«جريمة التغطية الصحفية» في تعديلات «الإجراءات الجنائية».. «مغالاة قانونية» أم «أمر مؤقت فرضته الظروف»؟
 
 
صورة أرشيفية
 

تجاوزت أهمية المحاكم منذ عام 2011 ما كان قائمًا قبل ثورة 25 يناير، بسبب نوعية القضايا التي أصبحت تُحال إلى القضاء. فبين محاكمات لرموز أنظمة حكم سابقة، ومعارضين سياسيين، وعناصر متهمة في قضايا إرهاب، لم تعد جلسات المحاكم ساحات للتقاضي فحسب، وإنما مصدرًا للمعلومات عن قضايا عديدة تهم الرأي العام.

انعكست الأهمية التي اكتسبتها ساحات المحاكم على حجم ونوع التغطية الإعلامية لجلسات القضايا المختلفة. على سبيل المثال، شهد عام 2016 وحتى بداية 2017 تغطية مكثفة ومُفصّلة للنزاع القانوني حول اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية. ساهمت تلك التغطية في تحويل القضية من شأن قضائي بحت أو مُجرد نزاع قانوني إلى قضية سياسية يتابعها الرأي العام رغم تفاصيلها التقنية المعقدة.

فيقول رئيس القسم القضائي بصحيفة «الشروق»، محمد بصل: «هناك رسالة تقوم بها الصحافة بتنوير الرأي العام بما يحدث داخل المحاكم، وهو أمر ليس المقصود به متابعة قضايا الإثارة، وإنما ما يهم الناس بالفعل مثل قضايا الإرهاب تحديدًا».

ويتابع: «على سبيل المثال، المجتمع له الحق في معرفة نوع الأفكار التي يعتنقها أشخاص متهمون في قضايا إرهاب، وأن يعرف كيف تحارب السلطة التنفيذية الإرهاب، فضلًا عن تشكيل قناعة تجاه الكيفية التي يتمّ بها محاربة الإرهاب، كل هذا يتحقق من التغطية الإعلامية للقضايا».

غير أن اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب وافقت، الإثنين الماضي، على تعديل المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية والتي تُنظم علانية جلسات المحاكم. وتنص المادة قبل تعديلها على أن «إذاعة الجلسات علانية، ويجوز للمحكمة أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها». وجاء التعديل ليضيف فقرة أخرى تنص على أنه «لا يجوز نقل وقائع الجلسات أو بثها بأي طريقة كانت إلا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة».

ووافقت «تشريعية مجلس النواب» على تعديل المادة 268 ضمن مناقشة تعديلات قانون الإجراءات الجنائية، المطروحة من جانب الحكومة، قبل إحالة التعديلات إلى الجلسة العامة بالبرلمان.

وصف بصل التعديل، على صفحته الشخصية بموقع «فيسبوك»، بأنه سيحوّل مبدأ علانية الجلسات إلى «حبر على ورق»، مشيرًا إلى أن الأصل هو علانية الجلسات وفق الدستور. وتنص المادة 187 من الدستور على أن «جلسات المحاكم علنية، إلا إذا قررت المحكمة سريتها مراعاة للنظام العام أو الآداب، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية».

يطرح بصل ما يصفه بـ «الاستحالة العملية» أن يتمكن أي محرر قضائي من التقدم بطلبات كتابية لتغطية كل الجلسات المطلوبة منه، فيقول لـ «مدى مصر»: «كيف يمكن لمحرر واحد أن يتقدم بطلبات لعدة دوائر في نفس المحكمة لتغطية جلساتها في اليوم نفسه. على سبيل المثال، توجد في المحكمة المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة خمسة دوائر قضائية، فهل سيتقدم الصحفي بطلبات لها كلها؟ كم سيستغرق ذلك من وقت، خاصة مع التأخير الذي يحدث دائمًا للصحفيين في دخول المعهد بسبب الإجراءات الأمنية؟ وهل سيكون التصريح لكل صحفي على حدة أم للوسيلة الإعلامية نفسها؟».

يضيف بصل: «ما يحدث ليس فقط تعطيلًا للصحفي عن أداء عمله، وإنما لرئيس الدائرة المطلوب منه أن ينظر كل هذه الطلبات قبل كل جلسة».

ويطرح بصل عددًا من التساؤلات: «ما هي معايير صدور الإذن الكتابي بتغطية جلسات المحاكم؟ وهل ستكون هناك تقديرات من الجهات الأمنية لمَن له حق تغطية الجلسات، وهو ما أربأ بالسلطة القضائية أن تقبله».

يستمر بصل في تساؤلاته: «هل سيُعاقب الصحفي إذا نقل وقائع إحدى القضايا دون تصريح؟ في هذه الحالة ستصبح التغطية الصحفية نفسها جريمة بغض النظر عن جودتها وحياديتها ودقتها».

لا يتفق ممثلا نقابتي الصحفيين والإعلاميين، اللذان تحدث معهما «مدى مصر»، كثيرًا مع رأي بصل. فيقول سكرتير عام نقابة الصحفيين، حاتم زكريا، إن مجلس النقابة ناقش تعديل المادة 268 منذ فترة، مضيفًا أن «الأمر مؤقت وهو ليس منعًا نهائيًا. ومع الظروف الحالية التي تمر بها البلد قررنا قبول هذا الوضع مؤقتًا».

يعود زكريا ليضيف: «بالطبع علانية الجلسات هي الأساس، وعندما يستقر الأمن وتعود الأوضاع إلى طبيعتها، ستعود علانية الجلسات، وهي فترة مؤقتة نتمنى ألا تطول».

لم تناقش اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين التعديل القانوني، وسيكون مطروحًا على جدول أعمال اجتماعها المقبل، بحسب رئيس اللجنة حمدي الكنيسي. غير أنه عبّر عن رأيه الشخصي في التعديل قائلًا: «تابعت ما ينشر بخصوص وقائع المحاكمات ووجدت أن بعضه كان أثره سلبيًا»، مضيفًا: «أوقات يؤدي نشر تفاصيل غير دقيقة عن المحاكمات إلى تكوين رأي عام مخالف لرأي المحكمة وهو أمر له خطورته».

يعود الكنيسي ليؤكد: «نحن أحرص المدافعين عن حرية الإعلام، غير أننا ندافع عن الحرية المسؤولة عن قيم المجتمع. وقلنا في مدونة السلوك الإعلامي التي انتهت منها النقابة إنه على الإعلامي أن يُراعي في التغطية الإعلامية في جلسات المحاكم عدم التأثير على الرأي العام ومسار التقاضي».

يتداخل بصل مع ما طرحه الكنيسي من إمكانية التأثير بشكل سلبي على المحاكمات بسبب نشر معلومات غير دقيقة قائلًا: «نشر معلومات غير دقيقة أمر مُعاقب عليه قانونيًا بالفعل، وكذلك التأثير على سير المحاكمات. والنقابة لديها صلاحية مُساءلة الصحفيين إداريًا إذا ما ثبت ارتكابهم لخطأ مهني، فضلًا عن أن الصحفيين لديهم رقابة ذاتية تمنعهم من المغامرة بنقل معلومات غير دقيقة عن أخبار المحاكمات، خاصة بعد البلاغات العديدة المُقدمة ضدهم».

ويضيف بصل: «تعديل المادة الخاصة بعلانية الجلسات يمنع التغطية الجادة، بينما مَن يريد التأثير على مسار التقاضي أو إثارة الرأي العام لا يحتاج بالضرورة إلى حضور المحاكمات ويكفيه أن يهاجم قرارات المحاكم فقط. ولا توجد سيطرة لهذا القانون على القنوات التي تبث من خارج مصر وتهاجم قرارات المحاكم لأسباب سياسية بحتة، بينما مَن سيطبق عليهم هذا القانون هم مَن يسعون إلى التغطية الجادة».

يطرح المحامي نجاد البرعي زاوية مختلفة قائلًا: «هناك ضرورة للحفاظ على توازن بين النشر وعملية التقاضي لحماية حقوق المتهم. فليس النشر دائمًا في صالح المتهم، الذي يتم أحيانًا إدانته إعلاميًا قبل أن تصدر المحكمة حكمها».

ويرى البرعي أن هناك أهمية لأن يكون الأداء الإعلامي منضبطًا عمومًا «لمنع التأثير على الشهود أو المحكمة أو الموقف القانوني للمتهم». غير أنه يرى أن التعديل المطروح على المادة 268 «به بعض المغالاة، لأنه لم يحدد ما هو المطلوب عدم نشره إلا بإذن كتابي من رئيس الدائرة»، مضيفًا أن «هناك مواد قانونية بالفعل تعطي المحكمة الحق في جعل بعض الجلسات سرية، وتُجرّم التأثير على الشهود أو هيئة المحكمة أو التأثير في الموقف القانوني للمتهمين، وكل ما ينقصها هو التفعيل. فالقضية ليست في إصدار قوانين أو تعديلات أخرى، وإنما في كيفية تنفيذ القانون».

اعلان