Define your generation here. Generation What

ساحات معارك القدس

عندما أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ظهر تيار غريب من المواد الإخبارية، يحذّر من تداعيات محتملة من قِبَل الدول والشوارع العربية. انتعشت صفحات الجرائد عبر العالم بتخيلات عن منطقة مشتعلة بمسلمين متوقدين حماسة سيفجرون شرارة انتفاضة ثالثة، في استعراض لمجازات نمطية يستدعيها الصحفيون الكسالى، مجازات مصمَّمة لتأجيج المخاوف المعتادة وإخفاء العنف الإسرائيلي البارد والممنهج.

لكن أي شخص، ولو لم يكن لديه إلا أقل فهم للمنطقة، يعرف أنه لن يكون هناك أي رد فعل ذي شأن من أي دولة عربية. في مصر، يطرح إعلام الدولة وتابعوها التلفزيونيون بيانات غضب إكليشيهية، فالعناوين الرئيسية للأهرام تؤكد على أن «القدس عربية»، بينما يصرخ عمرو أديب بأنها «خط أحمر». لكن الشوارع ساكنة. في القاهرة، نُظمت وقفات احتجاجية أمام نقابة الصحفيين والأزهر، وقُدّم طلب للسماح بتنظيم وقفة احتجاجية أمام جامعة الدول العربية إلى وزارة الداخلية، قبل أن يُرفض.

هذا السكون ليس مفاجئًا. لكن لا بد من فهمه على نحو صحيح.

في الوقت الذي كان فيه الرأسماليون من محاسيب حسني مبارك يبيعون الغاز الرخيص وقوة العمل الرخيصة لنظرائهم الإسرائيليين، ظلت الرسالة التي يذيعونها تحمل طابع المقاومة الوطنية لهذه القاعدة الاستعمارية

قبل أن يستولي نظام حكم عبد الفتاح السيسي على السلطة في عام 2013، كان هناك تراث طويل من المشاهد ذات الإخراج المسرحي الصادرة عن الدولة المصرية حول فلسطين. فرغم أن السادات خان القضية الفلسطينية بوضوح، مع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 وبتوجهه نحو الرأسمالية، إلا أن صياغة الرسائل السياسية من الحكومة استمرت في استغلال فلسطين كصمام أمان لتخفيف الضغط في مواجهة الاستياء الشعبي، صمام أمان يدار من وقت لآخر لتنفيس الغضب. وفي الوقت الذي كان فيه الرأسماليون من محاسيب حسني مبارك يبيعون الغاز الرخيص وقوة العمل الرخيصة لنظرائهم الإسرائيليين، ظلت الرسالة التي يذيعونها تحمل طابع المقاومة الوطنية لهذه القاعدة الاستعمارية، رغم أن هذا التناقض غدا أقل مصداقية في السنوات القليلة السابقة على ثورة 2011.

إن انفجار الثمانية عشر يومًا قد اختمر جزئيًا بسببٍ من سلوك مصر نحو فلسطين، وبشكل خاص نتيجة تورط الحكومة في الحصار على غزة وصفقة الغاز المشينة التي عقدها حسين سالم.

فقد اكتُشف أن سالم، الذي كان أحد أقرب حلفاء مبارك، كان يبيع الغاز الطبيعي لإسرائيل بنصف سعر السوق، في صفقة قُدّر أنها كلفت البلد 11 مليار دولارًا أمريكيًا. جاءت جريمة الخيانة كرمز للمحسوبية في نظام مبارك، بل وزادت من أسباب إدانته، لأنها كانت متناقضة بشكل مباشر مع تظاهر النظام بالعداء للاستعمار والصهيونية.

تكشف السلطة عن نقطة ضعفها عندما تُمسك متلبسة بالكذب، عندما تصرح بأنها لن تفعل كذا أبدًا، ثم يُكتشف أنها تفعل كذا بانتظام.

ظل هذا صحيحًا حتى عام 2013، فقد تأذَّى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بشكل لا يمكن إصلاحه بإدعائه أنه لن يريق أبدًا قطرة دم مصرية واحدة، في الوقت الذي كان يطلق النار فيه على مواطنيه ويدهسهم ويعتدي عليهم جنسيًا. وكان الخطأ القاتل للإخوان المسلمين معكوسًا؛ إذ حرصوا على خلق انطباع بأنهم أقوى بكثير مما كانوا عليه بالفعل، فأثاروا الرعب الذي أدى إلى الحراك الجماهيري في 30 يونيو، ثم إلى الانقلاب الذي تلاه.

لكن مع السيسي، اختلفت الأمور. فهو يقتل خصومه مباشرة على الهواء، ويبيع الجزر، ويخبر مواطنيه أنهم سيجوعون. وهو لا يتظاهر بمعاداة الاستعمار، لكنه بدلًا من ذلك يجيب كتابع إمبريالي نموذجي: «نحن لسنا في أوروبا.. بتقدمها الفكري والثقافي والحضاري والإنساني»، كما قال عند سؤاله عن حقوق الإنسان.

قيل ذات مرة إن الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة. لكن الآن، في مواجهة رئيس يتخلى عن الأرض مقابل المال، وقع المصريون في شرك بنية للسلطة تشابه نظام عباس في رام الله؛ أوتوقراطية محلية فاسدة حتى النخاع وذليلة بشكل معلَن، ولا بد من إزاحتها قبل مواجهة إسرائيل.

من الصعب العمل انطلاقًا من هذا الوضع، لكن من أجل فهم طبيعة أوتوقراطيينا الحاليين لا بد من الاعتراف بالكيفية التي أصبحوا بها مترابطين، وبطرق لم يكن من الممكن تخيلها سابقًا.

نحن نشهد بزوغ ما أُطلق عليه «سلام الجناح اليميني»، وهو تعبير استخدمه بحماس عضو يميني متطرف في الكنيست الإسرائيلي لدى زيارة ترامب للسعودية. فقد شهد عام 2017 الاعتراف الرسمي بواقع استغرق صنعه وقتًا طويلًا؛ سلسلة من حلفاء الولايات المتحدة تمتد عبر مصر وإسرائيل والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة إلى البحرين، تتعاون نخبها الحاكمة الآن – والتي كانت معادية لبعض فيما مضى – بشكل علني مع بعضها البعض.

في السادس من سبتمبر 2017 صرح بنيامين نتينياهو قائلًا: «ما يحدث بالفعل [مع الدول العربية] لم يحدث قط في تاريخنا». هناك تعاون «بطرق مختلفة» و«على مستويات مختلفة»، وهو «أكبر بكثير مما كان خلال أي فترة أخرى في تاريخ إسرائيل. هذا تغيير هائل. العالم بأكمله يتغير.»

وفي اليوم التالي، السابع من سبتمبر، قام محمد بن سلمان ولي العهد السعودي بزيارة سرية إلى تل أبيب – وهي الزيارة الأخيرة في سلسلة من اللقاءات غير المعلنة التي جرت منذ عام 2014. وفي السادس من نوفمبر أُرسلت برقية دبلوماسية إلى جميع الدبلوماسيين الإسرائيليين، تحمل تعليمات إليهم بدعم ألعاب السعودية السياسية في المنطقة، بما في ذلك الحرب على اليمن.

وفي السابع عشر من نوفمبر، صرح لواء كبير في وزارة دفاع الإمارات العربية المتحدة قائلًا: «نحن نتفهم أنه مثلما نحن حلفاء للولايات المتحدة، فإن إسرائيل حليفة للولايات المتحدة، وكأن لنا أخًا كبيرًا مشتركًا». في اليوم نفسه، أجرت صحيفة سعودية لقاء مع أكبر شخصية عسكرية إسرائيلية، وقد دعا إلى العمل المشترك ضد طهران. كما زار «وفد سلام» بحريني مؤخرًا القدس. وقد اقترحت السعودية أن تكون بلدة أبو ديس هي العاصمة لدولة فلسطينية على مناطق غير مترابطة إقليميًا.

إن الخطاب المناهض للاستعمار غائب تمامًا عن سياسات المنطقة اليوم. وقد تحولت إيران، باحتياطاتها الهائلة من النفط وبطموحاتها الإقليمية، إلى العدو الوجودي الحالي، مقدمة غطاء نموذجيًا لقمع الاضطرابات الداخلية.

ويمكن لإسرائيل أن تساعد على كل من الجبهتين. فهي تحظى بالإعجاب، حتى في دهاليز السلطة الإقليمية، بسبب قدراتها العسكرية ضد أعدائها، سواء في الداخل (الضفة الغربية) أو الخارج (غزة، لبنان).

هناك تشابهات مذهلة:

تحتل إسرائيل الضفة الغربية عسكريًا، وفي نفس الوقت تقصف غزة – وهي منطقة لا تستطيع السيطرة عليها بالقوات البرية. كما يحتل الجيش المصري الأرض، وفي نفس الوقت يقصف سيناء، وهي منطقة لا تمكنه السيطرة عليها بالقوات البرية. وتحتفظ السعودية بقوة احتلال قادرة على احتلال البحرين، وفي نفس الوقت تقصف اليمن، وهي منطقة لا تستطيع السيطرة عليها بالقوات البرية.

يُنظَر إلى إسرائيل كخبيرة في السيطرة على السكان، وهي مهارة مطلوبة بشكل عاجل للغاية من الأوتوقراطيين ممن لديهم تعدادات سكانية متزايدة ينبغي كبحها. نقاط التفتيش وبطاقات الهوية والعقاب الجماعي وهدم المنازل والمحاكم العسكرية وقوات التدخل السريع وبرامج التجسس والمداهمات الليلية والاحتجاز الإداري والإخفاء القسري، هي الأعمدة الأساسية للسيطرة الإسرائيلية. إن الاحتلال العسكري هو مستقبل الحوكمة: طاقم من المهارات والتقنيات معروضة للبيع في السوق الدولية، سلعة يجري صقلها وتحسينها على الجسد الفلسطيني.

ذات يوم كان الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة. لكن لم يعد هناك طريق واحد بعد الآن. القدس والقاهرة يخضعان لنظامين عسكريين مدعومين من الولايات المتحدة ويشرفان على نهب شعب بأكمله

إسرائيل اليوم هي عاشر مُصدّر للسلاح في العالم. ترغب الحكومات، من مكسيكوسيتي إلى نيويورك إلى دبي إلى الآستانة، في خدماتها ومهاراتها.

والسعودية هي ثاني أكبر مشترٍ للسلاح. وقد قفزت مصر للتوّ إلى المركز الرابع.

ذات يوم كان الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة. لكن لم يعد هناك طريق واحد بعد الآن. القدس والقاهرة يخضعان لنظامين عسكريين مدعومين من الولايات المتحدة ويشرفان على نهب شعب بأكمله لصالح طبقة عليا ذات نزعة تربوية ولإثراء نخبة متعددة الجنسيات تتحكم في قوة العمل والموارد وتستغلهما عبر إعادة نشر العنف العسكري والاقتصادي، والتحكم الصارم في المساحة الجغرافية، والمراقبة الواضحة للفضاء الرقمي، وعبر سيطرة سردية على وسائل الإعلام تتمركز حول النضال الأبدي بين الجندي الأخلاقي والإرهابي العدمي.

الناس من أسوان إلى عكا يشعرون بالضياع، في حالة من الاستنزاف الموازي.

ليس من المدهش إذن أن قلة قليلة من الناس فقط هي من قامت بالمجازفة الهائلة المتمثلة في الاحتجاج والتظاهر في مصر. عندما تُواجَه بحكومة فاسدة متداعية، وتعادي مصالحها مصالحك على كل المستويات، فضد من يتوجه احتجاجك؟

لا ملجأ داخل الدول. الوطن وحدةُ تحكُّم. لقد انجرف العالم إلى عصر النخبة؛ طبقة حاكمة متعددة الجنسيات تتحكم في موارد أكثر من كل ما كان متاحًا على المستوى الإنساني، باستخدام بنك متضاعف الطاقة من تقنيات الهيمنة. تتحرك النخبة الحاكمة وتتاجر وتخطط وتراكم الأرصدة، وتتعارف وتتنافس مع بعضها البعض، دون اهتمام كبير بالحدود الوطنية. إنهم يتركون الدول والأوطان خلفهم ليبقونا مقيدين ومفتتين.

لذلك يجب أن نصبح متجاوزين للجنسيات.

الخطوة الأولى الأوضح هي خطوة اقتصادية. ولأن هذه المقالة منشورة في «مدى مصر»، فسأعطي أمثلة لأشخاص موجودين بشكل مادي في مصر (وقادرين على التحايل على الحصار الرقمي الذي تقوم به الحكومة). منذ عامين انسحبت شركة تشغيل الهواتف المحمولة الفرنسية (أورانج) فجأة، وبشكل دراماتيكي، من عقدها في إسرائيل. وكانت قد تعرضت لضغط متزايد في أوروبا، كي تدعم مبادئ حركة مقاطعة إسرائيل، البي دي إس، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، لكن القرار اتُخذ عندما أخبرهم نشطاء في مصر أن شركة أورانج ستكون الهدف الرئيسي لحركة مقاطعة جديدة. هكذا تصبح مصر فجأة، بما تملكه من 92 مليون عميلًا محتملًا، لاعبًا من الوزن الثقيل. وهكذا انسحبت أورانج من إسرائيل.

عادة ما يُشار إلى حركة البي دي إس، بشكل روتيني، بوصفها أحد أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل. فقد كتبت هيلاري كلينتون في خطاب إلى أحد المانحين المؤثرين، بمفاده فـ«مواجهة البي دي إس هي أولوية». وهناك إجراءات تشريعية جادة تسعى لحظرها في إسرائيل وفي الولايات المتحدة.

أينما كنت، تملك حركة البي دي إس مدخلًا إليك.

بالنسبة للمصريين، هناك داعمون اقتصاديون للاحتلال الإسرائيلي أكثر بكثير ممن يمكن استهدافهم دون اللجوء إلى الدولة غير الشرعية؛ شركة هوليت باكارد (HP)، شركة جي فور إس للخدمات الأمنية (G4S)، شركة كاتربيلر، سيارات لاند روفر، سيمينز وموتورولا، وكلها تستفيد من استمرار احتلال فلسطين، مثلما تفعل شركات أخرى كثيرة لا تواجه المستهلكين.

عندما يكون التظاهر والاحتجاج تشتيتًا خطرًا، لا بد أن نجد طرقًا جديدة للفعل ووسائل للخروج من الحدود الوطنية، والتفكير بدلًا من ذلك، كلاعبين إقليميين، كمستهلكين عولميين، كنشطاء إنترنت بلا أوطان، وأدواتهم هي المعلومات والتخريب والمقاطعة.

في القرون الماضية كانت المعارك حول الموارد مؤطرة بالنضالات الأيديولوجية، وكانت معركة الأفكار تبرر عنف السيطرة. أما أوتوقراطيو اليوم، بوتين وترامب والسيسي، فلا ينشرون إلا العنف. في مواجهة أجيال الأخيرة التي تتمتع بالوفرة على كوكب الأرض، تبدو النخبة العولمية في حالة سعار وراء الثروة ومزيد من الثروة. تتراجع الأفكار تاركة إيانا مع الحقيقة المُرَّة لكوكبنا المحتضر.

الأمر لا يتعلق بمصر أو فلسطين أو الولايات المتحدة، وإنما بنهاية كل شيء.

ومع ذلك، هناك في مركز العالم الجديد والقديم، تقع القدس.

أقوى شخص في التاريخ البشري تتشكل قراراته، ليس فقط على يد رجال الصناعة النهَّابين الذين يحرقون الكوكب، بل كذلك على يد هؤلاء الذين يرونه أداتهم التي يسعون من خلالها لإنهاء التاريخ البشري

في الجيل السابق ظهر الأصوليون الدينيون المعروفون عامة بـ«الصهاينة المسيحيين»، ككتلة ديموغرافية انتخابية أساسية في الولايات المتحدة. وهدفهم الرئيسي كان إطلاق شرارة الصعود إلى الأعالي، تدمير العالم، ما سيؤدي إلى انضمام المختارين إلى المسيح في الأبدية المقدسة. هناك اعتقاد أساسي بأنه قبل أن يمكن لآخر الزمان أن يبدأ، لا بد أن يتجمع كل يهود العالم في إسرائيل. لقد احتشد المسيحيون الإنجيليون بأغلبية ساحقة لدعم ترامب، وها هو الآن يكافئهم. ولم يكن يمكن للعلامات أن تصبح أوضح، فبينما كان ترامب يوقع إعلانه، لم يكن محاطًا إلا بشيئين وحسب؛ مايك بنس نائب الرئيس، أقوى مسيحي إنجيلي في العالم اليوم، وشجرة عيد الميلاد.

القدس هي المفتاح. وفي قلبها قبة الصخرة. إذا دخلت المسجد فهناك سلم صغير يهبط بك إلى الصخرة نفسها، إلى الصخرة المشرفة، النقطة التي انفصل فيها الواقع المادي عن الأبدية، الحصن الباقي أمام مياه الطوفان التي تموج تحتنا وتنتظر الفرصة كي تُفني الأرض. القدس بالنسبة للبعض هي المكان الذي تبدأ منه حكاية البشر، وبالنسبة للبعض الآخر، هي المكان الذي ينبغي أن تنتهي فيه.

أقوى شخص في التاريخ البشري تتشكل قراراته، ليس فقط على يد رجال الصناعة النهَّابين الذين يحرقون الكوكب، بل كذلك على يد هؤلاء الذين يرونه أداتهم التي يسعون من خلالها لإنهاء التاريخ البشري.

المسألة ليست هي أي الشوارع مشتعلة بالغضب، بل مسألة كوكب يُحرق حيًا. ليس الأمر مجرد الطريق إلى تحرير القاهرة الذي يؤدي إلى القدس، إن مصير العالم بأسره يتوقف على تحريرها. فلسطين هي معركة لا بد أن نخوضها جميعًا، لا كرعايا لدول متداعية، بل كثقافة عولمية مضادة. إن ساحات المعارك تحيط بنا من كل جانب.

اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون