Define your generation here. Generation What
حوار| راجية عمران: أردت دائمًا أن أستخدم القانون لمساعدة الناس
 
 
صورة: محمد الراعي
 

كانت المحامية راجية عمران إحدى 16 شخصية على مستوى العالم حصلت على الجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان لعام 2017، بسبب أنهم «أظهروا انغماسًا وشجاعة في العمل من أجل حقوق الإنسان وسيادة القانون في بلادهم». حصلت راجية عمران أيضًا على جائزة روبرت ف. كينيدي لحقوق الإنسان عام 2013.

في احتفالية تسليم الجائزة الفرنسية الألمانية التي أقيمت بالسفارة الألمانية الشهر الجاري، قالت راجية المشاكسة دائمًا: «البعض يتحدث عن نفاق عالم السياسة، ولكني لا أستخدم هذه اللغة. أنا شخصية عملية، ليس من العملي بيع الأسلحة لفصائل متناحرة في بلاد غارقة في صراعات رهيبة يموت فيها الأطفال ثم دعم تحقيق حقوقي في نفس الوقت. ليس من المثمر منح جائزة حقوقية والتعامل مع الحقوق بانتقائية، أو عدم دعم الأقوال بالأفعال».

راجية التي جاءت من خلفية ميسورة منغمسة في العالم الحقوقي في مصر منذ عقدين، تقوم بنشاطها الحقوقي بشكل تطوعي، ما رشحها لعضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ 2013، فيما تستمر بمسيرتها المعنية كمحامية شركات. تحدثت «مدى مصر» معها عن حياتها بين العالمين.

مدى مصر: نود أن نتعرف منك في البداية كيف دخلتي إلى مجال العمل الحقوقي؟

راجية: سوف أعود للوراء قليلًا، أكملت دراستي الثانوية بالكويت وكنت أعرف دائمًا أني أريد أن أكون محامية. كنت متفوقة دراسيًا وألقيت خطاب التخرج لدفعتي. قبلت بجامعة «برين ماور» إحدى جامعات «الأخوات السبعة» المعروفة باتجاهها النسوي، وهي جامعة مرموقة جدًا، كان عمري 17 سنة. لم تكن أمي تريدني أن أسافر للولايات المتحدة بعكس أبي. ولذلك كان الاتفاق أن أسافر لأمريكا على أن أدرس السنة الثالثة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. هذه السنة التي قضيتها بالجامعة الأمريكية هي التي ساعدتني في أن أعمل وأندمج عندما عدت لمصر.

تخرجت من «برين ماور» عام 1994 وجئت إلى مصر. كانت نقطة التحول، التي أثرت كثيرًا فيما فعلته بعد ذلك، المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (التابع للأمم المتحدة) الذي أقيم بمصر صيف ذلك العام. أردت المشاركة فتدربت مع المؤتمر ومن خلاله تعرفت على أشخاص من المجتمع المدني.

أردت في هذا الوقت العمل بشركة محاماة ثم العودة للولايات المتحدة لاستكمال دراستي ولكن أخبرني أحدهم أن عزيزة حسين، رحمها الله، تبحث عن مساعِدة. لم أكن أعرف وقتها من هي عزيزة حسين ولكني قابلتها وعينتني على الفور، وهي سيدة عظيمة وتعد أول من عمل على تنظيم الأسرة في مصر وقد فعلت الكثير من أجل المجتمع المدني في مصر ولذلك كان العمل معها فرصة عظيمة، وكان هذا عملي الأول. ومن خلالها تعرفت على ماري أسعد وقوة العمل ضد ختان الإناث، ثم قابلت عايدة سيف الدولة وأمل عبدالهادي وكن حلقة الوصل بيني وبين مؤسسة المرأة الجديدة. وفي عام 1995، أقيم مؤتمر بكين وكنت نشطة في مؤسسة المرأة الجديدة، وكنت أحد من اختاروهم للسفر لبكين للمشاركة في منتدى للمجتمعات المدنية، وأعددنا أول دراسة في مصر عن العنف ضد المرأة. وانتقدنا الوفد الرسمي بشدة، وكان عمري وقتها 22 سنة.

بعد ذلك أصبحت منغمسة جدًا في نشاطات «المرأة الجديدة» وتعرفت من خلالها على المحامين أحمد سيف الإسلام وهشام مبارك وعائلة مركز النديم الذي كان يشارك «المرأة الجديدة» مكتب واحد حينها.

وكنت ذهبت للدراسة في إنجلترا، وبعد عام اختارتني «المرأة الجديدة» لأكون رئيسة مجلسها من 2005-2007 وكنت أصغر الأعضاء.

مدى مصر: ولماذا انتقلتي من العمل في مجال حقوق المرأة فقط إلى حقوق الإنسان بشكل عام؟

راجية: قررت الدراسة في كلية الحقوق لذلك تركت عملي مع عزيزة حسين. كان التأقلم صعبًا في السنة الأولى ولكني ظللت أحضر في القاعات المكتظة وأحضر معي كرسي من المنزل، وفي النهاية اندمجت مع المكان وكونت صداقات. بعد سنتي الثانية أردت العمل في مكتب محاماة. قابلت منى ذوالفقار ودعتني للعمل معها بمكتب شلقاني للمحاماة وبدأت العمل هناك أثناء السنة الثالثة من دراستي وكنت مازلت نشطة بمؤسسة المرأة الجديدة في ذلك الوقت.

