Define your generation here. Generation What

العنف ضد المرأة: من البيت، خروجًا إلى المجتمع

أحد التعريفات الأكاديمية للمجال الخاص هو «الحيز الحميمي للمرء والذي يتضمن البيت والأسرة والحياة الخاصة للانسان». ولكن في حالة أقصى جنوب مصر، وعندما يتعلق الأمر بالنساء، يمتد هذا الحيز لما هو أبعد، فيخرج من نطاق الأسرة والبيت إلى العائلة الكبيرة؛ القبيلة والقرية. يتدخل هذا الحيز الجديد في اتخاذ القرارات نيابة عن النساء، بل ويجبرهن على الموافقة على القرارات الصادرة من أفراده، ويمارّس فيه  التهديد والعنف في كثير من الأحيان.

لهذه المعادلة عنصران أساسيان، الأول هو الشخص أو المجموعة الممارسة للسلطة، والصادر عنها التعنيف، أما العنصر الأخر فهو الأكثر تضررًا ومن يقع عليه العنف، ما يؤثر على حياته بالسلب، وهم النساء في هذه الحالة.

تقول ح.م:

«رغم إني بعتبر أهلى منفتحين شوية، وبيسمحوا لي ببعض الصداقات مع الزملاء الولاد بحكم الدراسة أيام ما كنت في الكلية، لكن أمّا عرفوا إن الشخص المتقدم لي كانت بيني وبينه قصة حب من أيام الدراسة، رفضوا نهائي، وبدأوا في إهانتي وحبسي، وزاد الرفض أما عرفوا إنه مش من قبيلتنا، عشان ممنوع على بناتنا إنهم يتجوزوا من الغرباء، عشان مافيش حد غريب يدخل في ميراثنا.»

نوع من العادات العنيفة الممارَسة على الطرف الأضعف في الحلقة، النساء، هو اتخاذ القرار نيابة عنهن، فالطرف الأقوى هنا، ممارِس السلطة الأبوية، لديه يقين تام بأنه يحتكر الحقيقة والصواب المطلق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما على الطرف الممارَسة عليه السلطة، النساء، إلا الانصياع التام حتى ينلن رضاه، وإلا تعرضن لأبشع أنواع العنف في محيطهن الخاص، مثل حلاقة الشعر، الحبس المنزلي، الحرمان من التعليم وكافة أشكال العنف النفسي والبدني الأخرى.

في المجتمع الأبوي الذي نعيش فيه، تُمنح السلطة للذكور على حساب الإناث دون جهد يذكر، وإنما فقط بناء على النوع البيولوجي. هناك طرف في المجتمع يتباهى بقتل الأنثى لأنه يعتبر أن العار قد اندفن بموتها، وتتغلب على هؤلاء المتباهين حالة من النشوة الداخلية تسيطر عليهم، وقد تتطور لإعلانهم، على مواقع التواصل الاجتماعي أو في المجال العام والخاص في محيطهم، بأن العار «النساء» قد اندفن.

تختلف أشكال العنف الممارَس في المجال الخاص ما بين اللفظى والنفسي والبدني، وتتقاطع مع المجال العام بشكل أو بآخر. ويوجَّه العنف في المجال الخاص ضد النساء منذ سن صغيرة، بداية من الختان الذي يشوّه أعضائهن التناسلية، حيث تقول أ. ص:

«كنت في تانية ابتدائي أما جدتي وخالتي قالولي هنزور خالتي التانية، فاتفاجئت إني عند دكتور بيختنّي، ومن ساعتها وأنا بعتبر خالتي دي ست كذابة. ورغم رفض أبويا للختان إلا إنه فضل يريّح دماغه. وحقيقي الختان أثر على نفسيتي جدًا. حتى بعد ما كبرت ووعيت، لسا فاكرة كل الأحداث دي بالظبط.»

لعل أخطر ما تعانيه النساء في مجتمعنا هو تلك المعايير التى وضعها المجتمع لهن، والتى لا يجب الحياد عنها قط، و إلا بدأت سهام النقد والعنف تمارس ضدهن، بداية من طريقة الملبس التى تلزمهن بزي معين خوفًا من العنف الممارس ضدهن. كمثال، كثيرًا ما تبدأ الخلافات والعنف بسبب ارتداء الحجاب، فبعض النساء يرغبن في خلعه لقناعات داخلية شخصية، إلا أنهن يواجهن رفضًا قاطعًا يبدأ من المجال الخاص، ويُبرَّر بالعادات والتقاليد التي تمنع ذلك، ولا مانع من إضافة الدين على رأس قائمة تلك الحجج الواهية، لإضفاء مزيد من القداسة على قرارات ممارسي السلطة الأبوية.

بعدها تنتقل الحرب إلى المجال العام، بداية من ممارسة زملاء العمل وذوي المناصب الأعلى للعنف اللفظي أو الجسدي، مثل التحرش، بنفس الحجج الواهية المغلَّفة في ثوب النصيحة.

غالبًا ما ينتصر الطرف الأقوى الممارِس للعنف، لأن المعركة تنتقل لحيز آخر؛ الحرب النفسية الذاتية التى تنشأ بين النساء وأنفسهن، وفيها تتشكك النساء في اختياراتهن، هل كنَّ على صواب أم خطأ؟!

يمارَس العنف أيضًا في طريقة الكلام المفروضة علي النساء اتباعها في المجال العام، فلا صوت يعلو ولا نظرة تعبّر، فقط الانصياع التام والتسليم لعنف المجال الخاص والعام ولكل ما يريده ممارسو السلطة الأبوية الذكورية، فتظل السلطة تحاصرهن حتى تؤثر عليهن في أعمالهن وفي إحساسهن بالثقة بأنفسهن.

إحدى الممارسات العنيفة أيضًا التى تجري في المجال الخاص، هي التوجيه والسيطرة الفكريين اللذين تنحصر النساء داخلهما، بهدف إيهامهن أن القرار نابع منهن، حتى لو كان في الأساس قرارًا أبويًا أُقر عن طريق توجيه فكري باتجاه أمر معين مرغوب فيه.

مع كل هذا، فقد يكون من أكبر مظاهر العنف الممارَسة داخل المجال الخاص، وتتقاطع مع المجال العام، هو الضرر النفسي الذي يقع على النساء ويستلزم دعمًا نفسيًا وتدخلًا من المختصين النفسيين، حيث يُمنع ذلك التدخل عن المرأة بذريعة قلة فرص زواجها، وبما أن المجال الخاص جزء لا يتجزأ من المجال العام، وبما أن أحد المعايير التى وضعها المجال العام هي عدم تقديم الدعم النفسي للنساء، ورفض ذلك بشكل مطلق.

__________

هذا المقال جزء من مخرجات حملة «جوا البيت»، وهي حملة إلكترونية تهتم بالعنف ضد الفتيات والنساء في المجال الخاص، وشاركت فيها، من ضمن مبادرات نسوية شابة أخرى، مبادرة «جنوبية حرة»، في إطار الحملة العالمية التي استمرت لمدة 16 يومًا والمناهضة للعنف ضد النساء.

اعلان
 
 
حسام الدين رجب