Define your generation here. Generation What
معركة بقاء: كيف شكّلت قوى الرقابة والأمن مشهد الموسيقي في 2017
 
 

تعددت الضغوط المفروضة من قِبَل الدولة على الموسيقيين وفنهم خلال 2017، واتسع مداها وتأثيرها لتشمل حتى نجمات الموسيقى التجارية، ومغنيَ المهرجانات الشعبية، والفنانين المستقلين كذلك. تنوّعت العقوبات ما بين حجب أغانٍ، وإلغاء حفلات، وإصدار أحكام بالسجن، لكن ظل جميعها مدفوعًا بالقوى ذاتها: الجهود الثلاثية لكل من جهاز الأمن، وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ونقابة الموسيقيين، والتي تكون مسنودة بدورها من مجتمع محافظ مهتم بعدم المساس بـ «قيمه وأخلاقه».

في الثامن من ديسمبر العام الماضي، كان من المفترض أن تقام حفلة لفريق «كايروكي»، الذي صعد إلى النجومية بالتزامن مع الثورة المصرية، والذي لم يدخر جهدًا في الإعلان عن معارضته للنظام في السنوات اللاحقة.

ألغيت حفلة «إمبراطورية كايروكي» المرتقبة والمباعة بالكامل قبل يوم واحد من إقامتها. لا تفسيرات أو أوامر مكتوبة أُعطيت للفريق، فقط تمّ إخبارهم عن طريق مدراء مكان الحفلة «كايرو فيستفال سيتي بالتجمع الخامس»، بأن الحفلة لن تحدث بسبب «المشاكل في القدس» في إشارة إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس قبل عدة أيام من موعد الحفلة. وفي بادرة تضامن مؤثِّرة، رفض محبو الفريق إعادة التذاكر لتحصيل أموالهم في محاولة لمنع خسارة مالية مؤكدة كانت لتؤثر على الفريق كنتيجة للحدث الملغى.

«من بين 20 ألف تذكرة مباعة تمت إعادة 300» يقول مغني الفريق الرئيسي «أمير عيد» المحبط لأنهم على حد قوله خططوا لـ «حفلة غير مسبوقة على مستوى التنظيم والصوت وأجهزة الإضاءة والجوانب التقنية الأخرى – كان محبِطًا بشدة اضطرارنا لإلغاء الحفلة دون تفسير صلب أو منطقي».

بعدها بأيام، فاجأ الفريق معجبيه بإعلان أن الحفلة ستُقام في 22 ديسمبر في «مركز المنارة الدولي للمؤتمرات» بالتجمع الخامس، ما أوقع البعض في حيرة لأن المنشأة تابعة للجيش، لكن عيد أكّد أنهم لم ينظموا الحفلة مع أي من مسؤولي الدولة..

يشرح عيد ما حدث قائلًا: «حجزت شريكتنا في التنظيم شركة «هيدجهوج» المتخصصة في تنظيم الحفلات هذا الموقع، لأننا كنا نبحث عن فضاء واسع في التجمع الخامس ليسَع معداتنا وجمهورنا، وكان هذا الموقع هو الأكثر مناسبة لحدث بهذا الحجم. أيضًا لم تكن الحفلة لتُقام في مسرح المنارة ذاته، ولكن في قطعة أرض مملوكة للمركز».

اعتذر الفريق مرة أخرى لجمهورهم وأبلغوهم أن الحفلة لن تُقام؛ لأن جنازة الضحايا العسكريين في هجوم مطار العريش، والذي حدث في 19 ديسمبر، ستقام في الموقع ذاته. في منشور على فيسبوك أعلن الفريق أنه سيتم تأجيل الحفلة لـ23 فبراير، لكن المعجبين لم يبدوا القدر ذاته من التفهم كما المرة الأولى. «بدأ الناس في إعادة تذاكرهم بالطبع» قال عيد، مفسرًا ذلك بأن «التاريخ يبعد شهران، مما سيفقد الحدث مصداقيته. جمهورنا محبط ونحن كذلك».

في كل هذه المراحل لم يتلقَ الفريق خطابًا رسميًا، ولم يتحمل أي كيان المسؤولية عن قرار إلغاء الحفلة. «كان لدينا جميع التصاريح. جميع الأوراق الرسمية اللازمة كانت منتهية: الرقابة، الأمن، المطافئ» يقول عيد، الذي يكمل: «لا نعلم حتى الآن ما الخطأ الذي حدث في المرة الأولى. نتعامل باستمرار مع افتراضات، لكن أحدًا لا يخبرنا أي شيء بشكل مباشر».

يقول عيد إن الفريق ليس مستعدًا بعد لإصدار بيان رسمي بشأن ما حدث، وإنه وأعضاء الفريق الآخرين مازالوا في انتظار انكشاف المزيد من المعلومات قبل تقرير خطواتهم المقبلة، لأن «هذا الأمر اختبار حقيقي لنا، وسيجيبنا على سؤال:هل نمضي بنفس المعدل؟ هل يساوي الأمر هذا العناء؟».

شكلت حفلة كايروكي الحلقة الأخيرة من سلسلة حفلات الموسيقى الملغاة لأسباب غامضة عبر الأشهر الثلاثة الماضية. بدأت الهيستيريا بحفل فريق «مشروع ليلى» في 22 سبتمبر الذي أقيم في كايرو فيستفال سيتي كأحد فعاليات مهرجان ميوزك بارك.

في الحفل رفع أفراد من الجمهور علم قوس قزح في إعلان عن دعمهم لأفراد مجتمع الميم. عبر الأيام القليلة التي تلت الحفل، وبعدما ظهرت صور العلم المرفوع على الانترنت، دفعت غضبة مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي وهياج وسائل الإعلام الجماهيرية الدولة للقيام بردة فعل قاسية. انطلقت حملة تشهير واسعة استهدفت أناس يعتقد بأنهم مثليون، في حين شاركت قوات الأمن، بشن حملة اعتقالات ضد أفراد بلغ عددهم 57، لم يكن لأكثرهم أي علاقة بالحادث. حُكم على عدد من أولئك المعتقلين بالسجن لمدد تراوحت بين 6 أشهر و6 سنوات بناءً على اتهامات بـ«التحريض على الفسق والفجور».

في الوقت ذاته صرّحت نقابة الموسيقيين، بعد حفلة مشروع ليلى أن «هذا النوع من الحفلات لن يقام في مصر أبدًا بعد الآن» وأن «النقابة ستقف ضد كل الفنون الشاذة».

تضم مصر ثاني أكبر القواعد الجماهيرية للفريق بعد بلدتهم الأصلية لبنان حيث حضر حفلهم المثير للجدل في سبتمبر حوالي 35 ألف معجب، ذلك الحفل الذي كان سيمضي في أحوال أخرى «بسلاسة ودون عقبات» بحسب بهجت علاء، مدير وايد آي، الشركة المنظمة للحدث.

«رُفع العلم لمدة ثلاثين ثانية تقريبًا ولم يلاحظ أيًا منا الأمر في لحظته. كان فعلًا عفويًا تم تضخيمه بشكل كبير، وأعتقد أن الضغط الآت من الناس ووسائل الإعلام المختلفة حوَّل الأمر إلى قضية أمر عام، ما أدى بالدولة إلى التدخل» يخبرنا علاء.

«كمنظم حفلات فأنا أحترم مشروع ليلى الذين كانوا في غاية المسؤولية ولم يتجاوزوا أية خطوط بأي شكل أثناء العرض» أكد علاء، ويكمل: «ومع ذلك فإن التعامل معهم الآن أمر خطر، ومن المؤكد أنه سيتم تجنبهم من جميع منظمي الحفلات في مصر لأن الدولة تعاديهم رسميًا».

في الوقت ذاته لا يبدو أن مشروع ليلى هو الفريق العربي الوحيد الذي تمتلك الدولة مشكلات معه، فبعد حفلتهم بوقت قصير تم إلغاء مهرجان «أشكال» للموسيقى الذي كان من المقرر عقده في 3 نوفمبر بحضور مجموعة من الفنانين العرب والأفارقة الذين يمتلكون قاعدة جماهيرية صلبة في مصر، قبل أسبوع فقط من إقامته، دون أي تفسيرات من المنظمين الذين أعادوا أموال التذاكر للمشترين. ضم برنامج الحدث الملغي: الموسيقية الجزائرية سعاد ماسي، والمغنية المغربية «أوم»، والفريق الفلسطيني «السبعة وأربعين»، وفريق «تيناريوين» الحائز على جائزة جرامي.

حاول «مدى مصر» التحدث إلى مديرين «ناسِل» المنظمين الرئيسيين لـ«أشكال»، لكنهم فضَّلوا عدم التعليق. لكننا تحدثنا إلى محمود يوسف من شركة «صوت ميوزك» التي أدرات أعمال سعاد ماسي، والتي شاركت بشكل غير رسمي في تنظيم المهرجان.

قال يوسف: «تم إلغاء المهرجان لأننا لم نتمكن من الحصول على تصاريح جهاز الرقابة لبعض الفرق. وفي الوقت الحالي يتم حجب أو منع أي محتوى سياسي أو ثوري. اعتبرت الرقابة فريق «السبعة وأربعين» فريقًا ثوريًا، وأيضًا معروف عن تيناريوين معارضتهم لنظام القذافي في ليبيا قبل وأثناء الثورة. فرغم أن هؤلاء الفنانين ليسوا مسيسين بشكل معلن في أدائهم وكلمات أغانيهم فإن خلفياتهم السياسية وقيمهم ليس مرحب بهم من قبل الدولة المصرية».

يرى يوسف رابطًا بين عواقب حفل مشروع ليلى وإلغاء مهرجان أشكال. «من الصعب الآن استخراج تصاريح، المزيد من الأوراق مطلوبة منا ونحن نتعامل مع مستوى أعلى من الانتباه الأمني» يقول يوسف، ويكمل: «مطلوب منا الآن إجابة قسم التحقيق في المصنفات الفنية وحقوق الملكية الفكرية وليس جهاز الرقابة. تلك سلطة أعلى ونحن الآن مجبرون على إخطارهم باسم كل مؤدى يصعد على المنصة ليتمكنوا من التحري عنه».

يقول يوسف إنه لا يمانع في الإجراءات الأمنية الإضافية رغم التكلفة الإضافية التي تتسبَّب فيها للكيانات المنظِّمة فـ«سلامة الجمهور أولوية بالنسبة لنا. إن كانت هذه هي القضية فنحن مستعدون للتعاون»، ويوضح أن «مصدر قلقي هو الحظر الذي يطال أي أثر لمحتوى سياسي».

طبيعة «الحظر» الذي أشار إليه يوسف انعكس في الضربة الأولى التي وجهت لكايروكي في 2017. في يوليو، قبل أشهر من حفلتهم التي تكرَّر إلغاؤها، رفض جهاز الرقابة أربع أغاني من ألبوم الفريق الجديد «نقطة بيضا» وهم: ديناصور، آخر أغنية، هدنة، السكة شمال في شمال. وبحسب أميرعيد فإن الجهاز لم يناقِش الكلمات بحسب التقليد، وإنما رفض الأغاني في مجملهم.

ولأنه لم يكن بمقدور الفريق إطلاق نسخة غير كاملة من الألبوم في السوق فقد اختاروا إطلاقه عبر الإنترنت بإتاحته مجانًا على يوتيوب وساوند كلاود، وأيضًا عبر طرحه للبيع على المتجر الإلكتروني آي تيونز ليصبح أفضل ألبومات العام مبيعًا في الشرق الأوسط. حاليًا يحظي الألبوم بـ200 مليون مشاهدة على يوتيوب في حين احتلت أغنية «الكيف» قمة ترتيب الأغاني التي تم البحث عنها على محرك البحث «جوجل» في مصر في عام 2017.

رغم ذلك يقول عيد إن الرقابة وجّهت الفريق لعدم أداء الأربع أغاني المذكورين في حفلات حية. «كنا نغنيهم على أي حال، لكن قبل الحفلة الأخيرة الملغاة كان هناك تشديد أكثر من العادي على الأمر» يشرح عيد الذي يتساءل «ما هي الفكرة من منعنا من آداء أغنية لـ20 ألف شخص بينما هي متاحة للملايين عبر الإنترنت؟ لا أعلم حقًا».

تزامن قرار كايروكي بتخطي إطلاق الألبوم في شكل نسخ مادية؛ وإطلاقه على الإنترنت عوضًا عن ذلك، مع ما واجهه ألبوم «الإخفاء» للثلاثي مريم صالح وتامر أبو غزالة وموريس لوقا، من تعنت رقابي، ما دفعهم لتخطي الذهاب إلى جهاز الرقابة بالكلية في محاولة لإنقاذ  أغنيتهم«تسكر تبكي» من الحذف من قائمة أغاني الألبوم.

«كنا في موقف حتّم علينا أن نزِن خياراتنا: إما التخلّي عن الأغنية، أو التمسك بقراراتنا وتقبل العواقب باطلاق الألبوم كما هو رقميًا، وهذا ما حدث» أخبرت صالح مدى مصر، فرغم أنه «لم يعد من المربح إطلاق الألبوم في السوق في هيئة مادية، وأن التواجد على الإنترنت يجلب لك المزيد من المستمعين» لكنه «مازال من المهم للموسيقيين بيع الاسطوانات، لأن هذا الأمر مؤشر على حضورنا في المشهد».

لم يكن الصراع حول «تسكر تبكي» تجربة مريم صالح الأولى مع التعنت الرقابي. فرغم أن ألبومها الأول  «مش بغني» (2012) مرّ دون مشاكل مع الرقابة، لكن بعد مرور عام كامل تلقت صالح «نصائح» بألا تؤدي أغنية «حصر مصر»، إحدى أغنيات الألبوم، في حفلاتها الحية. تتذكّر هذا الأمر وتقول: «بدأ الناس فجأة في مشاركتها على الانترنت بادعاء أنها ضد الجيش، الأمر الذي لم أفكر فيه من قبل. توقفت عن أدائها بالفعل لفترة في البداية، لكن بعدها قررت أنني لن أمارس الرقابة على نفسي».

تروي صالح أنه أثناء زيارتها للجهاز بعد ثلاثة أعوام من أجل إطلاق ألبومها الثاني «حلاويلا» في 2015، الألبوم الذي تعاونت فيه مع الموسيقي اللبناني زيد حمدان، استقبلها أحد المسؤولين بالجهاز بالتوبيخ قائلًا «آه إنتِ مريم اللي غنت حصر مصر؟»، قبل أن يستطرد «الأغنية كانت جيدة التلحين لكن الكلمات قاسية» محذرًا إياها من غنائها مرة ثانيةً.  تقول صالح: «كان الأمر كأنهم يعنفونني، رغم أنهم مرَّروا الأغنية بأنفسهم وكل هذا بسبب بعض الأقاويل على مواقع التواصل الاجتماعي».

تقول صالح إن الجهاز شديد التأثر بالضغط الشعبي، وفي رأيها أن الرقابة المفروضة من المجتمع تشكل عقبة حقيقية. «نحن غير قادرون على المواجهة، على النظر إلى واقعنا كمجتمع، وأعتقد أن هذه هي المشكلة الحقيقية. أشعر أننا في ألبوم الإخفاء كنا قادرين على تحدي ذلك عن غير قصد» تقول صالح وتضيف: «أرى تشابهات بيننا وبين مسلسل سابع جار والجدل الذي يثيره. الناس غير راغبون في التفكير أو مساءلة ما يعرفون. بدلاً من ذلك يسارعون بإلقاء الاتهامات، وهذا هو تحديدًا نوع المواقف التي تقوّي الرقباء وتدعوهم لرفض الأعمال الفنية».

تستكمل صالح حديثها: «المواطنون العاديون يرسلون رسائل لجهاز الرقابة ويُدعون لاتخاذ موقف قانوني ضد الفنانين. كل ذلك يجري بادعاء الحفاظ على الأخلاق. الفنانون في مصر معتادون على التعامل مع الجهاز ويعرفون كيف يتعاملون معه. لكننا الآن مواجهون بشكل مضطرد بحشود من الناس تحاول إسكاتنا وتطلق علينا أحكام قاسية دون أي محاولة حقيقية لنقد الفن ذاته».

تظن مريم أن هذه العدوانية تحرِّض الدولة على وضع نوع معين من الفنانين في إطار واحد، ولا تأخذهم أبدًا على محمل الجد. تشرح هذه النقطة: «السلطات تتعامل مع الموسيقىين المستقلين كأنهم كيان أصم واحد. من الأسهل بالنسبة لهم جمعنا جميعًا تحت تصنيف واحد، وحشرنا في إطار ما. إنهم متحمسين دائمًا  لتفريقنا عن الفنانين (الحقيقيين). بالنسبة لهم نحن مجموعة من الصبية الغاضبين المنهمكين في السباب. مجموعة من الصبية لا ترتقي لكونها أي شيء».

لكن هذا العام تجاوز الغضب الشعبي وتدخل الدولة في الفنون المشهد الموسيقي المستقل ليصل إلى المزيد من الموسيقيين والمؤديين على اتساع طيف الصناعة.

في نوفمبر الماضي عاد فيديو لنجمة موسيقى البوب والشخصية المفضلة لوسائل الإعلام «شيرين»؛ تسخر فيه من تلوث النيل أثناء حفلة لها في الشارقة، للظهور بكثافة على الانترنت. مُنعت المغنية من الغناء لمدة شهرين، وتم استدعائها للتحقيق من قبل الشؤون القانونية بنقابة المهن الموسيقية، التي قال نقيبها في بيان تَبع القرار: «نحن بحاجة لأن نهَب أنفسنا لدعم هذه الأمة ثقافيًا وفنيًا خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخها».

بالإضافة للمنع، تواجه شيرين دعوى قضائية أقامها محامي يدعى هاني جاد يتهمها فيه بـ«إهانة مصر» بناءً على سخرية المطربة من بلادها في الخارج مما يضر بجهود الحكومة المصرية في إعادة إحياء السياحة. ومن المقرَّر أن تنظَر القضية في محكمة جنح المقطم في 30 يناير بعد تأجيلها من 23 ديسمبر. من الملحوظ أن هذه الغضبة ضد شيرين أتت بعد وقت قصير من بداية إذاعة برنامجها التليفزيوني «شيري ستوديو» على قناة أبو ظبي، وبعد أشهر من إعلان أنها في مفاوضات للتعاقد على موسم جديد مع سلسلة قنوات «دي إم سي» الفضائية الممولة من قبل الجيش حيث عرض الموسم الأول.

«الدستور المصري يعطي الحق فقط للنائب العام في مقاضاة الفنانين وذلك لحماية حقهم في الإبداع» بحسب محمود عثمان، المحامي في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، لكن «القانون وجد طريقة للسماح للمواطنين بإقامة الدعاوى القضائية مباشرة للمحاكم المختصة في بعض الحالات من خلال (الجنح المباشرة) وهو أمر غير دستوري».

بعد أن أطلقت المغنية «شيما» فيديو كليب «عندي ظروف»، والذي أثار الكثير من الجدل على الانترنت، لما اعتبره العديد من المشاهدين «محتوى غير لائق» و«خادش للحياء العام»، كان عليها مواجهة غضبة نقابة المهن الموسيقية. وبالفعل، وفي 26 نوفمبر الماضي، تم سحب رخصة المغنية، مع بيان يدعي أن القرار أتى «في سياق الدور الأخلاقي الذي تلعبه النقابة في الارتقاء بالفن». بعد أيام في 13 ديسمبر الماضي، اتهمت شيماء، التي كانت كُرمت في وقت سابق في مهرجان القاهرة للإعلام، بـ«التحريض على الفسق والفجور»، وتم اعتقالها وحُكم عليها بعامين في السجن وغرامة 10 آلاف جنيه.

تبع ذلك سلسلة من الاعتقالات في حملة قادتها النقابة ونفذتها الشُرطة للسيطرة على ما اعتبرته النقابة «فن منحط أخلاقيًا». في سياق هذه الحملة تم إلقاء القبض على ثنائي الراب «أحمد محمد نافع» و«محمود جمعة قرني» في 19 ديسمبر باعتبارهم «محرضين على الفسق والفجور»، بسبب أغنية المهرجانات ذائعة الصيت «دلع تكاتك»، وتم تحويلهم إلى المحاكَمة العاجلة. سيبقى المغنيان قيد الحبس حتى انعقاد جلسة المحاكمة التالية في 24 يناير الحالي. في الوقت ذاته تواجه مغنية أخرى تعرف باسم «إغراء» المصير ذاته بعد اعتقالها في 20 ديسمبر بناءً على اتهامات مماثلة لما وصفته النيابة بفيديو «خارج جنسيًا» لأغنيتها «أنا عايزة واحد»، الذي صدر مطلع العام الماضي.

«المادة 67 من الدستور تمنع معاقبة الفنانين على محتوى أعمالهم، وهذه المادة موجودة تحديدًا حتى لا يتم المساواة بين عمل فني وبين فعل مخل مثل التبول في الشارع»، يقول عثمان، ويكمل: «الإبداع أمر مختلف. القوانين العادية المستخدمة لتطبيق الأخلاق العامة مثل قانون مكافحة البغاء أو الحفاظ على الحياء العام لا يمكن استخدامها لتقييم عمل فني».

أما بالنسبة لجهاز الرقابة فقد كان رده على فيديو «شيما» وتبعاته هو التوقف عن إصدار التصاريح الروتينية الفورية لكلمات الأغاني، وإجبار الكتاب على تقديم كلمات كل أغنية على حدة للمراجعة في فترة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين. بعد الموافقة على الكلمات بإمكان الكاتب والملحن استصدار تصريح نهائي للأغنية قبل التسجيل.

يعتقد أمير عيد أن القضية أكبر من محاولة لقمع حرية التعبير، فـ«أغلب منظمات حقوق الإنسان والنشطاء يتحدثون عن مشاكل الرقابة من وجهة نظر قانونية متجاهلين الجانب الذي يجعل من الصعب التعامل مع الأمر». يصف عيد هذا الوضع بأنه ليس قانوني أو حتى عقلاني، فالأمر أبعد من ذلك لأن«هذه الشبكة المعقدة بأكملها موجهة لتدميرك أوتوماتيكيًا حالما تبلغ حدًا معينًا للنجاح دون الحاجة للتدخل الواعي من أي شخص».

أخبرنا عيد أن الجهاز رفض أغنية الكيف في البداية رغم أن الأغنية ضد تعاطي المخدرات، بل إن البعض اعتبرها شديدة المحافظة، مضيفًا أنّهم «مرَّروها فقط بعد نقاشات مطوَّلة شرحنا فيها لهم موضوع الأغنية. لا قواعد تحكم اختياراتهم، لا نمط لنتبعه».

يظن عيد أن الغرض الحقيقي من الجهاز هو إخفاء الفنانين الذين لا تفضلهم الدولة. «لديك ملايين المستمعين إلى موسيقاك والمشترين لألبومك، لكنهم يريدون إبقاءك في تلك الزاوية، لتظل  مجرّد فريق صغير يحاول أن يعتلي سلم البقاء: ليس لديك اسطوانات في المتاجر، أنت غير متواجد في التليفزيون أو الراديو، أنت مهمش بالكامل» يشرح عيد، ويكمل: «لكننا غير مهتمين بأن نكون ضحايا، ولا نرغب في هدر وقتنا وطاقتنا في محاربة أشباح. نحن نرغب فقط في الاستمرار في صنع الموسيقى كما فعلنا دائمًا».

ترجمة محمد الحاج

اعلان
 
 
حسين حسام