Define your generation here. Generation What
عن العمل الجديد لوائل شوقي: أغنية الحروب الصليبية بحناجر خليجية
 
 

«أغنية رولاند النسخة العربية» هي العمل الفني الجديد لوائل شوقي؛ الفنان المصري الذي يعد أحد أبرز الفنانين المصريين المعاصرين. وأغنية «رولاند»، بالأساس من العصور الوسطى، عن موقعة دارت بين جيش شارلمان الملك الفرنسي وجيش الأندلس الزاحف إلى فرنسا، وهي المادة الرئيسية التي يعتمد عليها العرض.

«أغنية رولاند»  أقدم متن تاريخي وُجد، عن موضوع الحروب الصليبية، والذي يعتبر المنبع الأساسي الذي ينسج منه شوقي معظم أعماله الفنية. وكانت متداولة لتحميس جنود الحملات الصليبية في الشرق، لكن هذه المعركة لم تحدث في بلاد العرب، ولكن أهل هذه البلاد (السرسان كما كان يسمونهم الأوروبيون في ذلك الوقت) كانوا هم الغزاة أو الفاتحون، حيث زحفوا من الأندلس لحدود فرنسا.

في العرض الجديد، اختار الفنان وسيطًا جديدًا لعمله وهو المسرح، بعد أن كان الفيديو آرت  video ART وسيطه المفضّل، لمعظم أعماله الفنية المفاهيمية، مما يمثّل تغيرًا نوعيًا في طبيعة أعماله، على مستوى تواصلها بالجمهور، فالفيديو آرت في النهاية وسيط نخبوي نسبيًا، في حال مقارنته بالوسائط الأخرى.

ورغم أن شوقي ينتهل من منبعه المفضل نفسه، إلا أنه هذه المرة لا يحكي قصة موقعة حربية، أو حدث مباشر، كما كان يفعل كل مرَّة مع موضوع الحروب الصليبية، ولكنه يستخدم أغنية سابقة زمنيًا على الحرب، وجرى فقط توظيفها أثناءها، وذلك لإلهاب مشاعر الفرسان القادمين إلى الشرق، لقتال «المسلمين» أو «المحمديين» أو «الوثنيين»، وهي المسميات التي كانت تطلق على المسلمين أزمنة الحلوب الصليبية، حيثُ شاع تصور أن المسلمين «وثنيون» أو «يعبدون محمد».

هل شوقي راوي قصص؟ وكيف كانت روايته عن أغنية رولاند؟

في أغنية رولاند النسخة العربية، وكما يفصح عنوان العرض، سيقدم شوقي هذه الأغنية التي كان ينشدها الصليبيون لتمجيد انتصارهم على العرب وتمجد بسالتهم النابعة من إيمانهم الصادق وأفضلية معتقدهم كمسيحيين على العرب المسلمين؛ بدون زيادة أو نقصان، ولا اشتباك فني أو تشخيص وتمثيل للأحداث. ولكن كيف سيقدمها. كيف ستكون نسخة عربية؟

ترجم شوقي «أغنية رولاند» التي أخذها من عدة مصادر؛ إلى العربية الفصحى. وعلى مدار ساعة كاملة جعل عشرين مغني تراثي (خليجي)، ينشدونها بأسلوب «الفجري»، وهو نوع غناء تراثي في منطقة الخليج العربي، كان مرتبطًا بعملية الغوص لصيد اللؤلؤ؛ النشاط الاقتصادي الأهم لسكان الخليج قبل اكتشاف النفط.

الغناء مقتصر على الرجال فقط. أما الأدوات الموسيقية المستخدمة فهي الآلات الشعبية البسيطة كالطبول الصغيرة، أو القدور الفخارية الكبيرة. بينما خلفية المنظر المسرحي، عبارة عن خريطة مجسّمة وبديعة، مستوحاة من خرائط العصور الوسطى، وتظهر فيها مدن كحَلَب، وبغداد، واسطنبول.

يؤدي المغنون العرض وهم جالسون في أماكنهم، وفي أحيان قليلة يقوم البعض بأداء بعض الحركات الإيقاعية والتصفيق. لم تكن معاني الكلمات واضحة في أحيان كثيرة، نظرًا لاعتماد هذا النوع من الغناء، على خلق نغمة حادة، ما يجعل الصوت يشبه طقوس الصلاة في الكنائس المصرية الأرثوذكسية. وغالبًا يضطر الجمهور لمتابعة معاني الكلمات بالتلصص على الترجمة الإنجليزية المصاحبة.

لكن قرب انتهاء العرض، استُبدِل هذا القالب الغنائي، بآخر، كانت فيه الكلمات أكثر وضوحًا. في كل الأحوال، لم يكن الفهم ليضيف متعة لعملية التلقي، لأن رتابة الغناء ستدفعك لرد فعل من اثنين فقط، فإما ستسحبك للاستمتاع بالغناء، وإما سيصيبك بالانزعاج. كانت الكلمات البارزة، أوالتي تمكنتُ من التقاطها، هي أسماء الأعلام كـ «محمد نبي الإسلام» أو «رولاند» القائد الذي قتل في المعركة، أو «شارلمان» الملك، بالإضافة لبعض العبارات التي تتكلم عن أفضلية المسيحيين، أو قتلى المسلمين.

نعود للسؤال هل روى شوقي قصة ما ؟

بالطبع هناك قصة. فقد قدّم شوقي الأغنية الأصلية كما هي بالضبط، ولكنه خلخل سياقها، وأعاد إنتاجها،  بحناجر خليجية، كأوعية صوتية، لا تتدخل حتى على مستوى الانفعال والمشاعر. مجرد أبواق بشرية. لقد ذكَّر شوقي أوروبا المعاصرة المثقفة، التي اعتذرت عن المعارك الصليبية، بتاريخها في ملاحم العصور الوسطى المظلمة. هنا يغني العدو المسلم أغنية فخر مسيحية تاريخية، يتوجّه محتواها ضده.

من كباريه الحروب الصليبية

أغنية «رولاند النسخة العربية»، حلقة في مشروع وائل شوقي عن الحروب الصليبية، والذي أنتج خلاله ثلاثة أفلام، تحت اسم «كباريه الحروب الصليبية»، تحكي قصصًا تاريخية، يقوم بتشخيصها عرائس ماريونيت. فكما صرّح بعد  أحد العروض في مهرجان المسرح Theater spektakel، في زيورخ، أنّه يفضّل العرائس والأطفال في نقل قصصه، لرفضه التدخل الواعي. هذا ما يفسر استعانته بالفرقة الخليجية الملتزمة بنمط غنائي معيّن لن تحيد عنه، ليظهر المحتوى في شكل أقرب للمادة الخام بدون تهذيب أو إضافات. وغير الأسلوب الغنائي المحدد، فاختيار فرقة خليجية بحد ذاته يضمن نوعًا ما من الانفصال عن المضمون، فممالك الخليج حديثة جدًا، ولم تكن هذه الفترة جزءًا من سياقها التاريخي كالشام ومصر وبغداد.

يتسق الشكل الفني لـ «أغنية رولاند النسخة العربية»؛ مع أطروحة شوقي الفنية العامة المعتمدة على تلقّي نص قديم في سياق غرائبي. لعبة شوقي الفنية الأثيرة، هي مبادلة الأدوار في الرواية الرسمية، فمثلًا يختار لرواية الأحداث في أفلامه، عرائس تنتمي لثقافة ليست عربية، مصنوعة من السيراميك في فرنسا، أو إيطاليا، ويجري على لسانها حوارًا مأخوذًا من أقوال المؤرخ العربي أسامة بن منقذ، والذي يراه شوقي جديرًا بأن تؤخذ روايته على محمل الجد، خاصة لأنها تتبنى وجهة النظر العربية عن الحروب الصليبية، بالإضافة لأنها لم تُقرأ بشكل كافٍ.

ينتقي شوقى حادثة ما، من رواية تاريخية، ويقوم بإعادة إنتاجها وتغليفها بشكل فني، أي يضع فقط إطارًا حولها. فكما اشتغل أندى وارهول، رائد البوب أرت، على «معلبات كامبل»، مثل علبة حساء البازلاء الخضراء، و أعاد إنتاجها  بتقديمها كأعمال فنية، أي خلق لها سياقًا مختلفًا، يصنع شوقي سياقًا جديدًا لسرديات قديمة.

في أعماله الفنية، يتجنب شوقي الدخول المباشر في  الحوار المجتمعي المفتوح في مصر والدول العربية الآن، حول الرموز التاريخية، التي تمتلك سلطة معنوية في حياتنا،  كصلاح الدين الأيوبي، وأحمد عرابي، وابن تيمية، وجمال عبد الناصر، لكن يسعى لخلق مقاربة خاصة به، تلائم تعريفه كفنان مفاهيمي معاصر، يرى دوره ربما ينحصر في وضع إطار جديد حول علبة البازلاء التي يستهلكها الجميع .

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب