Define your generation here. Generation What
انهزام الإله في «قتل غزال مقدّس»
 
 

* قد تحتوي المراجعة على حرق لبعض أحداث الفيلم.

تقول الأسطورة إنه حين قَتل أجاممنون (أحد ملوك الإغريق) غزالًا مقدسًا من مراعي الإلَهة أرتيميس؛ خيَّرته الأخيرة بين أن يقتل ابنته الكبرى إفجينيا وبين أن تُسلط الريح على أسطوله فلا يصل أبدًا لطروادة؛ حيث المعركة. رفض أجاممنون في البداية التضحية بابنته، ثم حين اشتد ضغط الجيش عليه، اضطر لتقديم ابنته قربانًا للإلهة تكفيرًا عن ذنبه.هناك نهايتان للحكاية: واحدة تقول أن قلب أرتيميس رقَّ لإفجينيا الصغيرة؛ فافتدتها وأبعدتها عن بلدتها، أما الأخرى فتقول أن قلبها لم يرق، وأن إفجينيا قُتِلت، وأن أمها لم ترض بقضاء الإلهة، فلاحقت العائلة اللعنات.

تتشابه أسطورة ملحمة الإلياذة اليونانية هذه مع قصة النبي إبراهيم، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل. لم يقترف النبي خطأ ليكفِّر عنه بالتضحية، ولكن أراد الله اختبار إخلاصه وطاعته، وإيمان إسماعيل وتسليمه. بعدما وافق إسماعيل على الذبح، طلب من أبيه تقييده ليسهل عليه مهمته. قيده وعندما هم بقتله، افتداه الله بـ«ذبح عظيم». لم تتقوَّض الأسرة، ولم ينفطر قلب والدته هاجرعلى وحيدها.

تُبنى كل حكاية على منطق. المنطق في أسطورة إفجينيا أن لكل فعل عاقبة، وأن الجزاء من جنس العمل، وأن لكل إله مُلك لا يجوز الاعتداء عليه من قبَل البشر أو الآلهة الآخرين. وأن الإله له شيء من الصفات البشرية، فهو يغضب، ويقتص، وينتقم لنفسه، ويخوض حروبًا طويلة ضد البشر والآلهة الآخرين ليدافع عن ملكه. السيئة من البشر تضره بشكل شخصي وحسناتهم تدر عليه المنفعة.

أما منطق الحكاية في قصة نبي الله إبراهيم أن الله إله مالك ورحيم، لم يكرَه تعلُّق إبراهيم بإسماعيل، ولم يتسابق مع إسماعيل على قلب والده خليله. إنما أراد أن يختبر صدق الطاعة والتسليم.

في القصص، تتكشَّف لنا معادن أبطال الحكاية من خلال اختياراتهم. أما في الحياة فنكتشف أنفسنا في لحظات الألم والخوف والشدة. بغير اختبار التضحية، لم يكن للنبي إبراهيم أن يعلم حقيقة ما وقر في قلبه من إيمان، ولم يكن لإسماعيل أن يعرف حقيقة ما في قلبه من تسليم.

في فيلم قتل غزال مقدس (2017) يصنع لنا المخرج اليوناني «يورجوس لانتيموس» أسطورة حديثة توازي الأسطورة اليونانية القديمة في الحبكة ومصائر الأبطال. في الفيلم، يلعب «كولن فاريل» دور ستيفن ميرفي؛ جراح قلب شهير يعيش في بيت كبير مع آنا زوجته (نيكول كيدمان) وطفليه بوب وكيم. تبدو حياة الأسرة مثالية تمامًا؛ للبيت ذوق رفيع وحديقة جميلة، يوزع الأب والأم المهام المنزلية على طفليهما. تصطحب كيم الكلب للتمشية اليومية، بينما يروي بوب النباتات. هناك علاقة غريبة تجمع ستيفن بفتى مراهِق غريب الأطوار اسمه مارتن. يتقابلان في محل للوجبات السريعة، يشتري له الهدايا، لكنه يحذّره من زيارته بالمشفى حيث يعمل.

ذات صباح، تستعد الأسرة لبداية يوم جديد فنرى ستيفن وآنا وكيم وهم يتناولون فطورهم بالمطبخ؛ قبل أن يسأل ستيفن عن بوب، ويتجه لحجرته ليوقظه، ليفاجأ بأن طفله قد فقد القدرة على الحركة. يحمله سريعًا للمشفى، وتظهر نتيجة الفحوصات طبيعية بلا شيء يدعو للقلق، لكن الطفل لا يستعيد قدرته على المشي. يطلب مارتن لقاء ستيفن، وفي اللقاء السريع الذي يجمعهما يُذكِّر مارتن ستيفن بشروط اللعبة: بما أن ستيفن قد قتل والده خطأ أثناء عملية جراحية، فإن مارتن يطلب منه قتل أحد أفراد عائلته بيديه وإلا سيفقد ثلاثتهم قدرتهم على الحركة و شهيتهم للأكل، وستنزف عيونهم، قبل أن يحتضروا. في البداية، يحاول ستيفن أن يدرأ عن عائلته خطر الموت بالطب. يعجز العلم عن نجدته، فيلجأ للعنف إذ يحتجز مارتن في قبو منزله ويعذبه، لكن هذا الطريق أيضًا لا يؤدي لشيء. في النهاية، تجتمع العائلة في غرفة الجلوس، في البيت الكبير الجميل. يقيدهم ستيفن، يمسك بندقيته، ويضع عصابة على عينيه، ويدور في الغرفة يطلق النار عشوائيًا حتى يقتل بوب الصغير. بعد مقتله، تستعيد كيم قدرتها على المشي، وتنقذ العائلة بعد التضحية بصغيرها. يذهب ثلاثتهم لمطعم للوجبات السريعة لتناول غدائهم ثم ينتهي الفيلم.

ليس مستغربًا بعد هذا أن يحظى الفيلم بلقب أكثر أفلام العام إثارة للمشاعر السيئة «The feel bad movie of the year». عن نفسي، فقدت اتزاني لبعض الوقت بعد انتهاء العرض، واضطرني الأمر للجلوس أمام السينما لبضع دقائق قبل أن أواصل السير. مشاهدة الفيلم تجربة «غير مريحة»، إلا أن الشعور بعدم الراحة هو أحد الأهداف التي يسعى إليها المخرج في أغلب أفلامه. هذا الشعور دفعني للبحث عن منطق الحكاية. كيف بني لانتيموس حكايته؟

الإله بصورته الكلاسيكية غائب عن هذه الحكاية. هناك مشهد وحيد لكيم في كورال الكنيسة تغني أغاني عيد الميلاد قبل أن تسقط بين فرقتها وتفقد قدرتها على الحركة هي الأخرى. باستثناء هذا المشهد يغيب الإله ويحل محله ستيفن الأب وجراح القلب.

يبدأ الفيلم بمشهد صادم لقلب يخفق أثناء عملية جراحية. منذ البداية، نرى الحياة في تدفقها وهشاشتها. هذه المنحة، الحياة أعني، يتحكم فيها ستيفن الذي، بعد انتهاء العملية، يخلع قفازيه ويلقيهما في سلة المهملات مع الضمادات المغموسة بالدم. هذا المشهد يؤكد سطوته وسيطرته على مسرح العمليات/ الحياة. في مشهد لاحق، حين يصيب العجز ولديه؛ تقول له ابنته أنه هو من أعطاها الحياة ومن المنطقي أنه هو من يأخذها منها.

هذا الإله المتحكِّم في الحياة، يستمد قدرته من «العِلم» بالأساس. لكن هذه القدرة تقف عاجزة أمام قدرة مارتن المجهولة على إيذاء عائلته. مارتن ليس إلهًا لأنه ليس قادرًا على الإحياء. هو لم يتمكن من إنقاذ والده الذي مات بخطأ طبي. لكنه فقط قادر على الانتقام من ستيفن. مارتن ليس إلهًا متحكمًا؛ لكنه الابن الذي فقد أبيه وأراد الانتقام من الإله. في الفيلم نطالع الأسطورة اليونانية القديمة معكوسة؛ فالإله هو من يعتدي على مُلك البشر في البداية. وفي المقابل يتجرع مرارة إهماله وخطئه. منطق هذه الحكاية يقوم على النِدية: ندية الإله والإنسان.

كمشاهِدة، كنت أنتظر أن يتمكن ستيفن من اكتشاف سر قوة مارتن الغامضة، أو أن يتمكن من حماية عائلته. وفي لحظة أخرى تعلقت بمحاولات آنا لإنقاذ أسرتها. توقعت أن تكون الأم قادرة على عكس اللعنة. إلا أني وجدتُ ستيفن يواصل حياته كأن شيئًا لم يكن، وآنا، في محاولة منها لإنقاذ نفسها، تقول لها إنهما ما زالا قادرين على الإنجاب إن مات طفليهما.

أظن أن جزءً من إحباط المشاهد بعد الفيلم، هو إحساسه بالخذلان من الإله العاجز الذي لم يستطع إنقاذ ولده؛ ومن الأم والأخت اللتين اقتاتتا على دم بوب الصغير. كل ما في العالم الذي يقدمه لنا «لانتيموس» مزيفًا: الألوهية، والعلاقات داخل الأسرة، والبيت المثالي الذي يضمهم معًا. وحده انتقام مارتن هو الحقيقي. في النهاية ينهزم الإله، ونشاهد الافتتان في عيني كيم وهي تتابع مارتن وهو يخرج من المطعم في بطءٍ وانتصار.

اعلان
 
 
نسمة جويلي