Define your generation here. Generation What
تفعيل الدستور والتحايل عليه في تعديلات «الإجراءات الجنائية»
 
 

يُعرف أساتذة القانون والقضاة قانون الإجراءات الجنائية بأنه «أبو القوانين»، ويضعونه في المرتبة الثانية بعد الدستور، لما له من أهمية في حماية المواطن من المجرمين ومن الدولة؛ إذ تضع مواده القواعد القانونية التي تحدد صور الجريمة، والجزاء المقرر على ارتكابها، وقواعد البحث عن مرتكبها، والتحقيق معه ومحاكمته، والحكم عليه وتنفيذه، ولهذا وضع الدستور الحالي المواد المنظمة للإجراءات الجنائية في باب الحريات.

كان رئيس البرلمان، علي عبد العال، قد تسلم مشروع القانون الجديد من الحكومة في 4 ديسمبر الجاري، وأحاله إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لتدرس مواده قبل عرضه على الجلسة العامة لأخذ التصويت عليه، وهي الخطوة التي من المتوقع أن تتم في منتصف فبراير المقبل، بحسب النائب أحمد الشرقاوي عضو تكتل 25/30 وعضو اللجنة التشريعية.

وعلى الرغم من أنه من أبرز القوانين التي شهدت تعديلات على نصوصها منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم البلاد في يونيو 2014، بدعوى تحقيق العدالة الناجزة، إلا أن الحكومة ومجلس النواب قررا ألا يتوقف الأمر عند التعديل، بل يمتد إلى إعداد قانون جديد، هو في حقيقته تعديلًا على 270 مادة من مواد القانون الحالي؛ رقم 150 لسنة 1950.

القانون الجديد أتى لتحقيق أربعة أهداف حددتها المذكرة الإيضاحية للتعديلات:

أولها: تنفيذ ما تضمنه دستور 2014 من استئناف الجنايات على درجتين، وحماية الشهود، وتنظيم إجراءات المنع من السفر، والحبس الاحتياطي وغيرها.

والثاني: تسريع وتيرة التقاضي، وذلك من خلال استحداث نظم جديدة لإعلان المتهمين عن طريق الرقم القومي، وجواز سماع المتهمين والشهود عن طريق الفيديو كونفرانس.

ثالث اﻷهداف كان التوسع في اعتماد الصلح والغرامات المالية بديلًا عن عقوبة الحبس في القضايا قليلة الأهمية أو التي لها طابع اقتصادي.

أما الهدف الرابع الذي استهدفته التعديلات فهو تنقية القانون الصادر عام 1950 من المصطلحات غير المستخدمة مثل استخدام كلمة «مستشار بدلًا من قاضي، ونهائي بدلًا من بات، وشرطة بدلًا من بوليس وصحيفة الحالة الجنائية بدلًا من شهادة السوابق…»، وتوحيد الحد الأدنى للغرامة في مواد القانون عند 100 جنيه.

السؤال المتكرر منذ حادث اغتيال النائب العام السابق، هشام بركات، في يونيو 2005، عن مدى مساهمة تعديلات الإجراءات الجنائية في بسط يد العدالة، التي اعتبرها السيسي مغلولة، يظل مطروحًا، في حين تفرض التعديلات الأخيرة أسئلة أخرى حول جدوى تلك التعديلات الضخمة والفرق بينها وبين سابقتها وكيفية معالجتها للحقوق التي ألزم بها دستور 2014.

«يحقق طفرة في إنجاز المحاكمات وضمان حقوق المتهمين»، يصف رئيس اللجنة التشريعية، بهاء أبو شقة، مسودة قانون الإجراءات الجنائية الحالية، مضيفًا لـ «مدى مصر» أن المشروع هو نتاج جهد شاق لكثير من الخبراء والمتخصصين في الشأن القضائي والقانوني في مصر، لافتًا إلى أن أعضاء اللجنة التشريعية قطعوا إجازتهم البرلمانية، بعد انتهاء دور الانعقاد الثاني، من أجل دراسة المقترح الذي أعدته وزارة العدل ومقارنته بالمقترح الذي أعدته لجنة الإصلاح التشريعي عام 2015، وقد توصلوا إلى النسخة الحالية بعد انتقاء أفضل صياغة تحقق مصلحة المجتمع والمتهم معًا، وبحسب ما قال أبو شقة، تعمل اللجنة حاليًا على إعادة دراسة تلك المواد، مادة بمادة، ومراجعتها بدقة؛ حتى يستطيع البرلمان إقرار القانون قبل وقت كافٍ من بداية العام القضائي المقبل، في أول أكتوبر 2018.

محاكمات ناجزة.. ولكن

يضم مشروع القانون الجديد تغيير 270 مادة من أصل 560 بالقانون الحالي؛ ما بين استبدال 150 مادة متعلقة بمواد التحقيق بمعرفة النيابة وقاضي التحقيق وإلغاء 21 مادة واستحداث 44 مادة جديدة، وتعديل فقرات وعبارات في ما يقرب من 55 مادة.

وعن أسباب التمسك بما يقرب من نصف مواد القانون الحالي قال أبو شقة: «تعمدنا الإبقاء على الهيكل الأساسي للقانون، والحفاظ على تبويبه وأقسامه الحالية، مع تطوير وتعديل مواده لتواكب الدستور والواقع العملي الحالي».

من جانبه، قال المحامي بالنقض، أحمد كامل، إن التعديلات الحالية لقانون الإجراءات الجنائية أعطت باليمين بعض الإيجابيات؛ مثل استئناف أحكام محكمة الجنايات ووضع بدائل للحبس الاحتياطي، ولكنها في المقابل تحت شعار «المحاكمات الناجزة» اعتدت بالشمال على قواعد الحكم الحضوري وحقوق المتهم في استدعاء الشهود ورد القضاة، وفرغت قرينة البراءة التي بُني عليها القانون الحالي من مضمونها، مفسرًا ذلك بأن مشروع القانون تعامل مع المتهمين الذين يحاكمون بقانون الإجراءات الجنائية بنفس الطريقة التي يتم بها التعامل مع الإرهابيين الذين يحاكمون بمواد قانون مكافحة الإرهاب، مدللًا بأن المادتين 240 و241 من المشروع تنتهكان حق المتهم في الحكم الحضوري، وهو أحد أبرز ضمانات المحاكمة العادلة، إذ تعطيان لرئيس المحكمة، إذا حضر متهم واحد فقط، الحق في الحكم الحضوري على باقي المتهمين في القضية نفسها مهما زاد عددهم. لافتًا إلى أن هذا الإجراء قد يساهم في تسريع وتيرة كثير من المحاكمات، ولكنه في النهاية قد يُخل بضمانات المحاكمات العادلة وحق المتهم في الدفاع عن نفسه.

وتنص المادة 240 على أنه «إذا رفعت الدعوى على عدة أشخاص عن واقعة واحدة وحضر بعضهم وتخلف الآخر رغم تكليفهم بالحضور حسب القانون فعلى  المحكمة أن تؤجل الدعوى إلى  جلسة تالية وتأمر بإعادة إعلان من تخلف في موطنه مع تنبيههم  إلى أنهم إذا تخلفوا عن الحضور في هذه الجلسة كان الحكم الذي يصدر حضوريا».

أما المادة 241 فتنص على أنه «في الأحوال  المنصوص عليها في المواد 238 و349 و240 التي يعتبر الحكم فيها حضوريًا يجب على المحكمة أن تحقق الدعوى أمامها كما لو كان الخصم حاضرًا».

ويضيف كامل: «ما فيش شاهد هنشوفه في المحكمة بعد سريان التعديلات»، موضحًا أن التعديلات تضمنت غرامات مالية للشهود تتراوح من 500 إلى 5000 جنيه من شأنها أن تنفرهم من الإدلاء بشهادتهم في القضايا، ما قد يجعلهم يتراجعون عن التطوع بالشهادة من اﻷساس.

وتنص المادة 279 من التعديلات على أنه «إذا تخلف الشاهد عن الحضور أمام المحكمة بعد تكليفه به، جاز الحكم عليه بعد سماع أقوال النيابة العامة بدفع غرامة 500 جنيه في الجنايات والجنح».

كما تنص الفقرة الأولى من المادة 284 بمشروع القانون على أنه «إذا امتنع الشاهد عن آداء اليمين أو عن الإجابة في غير الأحوال التي يجيز له القانون فيها بذلك، حكم عليه في مواد الجنح والجنايات بغرامة لا تزيد عن 5 آلاف جنيه».

وقال كامل كذلك إنه استكمالًا لنفس المنهج أعطت التعديلات للمحكمة سلطة رفض سماع شهادة الشهود الذين يطلبهم المتهم، وهو ما يعد اعتداءً على قاعدة أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، مضيفًا أن المادة 289 من التعديلات تعطي للمحكمة أن «تقرر تلاوة الشهادة التي أبديت في التحقيق الابتدائي أو في محضر جمع الاستدلالات أو أمام الخبير إذا تعذر سماع الشاهد لأي سبب من الأسباب،  فإذا تمسك الدفاع بسماع أقوال شاهد الإثبات، ولم تر المحكمة ضرورة لذلك كان عليها أن تضمن حكمها سبب الرفض».

وكشف المحامي بالنقض أن التعديلات تُهدر قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه»، لافتًا إلى أن التعديلات تعاقب المستأنف في حالة رفض استئنافه بالغرامة.

فوفقًا للفقرة التي أضافها المشروع إلى المادة 417 من القانون الحالي: «إذا كان الاستئناف مرفوعًا من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تعادله لمصلحة رافع الاستئناف، ويجوز لها إذا قضت بعدم قبول أو بعدم جوازه أو برفضه أن تحكم على رافعه بغرامة لا تتجاوز 500 جنيه».

تنطلق من اللحظة الاستثنائية

يصف ناصر أمين، رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحامين، التعديلات الأخيرة بأنها «تنطلق من اللحظة الاستثنائية، وليس من الدستور»، مضيفًا أن التعديل الضخم الحالي نسخ غالبية التشوهات التي دخلت على قانون الإجراءات خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها التعديل المعد من البرلمان لمنح المحكمة سلطة لرفض سماع الشهود الذين يطلب المتهم أخذ شهادتهم، وقام بعمل مزج بين تفعيل مواد الدستور الخاصة بحقوق المتهم وبين مخالفة مواده والتحايل عليها من ناحية أخرى، موضحًا أن التعديل استحدث نظام التقاضي على درجتين في الجنايات استجابة للمادة 96 من الدستور ولمناشدات منظمات المجتمع المدني خلال السنوات الماضية، وهي أبرز إيجابيات القانون، ولكنه في المقابل لم يراعي برامج حماية الشهود المتعارف عليها دوليًا عند ترجمته لنفس المادة من الدستور في ما يتعلق بحماية الشهود والمبلغين.

وأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه حكم البلاد في 8 يونيو عام 2014 وحتى أبريل 2017، ثلاثة تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية، إلى جانب تعديل آخر فرضه حكم للمحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية إحدى مواد القانون، أولها بتاريخ 12 نوفمبر 2014، حين صدر قرار بقانون باستبدال المواد أرقام 64 و65 و74 من القانون بمواد جديدة تعطي للنيابة العامة ولوزير العدل الحق في طلب ندب قضاة من المحكمة الابتدائية للأولى ومن محكمة الاستئناف للثاني، للتحقيق في القضايا التي يقدر أن لها ظروفًا خاصة، إلى جانب إضافة مادة برقم 66 للقانون تلزم قاضي التحقيق المنتدب بإنجاز القضية المنتدب لأجلها خلال ستة أشهر.

ثم أصدر الرئيس في 12 مارس 2015 تعديلًا ثانيًا للقانون، تزامن مع إصدار قانون الاستثمار الأول، قبل 24 ساعة من انعقاد المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ، تضمن استبدال الفقرة الثالثة من المادة 15 من القانون بفقرة تحسب مدة إقامة الدعوى الجنائية ضد المسؤول الذي يرتكب جريمة إهدار للمال العام من تاريخ انتهاء خدمته أو تركه لوظيفته، وليس من تاريخ ارتكاب الجريمة، وإضافة مادتين برقمي 18 مكرر «ب» و208 مكرر «هـ» تسمحان بالتصالح في جرائم اختلاس المال العام والاستيلاء عليه بغير حق أو تسهيل ذلك للغير.

وفي 5 مارس 2016 قضت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار عدلي منصور بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (398) من القانون، فيما تضمنته من قصر قبول المعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة في الجنح، على تلك المعاقب عليها بعقوبة مقيدة للحرية، دون المعاقب عليها بعقوبة الغرامة.

وفي 27 أبريل الماضي صدق الرئيس السيسي على مقترح بقانون مقدم من النائب صلاح حسب الله، تضمن تعديل المواد 12 و277 و384 و395 من القانون، لتتمكن المحكمة من الاستغناء عن شهادة أحد الشهود الذي يستعين بهم المتهم للتدليل على براءته، إذا لم تر جدوى لشهادته، فضلًا عن تحويل محكمة النقض إلى محكمة موضوع، بحيث إذا طُعن أمامها في حكم صادر عن محكمة الجنايات، ورأت المحكمة أن الحكم به أخطاء تستوجب الطعن، تفصل فيه النقض مباشرة ولا تعيده إلى محكمة الجنايات مرة ثانية وفقًا لقاعدة التقاضي على درجتين المعمول بها في مصر.

حبس احتياطي بدون حد أقصى

ينتقد المحامي طارق عبد العال، رئيس الوحدة القانونية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المواد المنظمة لعقوبة الحبس الاحتياطي في التعديلات، معتبرًا أنها تقنن لاستمرار تعامل جهات التحقيق والمحاكم معها كعقوبة في حد ذاتها وليس إجراءً احترازيًا لمصلحة التحقيق، مضيفًا أن الدستور ألزم بتحديد القانون لمدة الحبس الاحتياطي، ورغم أن المشروع تضمن نسخًا لمواد باب الحقوق والحريات في الدستور -ابتداءً من المادة 54، المتعلقة بضمانات وحقوق المتهم منذ لحظة القبض عليه، وصولًا إلى محاكمته- إلا أنه أبقى في الوقت نفسه على «مطاطية المواد الخاصة بالحبس الاحتياطي»، وخاصة المادة الخاصة بعدم تقييد مدة الحبس الاحتياطي بسقف زمني محدد.

ودلل أمين بأن تعديلات وزارة العدل الأخيرة على القانون تضمنت في المادة 129 منها النص على «ألا يجوز أن تزيد مدة الحبس الاحتياطي أو التدبير على 3 أشهر في مواد الجنح و5 أشهر في مواد الجنايات»، في حين أبقت في المادة 130 منها على التعديل الذي أصدره الرئيس السابق عدلي منصور على القانون في سبتمبر 2013 لـ «لمحكمة النقض ولمحكمة الإحالة، إذا كان الحكم صادرًا بالإعدام أو بالسجن المؤبد، أن تأمر بحبس المتهم احتياطيا لمدة 45 يومًا قابلة للتجديد، دون التقيد بالمدد المنصوص عليها فى الفقرة السابقة»، جنبًا إلى جنب مع المادة 143 من قانون الإجراءات الحالي، التي تنص على أنه «في جميع الأحوال لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهرًا في الجنايات.

وتنص المادة 54 من الدستور على أن «الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس .. ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فورًا. وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه. وفي جميع الأحوال لا يجوز محاكمة المتهم في الجرائم التي يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو مٌنتدب».

وفي المقابل، اعتبر عضو مجلس القضاء الأعلى الأسبق المستشار أحمد عبد الرحمن أن الحبس الاحتياطي في كثير من الأحيان يكون في صالح التحقيق، مضيفًا أن القانون المقترح تضمن بدائل للحبس الاحتياطي على غرار ما يطبق في فرنسا، إلا أن الواقع العملي في مصر أثبت ضرورة حبس غالبية المتهمين على ذمة القضايا لضمان عدم العبث بأدلة الاتهام.

واستحدثت المادة 117 من المشروع أربعة بدائل للحبس الاحتياطي تتمثل في إلزام المتهم بعدم مغادرة مسكنه أو موطنه، وإلزام المتهم بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة، وحظر ارتياد المتهم أماكن محددة، إضافة إلى منع المتهم من مزاولة أنشطة معينة.

حظر نشر من المنبع

بخلاف ما سبق، يرى المحامي ناصر أمين أن مشروع القانون المعروض حاليًا على البرلمان تضمن «حظر نشر من المنبع» لوقائع الجلسات، ما اعتبره خلطًا بين حق المجتمع في المعرفة وبين حق المحكمة في إدارة جلساتها.

وتنص المادة 268 من قانون الإجراءات الحالي على أنه «يجب أن تكون الجلسة علنية ويجوز للمحكمة مع ذلك مراعاة للنظام العام أو محافظة على الأداب أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها».

في حين أضيفت فقرة أخيرة للمادة في المشروع الحالي، تنص على أنه «لا يجوز نقل وقائع الجلسات أو بثها بأي طريقة كانت إلا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة»، كما تضمن المشروع إضافة مادة برقم 268 مكرر، تنص على أنه «لا يجوز نشر أخبار أو معلومات وإدارة حوارات أو نقاشات عن وقائع الجلسات أو ما دار بها على نحو غير أمين أو على نحو من شأنه التأثير على حسن سير العدالة. ويحظر تناول أي بيانات أو معلومات تتعلق بالقضاة أو أعضاء النيابة العامة أو الشهود أو المتهمين عند نظر المحكمة لأي من الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب».

وهو ما اعتبره أمين مصادرة لعلنية الجلسات، مشيرًا إلى أن المحكمة من سلطتها اتخاذ قرار ببث جلساتها في التليفزيون مثلًا من عدمه، أما تغطية جلسات المحكمة ومرافعاتها والمستندات التي تقدم إليها، فهذا أمر لا يجب أن يعلق على إذن من رئيس المحكمة لأنه سيؤدي إلى المساس بالحق المجتمع الأساسي في المعرفة، والمساس بأحد ضمانات المحاكمة العادلة المتمثلة في علنية الجلسات التي تتوفر بإتاحة المحكمة لحضور الجمهور، وحق تلاوة الحكم علانية، وحق متابعة المجتمع لمجريات التحقيق والمحاكمة، لتوفر الرقابة المجتمعية على عمل القضاء.

في المقابل يدافع عضو مجلس القضاء الأعلى الأسبق عن التعديل معتبرًا أن الإعلام يؤثر على عمل المحاكم في بعض القضايا، وأن استئذان رئيس المحكمة ليس بدعة، وإنما مطبق في كثير من الدول، مشيرًا إلى أن قانون الإجراءات الحالي كان يسمح للنائب العام بحظر النشر في أي قضية يتخوف من أن يؤثر الإعلام على مجرياتها.

كانت مؤسسة حرية الفكر والتعبير قد رصدت 37 حالة حظر نشر في الفترة من منتصف 2013 وحتى منتصف 2016، وسبق وقضت محكمة القضاء الإداري في يناير 2016 بإلغاء قرار النائب العام بحظر النشر في قضية تزوير الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2012، استنادًا لحق الناس في المعرفة الذي كفله الدستور. فيما تحظر المادة 71 من الدستور بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية.

على طريقة مكافحة الإرهاب

وانتقد المحامي طارق عبد العال تطابق عدد من مواد المقترح مع مواد قانوني مكافحة الإرهاب والكيانات الإرهابية، ومنها المواد الخاصة بتنظيم إجراءات المنع من السفر والتحفظ على الأموال إلى جانب المادة الخاصة بمراقبة الاتصالات والمراسلات البريدية للمواطنين، مفسرًا أن الوضع الطبيعي أن يتم تغليظ مواد قانون الإجراءات الجنائية عند تطبيقها على المتهمين بالإرهاب، وهذا ما حدث عند إعداد قانون مكافحة الإرهاب، ولكن العكس هو ما حدث في مشروع الإجراءات الجنائية الحالي، رغم أن الأخير يطبق على المواطنين العاديين في الظروف العادية.

وتنص المادة 81 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد على أنه «لعضو النيابة أن يصدر قرار بضبط جميع الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود لدى مكاتب البريد وجميع البرقيات لدى مكاتب البرق وأن يأمر بمراقبة الاتصالات السلكية واللاسلكية وحسابات مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة والبريد الالكتروني والرسائل النصية والمصورة على الهاتف الخلوى وضبط الوسائط الحاوية لها أو إجراء تسجيلات لأحاديث جرت في مكان خاص متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ستة أشهر، ويجب أن يكون الأمر بالضبط أو الاطلاع أو المراقبة أو التسجيل لمدة لا تزيد عن ثلاثين يومًا». في حين يتضمن قانون مكافحة الإرهاب نفس المادة برقم 46 رغم أن الدستور حظر صراحة انتهاك حرمة المراسلات الخاصة للمواطنين.

وتنص المادة 57 من الدستور على أنه «للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفى، وينظم القانون ذلك».

تمهيدًا لتعديلات أخرى

يرى المستشار أحمد عبد الرحمن، النائب الأول اﻷسبق لرئيس محكمة النقض الأسبق، أن التعديلات الأخيرة للقانون يجب أن تكون مقدمة لسلسلة من التعديلات على كافة القوانين الحاكمة لمنظومة التقاضي في مصر بما فيها الإجراءات الجنائية، وهو ما يفسره قائلًا إن القانون وليد احتياجات المجتمع، والمجتمع الآن يشكو من بطء التقاضي، ولمواجهة ذلك ينبغي النظر إلى كافة الإجراءات القضائية التي أصبحت لا تلائم الواقع الحالي، فلا يمكن مثلًا أن يظل متهم في قضية تزوير شيك أو محرر ما مسجونًا لعامين أو أكثر بسبب انتظار المحكمة لتقرير الخبير، الذي لا تلزمه القوانين الحالية بإعداد التقرير في مدة معينة.

يتابع عضو مجلس القضاء الأعلى الأسبق، قائلًا إنه لا يمكن الحكم على مدى جدوى التعديلات اﻷخيرة في ظل استمرار قوانين: الخبراء، والطب الشرعي، والشرطة القضائية، وهيئة تنفيذ الأحكام، وغيرها من الأجهزة المعاونة لجهات التحقيق، كما هي، لافتًا، على سبيل المثال، إلى أن التعديلات الأخيرة ربطت نظم إعلان المتهمين أو الشهود بموعد المثول أمام النيابة أو المحكمة بالعناوين المدونة في بطاقة الرقم القومي، في حين كان عليها أن تلجأ إلى الربط بأرقام الهواتف النقالة إلى جانب الرقم القومي، حسبما قال.

وأضاف أنه كان على القانون أن ينص على تسجيل تحقيقات النيابة ومحاضر الجلسات، على الأقل بالصوت، لتلافي إغفال الكثير من دفوع المحامين بسبب سرعة كتابة سكرتارية الجلسات التي تهتم فقط بكلام رئيس النيابة أو رئيس المحكمة، وهو ما يساهم في إغفال معلومات هامة في القضية.

اعلان