Define your generation here. Generation What
التمويل الجماعي كنمط جديد لإنتاج الفن: هل هو جديد حقًا؟
 
 
غلاف ألبوم «نقوم ناسيين» ليسرا الهواري
 

في أمسية نوفمبرية باردة وأنا منكمشة في الفراش، وبيدي كوب شوكولاتة ساخنة، شاهدت فيلم فرانسوا جيرار «الفيولينة الحمراء» (1998)، والذي يحكي تاريخ فيولينة أثرية صنعت في إيطاليا؛ على يد كارلو تشيتشي، أواخر عصر النهضة.

كان المالك الأول للفيولينة الحمراء الجميلة، صبي موهوب ترك دار أيتام قريته الصغيرة؛ ليسافر إلى فيينا، لتطوير مهارات عزفه الموسيقية. يتحمس معلّم الفتى أن يتولى رعايته فنيًا أحد نبلاء المجتمع المرموقين، غير أن الارستقراطي يرفض طلبه بأدب، ما يضطر المعلِّم لبيع أثاثه الخاص حتى يتمكن من رعاية نفسه، هو زوجته،  بالإضافة للصبي الموهوب. بعد انتهاء الفيلم، ظل مشهد معين عالقًا بذهني لفترة طويلة، وهو المشهد الذي يستعرض فيه راعي الفنان سلطته عليه، طارحًا سؤال: إذا كانت فعلًا طريقة البقاء الوحيدة للفنان هي رضا مَن يرعاه ماديًا عن طبيعة الفن الذي يقدمه، فأي حرية يمتلكها الفنان؟

لعبت الرعاية المادية للفن دورًا محوريًا في تاريخ الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، وفي الفن بشكل عام.

في الواقع، فإن العديد من علامات التاريخ الموسيقي لم تكن لتوجد لولا الرعاة الموسِرين محبي الفن الذين دعموا مبدعي تلك الأعمال. في عام 1782 كلَّف البارون جوتفريد فان سفايتن الموسيقار موزارت؛ بكتابة الأوبرا العظيمة «الاختطاف من سيراليو» لجمهور رفيع المستوى الاجتماعي في فيينا. البارون نفسه دعم  الموسيقارين بيتهوفن وجوزيف هايدن. في الوقت ذاته كتب تشايكوفسكي «السيمفونية رقم أربعة» لصالح أرملة ثرية تدعى ناديزدا فون ميك، دعمته ماديًا لمدة 13 عامًا.

في القاهرة هذا العام (2017)، وفي سياق تاريخي واقتصادي مختلف للغاية، قرَّرت المغنية والمؤلفة الموسيقية ولاعبة الأكورديون المصرية يسرا الهواري، هي وفرقتها، تمويل ألبومها الأول «نقوم ناسيين» بطريقة «الكراود فاندينج»، أوما يمكن تعريفه بالتمويل الجماعي المفتوح لمساهمات الجمهور. قبل هذه اللحظة كانت الهواري تعتبر، ولاتزال، شخصًا فاعلًا ذا حضور، في المشهد الموسيقي المصري البديل، بمشاركتها في مشروع كورال عام 2010، وبأغنيتها ذات الشعبية الكبيرة «السور» (2012)،  وبأغنياتها المفردة المنتجة بشكل مستقل التي توالت بعد ذلك.

في 2016 ، فازت الهواري بمنحة من «الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)» لإنتاج ألبومها. تقول عن ذلك: «أردنا إنتاج الألبوم بأفضل معايير ممكنة؛ التسجيل في استوديو مجهّز جيدًا، والاستثمار في مرحلتي الميكسينج والماسترينج؛ لنضمن لأغانينا جودة عالية تؤهلها لأن تكون جاهزة للإطلاق». تُرجِع الهواري قرارها، هي وفرقتها، اللجوء للتمويل الجماعي، بحثًا عن دعم إضافي، بجانب منحة آفاق، التي بلغت قيمتها 12 ألف دولار أمريكي، لرغبتهم في تنظيم حفلة مجانّية لإطلاق الألبوم، وإنتاج فيديو كليب، والقيام بجولة حفلات ترويجية للألبوم، لكنها تؤكد أن «الشيء الأكثر أهمية هو أن التمويل الجماعي كان طريقة لتحرير فننا من السياسات المتحكِّمة لشركات الإنتاج».

تقول الهواري إنها ألهمت بموسيقيين وفرق غنائية في العالم العربي؛ أخذوا هذه المبادرة قبلها؛ مثل الفريق اللبناني «مشروع ليلى»، والفريق الأردني «المربع»، والأوركسترا الفلسطينية «خلص»، والمغنية اللبنانية «تانيا صالح»، خاصة في ظل عدم وجود دعم من الدولة ولا مساندة من نقابات الموسيقيين، على حد قولها.

يعتبر فريق «مشروع ليلى»، وهو مشروع موسيقي بديل تكون في بيروت عام 2008، رائدًا؛ كونه الفريق الأول الذي يتجه للتمويل الجماعي في إنتاج الموسيقى في المنطقة العربية. ونجح  عام 2013 عبر حملته التي أطلقها عبر منصة التمويل الجماعي العربية زومال، في جمع 100% من المبلغ الذي احتاجه إنتاج ألبومه الثالث «رقَّصوك»، الأمر الذي لم يكن ممكنًا على الأغلب لولا قاعدة جماهيرهم القوية في لبنان وخارجها. طبقًا لـ «زومال» فإن 543 داعمًا (حوالي 2.5% فقط من إجمالي معجبي صفحة مشروع ليلى على الفيسبوك) قد ساهموا في إنتاج الألبوم.

في الوقت ذاته  نجحت حملة يسرا الهواري في جمع مبلغ يزيد قليلًا على 14 ألف يورو، أي حوالي 51% من المبلغ المستهدف (28 ألف يورو)، بعد جهود مكّثفة على مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت فيديوهات ترويجية، بمشاركة فنانين ذوي شعبية في المشهد الموسيقي المصري مثل عضو فريق كايروكي أمير عيد، ومغني الراب زاب ثروت، والمغنية دينا الوديدي، وفريق مسار إجباري، ذلك بالإضافة إلى نجوم سينمائيين مثل خالد أبو النجا وياسمين رئيس. كما خصص «بوك سيل فالخير»، وهو معرض سنوي لبيع الكتب المستعملة، عائد دورته التاسعة لحملة الألبوم الأول.

«التمويل الجماعي ليس أمرًا سهلًا، فعادةً ما ينتهي الفنانون إلى تنحية العملية الإبداعية جانبًا للتركيز على جمع الأموال من معجبيهم» بحسب الهواري، التي تضيف أن إبقاء الحملة مستمرة حملّها ضغطًا وإرهاقًا كبيرين، خاصة وأنها كانت تقيم خارج مصر، في ذلك الحين، ومشغولة بإنهاء برنامج دراسي من عامين؛ في دراسة الأكورديون في المركز القومي والعالمي للموسيقى والأكورديون في فرنسا. ولأكثر من شهر خصصت الهواري كل وقتها وطاقتها لجمع الأموال اللازمة من أكثر من 124 ألف معجب على صفحة الفيسبوك خاصتها. «نحن في غاية الامتنان على الرغم من كل شيء» تؤكد الهواري لأن «بدون مشاركات معجبينا لم نكن لنتمكن من إنتاج الألبوم بالجودة التي يستحقونها».

ترافقت حملة الهواري مع تعويم الجنيه المصري؛ الذي تسبب في ارتفاع نسبة التضخم وارتفاع الأسعار. هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، بالإضافة إلى غرابة التمويل الجماعي كفكرة وكممارسة في مصر؛ دفعت بعض من معجبي الهواري؛ للتساؤل: لم يجب أن يساعدوها في إنتاج ألبوم موسيقي عوضًا عن التبرع بالمال لمستشفى أو مدرسة؟

«لا أرى الأمر كتبرُّع خيري» تقول نورا أيمن، إحدى مؤيدات حملة التمويل الجماعي لألبوم الهواري. فـ «الفن هو بصمة لزمننا، ويبقى للخلود. حينما ساهمتُ في الحملة كنت أحاول دعم شيء أكبر من يسرا الهواري، أو أي فنان آخر، أردتُ دعم احتياج ملح بالنسبة لجيلي، وهو: فن يخصنا».

لكن نورا تعتقد أن الفنانين يجب أن يلجأوا فقط للتمويل الجماعي في المراحل الأولى من مشوارهم المهني، لمساعدتهم في تحويل أفكارهم لواقع. فـ «عند نقطة ما يجب على الموسيقيين إيجاد طريق للحفاظ على مشاريعهم بأنفسهم. أجد مثلًا كايروكي ناجحون جدًا في هذا الشأن. فهم فريق عمِل بجد، وركز على جمهوره لسنوات حتى وصلوا إلى نوع النجاح الذي مكَّنهم من إنشاء الاستوديو الخاص بهم، وإنتاج موسيقاهم باستقلال».

فيما تقول مارينا سمير، عضوة الفريق المصري المستقل «بنت المصاروة»، إن الهواري باقتحامها التمويل الجماعي، ألهمتها لتفعل الشيء ذاته. ففي أغسطس الماضي، أطلق ثلاثي الموسيقيات المصريات حملة تمويل جماعي عبر «إنديجوجو»، المنصة ذاتها التي استخدمتها الهواري، لإنتاج ألبومهم الثاني «مزغونة»، والذي يضمٌّ  10 أغنيات مستوحاة من من قصص حقيقية، تم جمعها من ثلاثة ورشات لحكي القصص، نظمها الفريق مع نساء من قُرى مهمشة في الصعيد.

قبل قرارهن الاتجاه إلى التمويل الجماعي، جرّبت عضوات فريق «بنت المصاروة» الحصول على منح إنتاجية من مؤسستي «آفاق» و«المورد الثقافي»، دون أن يحالفهن الحظ. لكن بفضل 98 داعم متحمس، من بين 11 ألف معجب بصفحتهم على الفيس بوك،  نجحوا في جمع 77% من ميزانيتهم المستهدفة، أي ما يقرب من 10 آلاف دولار أمريكي.

بالإضافة للدعم المالي الذي تلقاه الفريق، ونتيجة للطبيعة الخاصة لمشروعهم الفني، بسبب كونه ذو اتجاه نسوي، تمكنوا أيضًا من الحصول على المساعدة من نشطاء روجوا لحملتهم، عبر تمرير رسائلهم لقوائم بريد الكتروني أوسع. كما عرض معهد جوتة على الفريق مساحة لإقامة حفلة تخصص عوائدها لإنتاج الألبوم.

أيضاً قالت مارينا سمير إن بعض النساء اللاتي شاركن في ورش الفريق ساهمن بمبالغ قليلة من المال. ثم أكّدت بحماس أن «هذه هي القيمة الحقيقية للتمويل الجماعي، فكرة أنّه يسحب السلطة من يد الدولة وشركات الإنتاج والمؤسسات الثقافية، ليضعها في يد الناس بدلًا منهم». وكما أشارت الهواري، تؤكد سمير على أن التمويل الجماعي عملية مستنزِفة للفنانين، ليس فقط عقليًا وإنما ماليًا، لأنهم في الأساس يحتاجون لموارد لترويج حملة التمويل ذاتها.

يجد العديد من الموسيقيين أن هناك حاجة لتغيير في هيراركية البنية الحالية لإنتاج الموسيقى المصرية. يقول عبدالله المنياوي، وهو مغني وكاتب أغاني ولاعب ترومبيت، إن تجربته مع شركات الإنتاج كانت محبطة حتى الآن، فـ «أغلب الشركات يعطون الأولوية لمصالحهم الخاصة، أي المال». يشرح المنياوي مقصده: «يستغل المنتجون الموسيقيين الفقراء صغيري السن الذين يحاولون العيش من خلال فنهم، عبر عقود تسمح للشركات بأخذ 50% من الأرباح بعد خصم تكاليف الإنتاج، ما لا يترك للفنان الكافي ليعتاش منه».

في الوقت ذاته فإن أحمد صالح، وهو موسيقي إلكتروني تجريبي سكندري، وفنان صوت وعضو في فريق «تيليبويتك»، يتفق مع المنياوي في أن «الطموحات المادية» لشركات الإنتاج عادة ما تخِّل بجودة الموسيقى، وتقف في طريق مصالح الفنان. «لم نكن سعداء بالميكسينج والماسترينج في ألبومنا، ووجدناه أسوأ من اللعب في حفلة حية»، يقول صالح عن تجربة فريقه في إنتاج ألبومهم الأول «إنسحاب» (2016)، والذي تعاونوا فيه مع شركة (100 نسخة) وهي شركة إنتاج مهتمة بالموسيقى التجريبية.

«لكن على الناحية الأخرى فإن شركة «100 نسخة» خلقت مشهدًا موسيقيًا مميزًا في مصر، كما أنّ فريقنا  استفاد بشدة من مهرجانهم «100»، لأنه أعطى منصة للعديد من الفنانين المحليين لتقديم عملهم» يكمل صالح.

من جانب آخر، يبدو أن المؤسسات الثقافية والجهات المانحة، يرحبون بالتغيير الذي أحدثه التمويل الجماعي على الساحة. تشرح رئيسة برامج الفنون في المعهد البريطاني في مصر كاثي كوستاين لـ «مدى مصر» أن دعم المعهد للفنون في مصر انخفض بنسبة 15% خلال السنوات الأربعة الماضية، وأنه يفضل حاليًا العمل مع منظمات، عوضًا عن الفنانين الأفراد، من أجل ضمان استفادة أكبر عدد من الدعم. تشرح كوستاين قائلة: «أعتقد أنه من العظيم أن الفنانين والموسيقيين يجدون طرقًا جديدة للاستمرار في العمل بعيدًا عن التمويل المؤسسي، خاصة في ظل قوانين الجمعيات الأهلية الجديدة التي تجري مناقشتها في مصر؛ الأمر الذي قد يؤثر على الطرق التي نعمل بها».

أمّا كاتي خطار، مديرة المنح في «آفاق»، فتخبر «مدى مصر» أن دعم «الصندوق» لمجالات مختلفة من الممارسة الفنية العربية، مثل الفنون البصرية والفنون الأدائية والأدب والسينما والموسيقى، لم يقل في السنوات الأخيرة، «دعمنا المالي لا يزال يذهب لمشاريع فردية ومؤسسية؛ بناءً على الجودة والإبداع والعلاقة بالظروف المحيطة والتكلفة، وبحد أقصى 50 ألف دولار للمشروع الواحد»، لكنها في الوقت ذاته تؤيد كوستاين فيما تراه من ضرورة إيجاد الفنانين طرق أخرى لدعم أعمالهم، خاصةً وأن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد فتحوا الباب أمام احتمالات جديدة.

من زاوية أخرى، فإن فكرة التمويل الجماعي للفن في العالم العربي ظهرت في وقت مشحون بتغيرات اجتماعية وثقافية كبيرة، صاحبت الثورات العربية، ما دفع تلك الحملات لربط هدفها الأساسي، وهو جمع المال لتمويل إنتاج الموسيقى، بقضايا اجتماعية وسياسية أكبر، معتبرة ما تقوم به جزءًا من حركة أوسع، فقاموا باستخدام هاشتاجات ذات سمت سياسي، كهاشتاج مشروع ليلى: احتلوا البوب العربي #OccupyArabPop، وهاشتاج الهواري: أنت المنتج #BetheProducer،  وحتى هاشتاج بنت المصاروة النسويات يغنون #FeministsSinging.

لا شك أن التمويل الجماعي يمكن اعتباره أداة تمكين للفنان. فالهواري نجحت أخيرًا في إطلاق ألبومها في 7 ديسمبر الجاري، وعلى الرغم من أنها لم تتمكن من إنتاج فيديو موسيقي، كما تمنت، ولن تتمكن من عمل حفل مجاني لإطلاق الألبوم (سعر تذكرة الحفل والذي يقام اليوم في قاعة إيوارت في مقر الجامعة الأمريكية في وسط البلد 65 جنيهًا) ، إلا أنها تقول إنها سعيدة بخطوة تمويل الألبوم جماعيًا، وحتمًا ستفعل ذلك مجددًا. وتكمل: «يكفيني أنه مكَّننا من تحرير إبداعنا الفني، وحمَى موسيقانا من تدخل شركة إنتاج موسيقية كانت لتعبث بصوتنا».

لكن استخدام الهواري لكلمة «تحرير» أثار بذهني سؤال عن نجاعة التمويل الجماعي في الحفاظ على «استقلال» الفنان. هل يمكننا التأكد أنه لن يأتي  ذلك اليوم الذي تبدأ فيه منصات التمويل الجماعي في فرض قواعدها الخاصة؟ بل وأكثر من ذلك، فهناك أمر آخر، وهو أن التمويل الجماعي يتضمن شرطًا مسبقًا، وهو أن يكون لدى الموسيقي بالفعل قاعدة جماهيرية معتبرة قبل اللجوء إليه، وإلا فمَن سيدعم حملته؟ يدفعني هذا للتفكير في الموسيقيين الصغار الذين لم يكوِّنوا بعد جمهورًا على استعداد لدفع المال لمساعدتهم في إنتاج موسيقاهم.

وكما تشير كاتي خطار، فإن الإنترنت قدم لنا عهدًا جديدًا من الإبداع في إنتاج الموسيقى، لكن من ناحية أخرى، فقد تسبب في خفض مبيعات الألبومات، وهي مصدر رئيسي للربح عند الموسيقيين. وبالمثل، وبقدر ما يبدو لي أن التمويل الجماعي يُمكِّن الفنانين، ويغير قواعد اللعبة، فإنه يُبقى شكلًا من أشكال الرعاية الفنية القديمة. تَشارُكِي وأكثر تقدُّمية؟ نعم، لكنه لا يخلو من عوائقه الخاصة، عوائق قد يجد الفنانون أنفسهم قريبًا في حاجة لتحديد بوصلتهم تجاهها. من موزارت في فيينا القرن السابع عشر، وحتى يسرا الهواري في قاهرة ما بعد الثورة، يبقى الموسيقيون معتمدون على نظام إنتاجي، ليس تحت سيطرتهم، ليتمكنوا من الاستمرار.

اعلان
 
 
فيروز قدال