Define your generation here. Generation What

كيف أصبحت استعادة أموال مبارك في حكم المستحيل؟ التناقض القانوني الذي يحتّم الفشل

في يوم الأربعاء 20 ديسمبر 2017، قرّر المجلس الفيدرالي السويسري رفع التجميد الإداري عما تبقى من أصول مجمدة تنتمي إلى عائلة مبارك ونظامه، والتي تُقدّر قيمتها بنحو 430 مليون فرنك سويسري (حوالي 436 مليون دولار)، بعد قرابة سبع سنوات من تجميدها.

لا يعد هذا القرار سوى رفع للتجميد الإداري وحسب، والذي كان يُجدّد سنويًا من قِبَل المجلس الفيدرالي السويسري. وتقدر حسابات نجلي مبارك المجمدة في المصارف السويسرية بحوالي 300 مليون دولار، أي أغلب ما تبقى من أموال مجمدة، وفقًا لتصريحات سابقة لجهاز الكسب غير المشروع المصري.

وكانت سويسرا قد جمّدت نحو 700 مليون دولار تنتمي إلى عائلة مبارك ونظامه الحاكم، بعد اندلاع ثورة يناير 2011، ومن حينها واجهت عملية إثبات مصدر الأموال صعوبات بالغة، حيث أَصرَّت سويسرا على اتخاذ مسار ما يُسمّى بـ«المساعدة القانونية المتبادلة»، وهو المسار القانوني الأصعب، ويعتمد على التعاون الرسمي بين سلطات البلدين لإثبات عدم شرعية مصدر الأموال.

ظهر هذا التناقض في الرؤية لدى الجانب السويسري في أواخر عام 2012، عندما قضت المحكمة الفيدرالية السويسرية بعدم جواز إطْلاع الجانب المصري على ملفات الإجراءات الجنائية المتعلقة بأموال المصريين المجمدة لديها

ومنذ عام 2011 مرت عملية التجميد بالعديد من المحطات الهامة، والتي أدت إلى تناقضات عديدة، تصعّب بشدة في النهاية من نفاذ العدالة، حتى وإن كانت كل الإجراءات قد دارت وفقًا لـ«القانون».

ظهر هذا التناقض في الرؤية لدى الجانب السويسري في أواخر عام 2012، عندما قضت المحكمة الفيدرالية السويسرية بعدم جواز إطْلاع الجانب المصري على ملفات الإجراءات الجنائية المتعلقة بأموال المصريين المجمدة لديها، بعد أن كان النائب العام السويسري قد أعطى المصريين هذا الحق، مشترطًا ألا تستخدم السلطات المصرية هذه المعلومات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أية إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية.

واستند قرار المحكمة الفيدرالية السويسرية إلى عدم استقرار الحالة المؤسسية في مصر، وعدم ضمان حفاظ الجهات المسؤولة على سرية المعلومات.

وألقى حكم المحكمة هذا بظلاله على المساعدة القانونية المتبادلة، حيث لا يمكن لهذا النوع من التعاون أن يجري دون تبادل المعلومات، وبالتالي، ونتيجة لهذا الحكم، أوقفت المساعدة القانونية المتبادلة بين البلدين. وفي يونيو 2015، أوقف النائب العام السويسري الشق الثاني من التحقيقات، والخاص بالاشتباه في نظام مبارك كداعم لشبكة للجريمة المنظمة أو كمشارك فيها، والذي كان ليسهّل بشدة عملية استعادة الأموال، لأنه ينقل عبء الإثبات إلى المتهم، والذي سيصبح مسؤولًا هنا عن تقديم الأدلة على شرعية مصادر الثروات المجمدة، وتفسيرها.

بالتالي لم يعد متاحًا فعليًا إلا اتّباع مسلك المساعدة القانونية المتبادلة الذي يضع عبء إثبات عدم شرعية كل مليم مجمّد (كل فرنك في هذه الحالة) على السلطات المصرية والسويسرية، كخيار وحيد صعب، ولم يعد متاحًا كذلك بسبب حكم المحكمة السويسرية.

تكمن الصعوبة كذلك في قِدَم العلاقة بين سويسرا ورجال مبارك، فأموال وشركات حسين سالم على سبيل المثال ذهبت إلى سويسرا في منتصف السبعينيات، كما أشرنا في تقرير «جَمْع سالم: قصة جَمْع سالم لثروته في سويسرا وعودتها إليه بعد سنوات التجميد».

زاد من صعوبة إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة غيابُ الاستقرار المؤسسي، وسيطرةُ السلطة التنفيذية على مقاليد الملف

في هذه الحالة يستحيل تتبع أصول أموال تعود إلى ما يزيد على أربعة عقود، خاصة أن جهاز الرقابة على الأسواق المالية السويسري لاحظ مخالفات للبنوك فيما يخص اتباع إجراءات «العناية الواجبة..Due Diligence » تجاه الحسابات البنكية الخاصة بالشخصيات السياسية. وإذا لم تُسأل تلك الشخصيات السياسية من قِبَل بعض البنوك عن مصدر الأموال، فمن الواجب على الأقل القيام بذلك بأثر رجعي (المزيد من المعلومات الخاصة بتقرير FINMA في تقرير «جَمْع سالم»، ص 21).

وزاد من صعوبة إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة غيابُ الاستقرار المؤسسي، وسيطرةُ السلطة التنفيذية على مقاليد الملف. كما شكّلت التغيرات العميقة والمتعددة والأحداث السياسية التي شهدتها مصر، منذ اندلاع الثورة، عقبة كبيرة في طريق استعادة الأموال المنهوبة، نتيجة لسيطرة الجهاز التنفيذي على الملف وكثرة التغييرات الوزارية التي أثّرت في تشكيل اللجنة المعنية باسترداد الأموال المنهوبة، وفي ثباتها واستقرارها.

ففي فبراير 2013، أثناء حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، كتبت المبادرة المصرية في بيان لها نُشِر في فبراير 2013:

«تقترح المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بناءً على تخاطبها مع العديد من الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في الخارج، تشكيلَ لجنة مستقلة لا تتبع وزارة العدل ولا تترأسها شخصية حكومية، ويتسم عملها بالثباث والمنهجية، فلا يتغير أعضاؤها وعملها بسبب التغييرات الوزارية أو الاضطرابات السياسية التي لا تتوقف. وتحذّر المبادرة المصرية أن المضي قدمًا في تمرير وتطبيق مشروع القانون المُقدّم من وزارة العدل من شأنه إبقاء الوضع على ما هو عليه، والحيلولة دون استرداد أموالنا المنهوبة في الخارج.»

صحيح أنه من الطبيعي، بعد اندلاع ثورات وتغيرات سياسية ضخمة، كالتي شهدتها مصر في أعقاب ثورة يناير، أن يتسم الوضع بالتخبط وعدم الاستقرار، ولكن يجب على الأطر القانونية لاستعادة الأموال المنهوبة أن تعالج هذه المسألة. فبعد سقوط الأنظمة السياسية، جرّاء ثورة أو في حالة حرب أهلية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، عادة ما تُجمّد أموالها، ولكن هذا في نفس الوقت يشترط تعاونًا مؤسسيًّا يتسم بالاحتراف والاستقلال من قِبَل تلك الدول، ولا نعلم تحديدًا كيف يمكن للحالتين أن يجتمعا.

الرغبة في سيطرة السلطة التنفيذية، والممثلة في وزارة العدل، على إدارة الملف، وعدم إشراك المجتمع المدني، والتغير المستمر في تشكيل لجان استرداد الأموال والقوانين المنظِّمة لها، تُسألُ عنه الحكومات المصرية المتعاقبة

وفي نفس الوقت، فالتشديد على الحاجة لخلق أطر جديدة تسهّل عملية استرداد الأموال المنهوبة، لا يعفي بأي حال الحكومات المصرية المتعاقبة من المسؤولية. فالرغبة في سيطرة السلطة التنفيذية، والممثلة في وزارة العدل، على إدارة الملف، وعدم إشراك المجتمع المدني، والتغير المستمر في تشكيل لجان استرداد الأموال والقوانين المنظِّمة لها، تُسألُ عنه الحكومات المصرية المتعاقبة بالقطع.

ولا يزال نزوع السلطة التنفيذية إلى التغول على سلطات الجهات القضائية والرقابية يعيق الكثير من الجهود المرتبطة بمكافحة الفساد، واستقلال الرقابة والقضاء بشكل عام، كما رأينا في حالات هشام جنينة في الجهاز المركزي للمحاسبات ويحي الدكروري في مجلس الدولة.

لو أن نجاحًا قد حدث في الشق الثاني من القضية بشأن تعريف نظام مبارك كـ«شبكة للجريمة المنظَّمة»، فإن ذلك كان ليسهّل كثيرًا إجراءات رد الأموال. حيث توجد في سويسرا تشريعات، نشأت في ظروف كانت فيها المافيا الصقلية والروسية تتخذ من البنوك السويسرية ملجأً لتهريب الأموال الفاسدة، وتسمح هذه التشريعات بنقل عبء الإثبات وتجميد الأصول لمجرد الاشتباه بانتمائها إلى شبكات الجريمة المنظمة، حتى يثبت صاحب الأموال أنه قد حصل عليها بالوسائل الشرعية، ما يسهّل عملية رد الأموال إلى بلد المنشأ، حيث لا يُشترط وجود أدلة قطعية بفساد هذه الأموال سلفًا.

هذه القاعدة طُبّقت على أنظمة سياسية من قبل، مثل نظام الديكتاتور النيجيري ساني أباتشا، الذي جرى تعريف نظامه بوصفه «شبكة للجريمة المنظمة»، ما سهل كثيرًا إجراءات تجميد الأموال وردِّها إلى نيجيريا

ومن الجدير بالذكر أن هذه القاعدة طُبّقت على أنظمة سياسية من قبل، مثل نظام الديكتاتور النيجيري ساني أباتشا، الذي جرى تعريف نظامه بوصفه «شبكة للجريمة المنظمة»، ما سهل كثيرًا إجراءات تجميد الأموال وردِّها إلى نيجيريا، وما عظَّم بدوره الآمال في نجاح مثل هذا التوصيف في الحالة المصرية كذلك.

قامت الحكومة المصرية بالطعن الناجح على هذا القرار، ولكن من غير الواضح أو المعلوم إذا كانت التحقيقات قد استمرت بعد نجاح طعن الحكومة المصرية. حيث قاومت السلطات السويسرية بشدة أي حديث عن تطبيق قانون سويسري جديد، جرى تمريره في 2015، ويسهّل نسبيًا نقل عبء الإثبات، وتمسكت سويسرا بدلًا من ذلك بعدم طرق أي حلول قانونية بديلة للمساعدة القانونية المتبادلة.

على سبيل المثال، كان هذا رد مسؤول سويسري في القسم المسئول عن الأموال المجمدة في وزارة الخارجية السويسرية على بعض تساؤلاتي في يونيو 2015، بعدما أوقف النائب العام التحقيقات في الشق الجنائي من القضية.

«قامت السلطات المصرية والسويسرية بالتعاون بشكل مقرب خلال الأعوام الماضية في محاولة حل هذه القضية. في أواخر 2012، في أعقاب عزل الرئيس مرسي للنائب العام، طرحت محكمة سويسرية مخاوف قانونية عن وضع الفصل بين السلطات في مصر. ونتيجة لذلك، كان يجب على المساعدة القانونية المتبادلة بين البلدين أن تُوقَف. في الوضع الحالي، فإن الوضع الخاص بحقوق الإنسان في مصر قد ساء (أحكام الإعدام، إلخ) وهذا لا يجعل الأمور أسهل. ورغم ذلك، فالسلطات في البلدين لا تزال ملتزمة باستكمال القضية من خلال الإطار القانوني الحالي.»

وفي حين قضت محكمة سويسرية، في ديسمبر 2012، بعدم استعداد المؤسسات في مصر للتعاون القانوني المتبادل، وبالتالي حظرت على السلطات السويسرية التعاون مع نظيرتها المصرية، كانت الحكومة السويسرية مُصرّة على المضي قدمًا في مسار «المساعدة القانونية المتبادلة» وضرورة وجود أحكام نهائية تربط مصدر الأموال غير الشرعي بجريمة محددة. وقد يتساءل المرء هنا: هل كانت المحاكم السويسرية لتعترف أصلًا بأحكام المحاكم المصرية في حالة وجودها؟

الإفراج النهائي عن الأموال لن يأتي بسبب تأكد السلطات من شرعية وسائل التحصل عليها، ولكن لمجرد الفشل في التعاون القانوني المتبادل بين السلطات السويسرية والمصرية

من منظور العدالة، لن يأتي الإفراج النهائي عن الأموال (والذي يبدو إنه أصبح وشيكًا للغاية) بسبب تأكد السلطات من شرعية وسائل التحصل عليها، ولكن لمجرد الفشل في التعاون القانوني المتبادل بين السلطات السويسرية والمصرية، مع التمسك به بإصرار كبير في نفس الوقت، كمسار وحيد للعملية.  فعدم القدرة على التعاون بين السلطات ليس سببًا كافيًا، أو على الأقل لا يجب أن يكون سببًا كافيًا، من منظور العدالة، للإفراج عن الأموال، إذ يظل هناك احتياجٌ إلى دليل قاطع بأن أصول هذه الأموال، قبل الإفراج النهائي عنها، ترجع لمصادر مشروعة تمامًا.

ومع توازن للاحتمالات يشير إلى رجحان عدم شرعية تلك الأموال، سيشكّل إرجاع الأموال، فقط بسبب فشل السلطات القضائية في التعاون، مأزقًا قانونيًا، بل وأخلاقيًا. ولا يصب تعقُّد الأمور القانونية إلى هذا الحد، الذي يبدو متعمدًا أحيانًا، إلا في مصلحة الأنظمة السياسية الفاسدة، ويمنح الحصانة لتلك الأنظمة، ويساعدها على الإفلات من أي توابع، حتى لو كانت هينة، لنظام حكم قامت ضده ثورة ضخمة، واتفقت الأغلبية على فساده وعلى ممارسته للعديد من انتهاكات حقوق الإنسان.

اعلان
 
 
أسامة دياب