

فيلم هبة يسري القصير الأول «عشق آخر» (2007)، وهو شبه سيرة ذاتية تمثل فيه الدور الرئيسي، وله علاقة بفيلمها اللاحق «ستوزاد أول عشق»، 2011.

وإذا كانت لإحداهن قبل ذلك أقدام ثابتة في السينما فنيًا وفكريًا فهي بالطبع نادين خان. مرة لعملها مع يسري نصر الله (في أكبر أفلامه «باب الشمس»، 2004، عن فلسطين، إحدى أهم حالات ارتباط الأحداث بمفهومها السياسي والصحفي بواقع اللاحدث واللافعل، الذي لم يترجِم عبثيته سينمائيًا، وفقا لإدوارد سعيد، أفضل من إيليا سليمان، حيث لا شيء يحدث حرفيًا تقريبًا، بلغته السينمائية الخاصة)، ثم مع خان الأب (في فيلم عن «بنات وسط البلد»، 2005). ومرة بفضل فيلمها هي الفريد (كتابة وإخراجًا)، وهو تجربة بارزة في تخييل الواقع المصري ورصد تفاعلات الطبقة (المدينية الفقيرة في الحزام السكاني) والجنوسة والأجيال، داخل وحدة اجتماعية مغلقة، وفي أجواء ديستوبية وكوميديا مظلمة خفيفة، تُبرز دور الاتصالات السلطوي والتطويعي (الميكروفون وكاميرات الهواتف المحمولة).

*

إلى اللقاء في الجزء الثاني

__________________

[1] وفق ترجمة هلال شومان للمصطلح الإنجليزي.

[2] لقطة الذبيحة مثال على بقاء هذا المونتاج الكليشيهي العتيد، حتى في مسلسل مغاير تمامًا، وبقاء الإعجاب ببلاغته. هذا المونتاج الذي أسس أندريه بازان من عقود طويلة التفريق بينه وبين التوليف، كما وضعه مقابل «عمق المجال». في المونتاج، تُعتمد لغة بدائية قائمة على التفسير (الفوقي عادة) والربط القائم على التداعي. ومن أشهر أمثلته المحلية ما برع فيه صلاح أبو سيف من وضع إمام مثلا مقرونا بخروف يُجر أو ثور مغمى يدور. (وبالمناسبة، فإن تقطيع مشاهد من مسلسل، لأغراض ترويجية، ممارسة سيئة لعدة أسباب، ويجب ترك المهمة للمشاهدين والمستخدمين ضمن إعادة الإنتاج التفاعلية التي تحدث بشكل طبيعي في كل الأحوال.) طالع على الأخص مقالتين لبازان: “The Evolution of the Language of Cinema” و”The Virtues and Limitations of Montage” ضمن الجزء الأول من كتابه الشهير What Is Cinema? Vol. 1, tr. Hugh Gray، وقد صدرت ترجمة عربية في نهاية عقد 1960 لريمون فرنسيس، لكنها مليئة بالمشاكل إلى حد دعاني وزملائي إلى البدء في إعادة ترجمتها.

[3] انطلق اضطهاد النساء رسميًا باختراع المحراث الثقيل، وفق نمط حضاري تكرر في كل موضع من العالم بمعزل عن الآخر؛ ذهب النساء إلى البيت نهائيًا بعد أن انتهت الحاجة إلى خبرة جمع والتقاط الغذاء الآمن والأهم بينما كان الرجال يغيبون للصيد الثمين الإضافي، وفي البيت سيحبلن بأنفار جدد للأرض والمهن الجديدة الذكورية، بينما يطورن اقتصادًا جديدًا، منزليًا، يكاد يظل غير معترف به حتى اليوم. راجع Chris Harman, A People’s History of the World, Verso, 2008، على الأخص القسم الأول، وتحديدًا الفصل الرابع، ويمكن الاطلاع على نسخة إنجليزية من الطبعة الأولى (1999) هنا. وقد صدرت ترجمة عربية لمقال هارمان المطول الذي تطور لاحقًا ليصبح الجزء المبكر من تاريخه الشعبي للعالم في كتاب «إنجلس وأصل المجتمع البشري»، ترجمة هند خليل كلفت، المشروع القومي للترجمة، 2012. (والمتاح كاملًا هنا.)

[4]  ملحوظة بشأن تعريب المصطلح الفرنسي flâneur: في القطعة رقم XII والمعنونة بـ Les foules في «سأم باريس» (هنا) يرد الآتي: Le promeneur solitaire et pensif tire une singulière ivresse de cette universellecommunion. ما ترجمَتُه في طبعة إنجليزية (ص 20 هنا) بعنوان Crowds حيث promeneur تقابلها stroller وفي ترجمة بشير السباعي هي «المتجول». ويبدو أن بودلير، قبل أن يستخدم flâneur أو ربما بالتوازي أو بالتبادل معها، استخدم هذه الكلمة أيضًا. وبالبحث، وجدت بعض الكتابات العربية على الإنترنت تورد «متجول» وليس «متسكع» كمقابل لـ«فلانير». في رأيي أن كلاهما صالحان ومتداولان. و«صعلوك» ملائمة أيضًا ولكن مشكلتها ربما الالتباس مع معنى الفقير الصعلوك بغير اختياره، وكذلك اقترانها بصعاليك الجاهلية المغضوب عليهم والشاردين خارج قبيلتهم. لذا فالمتصعلك لا الصعلوك ربما تكون أفضل، بغض النظر عن التداول والاصطلاح، من المتجول والمتسكع في الدلالة على هذا المعنى الحداثي، لشخص مثقف بورجوازي يختار الصعلكة والتجول والتسكع والتبطل للفرجة والاستمتاع والتأمل ومعاناة السَّأم المُسْكِر. ومع ذلك فالمعاجم العربية تساوي الصعلوك بالمتصعلك.

[5] هذا ما يلاحظه مؤخرًا مثلًا ناقدان في مقالة سمعيةبصرية ضمن برنامج استعادي لأفلام فيليب جاريل، عن السائرين كموتيفة في أفلامه. ويمكن إدراج قائمة مماثلة للسينما الفنية في مصر من «حياة أو موت» (كمال الشيخ، 1954) وحتى «الخروج للنهار» (هالة لطفي، 2012). وسأعود إلى الفيلم الأخير لاحقًا.

[6] كما تحلل مويرا فيجل الظاهرة في مقالها الدراسة عن «حروب البطء» هنا (ويمكن مطالعة نسخة أخرى هنا).

[7] اخترعتُ هذه الكلمة كترجمة لعنوان المسلسل الشهير إذ لا أجد محاولة واحدة مرضية ولو قليلًا لإيجاد مقابل عربي، مستفيدًا من المثل المصري «يا شر اِشْتَرّ».

[8] في الفصل الأول من كتابه Mass Culture and Modernism in Egypt, Cambridge University Press, 1996 والصادر بالعربية بعنوان «الثقافة الجماهيرية والحداثة في مصر»، ترجمة: محمد الشرقاوي، المشروع القومي للترجمة، 2000.

[9] في اعتقادي حدث هذا في مصر وسوريا على نحو قابل للمقارنة مع صعود الفرع البرازيلي (البورنوشنشادا، أي الغنائيات البورنوغرافية) على حساب سينما الموجة الجديدة (سينما نوفو)، الرافد المحلي هناك من حركة السينما الثالثة، اللاتينية، وذلك بتشجيع من الدكتاتورية العسكرية بعد صعودها مباشرة وعلى مدار حكمها تقريبًا. وهذا موضوع مقال منفصل قادم.

[10] يليه ربما، من كلمات فتحي قورة وغناء شويكار: «ما هو أصل قليل الأصل يسيب الأصل وياخد الصورة

[11]فيلم «الأصليين» (مروان حامد، 2017) متأثر قليلًا بهذا الفيلم (عن ألمانيا الشرقية)، وله معايير بصرية فنية نظيفة وأوروبية، ولديه اهتمام بموضوع الأرشيف، وبه محتوى قومي مصري يضرب مشروعه نفسه وإنسانية شخصياته في الصميم، وبدءًا من العنوان الملتبس بين الثورية والوطنية.

[12] المصدر المحتمل الآخر لإثارة الجدل في نص رخا هو بالطبع دفعه بأن البورنو العربي قابل للمقارنة مع النشاط السياسي على الإنترنت، وأنهما وسيلتان إلى الغاية نفسها، ويمكن الاستماع إلى نقاش حول ذلك في حوار مسموع له مع ناشره الأجنبي. هذه العلاقة بين الجنس وتصويره مرئيًا والإنترنت والثورة يعقدها رخا في مقال مبكر أيضا يراجع فيلم لارس فون تراير «مهووسة الجنس» Nymphomaniac, 2013.

[13] لنقاش مطول وثري حول أخلاقيات وجماليات وسياسيات الصور والسينما بعد الحرب العالمية الثانية، طالع “The Tracking Shot in Kapo” وتتوفر نسخة عربية بعنوان «اللقطة التتبعية في كابو»، ترجمة الكاتب، ضمن مختارات «سيرج دانيهفي مكان آخر»، سيرج دانيه، تحرير: علي حسين العدوي، 2017. ولمدخل حول أخلاقيات الصور الفوتوغرافية وعملها ضمن خطاب ودورها في خلق الحدث وكيف لمنتِج الصور أن يتعامل جدليًا مع المعضلة هناك بالطبع مقال سوزان سونتاج «في كهف أفلاطون» “In Plato’s Cave”، ورغم توفر ترجمتين عربيتين للكتاب الذي يُفتتح به، «عن الفوتوغرافيا» On Photography فإنني لا أنصح بأي منهما. وقد قارب فيلم كريس ماركر «المستوى الخامس» Level Five، وهو وثائقي هجين، تساؤلات مماثلة، بطريقته الفنية المبتدعة.

[14] Walter Benjamin, Understanding Brecht, “The author as producer”, Verso, 1998.

[15] للاطلاع على محاولة قراءة فيلم (لكوبريك) من خلال بنائه: «حياة أوسع من عيني رجل أو أعين مغلقة على اتساعها»، محمد سلطان، تِرْسو، 2017.

[16] هذا ما أحاول الإجابة عليه على مدار هذا المقال، وبالأخص في الجزء الرابع.

[17] اعتمدت في هذا القسم على Terry Eagleton, Marxism and Literary Criticism, Routledge, 2002، وكانت طبعة عربية قد ظهرت بترجمة جابر عصفور، «الماركسية والنقد الأدبي»، دار قرطبة، الدار البيضاء، 1986. ويتوفر جزء منه بترجمة أخرى هنا.

[18] نقلًا عنه في Slavoj Žižek, The Sublime Object of Ideology, Verso, 2008, p. 221.

[19] قارن ذلك بما يفعله «علي معزة وإبراهيم» (شريف البنداري، 2016) في النهاية، وبعد سنوات قليلة على ثورة في بلده و56 عامًا على هذه الأفلام. وسوف أعود إلى الفيلم ومخرجه لاحقًا.

[20] يبدو أنه وحتى وقت كتابة هذه السطور لم يظهر شريط متحرك مصري بعد الثورة عن تيمة الاختفاء أو الإخفاء، ولا حتى برنامج عروض لمثل هذه الأفلام المذكورة أو غيرها. باختفاء الإخفاء من السينما فإنها تجعله إخفاءً مزدوجًا؛ يُخفى المخفيُّون مرتين. بينما صدر في 2017 الألبوم الغنائي «الإخفاء»، بصوته وجوِّه الجامع بين الوجل والانقباض والمرح والصفاء الذهني والنشاط الحركي، وبتفجيره (أدائيًا وغنائيًا) طاقة الكلمات المحدودة المقيدة، الخارجة من عباءة أحمد فؤاد نجم معجمًا وبناءً، والذي يزاحمه فقط صوت الشاعر الجديد كفرد وكممثل لجيله.

اعلان