Define your generation here. Generation What

تأملات ينايرية: من فنون هدم الدول

قد تكون الحملة، التي لم تصبح رسمية بعد، لإعادة إنتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد انتزعت مكان الصدارة من الوقت المكرس كل عام لتشويه ثورة 25 يناير، وتيئيس الآملين في تحقيق أهدافها، مع التركيز المعهود على اتهام شبابها ومؤيديها والواثقين بأنها بداية لما بعدها، بالرغبة في هدم الدولة المصرية، ودفعها إلى مصير مماثل لمصير سوريا والعراق واليمن وليبيا.

وكما يعلم القراء، فقد رد الكثيرون على هذا الاتهام المغرض والمختلق، وكانت ردودهم محقة في كون الثورات لا تهدم الدول، و إنما تعيد بناءها، أو ينبغي أن تعيد بناءها، لأن الثورات لا تندلع إلا بعد أن تسد السلطات الحاكمة كل طرق إصلاح الأوضاع المختلة اقتصاديًا واجتماعيا وسياسيًا.

ولذا، فليس في نيتنا استئناف هنا الجدل العقيم مع خصوم ثورة يناير، الذين هم في الوقت نفسه، وبالضرورة، خصوم التقدم بمصر نحو دولة القانون والمواطنة والديمقراطية، القادرة على التنمية، والعادلة في توزيع ثمارها، والقادرة أيضًا على صيانة أمنها القومي، واستئناف دورها القيادي في الإقليم الذي توجد فيه، وفي الدائرة الحضارية التي تنتمي إليها.

بدلًا من ذلك الجدل العقيم، يُستحسن التساؤل حول بعض السياسات المُطبَّقة حاليًا بهمة وحماس، من زاوية بناء الدولة أو هدمها وبعيدًا عن أهداف ومبادئ ثورة يناير. وأجيب على هذا التساؤل منذ الآن بأن معظم هذه السياسات تهدم معنى الدولة، كما تهدم بنيانها، كما سنتبين من السطور التالية.

التعريف القانوني للدولة هو أنها مكونة من إقليم وشعب وسلطة أو نظام حكم. لكن هذا التعريف القانوني يفترض، أو يتضمن، سلسلة من الثوابت والمحددات، التي لا تكون الدولة بدونها دولة بالمعنى الصحيح، حتى إذا توافرت الأركان الثلاثة المذكورة توًا؛ الإقليم والشعب والحكومة.

من تلك الثوابت وحدة القاعدة القانونية، وحتمية نفاذها، واحتكار الدولة لسلطة فرضها، كما أن منها وحدة الميزانية أو المالية العامة. ومنها وحدة النظام التعليمي العام، ومنها الالتزام بأداء الخدمات العامة التي أسندها الدستور إلى الدولة.

وهذه الاستحقاقات على الدولة ملزِمةٌ لكافة أنواع نظم الحكم، ديمقراطيةً كانت أم غير ديمقراطية، ولذا وصفناها بـ«الثوابت». فأين السياسات الجارية في مصر الآن، بهمة وحماس كما قلنا، من هذه المعايير؟

فيما يتعلق بمبدأ وحدة القاعدة القانونية، ونفاذها واحتكار الدولة لسلطة فرضها، فنحن نعلم أن الدستور الحالي أجاز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، وقنّن مبدأ عدم مناقشة البرلمان لبنود ميزانية القوات المسلحة، وحصّن القيادة العامة للقوات المسلحة أمام رئيس الجمهورية في حالات العزل والتعيين، وكل هذه النصوص تشكل استثناءات جوهرية من وحدة القاعدة القانونية. ومع ذلك، فليس هذا هو كل شيء، بل إن العرف السلطوي – الأقوى من النصوص في الحالة المصرية – يجعل نفاذ القانون انتقائيًا في كثير من الأحيان، حيث رأينا مؤيدين للسلطة حُكم عليهم بالسجن لا يدخلون السجون، ورأينا محكومًا ببراءتهم من أعلى سلطة قضائية بعد استنفاد كل درجات التقاضي يبقون في سجنهم، دون سند من أي قانون، كما لا يزال كثير من المحبوسين احتياطيًا محتجزين في محابسهم، رغم استنفاد المدة القصوى للحبس الاحتياطي، ودون تقديمهم للمحاكمة.

ويبدو أن هذا العرف السلطوي لم يعد كافيًا لتفريغ مبدأ وحدة القاعدة القانونية ونفاذها من مضمونه، فقد اتجهت فلسفة التشريع لهدم ضمانات راسخة وموروثة لعملية التقاضي العادلة، فرغم الإفراط في قرارات حظر النشر الصحفي عن التحقيقات في عشرات القضايا، تتجه النية إلى التضييق الشديد في علنية المحاكمات، كما تتجه إلى التضييق كذلك في حقوق الخاضعين للمحاكمات في الدفاع ضد التهم الموجهة إليهم عن طريق تعديل قانونَيْ المرافعات والإجراءات الجنائية، ومن قبل استُحدثت قوانين للمصالحة والتسويات مع مرتكبي جريمة الاستيلاء على المال العام.

لكن الأدهى هو أن تتكرر، وبوتيرة متصاعدة، حالات مخالفة مسلمين متعصبين أو جهلاء للقانون، أو فرضه بأيديهم بعيدًا عن سلطة الدولة، ضد دور العبادة المسيحية أو ضد المواطنين الأقباط، فيُمنع بناء الكنائس أو يُشترط خلو الكنائس الجديدة من الأبراج والأجراس، أو يُحظر تجمع أقباط للصلاة في مُنشأة لم تُقنّن بعد ككنيسة، وكل ذلك يقوم به آحاد المواطنين، بلا أي سند من القانون، وبلا تفويض من السلطات الرسمية، التي تستسلم غالبًا لهذا الإبتزاز، وتلجأ لتسوية النزاع، بعد نشوبه، بصيغ مختلفة، ليس منها على الإطلاق إنفاذ القاعدة القانونية، التي تقضي بعقاب مغتصبي سلطة الدولة.

ولا يكتفي العرف الفاسد بهذه المهازل، وإنما يصل أيضًا إلى ترسيخ تقاليد الإفلات من العقاب في الجرائم الطائفية، إما باللجوء للتسوية العرفية مرة أخرى، أو بحجب الأدلة، أو تواطؤ الشهود، إلى غير ذلك من آليات “تستيف الأوراق” قبل الوصول إلى التقاضي، إذا أمكن أصلًا الوصول إليه. هكذا عرفت مصر وبكل أسف ظاهرة «التهجير الجماعي» لأسر قبطية تحت سمع وبصر مسؤولين رسميين، وأحيانًا برعايتهم، عقابًا على جريمة فردية، وأحيانًا عقابًا على خطأ لا يرقى إلى مستوى الجريمة، وفي أحيان ثالثة عقابًا على مجرد مخالفة لعرف اجتماعي.

من الأمثلة السابقة وغيرها، يثبت أن مبدأ وحدة القاعدة القانونية، وحتمية نفاذها، واحتكار الدولة لسلطة فرضها، ليس عامًا ولا راسخًا في السياسات الحالية، وبغض النظر عما إذا كان قبول السلطات العامة لهذا الوضع يأتي إذعانًا أو اختيارًا أو انتهازية، فلا مهرب من وصفه بأنه هدم لركن أساسي من أركان الدولة، معنًى ومبنًى، أما إذا قيل إن هذه أوضاع موروثة، فالرد هو أن هذا الموروث البالي تفاقم كثيرًا في السنوات الأخيرة، بدلًا من أن يُقضَى عليه من جذوره، كما لاح في أفق ثورة يناير 2010.

ولا يختلف الحال كثيرًا عند الحديث عن مبدأ وحدة الميزانية أو المالية العامة للدولة، كأحد أهم مشخّصات الدولة الحديثة في العالم كله، فقد شاعت في السنوات الأخيرة جباية الأموال من المواطنين خارج الخزانة العامة، بل وخارج الصناديق الخاصة، والمقنَّنة كاستثناء زاد عن حده، والتي هي نفسها خارج الميزانية العامة. وهذه الجبايات تتخذ شكل رسوم لحساب جهات حكومية، مع أن الأصل في الدول الحديثة كلها ألا رسم بغير قانون، مثلما أنه لا ضريبة بغير قانون.

وفي ذات الوقت، فإن سلطات الدولة كلها استسلمت، بل وتبرر الإنفاق على مشروعات عامة ضخمة، وباهظة التكلفة، ومُختلف على أولويتها، بدعوى أن هذا الإنفاق لايكلف الدولة شيئًا، أو أنه يأتي من خارج الموازنة العامة. وبصرف النظر عن الآثار السلبية لمثل هذا الإنفاق، والذي يأتي خارج الميزانية وخارج الخطة العامة، على الاقتصاد الكلي، فهو إخلال جسيم بمبدأ وحدة الميزانية والمالية العامة، وبالتالي فهو هدم لركن آخر من أركان فكرة الدولة، معنى ومبنى.

أما في ما يتصل بالنظام التعليمي العام، فنبادر إلى التنبيه لكون المقصود بوحدته ليس صب التلاميذ في قالب واحد، وإنما المقصود، وكما يحدث في أغلب دول العالم، هو أن تسود النظامَ التعليمي قبل الجامعي، فلسفةٌ تربوية و تعليمية موحَّدة، بحيث يصبح النظام بوتقة انصهار للخلفيات الاجتماعية والثقافية والطبقية المتباينة للأجيال الجديدة، كي تخرج للحياة العامة، أو للجامعات، وقد أصبحت القيم المشتركة بينهم أكبر من خطوط الانقسام. وبمعنى آخر، يكون الإطار المرجعي الفكري والقيمي بينها متقاربًا، فلا تشعر فئات بالاغتراب أو بالانسحاق، ولا تشعر فئات أخرى بالتميز، ولا تتفاوت معاييرهم الخلقية والفكرية لدرجة تصل للصراع.

بالطبع، فإن الحاصل عندنا هو أن التعليم الجيد تحوَّل إلى مشروع تجاري محض، على مستوى المؤسسة المدرسية نفسها، بل وعلى المستوى الجامعي، وكذلك على مستوى المعلِّم أو الأستاذ الفرد، ومن المنطقي في هذه الحالة، بكل أسف، أن يستبعد هذا النمط التجاري من التعليم أبناءَ الفقراء، الذين تنضم اليهم كل عام نسبةٌ كبيرة ممن كانوا قادرين، في سنوات خلت، على إرسال أبنائهم إلى هذه المشروعات التعليمية التجارية.

ثم أن هذا التعليم التجاري نفسه مستمرٌ، ليس في الاتساع فقط، ولكن أيضًا في تعميق التفاوت الطبقي، ليس بينه وبين التعليم العام والمجاني وحسب، وإنما بين وحداته ذاتها أيضًا. وها هو يمتد إلى الجامعات، وكأنه أمر يستحق الفخر أن يُعلَن أن العاصمة الإدرية الجديدة ستضم بين منشآتها ست جامعات خاصة.

ما قلناه عن التعليم يسري أيضًا على الخدمة الصحية، وكلاهما استحقاق دستوري على الدولة، تتقاضى مقابله الضرائب والرسوم المقررة قانونًا، إذ تحول الطب، والدواء بدوره، إلى عمل تجاري محض، لكن صدور قانون التأمين الصحي الجديد يدفعنا إلى التريث وعدم الاستفاضة في مآسي مرفق الصحة العامة، كما فعلنا لدى الحديث عن النظام التعليمي.

خلاصة القول أن الدول لا تهدمها الثورات، بل تعيد بناءها أقوى وأقدر على التقدم، أما ما يهدم الدول حقًا فهو السياسات التي شرحنا توًا نماذج منها، والتي كان بعضها من الأسباب المباشرة لثورة يناير الواعدة، والتي ستبقى واعدة حتى يتم الوفاء باستحقاقاتها.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد