Define your generation here. Generation What
حوار من أربعين عامًا مع لورنس داريل: أنا شاعر فاشل أكتب الرواية لأعيش
 
 
داريل في استراحة من الكتابة في اليونان
 

هذه ترجمة لحوار، سُجِّل في عام 1977 في بيت لورنس داريل بمدينة سوميير [جنوبي فرنسا]، ونشر بصيغته الأصلية في العدد رقم 1 من مجلة «فاونتينز  Fountains» الصادر سنة 1978، وأجرى الحوار كل من بيتر بيتسون،  وهارييت لاينز، وروبرت لاينز، وتُرجم من الإنجليزية.

مع المعماري حسن فتحي والمصوّر ديمتري بابا ديموس في القاهرة

ـ نفهم أنك تعتزم الذهاب إلى مصر في رحلة قصيرة لعمل فيلم، هل لنا أن نسألك عن موضوعه؟

ـ يريدون مصر التي رأيتها، في حين أنني لم أر مصر قط مثلما ينبغي. بل كوّنتها كلها من الكتب! وعليّ الآن أن أستعيدها بسرعة. ولكنه مجرد فيلم وثائقي، فلعلي أفلت بجَمَل هنا وهناك، أو دبلوماسي يصيح.

الأمر المرعب هو أن مصر التي وصفتها في الرباعية لم تكن متاحة لي أصلًا وأنا أكتبها: كانت قد اختفت قبل عشر سنوات. وبالتلفيق والألاعيب حملت الناس على الاقتناع بأنها حقيقية، حتى من عاشوا فيها. فالسفير الإنجليزي على سبيل المثال قال لي: «لكن مؤكد يا داريل أن حي الدعارة كان هنا في الإسكندرية؟»، فقلت له: «لا يا سيدي. بل نقلته من القاهرة. لم يكن له وجود حينما أتيت إلى هنا. كان مونتجمري (قائد القوات البريطانية في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية) قد طردهن جميعًا، رمى جميع العاهرات في الصحراء». قال: «اللعنة يا داريل، أنا على يقين تام مما أقول. أليس من شارع صغير …؟»، قلت: «لم يكن له وجود خلال مدة خدمتك هنا يا سيدي. ستجد أن هذا وصف للشارع القائم في الحي الأزرق خارج القاهرة». قال: «أوه، أتذكره. الحي المنبوذ»، قلت: «هو بعينه. ما الذي كنت تفعله أنت فيه؟».

ـ إذن إسكندرية داريل مكان مختلف عن الإسكندرية الحقيقية؟

ـ نعم، والأمر فظيع. لا تتوقف رسائل الناس التي يطالبونني فيها باسترداد نقودهم لأنهم لا يجدون تلك الإسكندرية. [جيمس] جويس دقيق نسبيا بالنسبة لما يتعلق بدبلن، أما أنا فلا يعثرون على إسكندريتي لأنها لم توجد أصلًا. كوَّنتها مثلما يكوِّن الطفل مما يسمعه. جلستُ في المقاهي وقد خوت ممَن يظهرون شخصياتٍ حاضرة في الرباعية، وهي شخصيات أصيلة بذلك المعنى، ولكن إسكندرية الرباعية في الأساس مختلقة.

ـ وضعت الرباعية مصر على الخريطة الأدبية بالنسبة لكثير من القراء الغربيين، وأظهرتها شديدة الفتنة. كيف كان شعورك شخصيًا تجاه البلد؟

ـ كرهتُ مصر. ولا ذنب للمصريين المساكين في ذلك. كانت فترة عصيبة: حرب، وجيوش وما إلى ذلك. لم يكن مناخًا مشبعًا لي. عندي شيء من الهوس بالبلاد. فمنها ما يغذِّيني، ومنها ما يتركني ميتًا. الأرجنتين مثلًا، أماتتني تمامًا، برغم أنني كوَّنت بعض أفضل صداقات عمري هناك.

ـ ما شعورك إزاء سمعة رباعية الإسكندرية وكونها لا تزال إلى الآن، أو احتمال كونها، أشهر عمل في إنتاجك كله.

ـ هي الأكثر مركزية ضمن كل ما حاولت عمله، وأنا سعيد أشد السعادة ببلوغها المدى الذي بلغته. والفضل كله يرجع إلى زوجتي كلود التي التقطت قرابة 4270 خطأ في النسخ الأولى. فقد وقعتُ في ما لا حصر له من أخطاء ناجمة عن الخلط، وكان لا بد من تصحيحها، لكن ما أذهلني هو أنها كانت جميعًا أخطاء بسيطة في الزمن. وكان حل الموقف بسيطًا عند تجميع النسخ، بمجرد قولي «في وقت لاحق» بدلًا من قولي «في الأسبوع التالي»، وبتلك الطريقة، أي دونما التدقيق في الزمن، حافظت على سيولة الموقف. لم يكن في الرواية خطأ كبير، وحين أرادوا في هوليود أن يعدوا فيلمًا من جوستين لم يعثروا على أكثر من سبع ثغرات ولم تكن بالغة الأهمية. منها على سبيل المثال أنني نسيت قولي عن شخصية إن لديها قطة أليفة، ثم قلت لاحقًا إنها تعيش بدون أي حيوانات أليفة، لكنهم لم يعثروا على أي فجوات حقيقية في التتابع العام.

صورة أفيش فيلم جوستين

ـ كيف كان رأيك في النسخة السينمائية من جوستين؟

ـ مقرفة. أرادوا أن يخرجوا منها بقصة أحادية الخط فوضعوا لها فريقًا من عقولهم الأشد إنهاكًا ليرغموها على ذلك. وقلت لهم: «أنتم تشترون كتابًا ضد السينما. وفعلا لا ينبغي أن تشتروه. من الجنون أن تحوِّلوه إلى فيلم». السينما لا تستطيع أن تتعامل مع شيء يتناقض مع نفسه. واجه الأمريكان مشكلات حقيقية مع ما اعتبروه جنونًا مني في مقارنة المنتجات الثانوية الفلسفية المتعلقة بالزمان والمكان وكل تلك الرطانة ذات الطبيعة الأينشتنية. لكن الألمان الكبار الأعزاء جاؤوا يتمايلون بأطروحاتهم وأقرُّوا كلامي.

الرباعية أقرب إلى مشكال kaleidoscope ورقي صغير مقام بغموض على نثار من مبادئ النسبية. هل تعرفون المشكال الصغير اللطيف الذي يصنع من الأشكال الإقليدية الأساسية والذي كان جوتة مجنونًا به؟ ما كنت أفعله أنا كان مثل ذلك.

ورجوعًا إلى ما أشرتم إليه من نجاح الرباعية، لا بد للكتاب أن يحقق مستوى عالميًا لكي يحظى بدراسة جادة، والرباعية وصلت الآن إلى ذلك المستوى. غير أن هذا الأمر قد يكون رهيبًا، لأن الطلبة يأتون ويطرقون الباب حاملين أطروحاتهم ويفترض بي أن أقول نعم أو لا، وإلا فإنهم لا يحصلون على شهادات الماجستير. وكثيرًا ما لا تكون الأطروحات جميلة على الإطلاق. فلا يعرف المرء ماذا يفعل.

ـ هل تقرؤها؟

ـ لا، ترميها ابنتي في حمام السباحة! غير أنني أرد على الرسائل الجادة. وبكوني هذه البريمادونا اللعينة، فإنني أقدِّرهم كثيرًا، تصلني أكثر المقالات أهمية، وتبصرًا، بالفرنسية والألمانية والإنجليزية. هذا يختلف عن التلميذات اللاتي تفتنهن شخصية فيقرِّرن أن يتخذن منها مهنة ويجعلنها موضوعًا لأطروحة ماجستير. وبمنتهى المكر، يحاولن مراسلتي «سيدي العزيز، لقد وقع عليك اختياري…». أرد على هذه الرسائل بأكثر ما أستطيعه من التهذب، لكن لا يكون عليّ إلا كتابة شيء من قبيل «شكرًا على بحثك اللطيف الطيب إلخ» فتذهب إحداهن بالرسالة تعرضها على المشرف قائلة: «أنا على اتصال بداريل وهو يوافقني الرأي». ومن ذا الذي يرفض منح درجة الماجستير لشخص يوافقه الكاتب؟ الأمر صعب للغاية -وأنا لا أحاول التأثير على المشرف المسكين.

ـ لا بد أنك تنزعج من كثرة المعجبين المجانين من هذا النوع أو ذاك، ومن بينهم المحاورون أمثالنا.

ـ هذا يحدث معي طول الوقت. ولعلكم تتذكرون مثلًا أنني استدعيت إلى الباب قبل قليل؟ كان ولد واقفًا هناك: «سيدي، يسرّني أن أتعرف بك. أنا أمثِّل جمعية تضم ثلاثين شابًا من جنسيات مختلفة يجوبون أوربا كلها في أتوبيس. ونحاول أن نقابل شخصًا في كل مدينة نمر بها. والأتوبيس موجود هنا. فهل لديك استعداد للحديث معنا؟»، هذا يحدث طول الوقت. سيدات في شعورهن مسحة من الأزرق تقول لي إحداهن: «أريد فقط أن أشد على يدك!» وإذا بثلاثين منهن يردن أن يشددن على يدي، وإذا بالصباح كله قد ضاع. الأمر رهيب فعلًا. ومع ذلك مفهوم. فكثير من الفنانين المغتربين أقاموا ويقيمون في جنوب فرنسا، وطبيعي أن يهتم الناس.

في الحقيقة، هذا الأمر المتعلق بإقامة الفنانين المغتربين في بروفنس ليس بالأمر المثير جدًا. ويحسن ترك هذه الأمور لعلماء الاجتماع والمصورين الفوتوغرافيين الذين يجمعون ألبومات لوضعيات الشعراء ويطلبون منهم نصوصًا قصيرة تنشر معها. لا أعتقد أن الأمر بالغ الجدية، لأنه لا يوجد -في الحقيقة- شيء أصيل مشترك حقًا بين داريل المسكين، وبيكيت المسكين، وبيكاسو المسكين، أو أيٍّ ممن علقوا هنا في الجنوب. أنا أحب الشمس، لكن كل الناس تحب الشمس، فلا يمكن أن يكون هذا هو المشترك الوحيد بين أولئك المغتربين. الأمر مختلف بالنسبة لمن ينتمون فعلًا إلى بروفنس. ثمة سبب وجيه لوجود [الروائي الفرنسي جان] جيونو Jean Giono أو ديلافويه Delavouët في الجنوب.

ـ وعلى الرغم من أنه لا تكاد توجد مشتركات بين المغتربين المتنوعين، فهم يشتركون في تجربة الاقتلاع من الجذور. ما أهمية تجربة الاغتراب في حياتك؟

أمر رهيب أن تكون للمرء لغة ويعيش دائمًا في لغة أخرى، أن يعيش ويمارس الحب بالحد الأدنى من الإنجليزية أو اليونانية، بدلًا من الإنجليزية العادية، أو أن ينفق حياته كلها مع زوجات فرنسيات، وهو يتكلم فرنسية رديئة. أمر باعث تمامًا على الجفاف. حينما يقوم المرء بالبناء في لغته الخاصة، فهذا أصعب كثيرًا مما لو أنك مزروع حقًا، ولا تعرف شيئا من الفرنسية اللعينة ولكنك سعيد بالحياة في ساسيكس أو غيرها. حينئذ يكون بوسع المرء أن يخرج بما لا يتجاوز العمود في بناء.

لو أن المرء مقتلع مثلي لا يكون بوسعه أن يغرس مادته على النحو المناسب، ويتهاوى موضوعه فتاتًا وحطامًا، يصبح طرفة، يصبح عابرًا، مارًا، غير مستقر. عليّ أن أعوض ذلك بالخداع على مستوى الشكل والألاعيب هنا وهناك. وهذا أقرب إلى النصب. ولعل هناك قدرًا ضئيلًا من الإفراط في البراعة لملء المناطق المفقودة.

الأمر مختلف بالنسبة لكاتب مثل باتريك وايت. لقد أحببتُ عمله قبل وقت طويل من اشتهاره. هو كاتب هائل: لديه هذه البنيات اللطيفة. أعتقد أن الروايات ينبغي أن تحتوي خطوطًا بنائية لا أن تكون فتاتًا وقطعًا. لكنه محظوظ جدًا بانتمائه إلى مكان ما. وهناك رجل آخر أعشقه في ما يتعلق بالبناء، هو جون فاولز، المندمج بكل معنى الكلمة شأن صول بيلو. لكن هؤلاء الناس ينتمون إلى أماكن. أما أنا فلا أعدو زنجيًا أبيض هاربًا.

ـ هل كنت تود لو أنك مغروس انغراسًا في التربة الإنجليزية؟

ـ لا، لا. لكن الأمر بدأ قبل زمان من ذلك. أنا إنجليزي هندي، والجذور التي اقتلعت منها كانت مغروسة حقًا في مكان ما على مقربة من مدينة دارجيلينج [في الهند]. ثم اقتطعت، مثلما اقتطع [روديارد] كيبلنج، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة ورميت في مدرسة حكومية إنجليزية. ومنذ ذلك الحين لم يملأ الفراغ أحد. وانظروا ما الذي جرى للشيخ كيب المسكين. عانى أشد المعاناة في اقتلاع كيم [كيم عنوان أشهر رواية لكيبلنج، ترجمها د. محمد عناني] من نظامه، انظروا الكتب الكارثية التي كتبها منذ أن التهمه اللوياثان الإنجليزي فصار ما يشبه شخصية عامة. كان أمرًا مأساويًا، مأساويًا بحق. ذلك فتى أصيب حقًا بجرح عميق الغور، بانفصاله عن عائلته. لقد كان وطنه الحق هو الهند. والهند كذلك بالنسبة لي، لولا أنني لا أحب الصراصير.

ـ هل تركت طفولتك في الهند أثرًا دائمًا عليك؟

ـ شوفوا، هناك تعرفت للمرة الأولى على مسألة اليوجا. واليوجا هي التي داوتني من التدخين. كنت أدخِّن ثلاث علب في اليوم. وأنا الآن أمارس اليوجا منذ ثمانية أعوام. التبغ في واقع الأمر هو الذي رحل عني. جرَّبت كلَّ شيء: تدخين نصف الكمية، عدم التدخين إلا من تبغ الآخرين (وهذه طريقة مضمونة لفقدان جميع أصدقائك)، ولم أملك من أمري أي شيء. كان مزاجي يتعكَّر. وذات يوم جميل، بعدما بدأت أقف على رأسي وأتنفس وما إلى ذلك، رحلت الرغبة عني.

كنت أكثر انشغالًا بالتدخين مني بالشرب. واجهت مشكلات قبل سنوات قليلة حينما كنت أعاقر الخمر بمنتهى منتهى الإفراط. كنت أشرب زجاجة جين كل يوم، وهذا أكثر كثيرًا مما ينبغي لأي شخص، ومع ذلك لا كنت أسكر ولا كنت أبتهج، كنت أشعر فقط أنني في منتهى الوحدة. كتبت روايتي «حينذاك» Tunc و«أبدا» Nunqua في ظل ظروف شرب بشعة، ولذلك لا تجدونهما في غاية الإحكام. ومع ذلك، أقلعت عن الويسكي والجين بشيء من السهولة، بفضل اليوجا.

لكن الأمر ليس هاجسًا. فحينما يأتي أخي إلى هنا قد نسهر الليل كله في بعض الأحيان ونسكر ولا أمارس أي يوجا على مدار يوم. ولكنني دائم الرجوع إلى المسار. أنا لا أتكلم هنا عن دين، بل هي مجرد غواية. عن لذة. وكلما كبر المرء، أصبح أكثر انضباطًا. أنا مجنون بمسألة القدرة على السباحة السريعة، وأنا الآن قادر على السباحة بسرعة في حمام السباحة بفضل الإقلاع عن السجائر ولا شيء آخر.

ـ هل ممارسة اليوجا مسألة بدنية محضة؟

ـ لا. لكي يصل المرء إلى حدها الأقصى، لا بد أن يمر ولو قليلًا بجانبها التأملي، وإلا فإنها تصبح تمرينات سويدي، قد يستوي بها في هذه الحالة أن يذهب المرء للعب الرجبي.

الحقيقة أن الموضوع هائل، والمرء بجانبه ضئيل إلى حد مثير للشفقة، وأعتقد أن ما أعتبره أسلوبي في اليوجا كفيل بإضحاك الحكماء حد البكاء: الزحف على الأرض، الوقوف على الرأس وما إلى ذلك. غير أنني أشعر أنه أشبه بممارسة الانزلاق على المنحدرات لمن يريد تعلم التزلج على الجليد. فليس من السهل أن يمارس أحد قفزات التزلج كل يوم، لكن بوسعه أن يتحكم تحكمًا رائعًا في تنفسه وهدوئه وحسه الفكاهي.

ـ وحس الفكاهة في واقع الأمر مكوّن أساسي في كثير من كتبك. في «أبدا» Nunquam على سبيل المثال، حكيت قصة وباء غريب في مكان ما بآسيا، في خلاله بات الرجال على يقين من أن أعضائهم الجنسية سوف تنسحب إلى أجسامهم، فمضوا يتنقلون وهم ممسكون قضبانهم خشية أن تختفي. وأضفت هامشًا أكدت فيه للقارئ أن هذا حقيقي. واضح أنك فكرت أن الناس سوف يقولون إن «داريل ذهب إلى أبعد مما ينبغي هذه المرة».

ـ نعم. «عملها مرة ثانية». الشيء المدهش هو أن ذلك كان حقيقيًا، وأنه كتب في «الجريدة الطبية البريطانية». صديق قديم لي قرأه في كاثامندو [بنيبال]، وبعثه لي بالبريد الجوي. كانت قصة لطيفة حقًا، وشعرت أنني لا أقوى على إهدارها. لا يمكن أن يخترع المرء أشياء تطاول الواقع. وهذا من الأمور المحزنة في مهنة الكتابة. من ذا الذي يستطيع أن يبدع مثل هذا؟!

ـ أليست لديك مخاوف من سرقة القصص من الحياة الواقعية بتلك الطريقة؟ ألا ينبغي أن يحاول الكاتب أن يكون أصيلًا؟

ـ لا يمكن للكاتب ولا ينبغي له أن يتخوف من استعارة مادة، سواء من الحياة الواقعية أو من كتب أخرى. ولا أتكلم طبعا عن السخافات. أنا شديد الحذر من السب والقذف. وأهم من ذلك أنني لا أحب إيذاء مشاعر الناس. فلست مثل بن جونسن Ben Jonson الذي يمكن أن يفقد صديقًا ولا يفقد نكتة جيدة. أما أنا فأفضل أن أحتفظ بالصديق وأختزن النكتة.

بعيدًا عن ذلك، كل شيء تقريبًا كتب بالفعل، والله وحده يعلم إلى أي مدى تشبعت ذاكرتنا، أو العتبة الدنيا من الذاكرة. فلعل ما أفعله لا يعدو أنني أعيد كتابة الأخوين جريم بعدما نسيت حكاياتهم تمام النسيان. فمن الأصيل بحق الجحيم، وبأي معنى؟ لا لم أشعر بأي مخاوف حيال ذلك. الشيء المهم هو رد الدين. لو أن بوسع المرء أن يرد الدين مضيفًا إليه لقمة، لقمة تخصه، فهذا هو الالتزام. وصعب جدًا عمل ذلك، ولكن الوصول إليه رائع.

موقفي من الحياة قد يبدو على قدر من التفاهة، لكن الحياة في واقع الأمر تميل إلى أن تزداد ثراء لمن يستخف بها قليلًا. [وليم] بليك كانت لديه فكرة، أم ماذا؟ قال: «ملعون التوتر، مبارك الاسترخاء».

في اليونان، مع فيليب شيرارد وأوستن هاريسون

ـ طبعًا، روايتك كلها ليست مجرد روايات فكهة. كثيرًا ما يكون فيها الغامض، والمقبض، والكامن تحت السطح. فعلى سبيل المثال ذكرت في معرض كلامك بحوار إذاعي حديث أن ما يجعل لانكويدوك Lanquedoc تختلف عن اليونان هو الإحساس الغامض شبه التراجيدي الذي يمكن العثور عليه هنا ولا يوجد بالقدر نفسه في اليونان. هل يمكن أن تسهب قليلًا في ذلك؟ هذا سيمنحنا فرصة للنفاذ في أعماق أعمالك، كما سيجعلنا نقدم في هذا الحوار أحدث رواياتك «السيد أو أمير العتمة» Monsieur or the Prince of Darkness التي تجري أحداثها هنا في الجنوب.

ـ بالطبع يمكن الشعور بإحساس الدم واليأس على نحو فاجع في اليونان أيضًا، في مدينة مايسيني [اليونانية] وما يماثلها من أماكن، لكن عتاقة المشهد، وعتاقة المسرحيات اليونانية القديمة والغموض المحيط بها، يضع اليونان في فئة مختلفة. اللعبة القائمة هنا هي الصوفية: هي القديس يوحنا الصليب، هي المسيحية باختصار. الدم المسفوح، نعم، لكنه الدم المسفوح الذي يبدأ فعليًا بالقديس أوغسطين.كل ما هو شَبَحي، ويجري هنا على مروج الجنوب، يعود بطريقة ما للأمازيغ، والسرسان، وهذا الجزء من للعصور الوسطى.

ـ عند قراءة «السيد»، ليس من السهل دائمًا على القارئ أن يعرف بأي قدر من الجدية تريد منه أن يتعامل مع العنصر «الشبحي» الذي ذكرته للتو. هل ألغاز هذا الكتاب -لا سيما العنصر الغنوصي- مجرد جزء من لعبة أدبية، أم أنها تشير إلى حقائق سرية كامنة وراء تلك الألعاب؟

ـ تأتي الرواية في قالب استقصائي. وهي ببساطة تطرح هذا السؤال: «هل الأنا مفهوم صالح للبقاء؟ هل ثمة شيء اسمه الأنا الثابت؟». هيا نرى!

نحن نشعر بالأمان في أعمالنا وحياتنا وتنفسنا، لكن هل نحن في واقع الأمر أشبه بقطعة في فيلم قديم، حيث ثمانية وعشرون إطارًا في الثانية، تتابُع وتتابُع وتتابُع وتتابُع، أم ترانا إطار جامد؟ هذا السؤال أتيت به من الشرق، وهو في تقديري سؤال مشروع. ومثلما قلت من قبل، لقد تنفست اليوجا كلها وأنا طفل في دارجيلنج، فما هي بالشيء الذي استخلصته من الكتب في المتحف البريطاني. أشعر أن وجهتي تحددت بتلك الطريقة، فلما حدث وصادفت الشيء المدعو بالمسيحية لم يثر اهتمامي بثلاثة مليم. وما كان بوسعي أن أتثبت من أي من ذلك. لم يحدث إلا حينما أعدت اكتشاف لاو تسو والصينيين، وكذلك الغنوصية، أن أدركت أنني أكثر انتماء إلى ذلك الجانب من المعادلة منه إلى هذا الجانب.

ـ ما الفارق الجوهري بين الفكرين الشرقي والغربي؟

ـ يرجع الفارق إلى ما كنت أقوله حالًا عن واقع الأنا بوصفها كيانًا ثابتًا. الذات محض اختراع فكري. نعدها الواقع ونبتهج ونستكين إلى أنانا الصغيرة اللطيفة، لكن المشكلة في واقع الأمر تبدأ من هنا. من خلال التأمل يحاول المرء أن ينزع القيود التي تربطه بمفهوم الأنا. ومن مباهج اليوجا أن بوسع المرء ممارستها بدنيًا أو ذهنيًا، ولكنها تمارس على أية حال. وتضع في رأس المرء سؤالًا هائلًا عن ثبات ومعقولية ما يسميه الأنا، السيد أنا.

رجوعًا إلى سؤالكم عن الفارق بين الغرب والشرق. الفلسفة الغربية منحتنا كل تلك الأشياء البديعة كالقنبلة الذرية وكل ما يشاكلها. ولست أنتقد! لأنني أعتقد أننا كان يمكن أن نحصل عليها من الشرق أيضًا، إذ لا بد أنهم مارسوا مثل ما مارسناه من أنشطة فكرية لاهية مَرضيَّة. الهند بلا أدنى شك مدانة شأن غيرها. لكنني أعتقد أنك إذا اضطررت إلى تحديد فارق أساسي في التوجه، لوجدته قائمًا على فكرة الأنا. الظريف الآن أنه بعيدًا عن قيام الفيزيائيين الغربيين بشطر الذرة، فإن علماء النفس والأطباء النفسيين شطروا مفهوم الأنا، ففتح هذا الطريق إلى المداواة والراحة، وهو ما يقترب كثيرًا من أفكار اليوجا، بمعنى من المعاني. أنا في واقع الأمر أرى أن كلا النظامين يتقدم صوب نقطة مشتركة، عندها يمكن أن يستفيد الشرق بالكدِّ، ونستفيد نحن بالراحة. أنا في غاية التفاؤل.

ـ أقمت موازاة بين الفيزيائيين في شطرهم الذرة وعلماء النفس في شطرهم الأنا. هل أنت منغمس في أعمال سادة علم النفس الكبار؟

ـ نعم، أنا واع أنني عالم نفس متعفن، ففي يسراي دائمًا [كارل] يونج مفتوح وفي يمناي [سيجموند] فرويد مفتوح. تعرفون طبعًا أنه منذ فرويد لم يعد بالإمكان كتابة عمل مثل هاملت. وحتى لو أن تلك النظرية المتعلقة بهاملت قد تكون خطأ من ألفها إلى يائها، فإن أثرها طاغ ونافذ، فكلما أوشك امرؤ أن يشرع في كتابة هاملت زماننا هذا يكون لزامًا عليه أن يتوقف ويقول: «اخرس تمامًا، هذا لن ينفع».

ـ كيف يرتبط شطر الأنا الفرويديُّ برواية السيد؟

ـ أنا أستعمل البحث في الأنا استعمالًا دمويًا ومحليًا. مدينة أفينيون [في جنوب فرنسا] هي المحور. الغنوصيون -والكاثار [Cathars وهم طائفة من الغنوصيين] وفرسان الهيكل Templars-  كانوا آخر السادة، وذبحهم الكاثوليك ذبحًا هنا في الجنوب. الهرطقة الغنوصية اجتثت من لانجويدوك بمذبحة الكاثار قديمًا في القرن الثالث عشر، بدم بمجزرة شاملة تلتها لفرسان الهيكل في مطلع القرن الرابع عشر. من المؤكد أنهم كانوا يتعقبون الغنوصية. وفي نهاية المطاف، مثلما يقول العقاد -وهو غنوصي الزمن الحالي المصري في رواية «السيد»- جوهر العقيدة في الغنوصية هو أن الإله اليهومسيحي غاصب متسلط شرير اغتصب مكان إله المحبة. ولو أنك قلت لليهود والمسيحيين والمسلمين إن الإله الذي يعبدونه هو في واقع الأمر «أمير الظلام»، فأنت تبحث عن المتاعب.

