«بر بحر»: المسافة بين هويتك الفلسطينية وفنك المموَّل من إسرائيل
 
 

ميسلون حمود مخرجة فلسطينية ممن يطلق عليهم عرب الداخل، أو عرب 48. ولدت في بودابست عام 1982، وتعيش الآن في يافا، المدينة الواقعة على الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط، على بعد 55 كيلومتر من القدس، وتتبع بلدية تل أبيب حسب التقسيم الإداري الإسرائيلي.

ميسلون، اسم غريب لا أعرف اشتقاقه، وبالبحث عن معناه وجدت التالي: ميسلون منطقة دائمة السيلان بالمياه. وهو اسم المنطقة، التي جرت بها معركة ميسلون الشهيرة، التي استشهد فيها يوسف العظمة أثناء استبساله في الدفاع عن دمشق بوجه الجيش الفرنسي بقيادة غورو عام 1920. هناك أيضًا بلدة تابعة لجنين اسمها مَيْثَلُون.

من هذا الاسم المحمّل بالدلالات الجغرافية والتاريخية، لمكان الولادة ومكان الانتماء، تحيط صانعة الأفلام أسئلة بديهية تتعلق كلها بالهوية، هل هي فلسطينية لم تولد بالداخل؟ ولكن أي داخل؟ إسرائيل؟ الضفة الغربية؟ أم غزة؟ واسمها المنتمي لتراث بلاد الشام، ماذا يعني الآن؟

هذا السؤال عن الهوية جلي في فيلمها الطويل الأول «بر بحر» (2016) وهذا عنوانه العربي، أما اسمه بالإنجليزية فهو «ما بين» (In Between). الفيلم إنتاج فرنسي إسرائيلي مشترك، وعُرض للمرة الأولى بمهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ليفوز بجائزة نيتباك NETPAC، والتي تقدّم لفيلم في عرضه العالمى الأول.

أيضًا فاز بثلاثة جوائز في مهرجان سان سباستيان في أسبانيا. ومن مهرجان حيفا الدولي للفيلم فاز بجائزة أفضل عمل أول، والإنجاز في الإخراج، وجائزة تمثيل جماعية لبطلاته الثلاثة: منى حوا، سناء جمالية، وشادن كانبورا.

كما ترشح لاثني عشر جائزة من جوائز الأوفير (الموازي الإسرائيلى لجوائز الأوسكار التي تنظمها أكاديمية الفيلم والتليفزيون الإسرائيلي) ليفوز بجائزتين: أحسن ممثلة لشادن كانبورا، وأحسن ممثلة مساعدة لمنى حوا.

من ناحية أخرى، عُرض الفيلم تجاريًا في صالات العرض الموجودة داخل إسرائيل فقط، وقوبل بهجوم شديد من الفلسطينيين، لأنهم رأوه يُسيء لسمعة الشابات الفلسطينيات. كماعُرض في عدد من الصالات السينمائية الأوروبية والأمريكية. من مهرجان كان السينمائي فازت المخرجة بجائزة women in motion ، بقيمة 50 ألف يورو لدعم مشروع فيلمها القادم. قدمت لها الجائزة ايزابيل هيبرت، وقالت عنها: «النساء ذوات الروح الحرة والمرحة، واللواتي صورتهن حمود، هن ممزقات بين العادات والتقاليد ورغبتهن الحقيقية في التحرر، هؤلاء هن البطلات الحقيقيات لزمننا».

إذن من هؤلاء النساء؟ من «البطلات الحقيقيات لزمننا»؟ وعن ماذا يحكي «بر بحر» لتصدر بلدية أم الفحم بيانًا عقب منعها عرضه، تصفه فيه بـ «فيلم هابط لا يرتقي لأدنى مقومات النزاهة وقول الحقيقة»، وليصل الأمر لإصدار فتوى بعدم جواز مشاهدته، ما عرّض المخرجة وبطلات العمل لتهديدات بالقتل.

يدور الفيلم عن ثلاث فتيات يتشاركن شقة بتل أبيب.

ليلى، محامية تعيش وتعمل بتل أبيب، تهوى السهر والحفلات، ترفض أي نوع من القيود على حياتها واختياراتها، تدخن بشراهة، تغازل زميل عملها الإسرائيلي، وتأبى في نفس الوقت دخول علاقة معه. تبحث عن رجل متفتح؛ يدرك ويفهم ماهيتها الحقيقية. وحين تقابل رجلًا يبدو مناسبًا؛ فلسطيني عاش بأمريكا ودرس السينما، فإنها تسارع للدخول معه في علاقة حميمة، بل وتقرر وهي التي لا تهوى المطبخ، أن تطبخ له. بمرور الأحداث، تظهر شخصيته الحقيقية، حين تدخن سيجارة أمام أخته، فيوبخها أنها أحرجت رجولته أمامها، وأنها غير مدركة أن هناك عادات لا يمكن الحيد عنها.

أما سلمى، فهي فتاة تعمل بمطبخ أحد مطاعم تل أبيب. تترك وظيفتها، حين يأمرها مديرها الإسرائيلي بألا تتحدث العربية في المكان. لذا وبجانب عملها المتقطع كـمنسقة موسيقى (DJ)، تتجه للعمل بأحد بارات تل أبيت، وهناك تتعرَّف على طبيبة شابة نزحت للمدينة الكبيرة، لنكتشف أن سلمى الفتاة الفلسطينية، والمنتمية لأسرة مسيحية ملتزمة مهووسة بأمر تزويجها؛ مثلية الجنس، حيثُ تقع  في حب الطبيبة المرتبِكة من إيقاع تل أبيب.

أمّا ثالث من يسكن الشقة، وأحدث النازحات، فهي نور الفتاة المحجّبة الملتزمة دينيًا، والتي أتت من أم الفحم لتل أبيب لتكمل دراستها للكمبيوتر؛ قبل أن تتزوج خطيبها، الذي لا نعرف على وجه اليقين انتمائه السياسي بالضبط، ولكن نعرف أنّه متديّن جدًا، وأنه رغم معارضته لسكن خطيبته مع هؤلاء الفتيات اللاتي يعشن حياة الصخب والفجور في تل أبيب، فهو يزورها فيه أحيانًا لتطبخ له العشاء، وليتمتع  بممارسة سلطته عليها كزوج المستقبل.

مع هذا، يصمم بعد فترة، على نقلها من هذا البيت لآخر يشبه السجن، لكن تتمرَّد نور وتعود للسكن مع الفتيات، وهنا يبدأ الشك يدب في قلبه، فيقوم باغتصابها، حتى يفرض سيطرته الكاملة عليها.

في بداية الفيلم، لم تكن الفتيات الثلاثة على وفاق كبير، ولا قويات بما فيه الكفاية لمواجهة ما يعرقلهن، ولكن واقعة اغتصاب نور، ورحلتهن للانتقام من خطيبها، تقرّبهن من بعضهن البعض، وتجعلهن يدركن أن تكاتفهن النسائي، هو ضالتهن، لكي يتمكنّ من المضي سويًا إلى الأمام، تاركات خلفهن، الموروث الذكوري المؤلم في مدنهن وقراهن الصغيرة، ومتطلعات لحياة تخصهن في تل أبيب. ينتهى الفيلم بالفتيات الثلاثة في شرفة بيتهن، ينظرن للحفلة الصاخبة الدائرة داخل منزلهن وهن كتفًا بكتف.

هذا الفيلم الأول للمخرجة، وكعادة الأفلام الأولى، يتناول كل القضايا التي تلح على صانعه دفعة واحدة. فهي تناقش عدة مستويات للهوية وتداعياتها في فيلم واحد: الهوية الجنسية، الهوية الدينية، الهوية العربية داخل إسرائيل، الحرية الجنسية، الذكورية، العنف الجنسي والاغتصاب، كل ذلك في فيلم صاخب حتى في شريط صوته الذي تُغني فيه ياسمين حمدان، وفرقة الراب العربي «دام» الذين يقيمون بمدينة اللد.

منذ وصلتُ المملكة المتحدة، والفيلم يعرض في صالات السينما الـمتخصصة في عرض الأفلام الفنية غير التجارية (art house) والمهرجانات السينمائية، وكان اللافت للاهتمام بالنسبة لي هو أن هذا الفيلم المفترض أنه غارق في الفلسطينية لأنه يحكي حكايات ثلاث بنات من هذه الهوية، مموَّل من صندوق الفيلم الإسرائيلي. نحن أمام فيلم احتفى به الداخل الإسرائيلي، وأنكره الداخل الفلسطيني المحافِظ لتقديمه نماذج غير واقعية، ورفضه أيضًا الداخل الفلسطيني الليبرالي لإثارته أسئلة حساسة متعلّقة بالمقاطعة، وهل من الطبيعي التعامل مع الكيان الإسرائيلى لتمويل أفلامنا ولرواية قصصنا؟

عُرض الفيلم في إطار مهرجان الفيلم الفلسطيني في بريستول بالمملكة المتحدة (من 8 إلى 12 ديسمبر العام الماضي)، في عدة أماكن ثقافية وسينمات، فهل هو حقًا فيلم فلسطيني؟ وما هذا المهرجان؟ ولماذا تتم إقامته في المملكة المتَّحدة في أحد أكبر مدن غرب انجلترا المشهورة بميولها اليسارية، فبريستول لها تاريخ طويل مع الاحتجاجات العمالية منذ القرن التاسع عشر حتى الآن.

أقيم المهرجان بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلة، فيما اعتبره العالم إعلان شديد الخطورة. وهو الحدث الذي على إثره تم إغلاق المسجد الأقصى، ولم يصدر عنه أذان أو تقام فيه صلاة لعدة أيام.

أقيم المهرجان وسط هذه الأجواء؛ التي دفعت عدة مدن في العالم، للخروج في مظاهرات تنديدًا بهذا القرار ومن ضمنها بريستول. مسيرة صغيرة، ولكن رمزيتها كبيرة بالنسبة لي كمصرية في ظل ما يحدث. في ليلة الافتتاح استضاف المهرجان الفريق الموسيقى «السبعة وأربعين»، الذي يضم فلسطينيين من داخل فلسطين، أو ممن تربوا في الأردن أو في المهجر. يقدمون موسيقى تحاول إحياء روح الـ47. موسيقى أصيلة، حديثة، راقصة، «حرة» كما هتفوا في حفلهم.

في الحفل، وجدتُ طاولة صغيرة عليها منتجات من فلسطين: زعتر، ودقّة، وزيت زيتون، كوفيات وأعلام فلسطينية، ومنشورات صغيرة عن معرض متحف فلسطين في بريستول. عند هذه اللحظة، شعرتُ بالحاجة لمعرفة منطق هذا المهرجان، الذي من المفترض أنه يحتفي بفلسطين، لكنه يعرض أفلامًا ممولة من الاحتلال. فبجانب فيلم «بر بحر»، هناك أفلام أخرى في نفس التصنيف، وهي «أمور شخصية» لمها حاج، و «مفترق 48» لأودى ألونى وهو مخرج إسرائيلي أمريكي.

مشهد من فيلم أمور شخصية

في حديث مع القائمة على تنظيم المهرجان منذ سنتين، المنتجة البريطانية أليسون سترلينج، قالت لي إن فكرة المهرجان جاءت بعد زيارة دافيد أوين (مؤسس المهرجان) لفلسطين منذ ثماني سنوات لتدريب فريق كرة قدم محلّي، وهي التجربة التي غيّرته وأمدّته بطاقة غضب، أراد توظيفها في إيصال قصص هذا المكان لأبعد من حدوده. غضب آتٍ من أوضاع معيشة الفلسطينيين، وغضب من جهل الإنجليز بدورهم التاريخي فيما آلت إليه تلك الأوضاع. تاريخ يدينهم كأمة.

من ناحيتها، تشاركه سترلينج هذا الحماس، خاصة بعد زيارتها مرتين لكل من فلسطين وإسرائيل. منهما مرة برفقة ابنتها التي كانت تقوم ببحث ميداني بمخيّم عايدة ببيت لحم، وفي هذه الرحلة مشت في طريق النبي إبراهيم من نابلس لبيت لحم.

وجد أوين وسترلينج في بريستول، الجمهور المناسب لإقامة هذه الفعالية، لما عرف عنهم من تفتح، وتقبُّل للآخر، وميراث راديكالي. هذا العام عرض المهرجان سبعة أفلام طويلة. وكان متوسط الحضور في الغالب بين 100 و150 مشاهدًا. جمهور صغير، لكن مخلص ومهتم.

عندما سألتها عن مسألة عرض أفلام يموِّلها الكيان المحتل، أجابت بأن «المتاح عرضه من أفلام من فلسطين ليس به تنوع كبير بسبب قلة الإنتاج، ولذا كان المعيار الوحيد هو كون الفيلم، فيلمًا جيدًا، بلا أي فلترة سياسية، بل أفلام تعكس التجربة الفلسطينية بكل أبعادها».

«أمور شخصية، وبر وبحر، هي الأفلام الأولى لصانعات أفلام فلسطينيات، يعشن داخل إسرائيل، ولقد رشحها لنا لعرضها حنا عطا الله من «مختبر الفيلم» بفلسطين، ولوعيّ التام أني كإنجليزية لا أعيش تحت نفس الظروف، فأنا لست في موضع حكم على اختيارات هؤلاء النساء»، تقول سترلينج.

ترى سترلينج أنه من الصعب إدانة صانع أفلام لأنه يريد صناعة فيلم، وتعتقد أنه ليس من دورها تقييم ظرفه الاستثنائي. تكمل حديثها محاولة تفسير معايير البرمجة الخاصة بهم: «نحاول في اختياراتنا مراعاة الخطوط العامة لمفهوم المقاطعة الثقافية. ومن أحد الأطروحات التي طرحها عمر البرغوثى أن هؤلاء الفنانين المستقلين يعيشون بالداخل ويدفعون الضرائب، وهم لا يروجون للدولة بل أن هذا التمويل حقهم، لو كانت الأفلام تروج لإسرائيل لم نكن لنعرضها».

في مقابلة مع مجلة «ماج +972» الإسرائيلية تقول ميسلون حمود: «نعم، الدولة تعطيني المال، لأنني أستحق أن أصنع الأفلام من المال الذي أدفعه في الضرائب. أنا لا أخجل، وأنا أستحق أكثر من ذلك. ومع ذلك، كنت قد أخذت المال من مكان آخر من أجل رفع سحابة المقاطعة، ولكن ليس هناك مكان آخر. فأخذت من الدولة. وسيعرض الفيلم بوصفه فيلمًا إسرائيليًا فرنسيًا، رغم كونه عربيًا فلسطينيًا في الغالب».

تُجدِّد مسألة عرض فيلم «بر بحر» في هذا المهرجان، أسئلة ملّحة وإشكالية يواجهها صناع الأفلام في هذه المنطقة: هل هذه البراجماتية اختيار مطلوب؟ هل يجب أن نأخذ أي ما كان متاح لكي نصنع فيلمًا؟ وهل يمكن برمجة هذا الفيلم في مهرجان عن فلسطين؟ فلسطين التي خصص كثير من مغتربيها الكثير من الجهود لعمل مهرجانات لأفلامها وقصصها في كل أنحاء العالم؟

أعتقد أن أيًا كانت إشكالية هذا القرار من عدمه، فوجود فيلم كهذا وثيقة هامة لجزء من تاريخ نساء هذا البلد، والمنطقة المحمَّلة بالكثير من الأسئلة الملغَّمة، عن «من نحن؟» وماذا يكوِّننا؟ وماهو « من حقنا»؟ وكيف لنا أن نحقق هذا الذي نراه من حقنا؟

حمود أوجزت كل هذا حين قالت في نفس المقابلة: «لا يجب أن يشعر الإسرائيليون، ولا الفلسطينيون، بشعور جيد عند خروجهم من الفيلم».

اعلان