Define your generation here. Generation What
سوق بلا مشترين..هل يحرّك 2018 مبيعات السيارات؟
 
 

انخفضت مبيعات السيارات في مصر بما يقرب من 40% خلال العام الجاري، بسبب القفزة الكبيرة للأسعار في هذا السوق، وذلك في وقت تراجعت فيه القوة الشرائية للمستهلكين بعد أن فقد الجنيه ما يقرب من نصف قيمته نتيجة للتعويم، وارتفع معدل زيادة أسعار مختلف السلع والخدمات.

ومع اقتراب العام من نهايته لا يتوقع تجّار ومصنِّعو السيارات الذين تحدّث معهم  «مدى مصر» أن يسترد سوق السيارات عافيته، حيث تظل السيارات خلال 2018 خارج نطاق قدرة المستهلكين، مع استمرار ارتفاع أسعارها وارتفاع تكلفة القروض لتمويل شرائها، برغم الإعفاءات الجمركية المنتظرة في مطلع العام الجديد، بما لا يسمح بتعافٍ كبير في السوق التي تلقّت ضربة مؤلمة لم تمر بمثلها منذ سنوات.

ارتفاع جنوني في الأسعار

في أكتوبر 2016، ذهب خالد كمال، صاحب شركة تكنولوجيا معلومات، إلى معرض سيارات للسؤال عن سعر سيارة «مازدا» كان يرغب في شرائها، فأبلغه صاحب المعرض إن ثمنها 270 ألف جنيه. ثم رجع كمال إلى المعرض بعد يومين، فوجد السعر قد ارتفع 15 ألف جنيه.

قرر كمال عدم الشراء، وأن يعيد تقييم قراره، ولكن عندما ارتفع سعرها للمرة الثالثة، بعد أسبوع، إلى 300 ألف جنيه، حسم القرار بأن يشتريها قبل أن تشهد أي زيادة جديدة.

كان سعر الدولار يرتفع في هذا الوقت في السوق السوداء باضطراد، قبل أقل من شهر من قرار  البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه، ووصل وقتها إلى ما بين 16 و17 جنيه للدولار، حسبما يتذكّر كمال، بينما لم يتجاوز السعر الرسمي في البنوك قيمة 8.88 جنيه.

مع تعوّيم البنك المركزي للجنيه، قفز السعر الرسمي للدولار الواحد خلال أيام إلى 18 جنيهًا مصريًا، وصارت السيارة التي اشتراها كمال قبل هذا الإجراء بـ 300 ألف جنيه تباع بـ 398 ألف جنيه.

يعكس هذا الموقف ما حدث لأسعار السيارات في نهاية العام الماضي، ويعطي دلالة على ما حدث لسوقها الضخم في مصر خلال السنة اللاحقة لقرار التعويم. إذا كان كمال قد أجّل قراره بالشراء، ما كان سيتمكن من امتلاك السيارة الجديدة مع اتجاه المستوى العام للأسعار نحو الزيادة بدرجة كبيرة بعد التعويم مما انتقص من القوة الشرائية للمصريين.

انخفاض حاد في المبيعات

«سنة 2017 قد تكون من أسوأ السنوات، ومن يقول غير ذلك ليس جادًا»، هكذا وصف عفت عبدالعاطي، رئيس شعبة وكلاء وموزعي ومستوردي السيارات بالغرفة التجارية، الحالة الراهنة لسوق السيارات.

أظهرت إحصاءات مجلس معلومات سوق السيارات «أميك» أن مبيعات السيارات الإجمالية في مصر خلال الأشهر التسعة الأولى من 2017 كانت أقل بنحو  38% من الفترة نفسها من العام الماضي.

فبينما تمّ بيع نحو  156 ألف سيارة ما بين يناير إلى سبتمبر 2016، اشترى المستهلكون 96.2 ألف سيارة فقط في الفترة نفسها من 2017، بحسب تقرير «أميك» الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه.

يقول عبدالعاطي إن التعويم كان السبب الأساسي وراء هذا الانخفاض، فتضاعفت أسعار السيارات بعد أن تراجعت قيمة الجنيه.

ويضرب عبدالعاطي مثالًا بسيارة تستوردها وتبيعها شركته، وهي السيارة Victory  الصينية، والتي تقل تسعة ركاب. فقد كانت تُباع بـ 85 ألف جنيه عام 2016 عندما كان سعر الدولار في السوق السوداء 13 جنيهًا، بينما وصل سعرها الآن إلى 192 ألف (سعر الدولار حاليًا يدور حول 17.8 جنيه).

ظهر تأثير التعويم على الموقف المالي لشركة السيارات الوحيدة المدرجة في البورصة، «جي بي أوتو»، حيث تحمّلت خسارة في الـ 9 أشهر الأولى من العام الجاري للمرة الأولى منذ سنوات، ووصل صافي خسائرها من يناير إلى سبتمبر إلى نحو 475.5 مليون جنيه، مقارنة بأرباح تذبذبت بين مائة ومائتي مليون جنيه في السنوات الخمس الأخيرة.

وقال رؤوف غبور، رئيس مجموعة «جي بي أوتو»، في تصريحات صحفية الشهر الماضي، إن التباطؤ في مبيعات السيارات سببه الأساسي انخفاض القوة الشرائية للمستهلكين نتيجة موجة ارتفاع الأسعار التي أعقبت تحرير سعر صرف الجنيه، متوقعًا ألا يتعافى الطلب على المركبات قبل عامين من الآن.

2018 لا تحمل الكثير

لا يتوقع رأفت مسروجة، الرئيس الشرفي لـ «أميك» والعضو المنتدب الأسبق للشركة الهندسية لصناعة السيارات، أن يختلف وضع سوق السيارات العام المقبل اختلافًا ملحوظًا.

ويوضّح مسروجة لـ «مدى مصر» أن النمو في قطاع السيارات عادة ما يجاري النمو في الاقتصاد القومي، وإذا صحت التوقعات الحكومية للنمو الاقتصادي خلال السنوات القادمة والتي تدور حول 6%، فإن ذلك لن ينعكس في صورة زيادة مماثلة في مبيعات السيارات يعيدها إلى معدلاتها السابقة في أي وقت قريب. ويؤكّد على أن أقصى نمو للمبيعات خلال العام المقبل لن يزيد على 9 آلاف سيارة تضاف للرقم المتوقع تحققه خلال العام الجاري، والبالغ نحو 130 ألف سيارة، وهي مستويات لا تقارن بمبيعات 2016 التي بلغت 198 ألف سيارة، أو 2015 التي وصلت إلى 278 ألف سيارة.

«مستويات التضخم مرتفعة وستظل مرتفعة العام المقبل، وإن لم تكن بمثل حدّة العام الحالي، ولن يشعر المستهلك بأمان كاف بأنه يستطيع مجددًا ادخار المبلغ الذي قد ينفقه على سلعة سعرها مرتفع مثل سيارة جديدة»، يضيف الرئيس الشرفي لـ «أميك».

كما يشير مسروجة إلى مبادرات كانت مطروحة وكان من المأمول أن تنعش قطاع السيارات في مصر، مثل استراتيجية صناعة السيارات محليًا، وإعادة إحياء شركة النصر للسيارات بمشاركة شركة صينية، لتنتج نحو 30 ألف سيارة سنويًا بدءًا من 2017.

لكن المشروع الأخير لم ينطلق حتى الآن، والقانون الخاص بالاستراتيجية ما زال حبيس أدراج الحكومة، بعدما أعاده البرلمان إليها عقب شهور من المناقشة، بحسب برلمانيين تحدّث معهم «مدى مصر».

ويهدف المشروع المسمى «قانون تنمية وتطوير صناعة المركبات والصناعات المغذية لها» إلى تحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية لزيادة «نسبة التصنيع المحلي في المركبة المنتجة محليا بشكل تدريجي خلال سنوات البرنامج لتصل إلى 60% في حالة سيارات الركوب والسيارات الميكروباص و70% في سيارات النقل الخفيف والمتوسط»، بحسب المشروع الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه.

وفي المقابل، يبدي حسين مصطفى، المدير التنفيذي لرابطة مصنِّعي السيارات، تفاؤلًا أكبر، حيث يتوقّع أن يتعافي النمو الاقتصادي المصري بحلول النصف الثاني من عام 2018 مع تعافي السياحة واستمرار مشروعات البنية التحتية وتحوّل مصر إلى تصدير الغاز الطبيعي، وذلك بعد بدء الإنتاج في حقل ظهر العملاق.

وعبّر مصطفى عن تفاؤله أيضًا بالاستراتيجية المزمع تنفيذها، فيرى أن تعميق صناعة السيارات والصناعات المغذية لها، حتى وإن لم يستوعبه السوق المحلي، فإنه سيوجه إلى التصدير.

وقال مصطفى لـ «مدى مصر» إن أحد الخطوات التي يجب أن تتخذها الحكومة هي تشجيع تمويل شراء السيارات من خلال تسهيل شروط الحصول على القروض وسدادها، فضلًا عن تخفيض أسعار الفائدة، فتعتمد سوق السيارات المصرية بشكل كبير على القروض، بنسبة ما بين 60% و70% من السيارات المباعة، بحسب المدير التنفيذي لرابطة مصنِّعي السيارات.

ماذا عن تخفيض الجمارك؟

يتطلع بعض المستهلكين لتخفيض الجمارك في مطلع العام الجديد كطريقة محتملة لتراجع الأسعار، فقد جرت العادة أن تعلن مصلحة الجمارك، في بداية كل عام منذ 2011، عن تخفيض بنسبة 10% على السيارات الأوروبية، وذلك طبقًا لاتفاقية المشاركة الأوروبية التي وقعتها مصر عام 2004.

لكن رئيس مصلحة الجمارك مجدي عبدالعزيز وعدد من المعنيين بالقطاع يتفقون على أن المستهلك لن يشعر بتأثير هذا الإجراء على السعر النهائي للسيارات، رغم أن نسبة انخفاض الجمارك ستكون قد وصلت إلى  80% في بداية 2018 مقارنة بعام 2010.

ويوضّح رأفت مسروجة أن تخفيض الجمارك على السيارات الـ « 1600 سي سي» بنسبة  10% يوازي في النهاية نحو 4% فقط من ثمن السيارة، فإذا كانت السيارة الجديدة المراد شراؤها تباع بـ 400 ألف جنيه فإن قيمة الجمارك ستنخفض نحو 16 ألف جنيه، كما يضيف أن الحصة الأكبر في السوق تستحوذ عليها الشركات الآسيوية. 

لكن الجمارك ليست المتغير الوحيد المؤثر على ثمن السيارة، فهناك أيضًا معدَّل زيادة الأسعار في البلاد الأوروبية والذي يكون في حدود %1 أو 1.5%، فضلًا عن التغيرات في سعر صرف الجنيه أمام العملات الأوروبية، «كل هذا يجعل الفارق شبيه بعدمه»، بحسب مسروجة.

ويضيف رئيس «أميك» الشرفي أن وضع الدول الأوروبية المتميز في السوق نظرًا لانخفاض الجمارك على سياراتها يعطي دولها المصدّرة قدرة على رفع أسعارها على المستوردين المصريين، مما يؤدي بدوره إلى انخفاض أثر الإعفاءات الجمركية، مؤكدًا على ضرورة تعميم الإعفاءات إن أرادت الدولة منافسة شريفة تخفض من أسعار السيارات للمستهلكين.

ارتفاع تكلفة القروض

أثّرت أسعار الفائدة المرتفعة على الإقبال على قروض السيارات الجديدة رغم زيادة احتياج المستهلكين إليها تعويضًا لانخفاض قدرتهم الشرائية. وسجلت البنوك بالفعل انخفاضًا في الاقتراض لتمويل شراء سيارات، في العام الماضي، ووصلت مستويات الفائدة على هذه القروض لمعدلات تدور حول 20%.

بعدما اتخذت الحكومة قرار التعويم، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة عدة مرات في محاولة للحد من التضخّم، ووصلت الفائدة على الإقراض إلى 19.75%، في يوليو الماضي، ولم تنخفض منذ ذلك الحين.

كان أحمد الرفاعي، مهندس إنشاءات، يخطط العام الماضي لشراء سيارة، خاصة أنه كان يشارك زوجته في سيارة واحدة، مما لا يتناسب مع ظروفهما؛ حيث يعملان في منطقتين مختلفتين من القاهرة.

كان الرفاعي يريد شراء سيارة «تويوتا كورولا» أو «كيا سيراتو»، وكان سعر أي منهما وقتها يتراوح ما بين 180 و200 ألف جنيه. وخَطَطَ لإنفاق 100 ألف جنيه لشراء سيارة، واقتراض المبلغ المتبقي بسعر فائدة كان يتراوح بين من 7 إلى 8%، حسبما يتذكر.

لكن بعد التعويم، ارتفعت أسعار هذه السيارات لتتعدى 400 ألف جنيه، وفي نفس الوقت تضاعفت أسعار الفائدة على قروض السيارات لتبدأ من 17% بعدما رفع البنك المركزي الفائدة البنكية تزامنًا مع التعويم وتدريجيًا بعدها، حتى وصلت لمعدلات الـ 20% وما فوق الآن.

«عندما كنت أخطط لشراء السيارة، كان القسط سيكلفني ما بين 15% و20% من مرتبي. أما الآن سيكلفني ما بين 35% و40%» بحسب الرفاعي.

ورغم التكلفة الباهظة التي يتكبدها الرفاعي في استخدامه لتطبيق «أوبر»، للذهاب من وسط المدينة إلى ضاحية التجمع الخامس، ثم العودة للمنزل، خلال أيام العمل الخمسة، فيقول: «صرفتُ النظر نهائيًا عن شراء سيارة بعد تضخم سعرها بهذا الشكل»، مضيفًا أنه مع ازدياد أسعار كل السلع والخدمات فإن السيارة لم تعد أولوية، مؤكدًا على أنه لا يستطيع تحمل تكلفة امتلاك سيارة.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي