تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة «عفروتو»
 
 
صورة نشرها عفروتو على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، يوم عيد ميلاده الأخير، في 4 مارس 2017. - المصدر: حساب عفروتو على فيسبوك
 

كان محمد عبد الحكيم محمود -الشهير بـ «عفروتو»- يجلس أمام مدخل مسكنه برفقة اثنين من أصدقائه في حوالي الثامنة من مساء الجمعة الماضي، حين ظهرت قوة من أفراد مباحث قسم المقطم يستقلون فوجًا من الـ «تكاتك» في إحدى حملاتهم المعتادة على منطقة الونش بحي الزلزال في المقطم.

بعد ساعتين من هذه اللحظة ستنتهي حياة عفروتو، عامل دهان المنازل، البالغ من العمر 22 عامًا عند وفاته.

كان صابر* أحد شهود العيان على واقعة القبض، وتحدث مع «مدى مصر» أمام مشرحة زينهم في صباح اليوم التالي: «كنت واقف في بلكونة بيتي، شُفت قوة القسم بيفتشوا عفروتو وأصحابه، مالقوش معاهم حاجة، ومع ذلك قرروا يسحبوهم على القسم. بدأت المشادات بينهم لما حاولوا يركّبوا عفروتو في التوك توك بالإكراه فحاول يجري منهم». أكمل صابر أن أحد أمناء شرطة القوة المعروفين في المنطقة باسم «أبو أدهم» مد رجله وقتها ليعرقل عفروتو، فسقط الأخير على الأرض، وارتطم صدره بالرصيف ليصرخ بصوت مرتفع بأن صدره يؤلمه.

لكن لماذا حاول عفروتو الهرب طالما لم تُضبط معه أي ممنوعات؟ يجيب مصطفى، الشاب الذي شهد أيضًا واقعة القبض: «إحنا لما بنشوف المباحث لازم نجري. ضباط المباحث في القسم بيقولوا لنا: بعد الساعة 9 ما نشُفش حد منكم في الشارع، ولما تشوفنا ياض لازم تجري، لو اتمسكت فانت بتاعنا وهيتعملك قضية».

عندما صرخ عفروتو على الرصيف حاول جاره الكهربائي الستيني، عم إسماعيل، التدخل للدفاع عنه، إلا أنه يقول إن أحد أفراد قوة المباحث دفعه ليسقط بدوره على ظهره: «لما وقعت على ظهري خدوا شبشبي ونزلوا بيه ضرب على وش عفروتو وبعدها جروه من شعره في الأرض لغاية ما ركبوه التوك توك»، روى عم إسماعيل لـ«مدى مصر» حين التقيناه أمام منزل عفروتو السبت الماضي.

في «تلاجة» قسم المقطم

أمام نفس المنزل التقى «مدى مصر» أيضًا شابًا -سنسميه عزيز- ألقي القبض عليه في نفس الحملة مساء الجمعة قبل أن يطلق سراحه بعد إعلان مصرع عفروتو. يروي عزيز: «امبارح اتقبض عليا، فتشوني ما لقوش معايا حاجة. مع ذلك أحد الضباط قال لي: هتيجي معانا ونشوف إذا كان عليك قضايا ولا لا. رُحت القسم وحجزوني في الثلاجة [زنزانة احتجاز في القسم]. كان عددنا أربعة اتقبض علينا في نفس الحملة. بعد ساعة فتحوا الباب ورموا شاب كأنه شوال بطاطس، غرقان مية من ساسه لرأسه، وجسمه متلج. كان فيه بطانية مرمية في الأوضة، قمت أغطيه بيها اكتشفت أنه عفروتو. كان بيقول: أنا تعبان، أنا حاسس إني باموت، عاوز أعمل حمام. نادينا على الأمناء وقلنا لهم: عفروتو بيموت، قالوا لنا: سيبوه يموت».

«صدري واجعني قوي يا [عزيز] مش قادر أتنفس»، كانت آخر جملة قالها عفروتو. صرخ عزيز مجددًا «إلحقونا فيه واحد بيموت». انفتح باب «التلاجة» ليظهر مرة أخرى أمين الشرطة «أبو ادهم» ليسأل عفروتو «ايه.. وجعك صدرك؟» وعندما هز عفروتو رأسه بالإيجاب، يقول عزيز إن أمين الشرطة وجه ركله قوية إلى صدر عفروتو ليموت في الحال.

في بلاغ الوفاة الصادر عن مديرية الشؤون الصحية بتاريخ 6 يناير -والذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه من شقيقة عفروتو- سجل الطبيب الشرعي د. أيمن أحمد حسان سبب الوفاة كالتالي: «الإصابة وما صاحبها من تهتك في الطحال ونزيف دموي بالبطن».

شهادة وفاة عفروتو

سحب الأمين «أبو أدهم» الجثة الهامدة إلى خارج الثلاجة، وبعد ساعات بدأت الأحداث أمام القسم. يقول عزيز: «سمعنا أصوات بتهتف من الخارج (يا حكومة وسخة) وأصوات تانية عمالة تقول: يا عفروتو يا عفروتو. سمعنا بعدها صوت ضرب نار استمر ساعات. بعد هدوء الدنيا نسبيًا فتحوا لنا كلنا وسابونا نمشي».

في حوالي العاشرة من مساء الجمعة توجه أفراد أسرة عفروتو إلى مستشفى المقطم التخصصي المجاور لمنزلهم بعدما أبلغهم أحد الجيران بأن ابنهم توفي في القسم وأن جثته في المستشفى. حين التقى «مدى مصر» شقيقته ووالدته أمام المشرحة في صباح اليوم التالي اتهمتا قوات القسم بالاعتداء عليه بالضرب وتعذيبه حتى الموت.

كانت والدة عفروتو تجلس على الأرض بجوار مبنى المشرحة، قالت: «ابني محبوب من كل الناس، من كل جيرانه، وكل أصحابه»، مؤكدة أنه لم تكن له أي سوابق جنائية.

تكمل شقيقته: «أصحاب أخويا المقبوض عليهم مع محمد قالوا إنه اتعذب في القسم» عن طريق تغطيسه في برميل مياه، لافتة إلى أن جسد أخيها عند استلامه كان مبتلًا وكذلك شعره، وأنهم استلموا جثمانه بملابس غير ملابسه التي كان يرتديها عند القبض عليه أمام منزلهم.

اشتباكات أمام القسم

وفاة عفروتو بعد إلقاء القبض عليه بساعتين أثارت غضب جيرانه وأصدقائه ليتوجهوا مباشرة إلى قسم المقطم.

كان شوقي أحد هؤلاء الجيران، وتحدث لـ «مدى مصر» ظهيرة اليوم التالي بينما كان مشغولًا برصّ المقاعد في صفوف أمام منزل أسرة عفروتو استعدادًا لاستقبال المعزّين.

«في المستشفى بالليل طلع لنا ضابط قال لنا: اتحركوا على القسم لأن النيابة هناك وهتفتح تحقيق في الحادثة وهياخدوا أقوالكم. عددنا كان كبيرًا جدًا والكل غضبان. قررنا نروح القسم في ساعتها عشان نحكي اللي حصل من قوات المباحث أمام منزل عفروتو، لكن رفضوا يدخلونا. قعدنا نهتف ونقول (يا عفروتو)». يضيف شوقي أن أفرادًا من قوة القسم خرجوا وقتها ليطلقوا وابلًا من الأعيرة النارية بكثافة لتفريق المحتجين، وأنهم ردوا بإلقاء الحجارة عليهم لتندلع الاشتباكات التي استمرت لساعات حتى صباح السبت وأدت لسقوط عشرات المصابين.

لم يذكر أي من شهود العيان الذين التقاهم «مدى مصر» قيام المحتجين بإضرام النيران في سيارات خاصة أو تابعة للقسم، لكن عددًا من المصادر الأمنية أشاروا إلى ذلك في تصريحات للصحف.

حصل «مدى مصر» على مقطع فيديو مدته 29 ثانية يُظهر أفرادًا من قسم شرطة المقطم بزيهم الرسمي أثناء إطلاق النيران لتفريق المحتجين الذين تجمعوا أمامه اعتراضًا على ما حدث لعفروتو.

شهود العيان على الاشتباكات ذكروا، السبت الماضي، أن المصابين تم نقلهم إلى كل من مستشفى البنك الأهلي ومستشفى المقطم التخصصي. غير أن أفراد قسمي الاستقبال في كليهما رفضوا الكشف لـ «مدى مصر» عن عدد المصابين أو طبيعة الإصابات أو أية معلومات، مؤكدين على أنها «تعليمات من الأمن».

المصابون يتحدثون

اصطحب أهالي المنطقة «مدى مصر» لزيارة منازل أربعة من المصابين في اشتباكات ليل الجمعة-السبت بعد أن تلقوا علاجهم بمستشفى المقطم التخصصي. جميعهم من سكان «الونش». كانت منازلهم البسيطة بعد ظهر السبت مليئة بزائرين من جيرانهم للاطمئنان على حالتهم الصحية. أكبر الأربعة يبلغ من العمر 23 عامًا.

أحد المصابين، مصطفى، في السادسة عشرة من عمره، قال إنه عرف بموت عفروتو فتوجه للقسم حيث ضربه أحد أفراد قوة القسم بظهر سلاح آلي في رأسه مباشرة: «اغمى عليا وما حستش بأي حاجة إلا وأنا في المستشفى». الرواية نفسها قدمها مصاب آخر أظهر لـ «مدى مصر» خياطة جراحية لسبع غرز برأسه.

في منزل محسن، 19 عامًا، كشف عن قصبة ساقه اليمنى التي قال إنه أصيب فيها بطلق ناري: «كنت واقف مع أصحابي بنحاول نفهم إيه اللي حصل. فجأة وقعت منهم على الأرض وحسيت بنار في رجلي اليمين. خدت رصاصة اخترقت قصبة رجلي وخرجت من السمانة».

محسن يحمل ملابسه وقت إصابته ويظهر موضع الرصاصة التي أصيب بها الإصابات – تصوير: بسمة مصطفى

على باب منزل آخر لأحد المصابين يظهر ملصق صغير لـ «ثورة 25 يناير». تبادر السيدة ناصرة والدة المصاب قائلة: «ابني اللي لزق الاستيكر ده».

لم يكن ابنها في المنزل، فهو واحد من العشرات الذين ألقي القبض عليهم من أمام القسم منذ يوم السبت. الابن يعمل مناديًا يصف السيارات بموقف مجاور لقسم المقطم، وأصيب بدوره بطلق ناري في إحدى ساقيه. خشيت والدته من القبض على ابنها في المستشفى، فذهبت به لمستشفى الدمرداش البعيد عن منزلهم ليتلقى علاجه بعيدًا عن محيط الأحداث. هناك حدث ما توقعته بالضبط.

«دخل علينا ضابط واحنا في الطوارئ وضرب ابني وهو قاعد على الكرسي وبينزف. ضربه شلوت [ركلة] في رجله المصابة، وأخده معاه». تتساقط دموع السيدة ناصرة وهي تقول: «طيب كان يسيبه يتعالج الأول وبعدين ياخده. ابني بيشتغل في موقف جنب القسم وأصيب بالخطأ واتقبض عليه برضُه بالخطأ».

في حوالي الرابعة من مساء السبت تم تشييع جنازة عفروتو، وحرص أصدقاؤه على أن تمر الجنازة حاملة جثمانه من أمام قسم الشرطة.

«أين أبناؤنا؟»

في تصريحات رسمية اليوم، الإثنين، أعلنت نيابة حوادث جنوب القاهرة الكلية حجز معاون مباحث قسم المقطم، وأمين شرطة بالقسم، بتهمة قتل عفروتو، انتظارًا لتحريات الأمن العام. كما قررت النيابة حبس 43 متهمًا بالتعدي على القسم لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق.

عشرات من أهالي المتجمهرين المقبوض عليهم كانوا يفترشون الرصيف الملاصق لقسم المقطم بعد ظهر أول أمس السبت. كانوا جميعًا في انتظار معرفة أي معلومات عن ذويهم الذين قالوا لـ «مدى مصر» إنهم أُلقى القبض عليهم ليل الجمعة أو صباح السبت إما بشكل عشوائي، أو لتواجدهم في محيط القسم، أو لأنهم من أصدقاء عفروتو المعروفين. أصدقاء عفروتو قالوا إن عددًا آخر من المحتجزين ألقي القبض عليهم من منازلهم، حيث قامت قوة من قسم المقطم بشن حملة أخرى فجر يوم السبت على منازل حي الزلزال.

السيدة أمينة، والدة أحد المحتجزين ويدعى سعد حسن محمد، تقول: «أنا وابني وعروسته كنا راجعين من المناصرة [وسط القاهرة] بعد ما اشترينا عفش شقته. كان مفروض يتجوز نص الشهر الجاي».

«وإحنا في الشارع شاور لنا شاب غرقان في دمه، مُصاب بطلقتين في دراعه، وقال لابني مش قادر أمشي، وديني المستشفى. أخدناه بالعربية للمقطم التخصصي، وبعدها ابني وصلني البيت وبعدين وصّل خطيبته. وهو راجع البيت البوليس وقفه ولقى آثار دم في العربية فقبضوا عليه».

لا يعلم أصدقاء وأقارب المقبوض عليهم مكان احتجازهم حتى الآن، ولم يتمكنوا من زيارتهم أو إدخال أي أطعمة أو ملابس لهم في قسم المقطم بسبب رفض ضباط القسم تسلمها. أثناء تواجد بعض الأقارب أمام مشرحة زينهم صباح السبت تلقى أحدهم مكالمة من طرف ابنه المحتجز تفيد بأن جميع المقبوض عليهم محتجزون في معسكر قوات أمن طرة، المجاور لمجمع السجون في جنوب القاهرة.

حتى كتابة هذه القصة لم تصدر عن وزارة الداخلية أي رواية رسمية عن مقتل عفروتو أو الاشتباكات التي جرت أمام القسم، بينما صرحت مصادر أمنية مجهلة لصحف مختلفة صباح السبت بأن وفاة عفروتو جاءت نتيجة لتناوله جرعة زائدة من مخدر يدعى الأستروكس. والدة عفروتو وجاراتها أمام المشرحة تسابقن في الصراخ ردًا على هذا الزعم: نعم كان يتعاطى المخدرات، يفترضن، فلماذا مات فور دخوله قسم الشرطة؟

*قام «مدى مصر» بتغيير أسماء جميع الشهود والمصابين بناء على رغبتهم خشية تعرضهم للإيذاء.

اعلان
 
 
بسمة مصطفى