لكن نسخة الإله اليهومسيحية غير قابلة للتصور أصلًا في الفكر الشرقي. وهنا سر كل الفوضى والحيرة التاريخية الرهيبة في المجتمعات التوحيدية. هذه فكرة فاحشة. والفحش يبدأ من أبعد نقطة، يبدأ هنا مع المسيحية المريعة.

ـ المسيحية فحش؟

ـ هسسسس. ولا كلمة. الأقباط بالمناسبة لديهم مسيح لا بأس به فعلًا من وجهة نظري. هل قرأتم الرسائل الغنوصية؟ يسلِّمون فيها بوجود يسوع آخر يتكلم بصورة أقرب إلى بول فاليري وهو ما يمكن أن يريح أي شخص. الدعاية المسيحية المضادة طردت جميع الصغار من القاعة. اعتبروهم هيبيين طوال الشعور، وطردوهم من الإسكندرية، وطاردوهم حتى البلقان. كان شاعر القرن الخامس عشر فيلون Villon منهم، ويقولون إنه اختفى في هذه الأنحاء في روسيلون Roussillon. وتكشف أنشودة هائلة حلت شفرتها أخيرًا أنه كان ينتمي إلى طائفة من العقيدة الغنوصية، فليس غريبًا أن تكون آخر آثاره قد ظهرت في روسيلون. لكن هذا كله مجرد فولكلور.

ـ هل استكشافك لشطر الأنا يفسر النهاية المحيرة لرواية السيد، حيث الشخصيات التي ظهرت في الرواية من قبل صلبة ومستقرة ومن لحم ودم تبدأ في التفسخ والاختفاء؟ ولا يبقى لنا إلا خيالات من خيالات لا نعرف أيها خلق البقية. وإذا بالرواية التي بدأت رواية تقليدية تتحول في ما يبدو إلى ميتا رواية لاعبة، ومن هنا سر ذكرنا «الألعاب الأدبية» في ما سبق.

ـ هي أكثر من مجرد لعبة. هي سرطان -سرطان رواية. أرجو أن أصلح الموقف وأنقذه في الرواية الثانية، ليفيا أو المدفونة حية، التي ستصدر السنة القادمة. سترون أن الرواية الأولى كتبت على يد اثنين من أعضاء الجماعة -الروائي بلاندفورد وأناه العليا المخترعة ساتكليف- والآن سترون كيف كتبت الرواية.

ليفيا سوف تبدو رواية عادية ضخمة، ولكنكم حينئذ سوف ترون أن بلاندفورد وطفله الأحمق، وهو نسخته الخاصة من سانشو بانثا، اللذين كتبا السيد، جعلا التركيز في الرواية مزدوجًا ومن ثم خاطئًا، فكان ذلك هو السبب في خراب الكتاب. هذا ما يظهر في الرواية الثانية. سيكون على شخصيات ليفيا أن تعيش من جديد أحداث السيد الخيالية لكن في العالم الحقيقي. هي كما قلت تبدو عادية فعلًا، لكنها تحيل إلى ما مضى.

أريد في النهاية أن أكتب خمسة في سلسلة أفينيون، لتكون خماسية. الرواية الصحيحة، بمعنى ما، لم تبدأ بعد. رواية السيد، مهما تكن مثالبها أو مزاياها، هي أشبه برواية الكاتب الفرنسي لافورج «حكايات أخلاقية». لقد أردت عامدًا أن أخلق هذا الإحساس الخانق على طريقة كارل هيوسمانس. ثم أبدأ في ليفيا من جديد بتاريخ بعض الشباب الذين درسوا في أكسفورد وجاؤوا لقضاء إجازة الصيف في بروفينس عشية الحرب العالمية الثانية، وبغتة تصبح الكتابة رعوية تمامًا. هناك مجموعة كبيرة من الشخصيات الجديدة التي لم تلتقوا بها بعد، منها أمير مصري يريد أن يخرج بلاندفورد من مصر، ويقيم حفل عشاء في بون دو جارPont du Gard في أفينيون. يزداد الأمر تعقيدًا بعد تعقيد. أرجو أن أتمكن من المحافظة على ذيل الرواية في فمها وإلا ستفقد تجانسها، ولكنها تعطيني فرصة أن أراوح بين التركيز وعدم التركيز طول الوقت، وأن أطرح السؤال المركزي، وهو سؤال قديم: ما مدى واقعية الواقع؟

مع أخيه جيرالد

ـ هل تتجول في أفينيون لتستوعب أجواءها؟

ـ نعم، في الشتاء، لكنني في واقع الأمر أكذب كثيرًا بحيث لا يصبح أمر التجوال في أفينيون ضروريًا. يمكنني أن أكتب عنها لو كنت أتجول في البلدة هنا. الحقيقة أنني أحصل على كل ما أريده من كتاب مرجعي لا يكل ولا يمل، هو Guide Bleu، وهو أدق مما يمكن أن أكون عليه مطلقًا.

ـ وهل من بين سبل إبقاء ذيل السلسلة في فمها أن تستمر في طرح ثيمة الغنوصية التي طرحتها في السيد؟

ـ نعم، ستكون هناك أنواع من الأصداء الغنوصية، مثل النجمة الخماسية.

ـ هل واجهت صعوبات كبيرة وأنت تنقب عن تلك المواد الغنوصية؟ لقد تعرضت الغنوصية لكراهية قديمة من الكنائس الأرثوذكسية، فلم يكتفوا بنفي الغنوصيين وذبحهم، بل حاولوا القضاء على بقايا عقيدتهم المكتوبة.

ـ بدأت بحثي عن الغنوصية في مصر التي توافر لي فيها الاطلاع على بعض الوثائق المتبقية. اكتشفت هرمس مثلث العظمة. دأبت على السرقة من المكتبة البطريركية في الإسكندرية، فقد كنت على مقربة منها.

ولكنها مواد متناثرة. لقيت عونًا هائلًا من أستاذ كتب مقالة قصيرة للتو عن الغنوصية وعيوب «السيد». جاء فتناول الغداء معي، وعرض عليّ كتابًا لم أكن أعرفه، يجمع كل المادة التي كنت أنقِّب عنها هنا وهناك.

ما فعله ذلك الشاب العبقري هو أنه جمع ورتب كل ذلك، ففي عصر يوم واحد كان بوسعه أن ينقذ لي شهورًا من التيه في العتمة. وهذه فضيلة الناس الذين يلقون نظرة واحدة على شيء ما فيعرفون ما الذي تكتب عنه. الكتاب الذي عرفني عليه عنوانه «الغنوصيون وما بقي منهم» للمبجل سي دبليو كينج. ويكاد يكون ملمًا بجميع المعتقدات الغنوصية. فقد تعقب الكاتب التراث كله عبر العلامات التي تركها البنائون/الماسونيون العظماء على الحجر التي يبدو أنها كانت جميعًا تتسق في نظام واحد. كان بيتر جاور Peter Gower (وهي الكتابة الإنجليزية لاسم بيثاجور الفرنسي ـ أو فيثاغورس) هو الماسوني العظيم الذي أعاد تقديمها في إنجلترا. جاءت من فرنسا وصارت نظام فرسان الهيكل السري. واضح أنني خلطت بذلك قدرًا كبيرًا من الركام، لكن هناك خطًا حجاجيًا أساسيًا وقويًا بدرجة كافية.

ـ تكلمنا كثيرًا عن الجانب الروحي في كتابتك. تغييرًا للمسار، هل تأثرت فكريًا بدين القرن العشرين العلماني العظيم، أعني الماركسية اللينينية؟

ـ لا، وأعتقد بصراحة أنها مهرب. لقد قضيت أربع سنوات في فردوس اشتراكي بعد الحرب. حينما بُعثت إلى يوغسلافيا، كان أول ما فعلته أنني قضيت شتاءً كاملًا أقرأ الكتب المقدسة. كنت متعاطفًا بصورة غامضة -كنت أقرب إلى ليبرالي حائر. كنت أحسب أنها نوع من الإيمان التجريبي: «لو أن الأشياء غير منظمة بهذه الطريقة فلنستخدم قليلًا من العقل ونضعها على نحو صحيح بتلك الطريقة. لو أن الأعدل أن يكون لدينا هذا وذلك وذاك، فلنفعله». كنت أنظر إلى الأمر بعقل في منتهى الانفتاح.

ثم نظرت حولي ووجدت أن الأمر فاشل على المستوى الاقتصادي، وأنه مضطرب على المستوى الأخلاقي. لم أكن أدرك أنني على المستوى الأيديولوجي أتعامل مع دين، وأنني كنت من جملة الدراويش. كان أمرًا مفزعًا. كانوا يحومون ليل نهار، يكرِّرون كل هذه العبارات المريعة، وكان واضحًا أن لا شيء مضبوط. ولذلك فإنني، بهذا المعنى، معادٍ للشيوعية. الشيوعية فاشلة.

ـ كيف بدت لك يوغسلافيا بعيدًا عن ذلك؟

ـ أغلب ما فيها قضى على كل حياة لدي، ولم يكن للشيوعية أو النظام دخل في ذلك، برغم أنه كان مملًا بعض الشيء أن يوجد شرطي سري ويكون على المرء أن يهرب منه في سيارة مسرعة. غير أن هناك زاوية صغيرة طالما شعرت بالتوق إليها. اسمها سلوفينيا. أهلها كاثوليك، ولغتهم غير مفهومة لبقية اليوغسلاف. هي سلسلة بحيرات، وتكاد تكون أقرب إلى شمال اسكتلندا. قضيت فيها لحظات سعيدة، وشعرت أن بوسعي أن أعمل هناك. أعتقد أن الاختبار الحقيقي للمكان هو أن يمكنك فيه القول: «أوكيه، بوسعي أن أعمل هنا. سأكتب شيئًا».

ـ استعملت كلمتي «أعمل» و«أكتب» في نفس واحد. واضح أنهما بالنسبة لك مترادفان.  لكن برغم أنك تكتب الآن كتابة إبداعية طول الوقت، فقد كان لديك عمل آخر، مثل الملحق الصحفي. كيف تقارن كونك كاتبًا متفرغًا بكونك في وظيفة مدفوعة الأجر؟ هل تجزيك الكتابة بحيث تعيش منها؟

ـ لست مليونيرًا، لا بد أن تعرفوا هذا. لقد أنفقت ثلاثين سنة لكي يمكن أن أحقق الحد الأدنى من الحياة بالاعتماد على الكتابة وخلال تلك السنوات الثلاثين أتصور أنني لا بد أن أكون قد حققت ألفي جنيهًا. لا يمكن العيش من الكتابة إلا لو أن أربعة بلاد تنشر لك، فيرقى مجموع العرابين إلى دخل سنوي متواضع إلى حين تبدأ الكتب في الرواج، فضلًا عن أن المرء لا يمكن أن يعرف إن كانت كتبه اللعينة سوف تروج أم لا. الأمر أشبه بقولك إنك سوف تعيش من عائد المراهنة على الخيول. وهذه الطريقة بالنسبة لبرجوازي صغير مسكين مرعوب من أن تثقله الديون هي أكثر طرق الحياة افتقارًا إلى الاستقرار. وفعلًا لا أعرف بحق الجحيم كيف انتهيت إلى هذا. أفكر في ارتياح أن يكون لي راتب تقتطع منه ضريبة الدخل مسبقًا، أفكر في مجد أن أعرف وضعي المالي. أنا بالفعل أشعر وكأنني موظف في ناد للقمار. فأنا لا أعرف فعلًا الدخل والإنفاق، ليتني أقدر أن أجد وسيلة أبسط لكسب لقمة العيش. وليس جيدًا أن يكون المرء ملحقًا صحفيًا، فذلك أمر مرهق.

البشع في الأمر أنني أكره الروايات -أمقت كتابتها، ولا أقرؤها أبدًا. أنا في واقع الأمر شاعر فاشل. لم أحصل على درجات النجاح كشاعر. أعمل في الروايات بقدر ما أستطيع من الإخلاص، ولكنني في الوقت نفسه بائع متجول، ودائمًا في حالة حركة. وعليّ أن أكتب الروايات لتوفير خبز في البيت، ولإسكات صراخ الطفل. هذا حقيقي.

مع زوجته الأولى نانسي

ـ بالحديث عن بكاء الأطفال، كم لديك من الأبناء؟

ـ لدي ابنتان. سافو الصغيرة نسوية. منذ بضعة أيام بدأت تقول شيئا عن «الأزواج وأنهم دائمًا وأبدًا لا …» فقلت لها: «اسمعي، أنا الذي كنت أغير لك أقمطتك فلا تأتي الآن وتصرخي في وجهي بشأن حركة تحرير المرأة». والحق أنني كنت أغيِّر الأقمطة تحت قصف نيران العدو. الملعونة بينيلوب ابنتي وسَّخت قماطها حين كان علينا أن نذهب إلى ساحل جزيرة سيثيرا اليوناني في أثناء إخلائنا من اليونان سنة 1941. قالت سافو: «لم تغيِّر قماطي أنا». قلت: «بل فعلت، واذهبي فاسألي أمك». قالت: «أنت استثناء» قلت «أبدًا، الأزواج كلهم مهتمون بأبنائهم».

ـ انتقالًا من الأبناء إلى الزوجات، هل تحب حالة الزواج؟

ـ لا. قصدي نعم. لا أعرف. أظن أنها حالة مثالية، وأنا شخص مثالي، لكنها في كثير من الأحيان لا تفلح على أرض الواقع. أحيانًا أتعرض لضغط شديد السوء لكوني شخصًا مستحيلًا في الزواج، مستحيلًا في العيش المشترك، لكنني ألاحظ أحيانًا أن زوجاتي السابقات سوف يكنَّ سعيدات بالرجوع واستئناف العذاب. لم أمر قط بتجربة الزواج العابر الهوليودي. كل زيجة استمرّت ثماني سنوات، فهذه ليست عطلة نهاية أسبوع في بورنماوث، وأعتقد أنها جميعًا نجحت.

ـ علاقتك العائلية الأشهر لدى الجمهور العام هي بالطبع علاقتك بأخيك جيرالد. فأنت تظهر على سبيل المثال في كتابه «عائلتي وحيوانات أخرى» بوهيميًّا بريًا منقوعًا في الخمر. ما شعورك حيال تحولك بشيء من عدم الاحترام إلى شخصية في كتب أخيك؟

ـ نحن في حقيقة الأمر نظهر في كتب أحدنا الآخر. قتلته في كتب عديدة لي، وهو فرمني في بعض كتبه. وأعتقد أن شيئًا شديد البشاعة في الطريق ولن يريني إياه. من جانبي هناك أربع رسائل في الرباعية موجهة شخصيًا إلى أضعف ما فيه. وهو يتظاهر بأنه لم يقرأ الرباعية قط، لكنني أعلم أنه قرأها. وهكذا هي خيانة الأخوة. هذه مجرد مضايقات عائلية، وداخل الأسر مسموح بكل شيء.

الحقيقة أنه ليس مهتمًا بالكتب، لا يكتبها إلا ليشتري القردة لحديقة حيوانات له في جيرسي. وهو ليس جادًا في اعتبار نفسه كاتبًا. وهو يفني كل طاقته في حديقة الحيوانات تلك. ما يعتبره بحق عمل حياته القيم هو محافظته على الأنواع المهدَّدة بالانقراض. وقد نجح في استعادة أربعة أنواع في العامين الماضيين. يشبه نوح. إنه أمر استثنائي. يذهب إلى الصين ليحضر آخر زوج في العالم من الإوز الوردي أو ما يماثله ويرجع، ويبدأ الحيوان اللعين في التناسل. إلى أن يتوافر لديه أربعون أو خمسون منه فيبدأ في توزيعها على حدائق حيوانات أخرى. بات ثقة الآن، حديقة الحيوانات العامة الصغيرة في جيرسي. مركز توالد جميل الإدارة للأنواع المحتضرة [فحديقة حيواناته العامة الصغيرة في جيرسي، هي أجمل مركز تكاثر لأنواع الأحياء المحتضِرة]. أعتقد أن قيمته الحقيقية تكمن في هذا وعن استحقاق. الكتب بالنسبة له نكات. وهو ابن نكتة أيرلندي رائع، لا يزلّ مطلقًا، هناك دائما ضحك. يشعر القراء أنه صديق. والأحمق بالطبع يبيع أكثر مما أبيع. شيء بشع. شوفوا، سأكتب كتابًا أنتقم به منه، كتابًا عن الأفيال.

ـ في وقت سابق من حوارنا، كنت تتكلم عن حالتك كمغترب هنا في فرنسا، وذكرت أيضًا أن بعض البلاد يغذيك أكثر من بعضها. أنت تعيش هنا فعليًا منذ قرابة عشرين سنة، ومن ثم يفترض أن فرنسا بالنسبة لك في فئة البلاد «المغذية». ما رأيك في الفرنسيين أنفسهم؟

ـ فرنسا تترنح، شأن الجميع. الأمان في فرنسا هو أن الفرنسيين أكثر اهتمامًا بالأفكار منهم بالواقع، وهم هستيريون للغاية، يحبون أن يفعلوا أي شيء بالليل ويرجعون رجوع الزورق قبل حلول الصباح. لديهم أوهام استثنائية عن أنفسهم يقولون لي دائمًا أنهم ديكارتيون، ولكنهم أكثر من قابلت من الناس رومانتيكية، بعيدًا عن الإيطاليين، والفرنسيون أصلب كثيرًا. أعتقد بوجود عمق من الحس الجيد والحسية والشغف الميتافيزيقي يتخفى وراء شعارات وعبارات أخاذة وصحافة، والنفاذ إليه يحتاج لبعض الوقت. وأخيرًا، ما يمكن أن تعطيه فرنسا للمرء بعيد كل البعد عن أي شيء يمكن القراءة عنه في الصحف. ثمة ما هو مغذٍّ تماما هنا: وبرفقته الكثير من الحس الرديء، لكنه فريد قطعًا.

يوشك المرء دائمًا أن يقع في النفاق الأنجلوساكسوني في ما يتعلق بمن يجيدون الحياة. ثمة غيرة خفية بين الأنجلوساكسون من الحسية العلنية لدى الفرنسيين. الفرنسيون عديمو الأخلاق بصورة رائعة فعلًا.

ـ هل استمتاعك بفرنسا يتسع لباريس؟

ـ كيسرلينج Kayserling كتب مقالة رائعة عن ضرورة الذهاب إلى باريس، كما كان ضروريًا في العالم القديم الذهاب لقضاء سنة في أثينا. كان يتكلم عن المدن الكبرى ونسائها وكيف تصوغ الفكر والشعر في كل عصر. الآن يشعر الجميع، على نحو غامض ورقيق أنهم لا بد أن يقضوا سنة في باريس. وهم لا يعرفون السبب: فليس لديهم شيء معين يدرسونه، لكن باريس تعطي نكهة قوية ثابتة، وإن تكن سياحية، ودائمًا ما تلبي الحد الأدنى الذي لا يتوافر في جينيف. هنري ميلر قال شيئًا ملائمًا. كنت قد كتبت إليه في نهاية الحرب، باكتئاب شديد، وقلت إن فرنسا ماتت. ورأيت للتو رسالة من فاليري يقول فيها «فرنسا انتهت». رد ميلر يقول «على العكس، في باريس شيء صغير للغاية، عصي على التسمية، لكنه أساسي. شيء كالمسك».

صورة على خلفية بطاقة بريدية تجمع لورانس مع هنري ميللر

ـ فلماذا ينهي هنري ميلر  أيامه في كاليفورنيا؟

ـ ما يفعله هناك ميتافيزيقي. أعتقد أن فرنسا لا تلائمه حاليًا. جاء هنا وقضى صيفين مع أبنائه وزوجته آنذاك، واستمتع بالمتوسط كثيرًا. لكنه تعب، وظل بصورة هائلة رجلًا من كاليفورنيا، أمريكيًا طوّافًا، وكاليفورنيا متمكنة منه، بعيدًا عن أسباب الضجر والضيق. وهو يحب الراحة، وكسول، ويحافظ على حمام سباحته ملتهبًا طول الوقت عند درجة حرارة 87، ويعجب بعد ذلك أين تذهب نقوده. كل نقوده تذهب إلى تدفئة حمام السباحة الذي لا يستعمله.

وهو يخاف الأطباء وما يشبه تلك الأمور. وصحته الآن ليست على ما يرام. لديه ساق لا تتحرك، وعين من عينيه راحت. لكنه قال لي: «أصبحت أرسم بألوان الماء أفضل منذ أن أصبحت بعين واحدة. ليتني عرفت ذلك مبكرًا».

ـ على ذكر أصحاب العين الواحدة، رواياتك متخمة بالمبتورين أو أصحاب الأمراض المستفحلة، بطريقة أو بأخرى.

ـ أستعمل هذا كنوع من الإخصاء. عقدة الإخصاء أكثر رعبًا وقوة من كثير من العقد. والمرء يحتاج إلى دراية كبيرة بعلم النفس لكي يدرك هذا. قد يبدو ذلك هزلًا، لكنه في الحقيقة أمر جلل فعلًا فعلًا. لذلك أخلع عينًا، أو يدًا، أو ساقًا، هنا وهناك.

وبالحديث عن الخلع، رأيت في يوم من الأيام على جسر في مصر شابًا طريح الأرض وقد قطع الترام ساقيه. وفيما كان طريح الأرض غارقًا في بركة الدم، تجمَّع حوله الناس مثلما يتجمع الذباب على جرح أو عين مفتوحة، وهذه هي مصر، ورفعت امرأة في نحو الأربعين ثوبها واعتلته. فمن الاعتقادات الفولكلورية أن المرأة إذا لقِّحت من رجل يحتضر فبوسعها أن تسترد خصوبتها، ولا بد أنها كانت عقيمًا. وبدأت الشرطة تحاول إبعاد المرأة، والرجل يئن أناته الأخيرة، والدم طاغ على المكان اللعين كله، والناس تصرخ وتصرخ، ويأتي من يقولون «داريل يبالغ» في حين أنني رأيت هذا بعيني، ورأيت جِمالا تذبح في الشارع. أكيد، وهذا كله طبيعي تمامًا. ولا يلاحظه أحد غيري.

ـ رجوعًا إلى ما كنا نقوله عن إقامتك الطويلة في فرنسا، هل أنت باق هنا، أم تود لو تنهي أيامك في مكان ما باليونان، واليونان بلد واضح أنه كان مغذيًا لك؟

ـ في هذه اللحظة لا أعرف. لست متأكدًا إن كنت أستطيع الاحتفاظ بهذا البيت الحقير أكثر من هذا، هذا البيت الكاريكاتيري كما تسميه سافو. بيت مقبول تمامًا، لكنه مكلِّف للغاية، وأنا أعيش محبوسًا هنا حبس غراب عجوز في الشتاء. المثالي بالنسبة لي أن أقضي أربعة شهور في اليونان، وبقية الوقت هنا. لو أمكنني الاحتفاظ بهذا البيت الدراكيولي المتهالك، أعتقد أن هذا ما سوف أفعله. اليونان مغذ للغاية، لكن ليس للدماغ. بدنيًا، اليونان بلد للشباب. من البؤس أن يأتي المرء إلى فرنسا في شبابه المبكر، ستشرب أكثر مما ينبغي وتسقط. هذه حضارة شديدة النضج. لا يجب أن يأتي المرء هنا إلا بعد أن يكون قد هدأ بعض الشيء وتعلم كيف لا يشرب أكثر من اللازم ولا يأكل أكثر من اللازم وكيف يستطعم الأشياء. أما بالنسبة للشباب فاليونان بلد ساحر. هناك الجزر للسباحة، وهي مليئة بما لم يكتشف نهائيًا من كتب وبشر، وكلها في فضاء جميل ساطع.

عندي مركب صغير بمحرك قوته عشرة أحصنة أضعه على الشاحنة. أستطيع أن أزرع نفسي في أي مكان بجزيرة يونانية فأشعر بمنتهى الألفة وكأني في البيت. أنا دائم الذهاب إلى جزيرة كورفو اليونانية. وعائلة داريل كلها ذات سجل سيء هناك بالطبع، بحيث أنني الشخص الوحيد الذي يستقبل هناك بالترحاب. باليوكاستريزا Paleocastrizza خربت، لكن حينما تفكرون أن طول الساحل اليوناني يعادل طول الساحل في بقية أوربا، ترون أن وقتًا طويلًا سوف ينقضي قبل أن يدمروه كله، حتى بمعاونة اليونانيين، الذين يساعدون في ذلك بحماس مستعملين مسجلات الموسيقى في كل ركن. لكن لو أن المرء يعرف ثلاث كلمات يونانية فإن جميع من في اليونان يقعون في غرامه. يحومون حوله ويفعلون من أجله أي شيء يريده.

ـ مخاطرين بإنهاء هذا الحوار بملاحظة مقبضة بعض الشيء، هل يمكن أن نسألك عن موقفك من الموت، الذي يبدو، قياسا على رواية السيد، موضوعا ميتافيزيقيًا مركزيًا في روايات أفينيون.

ـ الموت؟ لا يمكن أن يفعل أحد تجاهه أي شيء، أم يمكن؟ جربتم؟

ـ هل من أي شيء بعده؟

ـ بمعنى ما، نعم، لأن الموت في الحقيقة لا وجود له. هو واحد من تلك التجريدات الفكرية. ونحن بموقفنا الكلي دمرنا الكثير، بنيتنا الفكرية كلها خاطئة. أعتقد أن هذا ما يشعر به المرء حينما يقف على رأسه ويضبط محور تنفسه بالتركيز على طرف أنفه.

النهج الشرقي ليس انقطاعيًا كالغربي الذي ينتهي بنيران الجحيم أو الانقطاع المفاجئ في التنفس. في الغرب، نعيش وفق كرونولوجيا مقيدة بالزمن. الموت ثابت في مفهوم. في ضوء الزمن الكرونولوجي المحض، نحن نموت عند معدل نبض معين يمكننا بسهولة أن نسجله في ورقة. وهذا وهم محض، لأننا لسنا هنا مطلقًا في السياق الذي نحسب أنفسنا فيه. آسف، كان ذلك قذرًا، اشرب كأس نبيذ آخر.

ومع ذلك، وفي حدود ما يتعلق بموتي البيولوجي، اشتريتُ مقبرتي. توجد هنا كنيسة صغيرة لذيذة للغاية. هي الأقدم في المنطقة وليس لها دين على الإطلاق. وبفضل العمدة، اشتريت بقيمة ثلاثين مضغة تبغ قطعة أرض هناك. هي ضيقة بعض الشيء، لذلك سوف يتحتم أن أدفن واقفًا، فكأنه حفل كوكتيل، ولكنها تمتد عمقًا حتى أستراليا، حسبما يؤكد لي. أتمنى أن يستقر رفاتي هناك في يوم جميل. هي جميلة بصورة فظيعة. في اللحظة الراهنة لا ينمو إلا العشب في المكان الذي أرجو أن أنمو فيه أنا في وقت ما، ولكن المنظر بديع إلى أقصى حد. مقبرة لا مثيل لها في المنطقة.

اعلان
 
 
أحمد شافعي