Define your generation here. Generation What
في الذكرى السابعة.. «أحداث مجلس الوزراء» قضية بلا نهاية
 
 

اعتصام هادئ في منتصف شهر ديسمبر 2011 أمام مبنى مجلس الوزراء لبعض الشباب اعتراضًا على تعيين كمال الجنزوري رئيسًا للوزراء، في مشهد بدا عاديًا تمامًا في تلك الفترة من هذا العام العاصف. يلعب بعض المتظاهرين الكرة لتدخل حرم مبنى مجلس الوزراء ويدخل أحد المتظاهرين لاستعادتها، يخرج الشاب بعد فترة بإصابات شديدة نتيجة اعتداء بعض أفراد حراسة المبنى عليه.

كان مشهد إصابة الشاب «عبودي» هو البداية المعروفة لاشتباكات مجلس الوزراء التي استمرت عدة أيام وقتها، وهي أيضًا البداية التي اُفتتحت بها تحقيقات النيابة العامة الواردة في ملف القضية التي يُحاكم فيها 269 من المتظاهرين في هذه الأحداث.

يبدأ محضر التحقيق الأول في القضية، التي بدأت أحداثها في 16 ديسمبر 2011، ببلاغ بإحداث تلفيات واعتداء على أمن مستشفى المنيرة، من قبل أشخاص أتوا لإسعاف عبودي إبراهيم سيد أحمد، الذي كان وقتها طالبًا، ذهب إلى المستشفى مصابًا بكدمات في الوجه والرأس إثر تعدي أفراد من القوات المسلحة عليه أثناء تواجده مع المعتصمين أمام مجلس الشعب. وعلى الرغم من ورود الواقعة في أول محضر تحقيقات، إلا أنها تظل تفصيلة ثانوية في التحقيق الذي استمر في إدانة هؤلاء الذين أتوا به للمستشفى.

تستمر التحقيقات وأقوال الشهود والأحراز في توثيق اتهامات واعتداءات على أفراد الشرطة والجيش ومنشآت عامة في آلاف الصفحات من خلال القضية التي تراها السلطة وسيلة لمحاكمة من قاموا بالاعتداء على منشآت الدولة وفي مقدمتها المجمع العلمي المصري، بينما يروي آخرون ممن عاصروا هذا الحدث كمتظاهرين ومقبوض عليهم ومحامين عملوا على هذه القضية، رواية أخرى للأحداث التي راح ضحيتها 26 من المعتصمين، بالإضافة إلى مئات من المصابين. في كلا الحالتين، تظل القضية هي الوحيدة من القضايا التي رفعت تباعًا لأحداث عنف بين المتظاهرين وأفراد الأمن في عام 2011 التي ظل يحاكم فيها 269 متهمًا على مدار خمس سنوات من التقاضي الذي ما زال مستمرًا.

يقول محمود بلال، المحامي بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، الذي مثل عددًا من المتهمين في الجزء الأول من المحاكمة أمام دائرة الإرهاب بمحكمة الجنايات، إن العامل الأبرز في جميع القضايا المتعلقة بأحداث الثورة هو التوسع في إحالة المتورطين إلى محاكمات عسكرية، والتي انتهت في الغالب إما بالإدانة بفترات حبس وجيزة ثم التسوية أو البراءة، تحت الضغط المستمر من المجموعات الحقوقية المعنية وقتها. في نهاية عام الثورة، تتابعت أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء في شهري نوفمبر وديسمبر لتحمل تشابهًا في الكثير من الظروف والتفاصيل، إلا أن الحدثين انتهيا نهايات مختلفة تمامًا.

ففي نوفمبر 2012، أصدر الرئيس السابق محمد مرسي عفوًا رئاسيًا عن المتورطين في كل الأحداث التي وقعت خلال عام 2011، إلا أن النيابة العامة استبعدت وقتها المتورطين في أحداث مجلس الوزراء وحرق المجمع العلمي. وشمل العفو 377 متهمًا في أحداث محمد محمود، و14 من المتورطين في أحداث اشتباكات عابدين التي وقعت في يونيو 2011، و75 متهمًا في أحداث السفارة الإسرائيلية التي وقعت في مايو من نفس العام.

وقال النائب العام حينها، المستشار عبد المجيد محمود، إن قرار العفو «استبعد المتهمين الذين شاركوا في إشعال النيران في المجمع العلمي، ومبنى الضرائب العامة، والذين ارتكبوا جرائم سرقات وإحراز وحيازة مخدرات وتخريب وإتلاف أملاك الدولة». وعلى الرغم من وجود اتهامات متشابهة للمتورطين في أحداث محمد محمود، أبرزها محاولة اقتحام وزارة الداخلية، إلا أن متهمي أحداث المجمع العلمي لم يصدر بحقهم قرارًا مشابهًا بالعفو.

يرى بلال أن قضية مجلس الوزراء لم يكن من الممكن إنهائها من خلال العفو، وهو ما كان سيعني إدانة واضحة للعسكريين المتورطين في القضية أيضًا، الأمر الذي لم يقبله المجلس العسكري، على حد قوله.

وأضاف بلال: «شملت أحداث مجلس الوزراء اتهامات واضحة ومسجلة لعدد من المجندين والضباط بالقوات المسلحة، منها الاعتداء على المتظاهرين والمتظاهرات والتعذيب الشديد بحقهم، وهو ما استدعى وقتها تحقيقًا ضد هؤلاء شمل أيضًا متهمي أحداث مجلس الوزراء كمجني عليهم، إلا أن هذه القضية تم تجميدها تمامًا أمام القضاء العسكري. أي محاولة لتبرئة المتهمين المدنيين في هذه القضية تعني إدانة للعسكريين الذين لم يحاكموا في هذه القضية، وبالتالي كان لابد من إدانة المدنيين وصدور هذه الأحكام القاسية في حقهم. تم تقديم كبش فداء في أحداث محمد محمود من ضباط الداخلية، كان اتخاذ موقفًا شبيهًا ضد العسكريين في أحداث مجلس الوزراء مستحيلاً».

يشير بلال إلى الضابط محمود صبحي الشناوي، المعروف بـ «قناص العيون»، الذي أحيل للمحاكمة بتهمة القتل العمد المقترن بجرائم الشروع فى قتل آخرين ممن كانوا في شارع محمد محمود وقنص عيون المتظاهرين، حيث حكمت محكمة الجنايات بحبسه ثلاث سنوات قبل تبرئته.

المسار القضائي: محاكمات لا تنتهي

تم ندب ثلاثة من قضاة التحقيق في قضية أحداث مجلس الوزراء، على رأسهم المستشار وجدي عبد المنعم، والذي أحال القضية لمحكمة الجنايات في مايو 2012، حيث بدأت أولى جلسات القضية في يوليو من نفس العام. من بين الـ 269 متهمًا، ألقي القبض على 17 متهمًا، أُخلي سبيلهم على ذمة القضية أثناء نظر القضية في أول جلستين، واستمر نظر القضية حتى أكتوبر 2012 حين تغيرت الدائرة القضائية التي تباشر القضية، بحسب بلال.

لم تستأنف المحاكمة جلساتها خلال عام 2013 على الرغم من كل الأحداث السياسية الهامة التي مرت بها البلاد، قبل أن يتقرر إحالة القضية أمام إحدى دوائر الإرهاب في فبراير 2014، وبالتحديد أمام المستشار محمد ناجي شحاتة، وهو الأمر الذي غيّر مسار القضية تمامًا.

كانت قضية أحداث مجلس الوزراء هي القضية الأولى الذي تعرف فيها مجتمع المحامين المدافعين عن متهمين في قضايا سياسية على شحاتة، القاضي المثير للجدل دومًا، وهي القضية التي شهدت مواجهات شديدة الحدة بينه وبين دومة، المتهم الـ 194 في القضية، والوحيد الذي حوكم حضوريًا في هذا الوقت، بسبب حبسه على ذمة إحدى قضايا التظاهر في 2013 مع نشطاء آخرين.

"<span

تعتمد الاتهامات الموجهة لدومة بالتحديد على حوار أجراه مع المذيع وائل الإبراشي في برنامج «الحقيقة» المذاع على قناة دريم إبان اندلاع الأحداث، اعترف فيه دومة إنه قام بإلقاء المولوتوف على العسكريين المتواجدين دفاعًا عن النفس، قائلاً: «أنا أحمد دومة بعترف إني كنت بمسك إزازة مولوتوف وبحدفها على دة لإن كان فيه [مقاطعة من الإبراشي] لأ مش على المجمع، بالمناسبة المشاهد المصورة معظمها كان لحرق الدور الأرضي في مجلس الوزراء. أنا مبرميش على مجلس الشعب كمبنى، أنا لا استهدف الحجارة أو تاريخ أو تراث، أنا بستهدف مجموعة ممن يرتدون زيًا عسكريًا وبيطلقوا علينا الرصاص، مش منطقي أقولهم تعالوا اقتلوني أصل أنتوا قاعدين في مبنى مقدس».

استدعى الإبراشي للشهادة أمام المحكمة للتعليق على ما قاله دومة في هذه الحلقة، إلا أن الإبراشي، الذي كرر أكثر من مرة عدم تذكره لما قاله دومة تحديدًا نظرًا لمرور سنوات على عرض الحلقة، قال إنه يخشى من اقتطاع تصريحات دومة وانتزاعها من سياقها الذي امتد لحلقة كاملة من النقاش، مرجحًا أن تصريحات دومة لا تعدو «انفعالاً لحظياً»، على حد قوله.

استمر السجال المتبادل بين شحاتة ودومة، الجالس على كرسيه المتحرك بسبب تدهور حالته الصحية بعد إضرابه عن الطعام لفترة طويلة. الذي استعرض أمامه صورًا لأشخاص أثناء قيامهم بحرق المجمع العلمي (ومنهم من وردت أسماؤهم بقائمة المتهمين بالفعل)، إلا أن دومة لم يظهر بأي من هذه الأدلة المصورة. وشملت الأدلة أيضًا صورًا لدومة أثناء حمله سلاحًا وبجوارها علامة النصر وكتابة تقول «نحن شعب لا يستسلم أبدًا، ننتصر أو نموت»، وهو ما علق عليه دومة بأن الصورة قديمة وليست متعلقة بأحداث مجلس الوزراء، وإنما التقطت عام 2009 تضامنًا مع القضية الفلسطينية أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

يقول بلال إن الدفاع لم يتمكن من مشاهدة الأدلة البصرية الواردة في القضية بشكل كافٍ أثناء المحاكمة، حيث شملت هذه الأدلة مجموعة من الإسطوانات المدمجة، بالإضافة إلى إثنين من «الهارد ديسك»، مضيفًا: «استطعنا رؤية إسطوانة واحدة فقط ورفض بعدها شحاتة استعراض باقي الأدلة، واختفى الهارد ديسك تمامًا. شمل «الاتنين هارد ديسك» العديد من المقاطع المسجلة التي ليس لها أي علاقة بالقضية، لأن قاضي التحقيق أخبرنا أنه ليس لديه خبرة باستعمال الحاسب الآلي وطلب مساعدة ابنه، الذي دخل إلى موقع اليوتيوب وكتب كلمة مجلس الوزراء في محرك البحث، فوضع مقاطع مسجلة لا علاقة لها بالقضية من قريب أو من بعيد، للأسف لم نستطع مشاهدة أي من هذه الأدلة».

ويضيف  بلال أنه من الشائع الإفراج عن المتهمين الذين سلموا أنفسهم طوعًا على ذمة القضية لأنها بادرة حسن نية، إلا أن شحاتة أصر على استمرار حبس كل المتهمين حضوريًا على ذمة القضية.

توقع المحامون عقوبات مشددة ضد المتهمين في الجولة الأولى وأولهم دومة، خاصة أن شحاتة أبدى آرائه وانحيازاته الشخصية بشكل علني ضد المتهمين، ظهر ذلك جليًا في حواره مع جريدة الوطن في ديسمبر 2015 حينما سأله المحرر عن سبب إطلاقه اسم «25 خساير» على ثورة 25 يناير، حيث قال: «وصفتها بذلك لأنها هدمت الأخلاق بمصر والسبب الحقيقي وراء هذه التسمية جاء بعد مشاهدتي فيديوهات قضية أحداث مجلس الوزراء، وشاهدت المتهمين يرقصون بعد حرقهم تاريخ وتراث بلدهم في المجمع العلمي، وهم في منتهى السعادة وكان بينهم أحمد دومة، وكان شيئًا مُحزنًا».

استمر نظر القضية وسط رفض مستمر لطلبات المحامين ورفض إثبات ذلك في محاضر الجلسات، بالإضافة إلى إحالة خمس من المحامين للتحقيق بتهمة إهانة المحكمة، بحسب بلال.

صدر قرار شحاتة في فبراير 2015 بإدانة 230 من المتهمين ومن بينهم دومة بالسجن المؤبد، والسجن 10 سنوات لـ 39 قاصرًا، وتغريمهم مبلغ 17 مليون جنيه. بدأت حملة غير مسبوقة للقبض على المتهمين الصادر ضدهم أحكامًا غيابية بعد شهر واحد من صدور الأحكام، وهو الأمر الذي رآه المحامي أحمد عبد اللطيف، الذي مثل بعض هؤلاء المتهمين، أمرًا غير معتاد على الرغم من قانونيته.

جولة ثانية وثالثة

بعد أن قامت قوات الأمن بإلقاء القبض تباعًا على 145 من المتهمين الصادرة ضدهم أحكامًا غيابية السجن في الجولة السابقة، تمت إعادة إجراءات محاكمتهم أمام نفس الدائرة برئاسة شحاتة، الذي انتداب محامٍ للترافع عن بعضهم رغمًا عنهم، بعد انسحاب هيئة الدفاع في نوفمبر 2014 بسبب ما اعتبروه مخالفات تخل بالمحاكمة، وتضامنًا مع قرار هيئة الدفاع قررت نقابة المحامين مقاطعة المحاكمة وإحالة أي محامي يخالف هذا القرار للتحقيق.

كما سبق للدفاع إقامة طلب رد ودعوى مخاصمة لهيئة المحكمة، بعد رفض الأخيرة التنحي عن نظر القضية إثر طلب الدفاع ذلك في جلسة 17 سبتمبر 2014، التي قال دومة فيها أنه لا يثق في إجراءات المحاكمة لوجود خصومة بينه وبين هيئة المحكمة، لكن محكمة استئناف القاهرة رفضت دعوى الرد، لتستمر هيئة المحكمة في نظر القضية.

كان واحد من المدانين في قرار شحاتة في فبراير 2015 هو «م.ع»، بعد أكثر من ثلاثة سنوات من أحداث مجلس الوزراء، تدخل «ن.ع» منزلها الكائن في حي المعادي في أحد أيام الجمعة من شهر مارس 2015، لتجده مقلوبًا رأسًا على عقب، بدون أي أثر لزوجها «م.ع». «اتقبض على جوزي في الفجر وأنا كنت عند والدتي، رجعت لقيت البيت مقلوب ومفيش حاجة في مكانها، حتى الأدوية الخاصة بينا كانت في كل مكان، مش عارفة كانوا بيدوروا على إيه احنا مكنش عندنا أي حاجة».

طلبت «ن.ع» إخفاء هويتها وهوية زوجها، «محدش يعرف إنه في السجن وأخد مؤبد، خايفة على سمعته وسمعة بنته اللي مشافتوش بقالها سنين».

كانت تلك هي المرة الثانية التي ألقي فيها القبض على «م.ع»، ففي المرة الأولى، ألقى القبض عليه من منطقة عبد المنعم رياض أثناء توجهه لحضور عزاء خالته في 19 ديسمبر 2011، وظل في الحبس لمدة ثلاثة أشهر قبل أن يفرج عنه بكفالة 500 جنيه، حيث تعرض للضرب الشديد أثناء القبض عليه، ما أدى لإصابته بكسر في يده وأنفه. اعتقد «م.ع» أن الأمور قد انتهت بعد الإفراج عنه في 2012، خاصة بعد وعد مرسي بالعفو عن كل المتورطين في القضايا المتعلقة بأحداث الثورة، إلا أن الأمور لم تسر كما تمنت هذه الأسرة الصغيرة، حيث مثلت قضية أحداث مجلس الوزراء استثناءً مثيرًا للاهتمام.

بالنسبة لـ «ن.ع»، فإن زوجها يدفع ثمن مواجهة بين شحاتة ودومة، راح ضحيتها زوجها والكثيرين مثله، مضيفة: «جوزي كان في حاله جدًا، ولما يرجع من شغله يفضل في البيت معايا ومع بنته، مش بيحب المشاكل ومش بيحب يأذي حد، حتى في الثورة كان بيحرس الشارع زيه زي باقي الناس». بالنسبة لها، حُكم على زوجها بالمؤبد لأنه «غلبان وملوش ضهر وصوته مش مسموع». لم يظهر «م.ع»، بحسب زوجته، في أي من الأدلة البصرية الواردة في القضية.

محمد سامي عبد الحليم، المتهم في نفس القضية، والحاصل على حكم بالمؤبد، كان في طريقه إلى عمله بشارع الشواربي بطلعت حرب، بحسب شقيقته هبة، حيث ألقي القبض عليه للمرة الأولى في يناير 2012، بعد شهر من انتهاء الأحداث، واستمر حبسه لتسعة أشهر قبل الإفراج عنه في أكتوبر من نفس العام. ألقي القبض عليه مرة أخرى في مارس 2015، حينما أتى إليه أمناء شرطة بقسم قصر النيل، تربطهم به معرفة بحكم عمله بمنطقة تتبع للقسم، يقولون له إنه يواجه حكمًا غيابيًا بالسجن المؤبد. كان عبد الحليم على علم بالحكم الصادر ضده، فطلب منهم تركه لفتح المحل الذي يعمل به وتسليم عهدته، ووعدهم بالذهاب بعدها لتسليم نفسه في القسم.

وتضيف هبة: «حتى اللي بيشتغلوا في القسم كانوا زعلانين عليه، عشان عارفين إنه مظلوم وملوش أي علاقة بالأحداث اللي حصلت. اتعمله إعادة إجراءات وقررت المحكمة استمرار حبسه وأخد مؤبد. إحنا عايشين في مأساة كبيرة، هو الولد الوحيد لأبوه وأمه المسنين وهو اللي بيعولهم وهو اللي جهز أختي الصغيرة، فيه أب وأم وعيلة قلبهم محروق على ابنهم اللي اتاخد عشان السياسة اللي ملناش فيها ذنب».

على جانب آخر، تستنكر هبة تمامًا أن تتحول «قضية ثورية بامتياز» لدائرة الإرهاب بمحكمة الجنايات. عانى عبد الحليم من سوء المعاملة داخل السجن، بحسب شقيقته، حيث واجهت العائلة صعوبة في إدخال الطعام والملابس له، خاصة بعد الاعتداء عليه من قبل قوات سجن طرة، بعد شجار نشأ بين القائمين على السجن وبعض متهمي الإخوان. «احنا بتوع الثورة، إحنا مش ارهابيين. احنا مش بنفجر ولا نقتل حد، ليه يعاملونا زي ما بيعاملوا الإرهابيين؟».

استمرت محاكمة المقبوض عليهم لأشهر عدة، قبل صدور حكم في يوليو الماضي بالمؤبد لـ 43 متهمًا، و10 سنوات لتسعة من القصر، و5 سنوات لمتهمة، وبراءة 92 آخرين.  

كان من المقرر أن تنظر محكمة النقض في 27 أبريل الماضي طعن دومة على حكم المؤبد الصادر ضده في القضية، إلا أن وفاة رئيس الدائرة الموكل إليه نظر الطعن حال دون ذلك، وتقرر نقل نظر الطعن لدائرة أخرى، التي لم تحدد حتى الآن موعدًا لجلسة نظره. في الوقت نفسه، ينتظر المتهمون الصادرة ضدهم أحكامًا حضورية في الجولة الثانية من المحاكمة صدور تفاصيل الحكم حتى يتمكن المحامون من تقديم الطعن أمام محكمة النقض، في محاكمة لا يرى لها القائمون عليها نهاية.

في أغسطس 2017 بدأت جولة ثالثة من القضية بإعادة إجراءات محاكمة أربعة من المتهمين الذين صدرت ضدهم أحكامًا غيابية، من أصل 124 متهمًا متبقيين من 269 محكوم عليها في الجولة الأولى، وتم تأجيل محاكمة الأربعة أكثر من مرة كان آخرها في جلسة 15 نوفمبر الماضي إلى 23 ديسمبر الجاري.

متهمون أبرياء

تقول المحامية فاطمة سراج التي مثلت ثلاثة من المتهمين الحاصلين على البراءة في القضية أن المحاكمة شهدت ضمًا مستمرًا لمتهمين تم إلقاء القبض عليهم في بداية كل جلسة، مثل عبد الحليم و«ن.ع»، الأمر الذي كان يستدعي إعادة الإجراءات في كل مرة، وهو ما استغرق وقتًا ومجهودًا كبيرين وأشاع جوًا من الفوضى وعدم النظام. وتضيف: «قضى متهمون فترات حبس طويلة قاربت السنتين قبل حصول الكثير منهم على حكم البراءة، ولا أدري سبب الإصرار على ذلك، كان من الممكن إطلاق سراحهم على ذمة القضية، لكن التعنت كان واضحًا».

من بين هؤلاء، المتهم البريء حمدي سيد حمدي إسماعيل، الذي قضى عامًا وثلاثة أشهر من عمره محبوسًا على ذمة القضية بدلاً من حمدي السيد حمدي إسماعيل. تقول سراج لـ «مدى مصر» أنها اكتشفت أن إسماعيل حُبس على ذمة القضية على سبيل الخطأ، بسبب تشابه اسمه مع اسم أحد المتهمين في القضية، ولم يتسن لها معرفة ذلك إلا حينما تطوعت لإنهاء إجراءات الإفراج عنه بعد صدور حكم براءته.

في اتصال هاتفي مع «مدى مصر»، حكى إسماعيل بصوت واهن، وهو صياد مقيم بمدينة الغردقة ويبلغ من العمر 22 عامًا، ملابسات سجنه بسبب تشابه اسمه مع اسم أحد المتهمين: «أنا عمري ما كنت موجود في مجلس الوزراء وقت الاشتباكات، أنا كنت هنا في بلدي بشتغل صياد، ومكنش معايا محامي يدافع عني، المحكمة المفروض عينت لي محامي يترافع عني بس معرفوش وعمره ما اتكلم معايا. حاولت إني أصرخ وأكلم سيادة القاضي عشان يسمعني وأقولهم إني مظلوم، بس محدش سمعني عشان كنت في القفص الزجاجي. ولولا إني أخدت براءة كان زماني في السجن لحد دلوقتي».

بحسب فاطمة، والتي استطاعت التواصل مع والدة حمدي فقط بعد إنهاء إجراءات الإفراج عنه، فقد اختفى إسماعيل قسريًا لمدة أربعة أشهر قبل محاكمته، وطلب تصحيح اسمه أكثر من مرة خلال المحاكمة، لكن لم يتم الالتفات لطلبه. «حينما نظرت في بيانات المتهم الواردة بأمر الإحالة، لاحظت اختلافًا في الإسم وفي محل الإقامة، وقتها تأكدنا من الخطأ الفادح الذي وقعت فيه المباحث أثناء القبض عليه، وعدم الالتفات لطلبه بتصحيح اسمه أثناء المحاكمة».

«هناك العشرات من المتهمين لم يكن لهم أي علاقة بالأحداث، ولم يظهروا في أي من الفيديوهات التي ظهرت فيها أعمال العنف، وعوملوا معاملة قاسية للغاية، وهؤلاء هم من حصلوا على البراءة بالفعل، بينما تم إدانة كل من حمل سلاحًا ولو صغيرًا وكل من ظهر في المقاطع المصورة. السؤال هنا: لماذا نُكل بكل هؤلاء بالفعل وظلوا قيد الحبس طوال هذه المدة إذا كانت النيابة والمحكمة تعلم منذ البداية من هم المتورطين الحقيقيين في القضية؟».

فبحسب فاطمة، هناك العديد من المتهمين الذين اعترفوا تفصيليًا بحرقهم للمجمع العلمي ومنشآت أخرى أثناء الأحداث، مضيفة: «كان هناك رفضًا كبيرًا من المحامين للدفاع عن هؤلاء الذين نعرف يقينًا بتورطهم في أعمال عنف، فالمتهمون العشرة الأوائل اعترفوا بحرقهم للمجمع العلمي وظهروا واضحين في المقاطع المصورة التي عُرضت أثناء المحاكمة، لم يحاول هؤلاء تبرئة موقفهم واعترفوا بكل شيء».

ويقول محمود -مستعار لأحد المتظاهرين وقت اشتباكات مجلس الوزراء- إن المناقشة حول استخدام العنف بين المتظاهرين كانت حاضرة وبشدة في أحيان عديدة، منذ اشتباكات محمد محمود وازدادت حدتها في الأحداث التي تلتها. «قبل ذلك كانت مبادئ الثورة واضحة، متظاهرون سلميون ينادون بمطالبهم، لكن مع تصاعد حدة العنف غير المبرر من قبل قوات الأمن، بدأ المتظاهرون في المناقشة حول استخدام العنف».

شاهد محمود «غلظة غير مبررة ومحاولات مستمرة لاستفزاز المتظاهرين» من قبل قوات الجيش والشرطة والمدنيين المصاحبين لهم أثناء أحداث مجلس الوزراء، الأمر الذي دفع بعض المتظاهرين للإصرار على استخدام العنف، الذي انحسر على استخدام المولوتوف والحجارة بدون استخدام لأسلحة، «إلا أن صوت المتظاهرين المطالبين بالسلمية كان دومًا هو الأعلى معظم الوقت».

كان هذا منطقًا مشابهًا لما قاله دومة في حواره الشهير الذي أودعه 25 عامًا بالسجن: «مش منطقي أقولهم تعالوا اقتلوني أصل أنتوا قاعدين في مبنى مقدس». يقول محمود: «كنت جالسًا في أحد مقاهي وسط البلد بعد أن شهدت الاشتباكات هدوءًا نسبيًا، حينما فوجئنا بمشهد تتداوله القنوات الفضائية لضرب قوات الشرطة لشاب يمشي بجوار سور الجامعة الأمريكية بالتحرير بدون أي ذنب ارتكبه، قام كل من بالقهوة وقتها للعودة للتظاهر. كان هناك الكثير من الاستفزازات غير المبررة».

بالنسبة لبلال، المتورطون الحقيقيون لم يحاكموا بعد: «حرق المجمع العلمي ليس بداية الأحداث، الكل يعلم بداية الأحداث والجميع شاهد الانتهاكات الكبيرة التي تعرض لها المتظاهرون على أيدي جنود وضباط القوات المسلحة، المتورطون الحقيقيون لم يحاكموا بعد».

اعلان