Define your generation here. Generation What
جابرييل جارسيا ماركيز: الصحفي
 
 
ماركيز بينما كان يكتب رواية مائة عام من العزلة - المصدر: Harry Ransom Center
 

في 1955، ومع بداية نشر حلقات ريبورتاجه الطويل الأول «قصة بحار غريق»؛ لم يكن جابريل جارسيا ماركيز، البالغ  حينها من العمر ثمانية وعشرين عامًا، معروفًا بعد كأهم روائي بقارة أمريكا اللاتينية، وإنما كصحفي بوهيمي، يكتب لعدد من الجرائد الكولومبية، ومنها جريدة الإسبكتادور ( El Espectador) أقدم جريدة كولومبية، والجريدة الناقدة لنظام الديكتاتور «جوستابو روخاس بيني»، الذي وصل إلى الحكم بعد انقلاب عسكري في 1953.

في سيرته «عشت لأروى» (2002)، حكي ماركيز عن تجاربه الصحفية، الفاشلة منها والناجحة. فمنذ التحاقه بالصحافة في سن الثامنة عشر، تنقَّل من جريدة لأخرى، محاولًا إيجاد منبر لقصصه الأدبية. ورغم أنه جذب القراء بمواضيع شيقة ومبتكرة، كمحاولته مزج الصحافة بكرة القدم، إلا أن معظم مشاريعه كانت تنتهي بالفشل بسبب الضيق المالي. في ذلك الوقت عاش ماركيز حياة متقشِّفة. فلم يكن يملك في بعض الأوقات إيجار الغرف المتردية التي يسكنها، حتّى أنه عاش فترة في بيت لفتيات يمتهن الجنس التجاري، كنّ يعطفن عليه بالطعام.

تكّلم أيضًا في سيرته، عن صعوبة إيجاد مواضيع للكتابة، عن علاقة الجرائد المتوتِّرة بالحكومة التي كانت تزرع  إجباريًا مراقب لها في كل مكتب، لحذف أي انتقادات توجّه إليها، وكيف كانوا في الإسبكتادور، يستهزئون به بإعطائه معلومات خاطئة، حتى اضطروه مرة لمغادرة الجريدة باكيًا.

وفي عام 1950، عندما انتظم ماركيز في كتابة عمود لجريدة «الهيرالدو» بعنوان «الزرافة»، كان اسمه قد بدأ يعُرف تدريجيًا في عالم الصحافة. ويقول أنه اختار هذا الاسم، لأن  بإمكان الزرافة، بفضل رقبتها الطويلة، اختراق الأبعاد، والإلمام بالمشهد كاملًا. أيضًا كان ذلك اسم «الدلع» الذي أطلقه على الفتاة التي أصبحت فيما بعد زوجته، ميرثيديس بارشا.

وكان يوقّع مقالاته، باسم «سبتيموس»، الذي استوحاه من إحدى أبطال رواية «السيدة دالواي» (1925) للكاتبة فيرجينيا وولف. لهذا الاسم إيحاءات سياسية أيضًا، فهو مشتق من «سبتيما كاريرا»؛ الشارع الذي شهد اغتيال المرشح الليبرالي للرئاسة بكولومبيا خورخي جايتان عام 1948،  وهو الحدث الذي تسبب في اندلاع أعمال عنف في البلد بأكملها، راح ضحيتها نحو ثلاث مئة ألف شخص.

في «الهيرالدو» أتيحت لماركيز حرية تامة في اختيار مواضيع مقالاته. فأول مقالة كتبها كانت عن ونستون تشرشل وأهميته للقرن العشرين. أما الثانية فكانت عن ديونيسوس، إله الخمر عند الإغريق. واتسمت تلك المقالات بأسلوب ساخر، وظهر فيها بوادر ولعِه بنوع الخيال الذي يعرف بالواقعية السحرية؛ فمثلًا في مقالته الخامسة، والتي استوحاها من حادثة مقتل أحد اللصوص، يأخذ ماركيز في تصوّر حفل المأتم المهيب الذي يقام له من قبل زملائه المجرمين قبل وصوله إلى الجحيم.

قصة بحّار غريق

لكن ذاع صيت ماركيز كصحفي، بشكل كبير، على حين غرة، حين طلب منه رئيس تحرير الإسبكتادور عام 1955؛ محاورة البحار لويس فيلاسكو، الوحيد الذي نجا من حادثة غرق السفينة الحربية (كالداس) في العام نفسه، بمساعدة غصن شجرة تعلّق به لعشرة أيام في قلب البحر الكاريبي.

في البداية حجبت السلطات البحار الناجي عن جميع وسائل الإعلام، ثم استغلوه بعد ذلك في البروباجندا (الدعاية السياسية) بتصويره كبطل قومي. من ناحيته، رفض ماركيز فكرة محاورته بعد انقضاء عدة شهور، متعللّا بأن القصة «ماتت»،  قبل أن يوافق بعد إلحاح رئيس التحرير، ليفشي البحار له في أول لقاء بينهما بسبب غرق السفينة الحقيقي، وهو أنها كانت محملة ببضاعة مهرَّبة اشتراها البحارون لأنفسهم.

بعد نشر أول حلقاتها، أراد رئيس التحرير مد الريبورتاج لـ15 حلقة، لارتفاع مبيعات الجريدة إلى الضعف. وقد توقَّع ماركيز وزملاؤه مصادرة الجريدة وإغلاق مكتبهم قبل الانتهاء من نشر الحلقات. ورغم أن المقالات لم تنشر باسمه الحقيقي، إلا أن هويته سرعان ما عرفت في الوسط الصحفي.

قضى ماركيز مع فيلاسكو ثلاثة أسابيع «مهلكة»، كما وصفهم في سيرته الذاتية، يسأله عن كل صغيرة وكبيرة تتعلق بنجاته الشبيهة بالمعجزة. يتألف الريبورتاج من أربعة عشر فصلًا نشروا في حلقات يومية على مدار أسبوعين، يحكي فيهم ماركيز القصة من منظور فيلاسكو، فكأن الأخير يكتب قصته بنفسه، وهو أسلوب شائع في كتابة البروفايلات أو الريبورتاجات، يمحى صوت الكاتب الوسيط، كي يعطي مجالًا للقارئ ليتوحد مع الراوي مباشرة.

ومنذ أول لقاء اكتشف ماركيز أن فيلاسكو يتمتع بذاكرة فوتوغرافية، فكان بإمكانه تذكر المواعيد الدقيقة للأحداث المؤثرة خلال فترة تشرّده، بفضل ساعة يده التي ظلت تعمل على مدار الأيام العشر التي قضاها في البحر. مثلًا كان باستطاعته تحديد الأوقات التي اشتدت فيها الرياح، أو التي كانت تظهر فيها أسماك القرش في مواعيد محدّدة، حيثُ كانت تحوم حوله في الخامسة عصرًا كل يوم، أو وقت ظهور طائرة في السماء ظنها ستنقذه.

يحكي فيلاسكو، من خلال ماركيز، عن معاناته مع البرد والحر، والجوع والعطش، وعن تأنيب ضميره لدى اصطياده نورسية لم يستطع بلعها لشعوره بالتقزز، وعن محاولته البائسة لأكل حذائه من شدة الجوع. يشبِه الفصل الذي يصف فيه صراعه مع أسماك القرش حول سمكة وثبت فوق الغصن، بـ «رواية العجوز والبحر» لأرنست همنجوي (1951)، التي غالبًا ألهمت ماركيز في كتابة بعض الفقرات.

من الصعب الحكم على قيمة هذا الريبورتاج، من منظورنا اليوم، لو لم يكن ماركيز هو الكاتب. فعندما طُلب منه عام 1970، نشره على هيئة كتاب، تردد بداية، إلا أنه وافق على مضض، ثم كتب في مقدمته أن دار النشر تريد نشره غالبًا لأن نجمه كان يلمع في ذلك الوقت. فقد حقق الريبورتاج نجاحًا ساحقًا، لأنه لم يتبنّ زاوية النظام في تصوير الواقعة كمعجزة إلهية، لكنه اهتم بتحليل صراع الإنسان مع الطبيعة، ورغبته في البقاء، في حالة أن الظروف كلها في غير صالحه، كما هو محور« العجوز والبحر». إلا أني حين قرأته، بدا لي بطيء الإيقاع ورتيب، كأفلام الأبيض والأسود البالية، وذا لغة جافة تفتقر للواقعية السحرية، أوالصور المجازية التي تفيض من كتابات ماركيز. وأشك كما قدّر ماركيز نفسه، أن قصة «بحّار غريق» كانت ستنجح كـ«كتاب» إلى يومنا هذا، لو لم تكن تحمل اسم الكاتب العملاق.

مهمة سرية في تشيلي

قبل نشر الحلقات الأخيرة من قصة «بحّار غريق» بدأت تهديدات أنصار الحكومة تنهال على ماركيز، حتى نصحه زملاؤه بالهرب إلى أوروبا لفترة. وبالفعل بلغ ماركيز بعد عدة أشهر، وهو في المنفى، خبر إغلاق الجريدة.

في أوروبا عاش ماركيز حياة مليئة بالمصاعب المادية وعدم الاستقرار. فروايتيه الأولى« الأوراق الذابلة» (1955)، والثانية «ليس للكولونيل من يكاتبه» (1961)، لم تلقيا أي نجاح، حتى أن أكبر ناقد أسباني حين ذاك، جيليرمو دي توريه، نصحه بترك الكتابة والتفرغ لمهنة أخرى.

Harry Ransom Centerجواز سفر ماركيز.. الصورة من

ظل ماركيز يتخبط بلا هدى، وهجر الأدب لخمس سنوات، قبل أن يجازف بوضع أوراق رهانه على روايته الثالثة. كان متزوجًا ولديه ابن عندما قرر بيع سيارته والتفرغ لكتابة رواية «مئة عام من العزلة» (1967)، التي نحتفل هذه السنة بمرور خمسين عامًا على صدورها، والتي حققت مبيعات قياسية فور صدورها. أتبعها ماركيز بـ «خريف البطريرك» (1975)، و«وقائع موت معلن» (1981)، قبل أن يفوز بجائزة نوبل في الأدب عام 1982. بهذا عندما نشر ريبورتاجه «مهمة سرية في تشيلي» عام 1986، كان قد أصبح بالفعل أشهر كاتب في أمريكا اللاتينية.

ترجع جذور «مهمة سرية في تشيلي» لارتباط ماركيز الفكري والعاطفي بسلفادور أليندي، أول رئيس تشيلي يساري يصل إلى الحكم، قبل أن يطيح به، بعد ثلاث سنوات، وزير دفاعه الجنرال «أوجستينو بينوشيه»، بانقلابً عسكري دموي عام 1973، راح ضحيته الآلاف من المعارضين، مرغِمًا إياه على الانتحار في قصره. وقد صرح ماركيز بعد الانقلاب، في لحظة غضب، أنه لن يكتب رواية أخرى قبل سقوط النظام، الوعد الذي لم يلتزم به.

ولأنه كان من أشد أعداء بينوشيه، فقد تحمّس لسرد قصة عودة المخرج التشيلي من أصل فلسطيني يوناني، «ميجيل لتين»، لتشيلي متخفيًا، بعد اثتني عشر عامًا من هروبه إثر الإنقلاب،  لتصوير فيلم وثائقي عن موطنه في حكم العسكر.

وكما في « بحّار غريق» يروي ماركيز القصة من منظور «لتين»، مستخدمًا عامل التشويق، في سرده لحيل لتين في التنكر لمراوغة الحكومة، وعلاقته المتوترة بمساعدته التي تمثّل دور زوجته، حتى راح لتين يتعارك معها يوميًا، وكأنها زوجته بالفعل، كما يقول ماركيز ساخرًا على لسان بطله.

ولكن بعد عدة صفحات يكتشف القارئ أن إحدى نقاط ضعف الريبورتاج، عدم زيارة ماركيز الفعلية لتشيلي. فرغم محاولاته وصف الشوارع والمحلات، إلا أن القارئ سرعان ما يفتقد روائح وملامح المدن وسمات حياة سكانها، التي لا يقدم لها ماركيز وصفًا ثريًا، باستثناء  جزء زيارة لتين للحلاق، التي يصفها بميلانكولية وقدر من السخرية الممتعة. كذلك تفتقد شخصية لتين المصداقية. فبسبب تعاطف الكاتب معه، أو ربما بسبب كرهه للنظام، صوره ماركيز بتعاطف شديد، دون التوغّل لأعماقه.

وقد أذاع المخرج حين رجوعه سالمًا إلى أوروبا فيلمًا وثائقيًا عن المادة التي صورها، إضافة إلى فيلم سينمائي، ما يجعل القارىء يتساءل ما هي الإضافة  التي رآها ماركيز في الكتابة عنه، والإجابة غالبًا أنه أراد استغلال شهرته للتنكيل ببينوشيه، وأيضًا لإرضاء ضميره.

خبر اختطاف

أما «خبر اختطاف» (1996)، فهو ريبورتاج طموح وضخم من 291 صفحة، عن واقعة اختطاف بابلو اسكوبار (قائد تجار المخدرات أثناء حربهم الطاحنة مع حكومة كولومبيا عام 1990) لعشرة أشخاص، معظمهم نساء، تربطهم صلة قرابة بسياسيين كولومبيين، كي يجبر الحكومة على عدم تسليمه إلى الولايات المتحدة، هو وباقي المتحكمين في التجارة.

انغمس ماركيز في هذا العمل ثلاث سنوات، أجرى خلالها حوارات مع كل الأطراف، الذين أقنعهم بالإدلاء بشهادتهم؛ المخطوفين، وأقاربهم، والسياسيين الذين تفاوضوا مع إسكوبار. ولالتزامه بسرد الحقيقة، ولاعتراض بعض الأطراف المعنيَّة على تصويره لبعض التفاصيل، قام ببعض التعديلات إثر نشر أول نسخة.

يعتبر الكثير من النقاد «خبر اختطاف» أفضل ريبورتاج لماركيز، نظرًا لتوازنه السردي وشرحه التاريخي للأزمة الكولومبية. فالحرب على تجار المخدرات في كولومبيا كان لها ألاف الضحايا. وقد وصلت لأوجها في منتصف الثمانينات. فبين 1983 و1991، اغتيل أربع مرشحين للرئاسة، و قُتل أكثر من ستة وعشرون صحفي من قبل منظمات المخدرات. وفي أول شهرين من 1991 وحدهما قتل ألف ومائتين شخص، أي بمعدل عشرين شخص يوميًا. وكان إسكوبار يكافئ أي قاتل للشرطة بخمس مليون بيزو.

أما نقاط الضعف في الريبورتاج هذه المرة، فترجع لعلاقات الصداقة التي كانت تربط ماركيز بسياسيين كثيرين، استخدمهم كشهود عيان، والتي جعلت تصويره لهم دبلوماسيًا أكثر من اللازم، كتصويره مثلًا للرئيس سيزار جافيريا “الحكيم” في قراراته. إضافة إلى أن الاسترسال في تفاصيل اجتماع أقارب المخطوفين مع السياسيين، وتقديم ماركيز شخصية تلو الأخرى أثناء المفاوضات، كان له أثر مشتِّت على القارئ.

فرغم أن ماركيز ركّز على ثلاث ضحايا، وهن الصحفية ديانا تورباي التي ماتت أثناء عملية إنقاذ للشرطة، والصحفييتين ماروجا كاسترو وبياتريز فيلازيمير، إلا أنه يشتت القارئ بسرده قصصًا فرعية موازية، لصحفيين  آخرين مخطوفين من قبل إسكوبار، ليس بها الكثير من التفاصيل، ولا تنال حظًا كبيرًا من الريبورتاج، ما  يجعلها تمثّل إعاقة  لخيط وانسياب القراءة.

على الصعيد الآخر يوصِّل ماركيز إحساسي الرعب والخوف، والحالة النفسية العصيبة للسيدات المختطفات لمدة ثلاث أشهر في ضاحية ميدلين، بدقة كبيرة، حيث يصف شعورهن الكلاوستوروفبي في حبسهن، وخوفهن من التعرض للاغتصاب؛ لرغبة المراهقين المسلحين في مشاهدة أفلام بورن في الغرفة المجاورة.

وتكمن براعة ماركيز في توصيل تفاصيل إنسانية تشمل أقصى حالات الأمل واليأس للقارئ. مثلًا يصور كيف تهتم إحدى المختطَفات، وهي سيدة كبيرة، بأظافر يديها وقدميها في الحبس، علاوة على الاعتناء بنتف حاجبيها وحلق شعر ساقيها، أو كيف احتفل المختطَفون رغم الحرب بعيد ميلاد كاسترو، أو المواجهة المؤثرة لوالدي إحدى الضحايا بالرئيس جافيريا، واتهامهما إياه بالتقصير. أما النهاية فيكتبها ماركيز بصيغة أدبية رفيعة، دون انزلاق إلى صور إكليشيهية، أو استدرار لدموع القارئ.

وقائع موت معلن

لكن برأيي، أفضل ريبورتاج كتبه ماركيز هو «وقائع موت معلن»، الذي يدور عن جريمة قتل أوشرف، وقعت في مدينة سوكر بكولومبيا 1951.

تدور القصة عن كيف جلبت عروسة كولومبية «العار» إلى عائلتها، بعدما يعيدها زوجها ليلة الزفاف إلى دار أهلها، لاكتشافه أنها ليست عذراء. تتجه أصابع اللوم إلى سانتياجو نصار (اسمه الحقيقي كايتانو شيمنتو)، الذي ترتبط والدته بصداقة عميقة مع والدة ماركيز.

في سيرته الذاتية يحكي ماركيز أنه أراد كتابة القصة فور وقوعها، ولكن ترجّته والدته تأجيل مشروعه طوال ما بقت أم شيمنتو على قيد الحياة. ثم إثر موتها بعد سبع وعشرين عامًا، أخذت أم ماركيز وعدًا من ابنها، أن يعتبر شيمنتو ولدها، ولا يشوه صورته. وهو وعد لم يلتزم به ماركيز كليًا، حيثُ صوّر شيمنتو كمتحرش.

رجع ماركيز إلى سوكر، حيث عاشت عائلته فترة، كي يحاور شهود العيان والأقارب وأصدقاء الضحية، ومنهم خادمته، وابنتها، والعروسة، وأفراد عائلة ماركيز نفسها، ومالكي الحانات، والسكان العاديين، وقد كانوا كلهم على دراية بأن أخوة العروس ينوون الانتقام من شيمنتو، الذي يبدو وكأنه كان آخر من يعلم.

وكما في رواياته؛ «الأوراق الذابلة» (1955) و«ليس للكولونيل من يكاتبه» (1961) و«خريف البطريك»1975)، «والحب في زمن الكوليرا» (1985)، تبدأ «وقائع موت معلن» بخبر وفاة، أو في تلك الحالة بجريمة قتل. غيّر ماركيز أسماء الضحية والعروس والعريس. ولكنه استخدم الأسماء الحقيقية لأخوته وزوجته الذين يظهرون كشهود عيان.

يدمج ماركيز أسلوب الريبورتاج بفن الأدب، ليخلق كيانًا وثائقيًا غير مسبوقًا، لا نعرف فيه أين يبدأ وينتهي الواقع، فتلك مهمة  تعد شبه مستحيلة، في ظل امتناع ماركيز، رغم بعض الاستثناءات، عن التعليق على أعماله.

زوّد ماركيز الوقائع الحقيقية، بتفاصيل أدبية صغيرة، منها هوس شيمنتو بتحديد مصاريف الفرح، وتحرشه بابنة خادمته، ووصف لكيفية شراء العريس الغني بيت لعروسه من أرمل متعلق بأثاثه، يموت بالحسرة بعدها بأسابيع.

وتكمن براعة «وقائع موت معلن» الذي يسترجع آخر أربعة وعشرين ساعة من عمر شيمنتو؛ في التشويق التدريجي الذي يصل إلى ذروته بجريمة القتل، وكيف كان ممكنًا تفاديها، لولا الصدف الصغيرة، فرغم أن الأخان القاتلان والمدينة بأكملها يبدوا وأنهم تعاطفوا مع شيمنتو، إلا أن أحد لم يتدخل لصالحه.

عن هذا العمل، يقول ماركيز إن الذاكرة مثل مرآة تكسّرت لشظايا، سعى هو لإعادة تجميعهم وتركيبهم بإحكام، ليطل على الماضي. وبالفعل يسترجع تفاصيل الجريمة، كأنها قطع بازل، بمثابرة محقِّق شرطي يهتم بالتفاصيل الإنسانية. يستخدم ماركيز لغة واضحة وجملًا قصيرة، تذكر بأسلوب إرنست همنجواي.

في 1994 رفع العريس الحقيقي «ميجيل بالنسيا»، قضية على ماركيز، متهمًا إياه بالتشهير به. واستمرت القضية في المحاكم سبعة عشر عامًا. وبعد ما رفضت الدعوة في النهاية، أعلن محامي الكاتب «ألفونوسو مينديز» في تصريح لجريدة التيمبو الكولومبية: «الحكم مهم لأنه يعزز الفكرة الرئيسية، السارية بالنسبة للأدب والفن بوجه عام، وهو أن المهم كيف تعرض ما هو متعلق بالواقع، وليس الواقع ذات نفسه. كأن امرأة تعرض نفسها كي ترسمها، ثم تطلب من الرسام حقوق النشر. هي تملك جسدها، ولكن العمل من حق الرسام».

في النهاية، سنجد أن من المستحيل تخيل ماركيز الروائي دون تجربته الصحفية. فلو لم يجر المئات من الحوارات طوال حياته، لاختلفت كتابته برمتها غالبًا، فالريبورتاجات التي كتبها  تعتبر المنبع الأساسي لرواياته. وكما يقول في سيرته، إن المقابلات الصحفية بشكل عام لها «تأثير لا يقدر بثمن، ليس كمادة للنشر، وإنما ككتابات خام لتقارير صحفية، التي أعتبرها أفضل نوع في أفضل وظيفة بالعالم».

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد