Define your generation here. Generation What

مرثية مناضلٍ مثالٍ: مؤمن عصام.. مَن جَسّد أحلامنا بواقعية

(15 ديسمبر 1991- 16 ديسمبر 2017)

لم يكن ابن موت، كما لم يكن محبًا للحياة أيضًا. لم يكن متشائمًا، بل ولم يكن متفائلًا كما يبدو عليه للوهلة الأولى. الإيجابية فقط كانت منهجه، كان يسير للأمام دومًا بحثًا عن منافذ النور في حقبة زمنية بالغة الرداءة. «بلا أمل ولا يأس»، كان يمشي في أيام الهزائم المتلاحقة قابضًا على التابلت الصغير وعلبة الكليوباترا السوبر، ومتسلحًا بمانيفستو جرامشي السحري «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة».

لم أود بالطبع أن أشهد لحظة سقوطك الصاعقة، وقطعًا لا أتمنى ذلك لأي شخص آخر. صاغرًا، ارتضيت بدوري القاسي كمتفرج وحيد على مشهد النهاية، وقنعت بهذا الدور لأني، رغم عجزي، لا أتمنى لك أن تكون وحيدًا في نهايتك. قلت لك جميل أنك ستأتي معي لأني أخاف هذا المكان، فطمأنتني بأنه لا خوف طالما نسير معًا.

في المكان ذاته، وفي بدايات 2017، كنا نحتفل بعامي السادس والعشرين؛ أنا لا أزال أمضي في الطريق الحزينة وأنت توقفت. أنت صارعت الانزلاق وأنا تخشّبت، ناديت عليك ولم تلتفت لي؛ دوامات المياه كان صوتها أعلى من صوتي، كانت إرادتها أكبر من إرادتي، وكانت فعلتها المشئومة سريعة بشكل خاطف ومرعب. رأيت جحافل تحاول إنقاذك، ولكني شعرت بأن القصة انتهت. تداخلت الأصوات والأسئلة بالنحيب، كانت الصدمة تنهش الجميع.

كانت ليلة ثقيلة ومرعبة، الأسوأ على الإطلاق في حياتي، ولكنها مرت في الدهشة والدموع واستخراج الأوراق الرسمية لاستلام جثمان الرفيق. وفي اليوم التالي حاولت، بترتيب الأحداث ومواساة الأصدقاء، تناسي فكرة الفقد. لكن كلما تمر الأيام أشعر أكثر بالفقد، وأخاف الاعتياد.

كنا نغنّي قبلها بدقائق «السهرة تحلى» لمدحت صالح. كنا نحتفل بعامك السادس والعشرين، وفي الوقت ذاته نحتفل بصديقنا الناجي من الخدمة العسكرية. وقبلها بيوم كنت أسمع منك تقريرًا وافيًا عن انتخابات الطلبة في الجامعات، وقبلها بيومين أو ثلاثة تركنا الطاولة لنتابع فيلم الطفولة «قلب شجاع.. Brave Heart»، مع نقاش حول الفارق الشاسع بين التحرر من الاستعمار الخارجي والتحرر من الاستعمار المحلي، وعن غياب صوفي مارسو كذلك.

كيف أكتب دون تشجيعك، ودون لومك الدائم لي على كسلي وقلة حماستي. كيف أكتب الآن دون ملاحظاتك، كيف أكتب عنك يا عزيزي؟ هل أرثيك؟ أم أحاول الكتابة عن أفكارك كي نوثّق مشوارك القصير؟

الزميل مؤمن، مسؤول مكتب الطلاب بحزب العيش والحرية:

طالب بالفرقة السادسة بكلية طب أسيوط، يتركز نشاطه في الجامعة، كان يهدف دومًا لإعادة العمل السياسي للجامعة وزرعه هناك. لم يكن يمل من البحث عن وجوه جديدة تشاركه أحلامه وأفكاره؛ كان يؤمن بحتمية العمل الجماعي المنظّم كحل لإعادة أفكار يناير المهزومة للواجهة مرة أخرى. لم يكن محبًا لأدوار البطولة، ولا للنجاحات الفردية.

كان متفوقًا في دراسته قبل الجامعة. قال لي أخوه مرة إنه عندما حصد الترتيب الثاني في المرحلة الإعدادية حبس نفسه يومين عقابًا على تقصيره. لكن الثورة التي شبّ في أوجها غيّرته، جعلته يشعر بأن المراكز الأولى لا تليق به، جعلته يحب الحشود. لذا كنت أتفهم تعثره في إنهاء دراسته الجامعية، رغم نجاحه الباهر في مراحل التعليم السابقة، كنت أقول له: أنا أشعر بك، يصعب عليك العمل وحيدًا.

ساهم مؤمن في 2015 في انتخاب اتحاد لطلاب جامعة أسيوط، بنكهة سياسية واضحة. كان اتحادًا مختلفًا حاول على مدى عامين تغيير الصورة النمطية للعمل الطلابي، المقتصرة على الخدمات وحسب. كان الاتحاد يشتبك بشكل سياسي مع تفاصيل العملية التعليمية بالجامعة. وكان أعضاؤه يشكّلون ندوات أدبية وسياسية ويشتبكون مع اللائحة الطلابية. كان مؤمن وقتها مستشار الاتحاد لحقوق الإنسان، وأصلًا، فتسمية هذا المنصب بجامعة إقليمية كانت تُعد انتصارًا.

في يوم الطالب العالمي، في العام الماضي، كتب مؤمن عن رؤيته للحركة الطلابية بمصر بعد عام 2013 الدموي، وطالب بالنضال حتى مع إلغاء الانتخابات.

في العام التالي 2016، قُبض عليه مع اثنين من رفاقه لتظاهرهم بالجامعة احتجاجًا على التنازل عن تيران وصنافير للسعودية. قلت له وهو مكبل: ما ينفعش تتحبس يا مؤمن. فرد عليّ باسمًا: ما تقلقش يا صاحبي، انتو برة وهتخرّجوني.

في الحزب كان نشاطه متواصلًا لا ينقطع، لا يوقفه إحباط أو هزيمة مرحلية. كان يسعى دومًا لظهور كوادر جديدة ومساعدتها لتساهم في بناء الحزب. كان يقرأ كل الأوراق والتعليقات والانتقادات، وكان يمتص الغضب والإحباطات. كان يدرك من صميم قلبه صعوبة بناء حزب متماسك في هذا المناخ المجنون الذي تشكّل في بدايات عام 2013، مرورًا بمجزرة رابعة التي شكلت مرحلة جديدة في الحياة السياسية المصرية؛ مرحلة الصوت الأحادي المتوحش.

كان من خلال الحزب يحارب المركزية. كان يلعب أدوارًا قيادية بالحزب من خلال غرفته بمدينة أسيوط. كان أول من يذكّرنا بمواعيد جلسات تجديد أو محاكمة الزملاء والرفاق المحبوسين، وكان يدوّن بلا ملل عن معتصم وسارة وماهينور وعلاء ودومة وفتحي. كان يتابع انتخابات النقابات ومشروعات القوانين، كان يتابع انتخابات الأندية ويسألني عنها، ويكون في قمة السعادة إذا ظهرت قيادة شبابية محلية بأسيوط أو غيرها، محاولًا التعرف عليها فورًا.

قبل أيام قليلة من الحادث، تولّى الملف الإعلامي الخاص بالحزب بالاشتراك مع صديق متخصص بالأساس في التسويق. كنت أدفعه منذ فترة لتولي الملف وكان متململًا. كنت أقول له: أومال هننتخبك أمين عام إزاي يا أخي؟

تكمن براعة مؤمن في تجسيده لأحلامنا بواقعية فريدة ونادرة في جيلنا. كان حلم التغيير بالنسبة له بناءً شاهقًا يخطّط له كل يوم، ويسعى في كل حوار، ولو كان جانبيًا، لجذب الناس إليه. كان يدرك أننا دولة ذات تاريخ حزبي بائس، ويعرف جيدًا أننا دولة الرجل الواحد الممثل في السلطة، أو الذي تتمناه الجموع لينقذهم من الخراب. كانت الانتخابات بالنسبة له خطوة للحديث عن السياسة داخل الكيانات؛ كان يرى السياسة في كل شيء. كان يحلم بديمقراطية حقيقية، لا تمثيلية وحسب، ديمقراطية تتشكل من القواعد المحلية.

أذكر دومًا حواراته مع سائقي التاكسي حول تفعيل نقابتهم المغلقة، فدونها لن يمكنهم الاحتجاج على غلاء البنزين. كان يحلم بمجالس منتخبة تدير مؤسسات الدولة، كما انتظر طويلًا انتخابات المحليات، علّها تعطينا فرصة لإقامة فعاليات محلية تحيي الحركة من جديد في المحافظات.

رحيل مؤمن خسارة شخصية فادحة، لكني أعدُّها أيضًا بمثابة هزيمة أخرى تضاف لنا، هزيمة لمشروع إحياء الثورة من النظرية إلى الواقع الجماهيري الملموس. العمل السياسي ليس تفريطًا في الأفكار الثورية والأحلام الكبرى، ولا يمثل مهادنة مع مؤسسات طالما قمعت أجيالًا من الحالمين بالتغيير والعدل الاجتماعي. العمل السياسي، كما جسّده مؤمن، هو جسرٌ نسعى من خلاله لترجمة الأحلام الكبرى لخطوات وأفكار وانتصارات، تزيدنا خبرة وتجربة في التعامل مع الجماهير التي أنهكتها الوعود والشعارات البرّاقة. كان مؤمن يرى أن علينا جعل ثورة يناير تيارًا واضح المعالم وقريبًا من الجماهير، كان يتمنى ألا نعلن الهزيمة ويسعى ضد هذا.

أنا لا أريد بهذا تثوير رحيل مؤمن، فقط أريد إبراز رؤيته الثورة، وشرح كيف لفقدان كادر حزبي في الوقت الحالي المأزوم أن يمثل خسارة فادحة للجميع.

مؤمن الصديق

كنا نتشارك التفاصيل اليومية، بالأخص بعد انضمامي لـ «حزب العيش والحرية»، كنا نلتقي يوميًا لنلعب الطاولة و«لنحرّر العالم»، على حد وصفه المتكرر. كان ينزعج من ميلي الدائم للتشاؤم ولكنه كان يعذرني. كان يقول لي كثيرًا: لو الشغف راح، نرجّعه بعشرتين طاولة وسهرة حلوة.

حمل التابلت الخاص به، والذي لم يفارقه في مشهد النهاية، عشرات الأفكار والخطط والملاحظات التي ينوي مناقشتها معنا جميعًا، كان يسجّل به مواعيد الجلسات والامتحانات والانتخابات المقبلة، وكان مليئًا بالأغاني التي نسمعها سويًا أثناء سيرنا في شوارع أسيوط، أو في الميكروباص الذي يقلُّه للقاهرة لحضور اجتماع أو ندوة.

كان يبحث عن التاريخ الشعبي لاستقاء التجارب منه. كابن وفي للثورة، كان يكره التاريخ الرسمي، ودائمًا ما يبحث عن التاريخ بعيدًا عن روايات المنتصرين، اهتم من خلال أعمال المؤرخ خالد فهمي بنشأة الجيش المصري الحديث والطب الشرعي، كما كان يقرأ لإدواردو جاليانو بحثًا عن تاريخ شعوب أمريكا اللاتينية، كما كتب في مقال له، نشر قبل شهرين من الحادث. كان يستمع إلى أستاذنا وصديقنا، الشاهد على انتفاضة 77 وأحد مفجري الحراك في الصعيد آنذاك، كما كان يسأل صديقنا الباحث الصعيدي الموسوعي عن تاريخ أسيوط.

لم يكن شغوفًا بمتابعة كرة القدم، وإنما اكتفى بالمتابعة من بعيد والاستماع لتحليلاتي التفصيلية للمباريات باهتمام بالغ.

كان يحب حكايات سقراط البرازيلي الثائر، وحكايات الألتراس في الأرجنتين. كذلك كان متابعًا جيدًا للتصفيات الأفريقية واللاتينية لكأس العالم. كان يشعر بالانتماء للشعوب التي أنهكها الاستعمار وصندوق النقد.

كان لأصدقائه كلاعب خط الوسط في الملعب، حضوره غير صاخب لكنه شديد الفعالية. كان يدعم الجميع، ينتقد، يسخر، يشجع، يساهم في حياتنا بحب وامتنان، ودومًا ما تسعده المشاركة والتخطيط وبناء الأحلام والأفكار.

لطالما عبّرت عن حبي وتقديري له أثناء لعب الطاولة، أو بعد اجتماع حزبي مرهق دارت فيه نقاشات مكررة ومنهكة. كثيرًا ما قلت له: لو الحياة الحزبية المنيّلة في مصر كان فيها خمسة زيك كان حالنا بقى أحسن. وكثيرًا ما عبّرت له عن امتناني الشديد لـ«خلقه الواسع» في الإنصات لأي شخص يتعامل معه.

كيف أسمع بحر أبو جريشة بدونك، ومن أحكي معه عن عصام عبد اللّه؟ من أحكي له عن المشاريع المؤجلة والمخيفة؟ المشهد لا يفارقني أبدًا، بل أراه على خلفية أغنية «بحر» لمشروع ليلي! أتذكر هذه الأغنية؟، أصبحت جحيمًا متواصلًا لا ينتهي ولا أستطيع الفكاك منه.

كنا ندعو أصدقائنا في الحزب لأسيوط، وكنا نستقبلهم سويًا. كنت تُشعرهم يا صديقي أنها مدينة لطيفة رغم أنها ليست كذلك. الآن أستقبلهم للتعزية، التعزية في غيابك.

أعطيتني ذات مرة رقم أخيك لأتواصل معه إذا تعرضت للحبس، لكنك لم تقل لي إنك سترحل. ماذا أفعل الآن يا صديقي إذن؟

أتمشّى كل ليلة إلى بيتك كما كنت أفعل، ثم أذهب إلى المقهى الذي جمعنا منذ شهور طويلة، أطلب قهوتين وزجاجة المياه. فقط أخاف سؤال القهوجي عنك.

اعلان