تخرجت من كلية الحقوق وأنا أعمل بمكتب شلقاني. بعد بداية حركة كفاية في 2004 قبض على زميلتي بالمكتب مروة فاروق، والمكتب ساندها. في هذا الوقت عندما كان يتم القبض على شخص كنا نترك المكتب ونذهب لمساعدته والمكتب كان يدعمنا ولا يمنع نشاطنا طالما أننا ننجز عملنا.

ومع نمو حركتي «كفاية» و«6 إبريل»، كان «سيف الإسلام» يتبنى المحامين الصغار في هذا الوقت، كان لي نشاط كبير، أحضر التحقيقات وأزور نيابة أمن الدولة والسجون. وعرضني هذا لعالم جديد من النشاط السياسي ومن العمل كمحامية حقوقية، ما جعلني أتعلم الكثير.

وقررت الانخراط في المجتمع المدني ولكني لا أريد أن أكسب مالًا من ورائه ولا أريد أن أعمل لمؤسسة بعينها. أنا أحترم العاملين في هذا المجال وهم متفانون ويكسبون أقل بكثير مما يستحقون إلا أني أردت أن يكون لي مسار مهني كمحامية وأن أفعل هذا كمتطوعة.  

وبالوقت نفسه أنا ما زلت أدافع عن حقوق المرأة، وعندما بدأت زيارات السجون بدأت بسيدات مثل إسراء عبدالفتاح ورشا عزب. شعرت أني من الممكن أن أكون نسوية وأيضًا أن أتوسع في حقوق الإنسان بشكل عام. أعتقد أن مع ثورة 25 يناير وما صاحبها من اعتقالات ومحاكمات عسكرية لم يعد مقبولًا أن أركز على حقوق النساء فقط.

مدى مصر: كيف تستطيع راجية عمران الموازنة بين عملها الخاص والحقوقي؟

راجية: تركت «الشلقاني» قبل الثورة مباشرة، كنت مستنزفة. أعمل بشكل مجهد منذ 1998 فشعرت أن الوقت حان لراحة وأردت أن أفتح مكتبي الخاص. ثم اشتعلت الثورة وقضيت السنتين التاليتين منخرطة بكل شيء في الشارع، ومع مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية» كما تم القبض عليَ مع أختي خلال تلك المدة.

بعد سنتين أردت العودة للعمل، فذهبت لمكتب زكي هاشم. أخبرته أني أريد العمل ولكني أريد الاستمرار في العمل الحقوقي أيضاً فوافق.

أحياناً يكون الموضوع مجهدًا للأعصاب، أحيانًا أضطر لأن أقول لا. مثلما أضطر أحيانًا للتغيب عن زيارات للسجن بسبب العمل، أكون مرتبطة بمواعيد مع عملاء أو بحضور توقيع عقد. أنا أعمل في مجال البنوك والمالية، ولذلك يكون الوقت مهمًا. ولذلك أحاول التوفيق. وأنا ممتنة أن هذا الوضع ممكن.

مدى: ما الانطباع السائد عنك في مكان عملك بالقطاع الخاص بشأن نشاطك الحقوقي؟

راجية: الكثير من زملائي يدعموني جدًا، وأخبرني أكثر من زميل أنهم يريدون القيام بنفس النشاط. أعتقد أن زملائي يحترمونني، وبالرغم من اختلافاتنا السياسية إلا أننا دائمًا ما نتناقش سويًا.

مدى: وماذا عن علاقاتك بزملائك من أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان؟

راجية: أحيانًا أغضب جدًا وقد أكون حادة ولا أتردد في التعبير عن آرائي. اعتادوا على طبعي ولكن أحيانًا يصدمون ويخبرونني أنني لا يجب أن أتصرف بهذا الشكل بسبب اعتراضي على أشياء كثيرة، مثل عندما لم يسمح لي بدخول زيارة سجن العقرب. ربما يجب عليَ أحيانًا أن أتعامل بهدوء أكثر ولكني أعتقد أن هذا كان دوري في المجلس.

مدى مصر: هل كانت هناك ضغوط عليكِ لترك المجلس؟

راجية: طوال الوقت. الدولة أرادت من خلال ضغوط متكررة أن تخرجني أنا وآخرين من المجلس.

مدى مصر: كيف تجدين العمل في مجال يهيمن عليه الرجال من محامي حقوق إنسان لوكلاء نيابة لقضاة في قضايا حقوقية؟

راجية: عندما بدأت حضور التحقيقات مع الراحلين سيف الإسلام وسيد فتحي، لم أشعر بأي تمييز. كنا أحياناً نقضي ليلة كاملة بأقسام الشرطة وكنا نفعل كل شيء سويًا.  لذلك حتى عام 2010، كانت خبرتي تتلخص في حضور التحقيقات بالنيابة العادية أو نيابة أمن الدولة وزيارات للسجون، ولكن مع بداية تعاملي مع المحاكم العادية والعسكرية بدأت التعامل مع القضاة. كنت أثير استغرابهم. يبدو شكلي مختلف عما اعتادوا عليه، كثير من الأحيان أدخل المحكمة فيعتقدون أني صحفية، لا يتوقعون أن أكون محامية، ما كان يشعرني بالإهانة وكنت أدخل في مشاحنات معهم.

لدي قصة شهيرة مع القاضي ناجي شحاتة الذي حولني للتحقيق أثناء محاكمة الجزيرة. نهرني قائلًا: «يا آنسة، أنا هركز في الجلسة ولا فيكي وأنتي رايحة وجاية كده» وفي قضية أحداث مجلس الوزراء وجه لي تهمة إهانة القاضي وهي تهمة قد تؤدي للحبس. ولكن شهد محامون كانوا حاضرين بالجلسة أني لم أوجه له إهانة وفي النهاية أغلق التحقيق.

مدى مصر: ما أكثر القضايا التي أثرت فيكِ وأخذت منحى شخصي؟

راجية: قضية العباسية العسكرية، التي كانت تتضمن 300 متهم، أغلبهم سلفيين مؤيدين لحازم أبوإسماعيل. عندما بدأ القبض على الناس وقبل تحويلهم للنيابة العسكرية. أثناء التحقيقات رفض أحد المتهمين حضوري كوني سيدة، شعرت بالإهانة لأننا كنا متطوعين ولم يكن أحد غيرنا يتحرك ليدافع عنهم. حتى إن المحامين السلفيين ذهبوا مرة أو مرتين، ولكننا كنا موجودين باستمرار وزرناهم في السجن. تعرضوا كلهم للتعذيب في الأيام الأولى للجلسات. أشفقت عليهم لأنهم مسجونون لأسباب سياسية، ولكن الأشخاص الذين ساندوهم تخلوا عنهم. أعتقد أنهم قدروا جدًا وقوفنا بجانبهم حتى الإفراج عنهم، وهذا أثر فيَ جدًا.

كذلك قضية أحداث الاتحادية في 2012. كنت حاضرة المظاهرة التي بدأ الناس بعدها الاعتصام. وبعد أن رحلت وصلت لي أخبار مفادها أن أعضاء الإخوان تحفظوا على أصدقائي واعتدوا عليهم. ذهبنا إلى قسم الشرطة ورفعنا قضية ضد قادة الإخوان المسلمين وذهبت للنيابة. أكملنا العمل في القضية بصفتنا المدعين المدنيين في وسط هجوم لأن القضية أحيلت للمحاكمة بعد 30/6 مباشرة، ما جعلها تبدو مسيسة وبسبب الوضع السياسي الحالي للإخوان كضحايا لا يجب مهاجمتهم. ولكني ما زلت أعتقد أن هذه القضية كانت التحرك الوحيد ضد الإخوان الذي لم يكن مسيسًا، لقد رأينا الدليل على أن الناس تم تعذيبهم وضربهم.

أيضًا المرة الأولى التي حضرت فيها تشريح، وكان تشريح شيماء الصباغ، كانت صعبة جدًا. عائلة شيماء طلبت من المجلس القومي أن يتدخل. وعندما صدر حكم بـ 15 سنة كانت هذه لحظة قوية لنا وأحد الأشياء التي سعدت بعملها مع المجلس. كان المجلس مدعيًا مدنيًا في أربع قضايا موت ناتج عن تعذيب الشرطة بعد ذلك.

مدى مصر: كيف تحمين نفسك عندما تكون الأمور بهذه الصعوبة؟

راجية: أنا لا أستسلم بسهولة، والتزامي تجاه مصر كبير. أنا أعيش حياة مزدوجة، لدي أصدقاء ليس لهم أي علاقة بكل هذا، ولذلك لدي حياة اجتماعية ألجأ إليها. أحيانًا أتعب ولا أستطيع الرد على التليفون ولكني لا أستطيع فعليًا أن أنفصل عن عملي تمامًا. ولكن لدي الكثير من الناس الذين يدعمونني في عملي وراء الستار والذين أصبحوا بمثابة عائلتي. لقد أصبحت على ما أنا عليه بسبب هؤلاء الأشخاص، لأنه لا أحد يستطيع أن يفعل كل شيء بمفرده.

مدى مصر: ما الذي يحفزك لمواصلة السير بهذا الطريق؟

راجية: أكثر ما يؤثر في عندما يستوقفني أحدهم في الشارع أو المحكمة ويقول: «آنسة راجية، مش فاكراني؟ أنت دافعتي عني». لم أعد أتذكر الأشخاص الذين دافعت عنهم. قبل الثورة كنا نعرف الناس الذين ندافع عنهم لأنهم كانوا مجموعة صغيرة، الأمر مختلف الآن. هذا يحدث أفضل نوع من الرضا، هذا هو السبب الذي جعلني أريد أن أكون محامية. أردت دائمًا أن أستخدم القانون لمساعدة الناس.

اعلان