Define your generation here. Generation What

حول النور والأيديولوجيا وأورشليم القدس: أنا أشعر بهذا!

في 1967، دخل الجنود الإسرائيليون القدس الشرقية. تُظهر الصورة الشهيرة من تلك الأيام موشيه ديان بصحبة إسحق رابين، مرتديين الحلل العسكرية، داخل المدينة القديمة في القدس، كما تظهر صورة أخرى شهيرة جنديًا إسرائيلًا مبهورًا أمام الجدار الغربي، أو حائط المبكى، أو حائط البراق، لدى «تحريره» من سيطرة العرب.

بعد 1967، تراجع وجود اليسار الإسرائيلي بشكل كبير. انسحق الرأي العام الجمعي في إسرائيل أمام صورة الجنود العلمانيين الباكين تأثرًا. على قدر ما كان الجرح عميقًا في مجتمعاتنا، على قدر ما كان المشهد مبهرًا هناك. كانت هذه أكبر من نشوة انتصار عارم، كانت هذه نبوءة توراتية قديمة وقد تحققت بعد «ألفي عام»: العودة لـ«أورشليم الذهبية». كانت هذه لحظة توازي في سحرها بالنسبة للصهاينة لحظة إعلان الدولة عام 1948، وإن تُبّلت هذه المرة بصور الجدران الحجرية والروائح الحريفة للقدس الشرقية.

موشي ديان، وعلى يساره إسحق رابين، في البلدة القديمة للقدس بعد احتلالها

كنت قد لاحظت سابقًا كيف أن الحجر، المسجد الأقصى هنا، أكثر قابلية لصياغة قصة فلسطين من البشر، الفلسطينيين نفسهم. كيف أن حكايات مئات آلاف البشر تغدو بلا أهمية مقابل مشهد خلاب لسور قديم من الحجر تعلوه قبة ذهبية ضخمة. كيف أن قبة الصخرة أصبحت كارت بوستال القضية الفلسطينية.

الاسم التوراتي لمنطقة المسجد الأقصى، هو «جبل البيت»، وهو الاسم المعتمد اليوم في إسرائيل للدلالة على هذه المنطقة. تُظهر محركات البحث العبرية عن كلمة «أورشليم»، قياسًا إلى العربية، صورًا للقدس، تتراجع فيها قليلًا قبة الصخرة لتضحى تفصيلة واحدة في مشهد أوسع. هذه القبة المبهرة، كارت البوستال، تضحي مجرد تفصيلة، ليس لصالح التركيز على البشر، وإنما لصالح كارت بوستال خفي هذه المرة.

الكثير من اليهود المتطرفين يرون قبة الصخرة باعتبارها زينة، ترميمًا سيئًا، وأحيانًا مجرد «وساخة»، شيء زائف أقيم على عجل، ويرقد تحته الشيء الحقيقي، هيكل سليمان، الخفي ولكن الموجود، المتواري عميقًا ولكنه يحرك كل شيء، ويومًا ما سيظهر من تحت الأرض ليأتي المسيح ويخلّصنا.

الأيديولوجيا مبهرة، ومعنى من معاني الإبهار هو العمى الذي يسببه تسليط النور على العيون. الأيديولوجيا تعمي من فرط روعتها.

جندي إسرائيلي يحدق مبهورًا في جدران القدس بعد احتلالها

القدس.. لا تل أبيب

منذ إعلان قيام دولة إسرائيل، وحتى أيام خلت، ظلت تل أبيب، المقامة على أنقاض يافا والمتوسعة شمالًا، هي عاصمتها، هي مدينتها التي تنتمي للعالم، المدينة الكوزموبوليتانية، مدينة «الناس الطبيعيين»، العاملين بالبورصة والفنانين الهيبستريين ودعاة السلام ومن لا يلقون بالًا للصراع كله، مدينة البحر وناطحات السحاب، المدينة التي مجازها دوًما هو اللونان الأبيض والأزرق، مدينة المال والرأسمالية و«الحياة الحرة».

مع هذا ظلت القدس، والمصوّرة بوصفها المدينة المظلمة والثقيلة والمشحونة بالأساطير، مدينة اليهود المتطرفين والصراعات الدموية، مدينة الأزقة الضيقة والعصور الوسطى، هي الأكثر جاذبية في خطاب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بكثير من نظيرتها تل أبيب.

لفهم هذا ينبغي التفكير في الملحمة: أيهما يحقق الحس الملحمي في القصة، مقهى أوروبي حديث أم قلعة من القرون الوسطى؟ فهم هذا قد يقودنا لفهم فضل الأيديولوجيا على المصلحة المباشرة، فضل المشهد الواحد الجامع المانع على ملايين التفاصيل الصغيرة والمعقدة والمتشابكة. توصف تل أبيب دائمًا بأنها «مدينة عادية»، ولكن «العادي» ليس جذابًا في هذه الأحوال. العادي لا «يمثّل»، أو أنه لكي يمثّل يحتاج جهدًا كبيرًا وتزامنًا من الظروف التي لا تتزامن بسهولة، ثم أنه، وهو المهم، لا يبهر.

إذا أراد صحفي أجنبي إرفاق خبر كتبه عن مصر بـ«صورة تمثّل مصر»، فأمامه حلان، السفر لمصر والبحث عن مشهد «عادي» داخل أحد المدن المصرية، أو القرى إذا كان الخبر عن الريف. أما الحل الثاني، وهو الأكثر إبهارًا، وهو الأسهل في نفس الوقت، فهو وضع صورة الأهرام. ما يمثّل هو الخارج عن العادي. نحن نحتاج لمانشيتات وليس لتفاصيل معقدة في خبر صغير.

احتللنا القدس؟ حرّرناها؟

كادت كارثة لغوية تقع في لحظة رفع العلم الإسرائيلي على الجدار الغربي في البلدة القديمة بالقدس بعد احتلالها.

يدعو وثائقي إسرائيلي باسم «حرب الأيام الستة»، المظلي الإسرائيلي يورام زاموش، رافع علم إسرائيل على الجدار الغربي، إلى نفس النقطة، ولكن بعد أربعين عامًا. فيحكي قصة مؤثرة عن علم إسرائيل، قصة عن جدة عجوز أتت بالعلم من الحي اليهودي في القدس، وأعطته إياه، زرعته له في جراب خصره، وطلبت منه رفعه لدى وصوله للجدار الغربي، وحضنته وبكت، و«حتى الآن أشعر بدموعها».

بعد الدموع أتت لحظة رفع العلم. يحكي المظلي الإسرائيلي قصة تمتزج بها الأيديولوجيا بالنصر العسكري بزلات اللسان.

«أخرجت العلم وقال لي [المظلي] سطمبل: «اكتب». فكتبت على رجلي، هكذا، على العلم: «علم إسرائيل يرفرف اليوم، 28 آيار، 1967. على الجدار الغربي للقدس، بواسطة جنود وحدة المظليين 55. وهي وحدة محتلي القدس.»

يكمل: «استرق سطمبل، هكذا، النظر إليّ، ونبح في وجهي: «محرري. وحدة محرّري القدس. صلّحها!» فمحوتها بخطين ثم كتبت: «وحدة محرّري القدس».

بعد زلة اللسان هذه، والتي يجري تجاهلها سريعًا، تتردد في الفيلم أغنية «أورشليم من ذهب»، لناعومي شيمِر، والمؤداة بعد حرب 1967، والتي قوبلت بحفاوة بالغة وقتها، باعتبارها الأغنية التي مزجت بين الانتصار السياسي والمعنى الروحاني لـ«القدس»:

«كيف جفت آبار المياه، ساحة السوق خوت، وما من يزور جبل البيت، في المدينة العتيقة. أورشليم من ذهب، ومن نحاس ومن نور، ألست لكل أغانيك، أنا قيثار؟»

للحصول على الترجمة العربية، اضغط زر cc أسفل الفيديو

رغب اليهود في القدس من قديم الأزل، حلموا بها ودوّنوا أشواقهم لها في قصص وأشعار وكتب مقدسة. يقول الصهاينة لنا: «حلمنا بالقدس (أورشليم) أقدم من حلمكم بكثير». ومعهم الحق؛ لم تتشكل صورة القدس في الخيال العربي إلا بعد ظهور دولة إسرائيل، وربما بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967 أصلًا. الحلم العربي بالقدس عمره عقود، والحلم اليهودي بها عمره قرون. هذه حقيقة.

يقال في تفسير تلمودي متدروش وهاذٍ أن أورشليم، «يروشالَيِم»، تنتهي بعلامة المثنى العبرية لأنها عبارة عن «قدسَيْن»، أورشلَيْن اثنين، واحدة على الأرض والأخرى تقابلها في السماء (مثال جديد على التفسير الخاطئ وإنما الجميل، وبالتالي يشعل الأشواق، ثم يحرك الواقع، بأكثر مما تفعل التفسيرات الدقيقة).

الحلم اليهودي بالقدس تحقق، وأصبح جزءًا من الواقع، احتُلت القدس في 1967، ومعها احتُلت الضفة الغربية كلها، وطُرد ما يقارب الربع مليون فلسطيني من هناك. الحلم اليهودي الروحاني الجميل الذي عبّر عن نفسه في أشعار وترانيم، لبس حلة عسكرية وراح يقتل ويحرق ويشرّد شعبًا ويرميه في مخيمات لجوء لا تزال قائمة حتى يومنا هذا وتشكّل جزءًا من الواقع شديد التعاسة للفلسطينيين.

وفي غمرة نشوة الانتصار وسكرة تحقق الحلم، ظلت هناك زلات لسان تفضح كل شيء: احتللناها أم حررناها؟

ما الذي فعله العرب: محاكاة الإسرائيليين؟

في كتابه «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل»، يلمّح محمد حسنين هيكل لمعضلة الأيديولوجيا.

يقول: «سقطت موانع التحريم، كما زالت دواعي القداسة… لكن وجه الغرابة أن مجموعات الحقائق والقيم لم تكن تغيرت، ولا كان سبب الانقلاب نور عقل سطع فجأة، أو حكمة تجلت، أو تنزيلًا علويًا جاء إلى الناس بشرع جديد…. ومن المفارقات أن «الآخر» كان أكثر وعيًا وعلمًا، فقط ظل في مكانه على أرض التاريخ الإنساني – بل والأسطوري غالبًا – وبقي ثابتًا على «مقدساته» وعلى «محرماته»، فهي – بعد ادعاء بغياب ألفي سنة – مازالت «أرض إسرائيل»، و«شعب الله المختار» و«مملكة داود» و«التلمود» و«أورشليم» و«السامرة» و«هيكل سليمان» و«حائط المبكى» و«التيه» و«الهولوكست»، وهاجس الأمن الذي لا سبيل إلى طمأنته، والشيء الوحيد الذي جد بمتغيرات الزمن والظروف هو مائتا قنبلة نووية.»

بعيدًا عن المائتي قنبلة نووية، حيث لم يقترح هيكل على العرب أي شيء بخصوصها، فإن ملخص اقتراح هيكل هو: هم مجانين. فكونوا مجانين أيضًا. واصلوا التقديس والتحريم، لأنهم يواصلون التقديس والتحريم. هذه رؤية شائعة، وبمفادها فلا يفل اليمين غير اليمين. وأنه كلما سارت إسرائيل يمينًا، علينا السير وراءها، علينا محاكاة إسرائيل، لأنه كما انتصر جنونها يومًا، فسينتصر جنوننا نحن في اليوم التالي. ما يطلبه هيكل من العرب هنا هو «الجنون»، لا «المائتا القنبلة النووية التي دعمت جنون إسرائيل».

ردًا على كل الأدلجة الإسرائيلية، اختار المحور العربي تبني الأيديولوجيا أيضًا، المزيد من «التقديس» و«التحريم»، انبهارًا بالنموذج الإسرائيلي ربما، أو تقليدًا له. مثلًا، كان من الممكن التركيز على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ضحايا الحروب الإسرائيلية، وأغلبهم فلسطينيون، ولكن بدلًا من هذا اختار الوعي العربي الجمعي صورة المسجد الأقصى.

