Define your generation here. Generation What
تفاصيل مفاوضات اللحظة الأخيرة بشأن «النووي» قبل ساعات من وصول بوتين
 
 
أرشيفية
 

بينما تترقب القاهرة زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المقرر وصوله غدًا الإثنين، اختلفت تقديرات مصادر رسمية مصرية وروسية بشأن احتمال أن تشهد الزيارة توقيع العقود النهائية الخاصة بمشروع المفاعل النووي بمنطقة الضبعة، والذي يفترض أن تبنيه شركة «روس أتوم» بقرض روسي يغطي قرابة 80% من تكاليف الإنشاء.

ففيما أكدت المصادر أن الزيارة ستشمل دفعة سياسية قوية للمشروع العملاق -قد تتمثل في زيارة الرئيسين لموقع المفاعل ووضع حجر الأساس، أو على الأقل توقيع وثيقة سياسية أو مذكرة تفاهم جديدة- فإن المصادر نفسها قالت إن المفاوضات الفنية والمالية بين الجانبين لا تزال مستمرة وقد لا تنتهي إلا مع هبوط طائرة الرئاسة الروسية بمطار القاهرة.

وبحسب مصدر حكومي مصري سبق له التعامل المباشر مع هذا الملف، فقد شهدت الأروقة الحكومية المعنية بتفاصيل عقود إنشاء مفاعل الضبعة نقاشات موسعة ومطولة حول تفاصيل بعضها فني وبعضها مالي، وذلك بعد أن طالبت مؤسسة الرئاسة الجهات المعنية بالانتهاء من إقرار العقود قبل نهاية العام توطئة لزيارة الرئيس الروسي التي لم يعلن الجانبان عنها إلا مساء الخميس الماضي، قبل موعدها المقرر بثلاثة أيام فقط.

وقال المسؤول الحكومي، الذي تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن اسمه، إن جهات حكومية وأمنية -فضلًا عن قسم التشريع بمجلس الدولة- أبدت تحفظات عديدة على العقود الفنية، غير أن رئاسة الجمهورية أبدت حماسًا شديدًا لإطلاق المشروع بصرف النظر عن تلك الملاحظات. وأضاف المصدر أن تلك الجهات اشتركت في تحفظاتها على «لغة العقود الفضفاضة لدرجة كبيرة جدًا، بصورة تعني أن مصر في الواقع تقبل بمسؤوليات ربما تكون مبهمة وربما تكون لها عواقب بالغة الصعوبة من الناحيتين الأمنية والمالية».

وبصورة إجمالية كشف المصدر الحكومي عن عدد من المشكلات الرئيسية في العقود الفنية في ما يخص الجوانب التالية:

  • النفايات النووية، حيث أن العقد ليست به لغة صريحة تتعلق بكيفية التعامل مع النفايات النووية أو الجانب المسؤول عن هذا الأمر أو تكاليف معالجتها والتخلص منها.
  • حق اللجوء للتحكيم، حيث أن اللغة المصاغ بها العقد لا توضح بدقة الحالات التي يحق لمصر فيها اللجوء للتحكيم الدولي في حال ما رأى الجانب المصري إخلالاً روسيًا بما تراه القاهرة من مقررات العقد، بينما يمنح الجانب الروسي مساحة واسعة في ما يتعلق بهذا الحق اتصالًا بما يقرره الجانب الروسي من التزام مصر بمقتضيات الإنشاء والتأمين والتمويل.
  • نسبة الفائدة المطروحة على القرض الذي ستحصل عليه مصر من روسيا في حال التأخر عن سداد الأقساط هي نسبة شديدة الارتفاع، كما أن ضمانات القرض التي تطالب بها روسيا هي ضمانات مكلفة للغاية.

إلى جانب ذلك فإن الجانب الروسي حصل على موافقة مصرية بأن روسيا هي من تقوم بعملية الإنشاء من خلال العمل المباشر أو الاستعانة بجهات أخرى حكومية أو خاصة سواء روسية أو أجنبية، على أن يقوم الجانب الروسي وحده دون حتمية الرجوع للجانب المصري بالاتفاق مع هذه الجهات وتصبح مصر بمقتضى تعهدها مع روسيا ملزمة بقبول تقديم تسهيلات لأية جهة تصل لاتفاق مع الجانب الروسي.

كما أن مصر هي المسؤولة بشكل كامل عن تأمين موقع البناء والعاملين على البناء سواء من الجانب الروسي أو الجهة الحكومية أو الخاصة التي يتم التعاقد معها «على الأرض»، مع احتفاظ الجانب الروسي بحقه في إجراء مراجعات أمنية مع الجانب المصري يقوم عليها فريق أمني روسي بمقتضى اتفاقية منفصلة يتم التفاهم عليها حاليًا بين الجانبين المصري والروسي.

في الوقت نفسه، فإن مصر ستقبل بموجب العقود بأن تقرر روسيا وحدها مستوى المعلومات «السرية للغاية» التي يقوم الجانب الروسي بإبلاغها لنظيره المصري بحسب تقدير الروس لحاجة مصر للمعلومات. كما ستقر بمصر بألا يتم تداول تلك المعلومات داخل الأجهزة المصرية إلا في حدود ضيقة تكون محل اتفاق بين الجانبين. وكذلك فإن الخبراء والفنيين المصريين لن يكون من حقهم المساءلة عن أي تفاصيل فنية أو طلب مراجعة أي دراسات. وإضافة لكل ذلك فإنه لا إشارة لأي مسؤولية على الجانب الروسي في حال حدوث أي شرخ في جسد المفاعل أو حدوث أي تسريب نووي، وهو ما يعني ضمنًا أن الأمر يقع على كاهل الدولة المصرية.

كانت الأسابيع القليلة الماضية قد شهدت تحركات مصرية متسارعة لتمهيد الطريق لتوقيع العقود الفنية الخاصة بالمشروع. فقد عقد مجلس النواب المصري جلسة عامة طارئة في 27 نوفمبر الماضي، وافق خلالها على ثلاثة مشروعات قوانين تقدمت بها الحكومة، وهي قانون إنشاء الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء، وتعديلان لكل من قانون إنشاء هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء وقانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية.

وخلال الجلسة التي انعقدت في أعقاب مذبحة مسجد الروضة بشمال سيناء في يوم 24 نوفمبر، صرح رئيس المجلس، علي عبد العال، بأن هناك حاجة إلى سرعة إصدار هذه القوانين. وبالفعل وافق المجلس على القوانين الثلاثة في جلسة واحدة، لتنشر القوانين في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 نوفمبر.

تأتي موافقة البرلمان على هذه القوانين رغم أنه لم يناقش أو يصدق حتى الآن على اتفاقية القرض الروسي البالغ قيمته 25 مليار دولار لتمويل المشروع، رغم توقيع رئيس الجمهورية على اتفاقية القرض في إبريل 2016 ونشرها في الجريدة الرسمية في الشهر التالي.

وفي الأسبوع الماضي أعلنت وسائل إعلام روسية أن شركة المركز الفيدرالي للسلامة النووية والإشعاعية الروسية التابعة لـ «روس آتوم» قد أبرمت اتفاقًا مع مصر لبناء مستودع لتخزين الوقود النووي المستنفد لمحطة الضبعة المستقبلية.

وبرغم كل تلك التحركات، فقد كان من اللافت أن البيان الصادر عن الكرملين مساء الخميس الماضي بشأن زيارة الرئيس الروسي للقاهرة لم يتضمن أي إشارات إلى توقيع عقود الضبعة أثناء الزيارة. واكتفى البيان الروسي بالإشارة إلى أن برنامج الزيارة سيتناول «تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات السياسة والتجارة والاقتصاد والطاقة والشأن الإنساني»، إضافة إلى «استقرار وأمن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».

وردًا على سؤال من «مدى مصر» حول ما إذا كان التعاون في مجال الطاقة، المذكور في البيان، سيشمل توقيع عقود الضبعة، أجاب مصدر دبلوماسي روسي بكلمة واحدة: «سنرى».

في شأن متصل، ظهر قدر من التضارب صباح اليوم الأحد بشأن الموعد الدقيق لوصول الرئيس الروسي إلى القاهرة. فبينما أعلن الجانبان المصري والروسي عن إتمام الزيارة غدًا الإثنين، إلا أن المصدر الروسي الحكومي تحفظ على تحديد موعد الوصول بعد إعلان أنقرة عن زيارة يقوم بها بوتين لتركيا في اليوم ذاته.

وقال دبلوماسي تركي تحدث لـ «مدى مصر» عبر الهاتف من أنقرة إنه على اﻷرجح سيصل بوتين إلى العاصمة التركية ظهر الإثنين ويغادرها صباح الثلاثاء «علي الأقل حسب المُجدول حتى الآن»، لافتًا إلى أن تعديل الجدول بفرق بضعة ساعات وارد دومًا حسب ارتباطات الضيوف.

فيما قال دبلوماسي مصري -اشترط عدم ذكر اسمه- إن ما جعل الزيارة ممكنة أخيرًا هو أن «الأسابيع الماضية شهدت تقدمًا لا يستهان به إزاء عدد من مجالات التعاون المشترك، ليس أقلها في المجال العسكري»، وأضاف أن هناك مسائل تم الاتفاق عليها بصورة شبه نهائية وأخرى ما زالت قيد النقاش، «ولكن الرئيس السيسي كان واضحًا في رغبته في تعزيز العلاقات مع روسيا منذ البداية، وكانت هناك بعض الصعوبات ويبدو أنها في طريقها للحل بدعم سياسي مباشر من قبل الرئيسين».

كان وزير الدفاع الروسي قد زار القاهرة قبل أقل من أسبوعين، حيث أبرم اتفاقًا مبدئيًا مباشرًا مع الرئيس المصري على أن تسمح مصر للطائرات الحربية الروسية باستخدام قواعد مصرية، وهو الأمر الذي تم الإفصاح عنه من الروس، بينما لم تعلق عليه السلطات المصرية التي اكتفت ببيان صادر عن مؤسسة الرئاسة يشير إلى تعاون مشترك بين البلدين للحفاظ علي سلامة الأقطار العربية.

وأشار مسؤول حكومي رفيع المستوى -سبق أن تعرض مباشرة لهذا الملف قبل أن يتقاعد قبل سنوات قليلة- إلى أن العديد من أجهزة الدولة أبدت تخوفها إزاء تكاليف المشروع والمخاطر المحتملة له «بصورة لا تحتمل التأويل»، وأن تلك الجهات عبرت عن تحسب سياسي لا يستهان به إزاء المشروع، ليس فقط من حيث التكاليف والمخاطر المحتملة، ولكن أيضًا في ما يتعلق بمدى الحاجة إليه الآن ومدى قدرة مصر على الالتزام بالمزيد من القروض الضخمة. وقال المسؤول إن «الأمر فيه قدر كبير من عدم التريث، وليس من الواضح ماذا ستجني مصر من هذا الأمر خاصة، وأن ما يقوله المسؤولون الروس تكرارًا هو أنهم ليسوا من الوارد ربط أي توقيع على هذه العقود بإعادة السياحة الروسية لمصر»، والتي توقفت قبل نحو عامين في أعقاب تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء في أكتوبر 2015.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان