Define your generation here. Generation What

من آبائنا إلى أبنائنا.. كيف نربّي ونتربَّى؟ عن تهذيب الكلام المصاحب للأبوة

كنتُ في الرابعة من عمري، وكان أحد أقاربنا يحَثّني على تناول الطعام في بيته، حين قال مداعبًا، مثلما يحدث مع الأطفال عادة: «كُل يا حمار». لكنني، حسب حكاية أمي، لم أفعل.

شعرتُ بأن طريقة الطلب غريبة، فخرجتُ باكيًا وراغبًا في مغادرة المكان. تروي أمي الموقف لتدلّل على تربيتها الجيدة، وزراعتها للأخلاق في وعيي صغيرًا، أو أنها بروايتها للحكاية كانت تدعوني لأن أكون مهذبًا مثلما كنتُ.

مع الوقت قمت بصناعة الموقف، أسّسته في ذاكرتي بناء على ما حكته لي.

تخيّلت شكل بيت مضيفنا، مَن نُسب إليه القول، في بيته بوادي حوف بضاحية حلوان، المكان الذي تركوه فيما بعد، شكل الرجل وهو أكثر شبابًا، وطريقة نطقه لحروف الجملة. أفكر فيما شعرتُ به وقتها؛ ألا يفترض بنفسي الصغيرة اللجوء، بشكل غريزي، نحو أمي أو أبي، بدلًا من الهروب من المنزل الذي حللنا ضيوفًا عليه؟ تحتوي الحكاية إذن على مبالغة، وذلك لغرض آخر غير التذكير.

تعتمد التربية على غرز مواقف وأفكار، مع دعمها بحكايات من هذا النوع. بعض المواقف قد لا نتذكرها، وفي الغالب تُصنع بالكامل من جانب الأهل. تكون المواقف قصصًا أدبية، لكنها تحمل رسالة أخلاقية واضحة، لا يعلنها الآباء لأبنائهم، قوامها الحب والخوف.

من جانبنا نصدّق الأفكار والحكايات عن طفولتنا، أملًا في الشعور بالكمال، ومحاولةً للتواصل أكثر مع أنفسنا. ونحن نربي ولدنا؛ نبدأ مما نظنه أسلوبًا أكثر عصرية وذكاءً وحبًا من النسخة التي تمردنا عليها من التربية. وبينما نتعامل مع الإنسان الجديد نؤلف قصصًا لأهداف أخلاقية/ تربوية جديدة.

الكلام ليس نصًا واحدًا وُزّع بين الناس. الحياة مُعقدة، وتحمل مستويات أكثر عفوية من كونها حدثًا كُتب بشكل مسبق

بعدما صرت أبًا بدأتُ أقبل ما كنت أكرهه؛ الآن أصدق حكاية أمي، ليس لأنها حدثت، وإنما لأنها تعبر عن رؤيتها للتربية، تلخصها في موقف، أو هكذا ظنت هي. أجدها مؤلفة قصص بطريقة ما.

أذكر حرص أمي وأبي على عدم نطق أي شتائم أمامي، وتعمدهما عدم نطقي لما يُعد سبًا. هذا ما يبرر قصة رفضي لوصف «الحمار»، هنا كانت بذرة قصة أمي.

الآن نطلب، زوجتي وأنا، من ولدنا ألا يستخدم ألفاظًا تسيء لأطفال آخرين. وجدنا أن وصف «الطفل الشّتَام»، ليس ما نريد للناس الإشارة به إلى ولدنا.

نحاول ضبط الكلام، ونحن نواصل التربية. لكن هذا صعب.

الكلام ليس نصًا واحدًا وُزّع بين الناس. الحياة مُعقدة، وتحمل مستويات أكثر عفوية من كونها حدثًا كُتب بشكل مسبق.

دائمًا كان هناك تحرر وارتجال وتمرد وهفوات، وكلام قيل في غير وقته، وآخر متبوع بندم، وفهم خاطئ للمعاني المقصودة، وتعبيرات لم تُصغ جيدًا عند نطقها. الكلام ليس مجرد تعبير ينطقه شخص واحد، وإنما يخرج مدفوعًا بتربية هذا الشخص، ووعيه وخبرته. يولد من رغبات، ويُشحَن بخلفيات ثقافية متداخلة، وبتاريخ من التفسير والفهم الخاطئ المحتمل. الكلام سياق معقد يخضع لأعصاب وانضباط كذلك.

التاريخ، مثلًا، يعيد ضبط الكلام ويسجّله مرة أخرى، وأحيانًا مرات، حتى يصبح منضبطًا، والسؤال: منضبط بالنسبة لمَن؟

لهذا دائمًا ما نشك في التاريخ ونعيد البحث فيه وتأمله.

الكلام وقوده التعبير، واستخدامه يخلق مرادفات جديدة. اللغة مثلًا بلا ضفاف، تاريخ من محاولات ضبط الحروف لتعبّر عما نريده وما نقصده بالكلام. كلما أبحرنا في المعجم أو المعاني المتولدة من نحت الكلمات سنجد كلامًا لا نعرفه وقد يكون استخدامه أدق، إلا أننا، نحن مَن ننطق ونكتب اللغة، تغافلنا عنه حتى صار غامضًا لأبناء اللغة نفسهم.

ننقل لغتنا الدارجة، المنطوقة من جانب الأم والأب في بيوتنا، إلى الوافد الجديد لندمجه في الجماعة الناطقة بها.

معان مختلفة للشتيمة

إذا فكرنا في الوطن/ الجماعة، بدلًا من الفرد وأسرته، سيصبح الأمر أكثر تعقيدًا وإرباكًا.

هل هناك اتفاق بين جميع المصريين، ما يزيد على 100 مليون إنسان، حول الأمور المسموح بالكلام عنها أو الأخرى غير المرحب بها؟ وبأي أسلوب؟ ما الذي يمثل إجماعًا لدينا؟ كيف يشعر أحد ما أنه ضمن جماعة محددة، وفي الوقت نفسه يلتزم بما تضعه هذه الجماعة من قواعد غير متفق عليها ولا واضحة للجميع؟

مؤخرًا بدأت أمي تنطق ألفاظًا كانت تمنعنا من قولها. في حين كانت جدتي تستخدم كل ما تنهاني ابنتها عنه. كان الجلوس بالقرب من جدتي، وهي تجري مكالمة غاضبة، أشد خطورة من كل ما نسمعه ونقوله

في كل بيت، نُربّى على عدم قول كلمات محددة، ثم نتمرد على ما رُبّينا عليه أو على بعضه. وفي بيتنا، الآن، نتكلم بحرية أكبر حينما يكون ولدنا نائمًا.

مؤخرًا بدأت أمي تنطق ألفاظًا كانت تمنعنا من قولها. في حين كانت جدتي تستخدم كل ما تنهاني ابنتها عنه. كان الجلوس بالقرب من جدتي، وهي تجري مكالمة غاضبة، أشد خطورة من كل ما نسمعه ونقوله ونحن نلعب في الشوارع. صارت كلتاهما، مع فارق زمني عمره جيل، أكثر تحررًا في اختيار الكلمات.

حين نشتم نتخلى عن الأداء السلوكي المنضبط، يقرر الشّتَامون الخروج عن الرزانة، عدم الحديث بشكل متزن.

يتخلى الشّتَام عن النفاق الاجتماعي كذلك، يعلن الحرب عليه.

يدخل مغامرة كلامية غير مضمونة النتائج، قد تتطوّر لتصبح شجارًا عنيفًا، ويتمرد على الأُسس المُدّعاة للكلام بين الجماعة.

يُفترض أن أي جماعة تحدّد مساحاتها المسموح بالكلام فيها، والأخرى التي لا يُسمح للألسن بخوضها.

بين حين وآخر، بدأت أنسى متى كانت آخر مرة دخلت فيها في معركة كلامية. صرت أميل للتفكير والانسحاب؛ أعيش في حماية ودفء النفاق الاجتماعي. بشكل شخصي لم أعد أحتمل ألا أكون آمنًا، مضمون الجانب، ألا يتخذني أحد هزوًا. صرت أفضّل أن يكون التعامل بيني وبين الناس في حدود اللباقة، وإن شاب ذلك الكذب. هل أسعى للانخراط في الجماعة؟ هل ولّى زمن التمرد؟

تفرض الجماعة عقوباتها علي مَن لا يلتزم بكلامها وأسسه. يتجسد ذلك في حرب كل متمرد مع أسرته، ومن خلال عقوبات الحبس التي تفرضها القوانين في حال دخول الكلام المنفلت من قواعد الجماعة إلى المحاكم.. تفترض الجماعة وجود قواعد للكلام، في حين يعد ذلك مستحيلًا.

داخل الأسرة الواحدة قد يكون هناك اتفاق على قواعد حول ما يقال وما لا يقال، إلا أن أفرادها لن يفعلوا ذلك دائمًا، ولن يلتزموا به كلما تكلموا.

في الجماعة التي تتكلم مع بعضها البعض بلغة واحدة، نكون أمام تصوّر خيالي عن الإنسان المهذب الذي يُربّى على يد مَن تربوا وفق أُسس وأخلاق هذه الجماعة، وتلزمه الأخيرة بعدم الكلام بطرق محددة أو في موضوعات معينة.

رسمت الجماعة حدودها، خطوطها التي لا يمكن تجاوزها؛ التحدث بلغة واحدة، الحياء، الآداب، الأصول.

«ونيس»: أبنائي أحبائي فلذات أكبادي!

في طفولتنا، قدّم التليفزيون المصري مسلسل «يوميات ونيس»، (الموسم الأول 1994)، ثم توالت أجزاؤه ليكتمل مع الثامن.

أذكر الحماس للمسلسل في دوائر عائلتنا، والثناء الأبوي على أداء الممثل محمد صبحي، ليكون بمفاده «يوميات ونيس» هو الفن، وغيره هزل.

لا أجد نموذجًا لمعنى قواعد الجماعة بالنسبة للكلام، أفضل مما قدمه صبحي في دفاعه عن قيمة الأخلاق في المجتمع.

يدعي ونيس ملكيته لمعرفة كلية، دون شكوك أو مساءلة أو بحث عما إذا كان تدعيم سلطة أخلاق المجتمع، رغم كل تنوعاته، وتباين أفراده، لن يضر أحدًا. لا يخاف من أثر ذلك على الحريات والخصوصيات، ولا يفكر في وجود أفكار أخرى غير ما يبرر به تميزه ورقيه، وغير حججه الناجعة دومًا.

مع توالي الأحداث يُبنى المسلسل على شخصية واحدة تُلزم أسرتها وجميع شخصيات المسلسل بالخضوع لمنطقها، لأنها الوحيدة التي تعرف أفضل طريقة للعيش

في مقدمة المسلسل تنطلق شخصية ونيس من نقطة هامة، أن الوالدين، أثناء تربيتهما لأولادهم الأربعة، وجدا أنهما يتعلمان أشياء جديدة، ويربيان نفسهما من جديد.

لكن مع توالي الأحداث يُبنى المسلسل، الذي ألفه محمد صبحي ومهدي يوسف، على شخصية واحدة تُلزم أسرتها وجميع شخصيات المسلسل بالخضوع لمنطقها، لأنها الوحيدة التي تعرف أفضل طريقة للعيش.

يدعونا ونيس إلى الإيمان بالأخلاق والقيم. يلمس الأوتار التي نادت بها الأديان ودعمتها. سنجد ما يدعو للتآزر والتمسك بترابط الأسرة، إلى جانب احترام الكبار، وفي المقابل تربية الصغار ومعاقبتهم دون عنف.

كان ونيس يزور المرضى، ويتعامل مع الجيران بود، إلا أنه كثيرًا ما كان يتدخل في شؤونهم دون مراعاة للخصوصية. كان أداؤه خلاصة الأخلاق في هذا الزمان.

لم نلمح أحدًا في المسلسل يمس العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، كأنه يلتزم بأفكار الدولة المُدّعاة حول التدين وعدم الصدام أو الجدال بين المتدينين. لم يدخل مناطق شائكة أو قضايا خلافية مثل وجود أقليات أخرى، كالبهائيين أو الشيعة أو الكلام بشأن العلاقات خارج مؤسسة الزواج، أو ما هو أبعد من هذا.

كان ونيس دارسًا للقانون، ويعمل مستشارًا للشؤون القانونية، ليصبح فيما بعد المحامي ونيس أبو الفضل جاد الله.

أفكر، بعيدًا عن المسلسل وأجزائه، كيف أصرّ محامون على تربيتنا عبر قضايا رفعوها ضد فنانين وكُتّاب. كنّا نظن أنهم مجرد محبين للشهرة، لكنهم كانوا يربون الضالين من أفراد المجتمع، الخارجين عن الجماعة وقواعدها غير المعلنة.

كان ونيس شخصية درامية ضعيفة وبائسة، تمكن السخرية منها، لكن خارج المسلسل هناك من يرغبون في السيطرة الشاملة على كل شيء في حياتنا، كما نرغب نحن أحيانًا في السيطرة على أطفالنا.

داخل بيوتنا الجديدة، وبأثر رجعي، ننكب على ترتيب ما كان يحدث في الأخرى القديمة. نصيغ مبررات منطقية لتربيتنا، حسب تصوراتنا بأننا نعي العالَم، ونجرب ما نعتبره الأفضل في المواقف المتتالية، وفي الاختبارات المفصلية السريعة المستمرة. بينما يريد المحافظون أن يكونوا قدوة للآخرين، أن يكونوا متبوعين منّا. ليس حبًا في الآخرين، وإنما إخلاصًا لتصورات تخصهم هم أنفسهم.

أفكر أنهم يودون أن يكون العالم أسيرًا للحظة محددة. أن يجعلوه مناسبًا لزمن الآباء، ويجري وفقهم.

العالم كان أفضل حسب حكايات الأم والأب، لكن الفارق أن الشخصية ذات الأفكار المحافظة لا تريد التخلي عن تطبيق العالم حسب هذه الصورة الأبوية بحذافيرها، أن تلعب دور الأب، وتعود بنا إلى الماضي.

الرجوع لعالم الطفولة، أمر نتشاركه جميعًا، حتى مع المحافظين. هذا الحنين إلى بيت العائلة أو إلى طفولتنا ببساطتها؛ الركون لتصور ثابت للعالم وطرق التصرف في الدنيا، إذا أردنا أمرًا سألنا أمّنا أو أبانا للمساعدة.

صاغ والدا كل منّا العالم، هكذا نتصور، نظن أن العالم كان يجري حسب ما حكته أمي، وما رواه أبي، لكن هذا لم يكن العالم. هذا حنيننا نحن لتربية أهلنا، وقد تخلينا، مع الوقت والتجارب، عن هذا التصور الساذج، هكذا نفترض.

لكن الجماعة تتلاقى مع هذا التصور، في حنينها لصورة ملفقة ومصنوعة من جانب الآباء حتى يطمئنوا على أولادهم الصغار، ليجعلوا العالم مكانًا جميلًا رتبوه لهم.

يتمسك المحافظون من الجماعة بما حكاه لهم آباؤهم حينما كانوا أطفالًا لطمأنتهم، وإن لم يوجد هذا العالم إلا في حكايات الأباء، دون أن يدري الصغار، رغم أن كثيرًا منهم قد كبر، أن هذا لم يكن إلا كذبًا لأغراض تربوية.

في كل الأحوال، يتبقى أمامنا خياران، الاندماج أو التجريب وامتلاك الجرأة على الاعتراف لولدنا بأخطائنا.

اعلان