قبل 1967، كانت المجازات عن فلسطين تتمحور حول حبات البرتقال من يافا، أشجار الزيتون، اللاجئين واللاجئات والمقاومين والمقاومات من الفلسطينيين، مفاتيح البيوت المتروكة في النكبة، حنظلة وسجل أنا عربي وغيرها. لم تكن هناك بوصلة موحدة، حتى جاءت حرب 1967 والتي احتُلت فيها القدس الشرقية بمسجدها الأقصى، لتعطينا البوصلة.

في العقود التالية، وفي خط منفصل، تنامت هيمنة الإسلاميين في البلدان العربية. وبما أنه كان ثمة اتفاق وطني في جميع البلدان العربية على رفض إسرائيل، فلم يتخل الإسلاميون عن هذا الخط، وإنما اجتهدوا في محاولة تطويعه باستخدام القرآن، أي حاولوا محاربة إسرائيل في ملعبها: الأيديولوجيا.

تحولت القصة من قصة عن طرف مسلح يقتل طرفًا أعزل أو يطرده بعد الاستيلاء على بيته، لتصبح قصة عن حرب «هر مجدون» عملاقة يواجه فيها الإسلامُ اليهوديةَ، بلا أي حل ممكن سوى إبادة أحد الطرفين بشكل شامل. لا تفكير في كيفية إعادة اللاجئ لأرضه، ولا في كيفية التقسيم الذكي والعادل للموارد، ولا في خلخلة البنية التمييزية. كانت الإبادة حلمًا أكثر ملحمية وإبهارًا من مناقشة جميع التفاصيل. اختُزلت جميع حبات البرتقال اليافاوي، المتعددة والمتنوعة، إلى برتقالة واحدة، قبة ذهبية عملاقة باقية للأبد في سماء القدس.

قبة الصخرة

نسي الإسلاميون أمرًا واحدًا، أن القرآن في كثير من آياته يعترف بإسرائيل كدولة لليهود. يعترف بمملكة داود وسليمان، ويعترف بالأرض بوصفها «الأرض الموعودة» لبني إسرائيل، على الأقل قبل أن «ينكث اليهود» بعهدهم مع الله فينكث الله بعهده بدوره. وأي جدال بين مسلم ويهودي مؤمنَيْن حول فلسطين لن يصمد فيه المسلم كثيرًا. ببساطة لأن القرآن لم يعان الحساسيات السياسية من اليهود التي عانيناها في عالمنا اليوم، أو أنه عاناها ولكن بشكل مختلف.

القرآن لن يصلح لمقارعة دولة إسرائيل، لأنه وقت كتابته، أو وقت نزوله، لم تكن هناك دولة باسم إسرائيل. كان هناك يهود «ينكثون بعهودهم» مع الرسول، ولكن بالتأكيد لم يكن هناك استعمار استيطاني يطرد شعبًا ويحلُّ آخر محله. كان هناك «بنو إسرائيل» ولم تكن هناك «دولة إسرائيل».

في التسعينيات، راج شعار على جدران القاهرة، وبمفاده فـ«القدس عربية، رغم أنف الصهيونية». شكل الشعار بالنسبة لي دليلًا شديد القوة على قوة الإعماء الشديدة في الأيديولوجيا. فالواقع يخبرنا أن «القدس صهيونية، رغم أنف العرب». الواقع أن عروبة القدس هي المهزومة هنا، وأن تهويد القدس مشروع لم يتوقف يومًا، رغم أنف العرب. عدم الاعتراف بالهزيمة لا ينفيها.

لسبب ما، رفض العرب الحقائق، رفضوا النظر فيها أو سماعها. خافوا من الكلام عن العدو الصهيوني إلا بالتنديد الغبي، رفضوا حتى التنديد إن حمل مقولات مركبة، لأن التركيب في هذا الموضوع يهدّد بتفكيك الملحمة.

أي أنه بينما كانت الصيغة الصهيونية، كما شرحها هيكل، عبارة عن مقدسات ومحرمات ومائتي قنبلة نووية، فإن الصيغة العربية، كما طلبها هيكل، كانت مقدسات ومحرمات ولا شيء آخر.

أنا أشعر بهذا

في كل الجدالات التي شهدتها مع صهاينة، حول «أحقيتهم التاريخية» في الأرض، تُنحّي جميع الوثائق التاريخية والحجج المنطقية، ليُختزل كل شيء في حجة واحدة: «هذه الأرض يهودية. أنا أشعر بهذا. هذا في الهواء من حولي». وكما يقول مستوطن من الخليل في هذا الفيديو بشكل أكثر فصاحة: «أرض إسرائيل هي أمر يتعلق بالتعليم، بالثقافة، بالدين. هي أمر في القلب. من لا يملكه، فلا يملكه. (يضحك) هل يمكنني إقناع أحد بحب يوهان سباستيان باخ؟ لا يمكنني.»

للحصول على الترجمة العربية، اضغط زر cc أسفل الفيديو

كما يعرف الكثيرون، فالزعماء الصهاينة الأوائل لم يكونوا متدينين قط، وإنما علمانيين، وكانوا يرون العهد القديم باعتباره كتابًا لتاريخ شعب إسرائيل، وليس كتابًا في الدين، «الله غير موجود، ولكنه وعدنا بالأرض»، بنص عنوان شديد الدلالة لمقال للبروفيسور أمنون راز كاركوتسكين.

الزعماء الصهاينة هم أيضًا حاولوا تطويع الأيديولوجيا، انسحقوا أمام الثقل الهائل للعهد القديم، فآمنوا به، حتى وإن صنفوا أنفسهم علمانيين. وكما يعرف الكثيرون أيضًا، فما من وثائق تثبت أن الإسرائيليين حكموا هذه البلاد قديمًا، لا أثر لمملكة داود ولا سليمان في الوثائق التاريخية، باستثناء قليل جدًا من النقوش المختَلف على تفسيرها، وعندما يواجَه الصهاينة بهذا، يستحضرون الحجة النهائية: «أنا أشعر بهذا». كيف يمكن الرد على «شعور»، خاصة إذا كان هذا الشعور مدجّجًا بالسلاح، ولا يتورع عن قتل وتشريد من لا يشعر به؟

إسرائيل نفسها أكبر تجل للأيديولوجيا في التاريخ الحديث. أكبر تجل لما يمكن أن تحققه الأيديولوجيا، وهذا ما أبهر الكثيرين وقت قيامها: أحيت الصهيونية لغة كانت تعد ميتة منذ ألفي عام، وبنجاح شديد، بنت مدنًا جديدة، أقامت كوميونات ومستوطنات تعاونية على النمط الاشتراكي عُرفت باسم «الكيبوتسات». جاء الصهاينة، مدفوعين بحلمهم الجبار، لبناء دولة جديدة، ما كان منها على أنقاض مدن قديمة، أو ما كان منها في الصحراء.

ولكنها في المقابل لم تر العرب. الأيديولوجيا تبني أحيانًا وتُعمي دائمًا.

عرفناهم جيدًا، فقط نسينا أسماءهم!

في لقاء تلفزيوني أجراه برنامج «موكيد» مع دافيد بن جوريون عام 1970، أي بعد انتهاء ولايته بسبع سنوات، أخطأ أول رئيس وزراء لإسرائيل في اسم «غزة»، نطقها «آسيا»، حتى صحح له المحاور اسمها.

ولكن هناك ما هو أهم وأكثر دلالة من هذا، ففي الدقائق الأولى من الحوار، واجهه المحاور بأن الشباب في «أيامنا هذه» لديهم انطباعًا بأن الصهيونية لم تر العرب أبدًا في المكان الذي جاءت لاستيطانه، فما كان من بن جوريون إلا أن دافع عن نفسه وعن الصهيونية:

«هذا غير صحيح. هذا ليس صحيحًا إلا بخصوص شخصية واحدة مهمة في [تاريخ] الصهيونية، هرتسل. هرتسل تقريبًا لم ير العرب…. من أوائل الأمور التي فعلها [حاييم] فايتسمان هو أنه التقى مع ابن الأمير.. (يتلعثم) ، الأمير اليمني.»

يصحح له المحاور: «لم يكن عربيًا من اليمن. سيدي يقصد ابن الشريف حسين.»

يستدرك بن جوريون: «صح، ابن الشريف حسين، فيصل.»

أخطأ مؤسس دولة إسرائيل، الأب الروحي لها، في اسم الشريف حسين، أحد أهم قادة العرب في زمنه، وصفه بـ«اليمني» ولم يتذكر اسمه أصلًا، وهذا بالتحديد في الدقائق الأولى من الحوار، وفي محاولته لإثبات أن الصهاينة كانوا يهتمون بالعرب ويرونهم جيدًا.

للحصول على الترجمة العربية، اضغط زر cc أسفل الفيديو

دومًا ما كنت أرى نشأة إسرائيل وكأن مجموعة من اليهود في أنحاء العالم، يحنون في أشواق خرافية لـ«أرض إسرائيل»، يعرفون كل شبر منها كما وصفه العهد القديم، ويحفطون جميع الأغاني التي تتحدث عن «أورشليم من الذهب» وغيرها. ولأنهم دؤوبون، ولأنهم أذكياء، ولأنهم يحاولون عدم ترك شيء للصدفة، فقد انشغلوا أيضًا بمعرفة جميع السلطات التي تناوبت على حكم فلسطين، يونانيين ورومانيين وبريطانيين وأتراكًا. ولكنهم فقط، لم يعرفوا شيئًا عن أهل البلاد، لم يعرفوا ولا اهتموا بأن يعرفوا، وعندما وصلوا لـ«أرض إسرائيل» المقدسة، فوجئوا بوجود العرب، لم يتوقعوهم، وكي لا تختل النظرية، اختاروا العمى عنهم. العمى أهون من تشوش الأيديولوجيا.

باختصار، مَن مِن الناس، عربًا وغيرهم، يحب أن يأتي آخرون ليسكنوا بينهم، آخرون لا يكلّمونهم، وبالتأكيد لا يستئذونهم في الإقامة بينهم، ولا يرونهم أصلًا، أو لا يرونهم إلا بوصفهم «خدمًا» لهم، وفي أفضل الأحوال بوصفهم جزءًا من الطبيعة البدوية الجميلة، مثلهم مثل الأيائل والغزلان، ثم يقولون لهم فجأة، نحن من الآن دولتكم وعليكم الخضوع لنا، لأننا وجدنا في كتابنا أننا ملكنا هذه الأرض منذ ألفي عام؟

من الكيبوتس إلى المستوطنة

الأيديولوجيا تكون قوة بناءة أحيانًا، تشكل محركًا للتاريخ، ولكنها تعمي، لأنه باختصار، إذا كانت الحجة الأساسية وراء الجدال هي: «صحيح أن العهد القديم لا يقدم الحقيقة التاريخية، ولكن يكفي إيمان اليهود به، يكفي حنينهم لأورشليم طول هذا الوقت»، فإن الرد المنطقي على هذا: «غيرهم يشعر بالعكس». مثلًا: أنا أشعر بقوة بأن أسبانيا عربية. ولست وحدي، تؤيدني مكتبة كاملة من الشعر الجميل والمعمار المبهر والنقوش التاريخية. ما الذي يعنيه هذا؟

تريدون نموذجًا على تحكم الأيديولوجيا في الإنسان أحيانًا، لنفترض افتراضًا جدليًا، ورديًا وحالمًا ورومانسيًا، بأن جميع الأطراف قبلت بـ«بدولة واحدة علمانية لكل مواطنيها عربًا ويهودًا على حد سواء»، فماذا ستُسمى هذه الدولة، «فلسطين» أم «إسرائيل»؟ أعتقد أن «التسمية» هنا ستشغل بال جميع الأطراف أكثر بكثير من ترتيب الأوضاع على الأرض.

تريدون نموذجًا آخر: عادة ما يُربط بين الصهيونية والهولوكست، كيف أن هذه نشأت ردًا على هذا. ولكن التسلسل التاريخي يدلنا على أن مؤتمر بازل الأول للصهيونية، ثم الهجرات الصهيونية الأولى لفلسطين، بدأت قبل الحرب العالمية الثانية بما يقارب النصف قرن.

كان يمكن أن يقال إن الصهيونية نشأت ردًا على «اضطهاد اليهود في أوروبا»، هكذا، بدون هولوكست، ولكن «اضطهاد اليهود»، ليس تعبيرًا دراميًا. «الهولوكست» هو ذروته الأكثر درامية. احتفظ الوعي الجمعي، الإسرائيلي وبعض العربي، بفكرة الهولوكست كمكوّن أساسي في تأسيس دولة إسرائيل. لعب «الهولوكست» دور المانشيت هنا.

قديمًا، حلا لإسرائيل تصوير نفسها كدولة يسارية، دولة حزب العمل ودولة التعاونيات والمزارعين الذين يمسكون الفأس بيد والبندقية بيد، دولة الإنسان الاشتراكي الجديد، القوي والعنيد والواثق بنفسه. مع الوقت، وبالتدريج، أخذت هذه الصورة تنهار، جرت خصخصة الكيبوتسات، ظهرت أحزاب دينية ودينية-قومية، دارت حرب 1967 وبدأ بناء المستوطنات في القدس والضفة الشرقية، وشكلت المستوطنات ثقبًا أسود يجذب التطرف الديني اليهودي بداخله ثم يعيد تصديره لكل أنحاء البلاد. وبالتدريج سيطر اليمين الديني على الشارع الإسرائيلي، حتى وصل لسدة الحكم، ممثلًا في مناحم بيجن من الليكود، عام 1977.

القدس، بالمستوطنات المحيطة بها، والتي لا يرى فيها الإسرائيليون سوى مجرد «ضواحي بريئة» للمدينة، أصبحت هي الممثلة لإسرائيل، المدينة المظلمة أضحت هي الأكثر تمثيلًا لإسرائيل من مدينة النور والبحر والحياة الليلية، تل أبيب.

بدلًا من الصيغة الملتوية للأجداد العلمانيين، والتي بمفادها «الله غير موجود ولكنه منحنا الأرض»، ظهرت صيغة أخرى «الله موجود ومنحنا الأرض لأننا أبناؤه الأحباء، وبالدم والنار سنحرق الفلسطينيين»

عبّرت الأيديولوجيا عن نفسها بصراحة وبوضوح، وبدلًا من الصيغة الملتوية للأجداد العلمانيين، والتي بمفادها «الله غير موجود ولكنه منحنا الأرض»، ظهرت صيغة أخرى «الله موجود ومنحنا الأرض لأننا أبناؤه الأحباء، وبالدم والنار سنحرق الفلسطينيين».

كل قصة إسرائيل، من بدايتها، مغموسة في الأيديولوجيا، وتضحى الأيديولوجيا هذه الأيام أكثر وضوحًا وصراحة. لا تلتف حول نفسها، وإنما تعبّر عن نفسها في هذيان واثق بنفسه، ويعترف به الواقع ليزداد ثقة بنفسه.

القدس، لا تل أبيب، هي عاصمة إسرائيل اليوم. اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، هو اعتراف بالواقع، كما ذكر ترامب، لكنه اعتراف بالواقع وقد فتكت به الأيديولوجيا، اعتراف يمنح الأيديولوجيا المزيد من الحق في تصوير نفسها واقعًا:

نحن نشعر أن أورشليم عاصمتنا، إذن فأورشليم عاصمتنا، لا وجود لآخرين ولا لحقائق متشابكة أو تفاصيل مربكة، لا شيء إطلاقًا سوى مشاعرنا الروحانية وإيماننا الدافئ برب إسرائيل. ثم تعالوا هنا، كيف لا تشعرون كما نشعر؟ كيف تخطف أنظاركم قبة الصخرة العالية وتتعامون عن هيكل سليمان المدفون تحت الأرض؟ أنتم منحازون وغير موضوعيين وغريبو الأطوار، وفي غالب الأحوال لستم بشرًا مثلنا.

اعلان
 
 
نائل الطوخي